ومن يكون قد رد على غيره من الطوائف الذين هم أبعد عن السنة منه؛ فيكون محمودا فيما رده من الباطل، وقاله من الحق، لكن يكون قد جاوز العدل في رده بحيث جحد بعض الحق وقال بعض الباطل، فيكون قد رد بدعة كبيرة ببدعة أخف منها، ورد بالباطل باطلا بباطل أخف منه (1) ، وهذه حال أكثر أهل الكلام المنتسبين إلى السنة والجماعة، ومثل هؤلاء إذا لم يجعلوا ما ابتدعوه قولا يفارقون به جماعة المسلمين، يوالون عليه، ويعادون، كان من نوع الخطأ والله سبحانه يغفر للمؤمنين خطأهم في مثل ذلك " (2) ، والانحراف بعضه أخف من بعض ف- " قد يكون الرجل على طريقة من الشر عظيمة، فينتقل إلى ما هو أقل منها شرا وأقرب إلى الخير، فيكون حمد تلك الطريقة ومدحها لكونها طريقة الخير الممدوحة، مثال ذلك: أن الظلم كله حرام مذموم، فأعلاه الشرك فإن الشرك لظلم عظيم، والله لا يغفر أن يشرك به وأوسطه ظلم العباد بالبغي والعدوان، وأدناه ظلم العبد نفسه فيما بينه وبين الله … وهكذا النحل التي فيها بدعة، قد يكون الرجل رافضيا فيصير زيديا، فذلك خير له، وقد يكون جهميا قدريا فيصير جهميا غير قدرى، أو قدريا غير جهمي، أو يكون من الجهمية الكبار، فيتجهم في بعض الصفات دون بعض ونحو ذلك" (3)
ومن قواعد إنصافه أنه لا يبرىء بعض أهل السنة من المحدثين وغيرهم من الوقوع في الخطأ فيقول: " لكن يوجد في أهل الحديث مطلقا من الحنبلية وغيرهم من الغلط قي الاثبات أكثر مما يوجد في أهل الكلام، ويوجد فى أهل الكلام من الغلط فى النفى أكثر مما يوجد في أهل الحديث.... " (4) .
تلك قواعد في منطلقه في الانصاف والعدل، وهي التي مهدت لشيخ الإسلام ليتميز بمنهج سليم في هذا الباب، أما الذين ينطلقون في ردودهم الخصوم على أساس أن الحق معهم أو مع طائفتهم، وأن طائفتهم لا يقع فيها خطأ--------------------------------------------
(1) كذا، ولعل العبارة: ورد الباطل بباطل أخف منه.
(2) مجموع الفتاوى (3/348-349) .
(3) الاستقامة (1/ 464- 465) .
(4) تفسير سورة الاخلاص، مجموع الفتاوى (17/363) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 308)
ولا انحراف، وأن خصومهم على الباطل، وأقوالهم كلها باطلة -هكذا بإطلاق- فهؤلاء لابد أن يقعوا في الخطأ أو باقتراب شيء من الباطل ونسبته إلى الحق، أوجحد شيىء من الحق لأن الخصوم قالوا به.
وننتقل الآن إلى ذكر نماذج من إنصافه لخصومه، والفلاسفة هم أشد خصوم ابن تيمية ومع ذلك يقول فيهم "نعم، لهم في " الطبيعيات" كلام غالبه جيد، وهو كلام كثير واسع، ولهم عقول عرفوا بها ذلك، وهم يقصدون الحق لا يظهر عليهم العناد، لكن جهال بالعلم الالهي إلى الغاية، ليس عندهم منه إلا قليل كثير الخطأ " (1) ،كما يذكر أنهم يتفاوتون في القرب والبعد عن الحق (2) . ويعترف للمعتزلة ويميزهم عن غيرهم من أهل البدع فيقول: " ولا ريب أن المعتزلة خير من الرافضة والخوارج، فإن المعتزلة تقر بخلافة الخلفاء الأربعة … ويعظمون الذنوب، فهم يتحرون الصدق كالخوارج، لا يختلقون الكذب كالرافضة ولا يرون أيضا اتخاذ دار الاسلام كالخوارج، ولهم كتب في التفسير القرآن ونصر الرسول، ولهم محاسن كثيرة يترجحون على الخوارج والروافض … ) (3) ، ويرى أنه لم يكن أصل دينهم تكذيب الرسول لكنهم احتجوا بحجج عقلية أدت الى هذا (4) .
أما الشيعة فيرى أنه "ليس كل ما أنكره بعض الناس عليهم يكون باطلا بل من أقوالهم أقوال خالفهم فيها بعض أهل السنة ووافقهم بعض، والصواب مع من وافقهم، ولكن ليس لهم مسألة انفردوا بها أصابوا فيها " (5) ، ولما ذكر تفضيل الخوارج والمعتزلة عليهم ذكر " أن الزيدية من الشيعة خير منهم [أي من الرافضة] ، وأقرب إلى الصدق والعدل والعلم) (6) ، ثم قال: " ومع هذا--------------------------------------------
(1) الرد على المنطقيين (ص: 43) .
(2) درء التعارض (9/276)
(3) الفرقان بين الحق والباطل، مجموع الفتاوى (13/97-98) .
(4) انظر: درء التعارض (7/106-107)
(5) منهاج السنة، تحقبق: رشاد سالم (1/27) .
(6) المصدر السابق- مكتبة الرياض الحدينة (3/39) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 309)
فأهل السنة يستعملون معهم العدل والإنصاف ولا يظلمونهم، فإن الظلم حرام مطلقا بل وأهل السنة لكل طائفة من هؤلاء خير من بعضهم لبعض، بل هم للرافضة خير وأعدل من بعض الرافضة لبعض، وهذا مما يعترفون هم به ويقولون: أنتم تنصفوننا ما لا ينصف بعضنا بعضا" (1) .
أما أهل الكلام فكثيرا ما يفضلهم على الفلاسفة، ويرى أنهم أقل انحرافا منهم (2) .
فإذا انتقلنا إلى إنصافه للأفراد، فابن سينا الذى رد عليه كثيرا وذكر عبارات قاسية في الرد عليه يقول عنه: إنه أفضل متأخرى الفلاسفة (3) ، ولما نقل من كلامه في الإشارات والتنبيهات حول مقامات العارفين، ذكر أن فيه حقا وباطلا، وأن ما فيه من حق يقبل، ولما نقل كلامه قال: إنه كلام صحيح (4) . ولما خالف ابن سينا بقية الفلاسفة في مسألة علم الله مدحه شيخ الإسلام وقال:
" وكون ابن سينا خالفهم في هذا هو من محاسنه وفضائله، التي علم فيها ببعض الحق، والحجة معه عليهم، كما أن أبا البركات كان أكثر إحسانا منه في هذا الباب فكل من أعطى الأدلة حقها، وعرف من الحق ما لم يعرفه غيره كان ذلك مما يفضل ويمدح " (5) ويذكر أن "الصواب في هذا الباب أن يقرر ما ذكره ابن سينا من الطريق الدال على كونه عالما بالمخلوقات فإنها طريق صحيحة … " (6) . ويمدح أبا البركات البغدادي (7) صاحب المعتبر ونحوه ويرى أنهم " كانوا بسبب عدم تقليدهم لأولئك [أى الفلاسفة] ، وسلوكهم طريقة النظر العقلي--------------------------------------------
(1) منهاج السنة (3/39) .
(2) انظر الرد على المنطقيين (ص: 395) ، والصفدية (1/161-162) ، ودرء التعارض (7/143) .
(3) انظر: النبوات (ص: 7) ، ودرء التعارض (10/44) .
(4) انظر: درء التعارض (6/59) .
(5) انظر: درء التعارض (10/140) .
(6) انظر: درء التعارض (10/146) .
(7) هو: هبة الله بن علي بن ملكا، كان يهوديا فأسلم، ولد نحو سنة 480 هـ، وتوفي سنة 560 هـ عيون الأنباء (ص: 374) ، ووفيات الأعيان (6/74) ، وأخبار الحكماء للقفطي (ص: 224)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 310)
بلا تقليد، واستنارتهم بأنوار النبوات أصلح قولا في هذا الباب من هؤلاء وهؤلاء، فأثبت علم الرب بالجزئيات ورد على سلفه ردا جيدا، وكذلك أثبت صفات الرب وأفعاله وبين ما بينه من خطأ سلفه، ورأى فساد قولهم في أسباب الحوادث، فعدل عن ذلك إلى أن أثبت للرب تعالى ما يقوم به [من] ، الارادات (1) الموجبة للحوا دث " (2) .
وابن عربى- الصوفي- يرى أنه أقرب الاتحادية إلى الاسلام " لما يوجد في كلامه من الكلام الجيد كثيرا، ولأنه لا يثبت على الاتحاد ثبات غيره، بل هو كثير الاضطراب فيه، وإنما هو قائم مع خياله الواسع الذى يتخيل فيه الحق تارة والباطل أخرى، والله أعلم بما مات عليه " (3) ، ويرى أنه أقرب إلى الإسلام لأنه " يفرق بين الظاهر والمظاهر، فيقر الأمر والنهي والشرائع على ما هي عليه" (4) ومع ذلك فقد رد عليه وبين ما في كلامه وأقواله من الكفر.
والطوسى لما بين مخازيه، وتآمره مع هولاكو ضد أهل الإسلام قال:"ومع هذا فقد قيل: إنه كان آخر عمره يحافظ على الصلوات ويشتغل بتفسير البغوي والفقه ونحو ذلك، فإن كان قد تاب من الإلحاد فالله يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات والله تعالى يقول: {يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا} [الزمر: 53] " (5) .
هذه نماذج لمواقفه من خصومه وإنصافه لهم، وهنا يرد السؤال الذى يطرحه بعض من يترجم لابن تيمية وهو: كيف يوجه شدة ابن تيمية على " خصومه في مواضع، ثم رفقه بهم في مواضع أخرى؟.--------------------------------------------
(1) في طبعة رشاد سالم- الارادات- بدون "من"، والتصويب من طبعة مكتبة الرياض الحديثة (1/128)
(2) منهاج السنة، تحقيق: رشاد سالم (1/247) .
(3) حقيقة مذهب الاتحاديين- مجموع الفتاوى (2/143) .
(4) رسالته الى نصر المنبجي، مجموع الفناوى (2/470- ا 47) .
(5) منهاج السنة النبوية- مكتبة الرياض الحديثة- (2/123) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 311)
والإجابة عن هذا السؤال واضحة لمن يتتبع منهج شيخ الإسلام وطريقته في الرد على خصومه.
أ- فشيخ الاسلام يفرق بين الأشخاص والأقوال، فإذا كان في مقام الرد على إحدى المقالات الفاسدة، نقضها بقوة، وردها إلى أصولها الأخرى الفاسدة، وشنع على من يعتقد مثل هذا الكلام، ويستدل بهذا الدليل الفاسد، ومن ثم يكون موقفه قويا وشديدا في سبيل نصرة الحق ورد الباطل، أما حين يتجه إلى صاحبها فقد يكون رجع عن هذه المقالة، أو تاب في آخر عمره، ومن ثم فلابد من إنصافه.
ب- ثم هو-رحمه الله إذا رد إحدى المقالات الباطلة رد على المقالة نفسها فنقضها ونقض ما فيها من استدلال، وشنع على من قال بها فيشتد في موقفه، لكنه حين يحكم على الأشخاص لا يحكم عليهم من خلال هذه المقالة الفاسدة التي ردها، وإنما ينظر إليهم نظرة متكاملة فيرى أن لهذا الشخص جهودا في الرد على النصارى، أو الفلاسفة، أو الرافضة، أو الجهمية، فيمدح أقواله تلك ويمدحه لأجلها. وهكذا
9- وأخيرا نشير إلى لمحات في منهجه:
أ- فهو يقرن الأمور العلمية بالعملية، وكانت حياتهكما أسلفنا- قائمة على هذا، ولهذا فهو مع ردوده على أصحاب وحدة الوجود- الذين كانوا كثيرين في عهدهـ يقول: " ويجب عقوبة كل من انتسب إليهم، أو ذب عنهم أو أثنى عليهم، أو عظم كتبهم، أو عرف بمساعدتهم، ومعاونتهم، أو كره الكلام فيهم، أو أخذ يعتذر لهم بأن هذا الكلام لا يدري ما هو؟ أو من قال إنه صنف هذا الكتاب؟ وأمثال هذه المعاذير التى لا يقولها إلا جاهل أو منافق، بل تجب عقوبة كل من عرف حالهم ولم يعاون على القيام عليهم، فإن القيام على هؤلاء من أعظم الواجبات، لأنهم أفسدوا العقول والأديان علي خلق من المشايخ والعلماء والأمراء، وهم يسعون في الأرض فسادا ويصدون عن سبيل الله، فضررهم في الدين أعظم من ضرر من يفسد على المسلمين دنياهم ويترك دينهم كقطاع الطريق، وكالتتار الذين يأخذون منهم الأموال ويبقون لهم دينهم" (1) .--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (2/132) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 312)
ولما سئل عمن يقول: إن رد أحمد بن حنبل على اللفظية كان خوفا من الناس أجاب بجواب طويل، لكنه قال في البداية: " بطلان هذا يعلمه كل عاقل بلغه شيء من أخبار أحمد، وقائل هذا إلى العقوبة البليغة التي يفترى بها على الأئمة أحوج منه إلى جواب … " (1) .
ب- ويرى أن بعض المسائل الفرعية التى وقع فيها الخلاف لا ينبغي مفاتحة عوام المسلمين فيها وامتحانهم حولها، ومن ذلك مسألة رؤية الكفار لله، فهو يقول في رسالته إلى أهل البحرين حول هذه المسألة وغيرها " وهنا آداب تجب مراعاتها … ومنها،: " وكذلك لا يفاتحوا فيها عوام المسلمين، الذين هم في عافية وسلام من الفتن، ولكن إذا سئل الرجل عنها، أو رأى من هو أهل لتعريفه ذلك ألقى إليه مما عنده من العلم ما يرجو النفع به، بخلاف الايمان بأن المؤمنين يرون ربهم في الآخرة، فإن الإيمان بذلك فرض واجب، لما قد تواتر فيها عن النبى صلى الله عليه وسلم وصحابته وسلف الأمة " (2) .
ج- كما يرى التدرج في ذكر المسائل العلمية، يقول بعد كلام طويل حول القدر: " ومن فهم ما كتب انفتح له الكلام في هذا الباب، وأمكنه أن يحصل تمام الكلام في جنس هذه المسائل، فإن الكلام فيها بالتدرج مقاما بعد مقام هو الذي يحصل به المقصود، وإلا فإذا هجم على القلب الجزم بمقالات لم يحكم أدلتها وطرقها والجواب عما يعارضها، كان إلى دفعها والتكذيب بها أقرب منه إلى التصديق بها فلهذا يجب أن يكون الخطاب في المسائل المشكلة بطريق ذكر دليل كل قول، ومعارضة الآخر له حتى يتبين الحق بطريقة لمن يريد الله هدايته، {ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} [النور:40] " (3) .
د- ويرى أن القول الباطل قد يتبين بطلانه في نفسه من غير بيان وجه ذلك يقول بعد أن بين مذهب ابن عربي وأنه مبني على الزعم بأن المعدوم شيء ثابت--------------------------------------------
(1) الكيلانية- مجموع الفتاوى (12/438) .
(2) مجموع الفتاوى (6/503-504) .
(3) أقوم ماقيل في القضاء والقدر: مجموع الفتاوى (8/158) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 313)
في العدم: " واعلم أن المذهب إذا كان باطلا في نفسه لم يمكن الناقد له أن ينقله على وجه يتصور تصورا حقيقيا؛ فإن هذا لا يكون إلا للحق، فأما القول الباطل فإذا بين فبيانه يظهر فساده، حتى يقال: كيف اشتبه هذا على أحد، ويتعجب من اعتقادهم إياه " (1) .
ذ- ويرى أيضا أنه لابد من هدم الباطل الذي عند الخصم، ثم بناء الحق مكانه، ولذلك لما ذكر مناظرة الإمام أحمد للجهمية حين سألوا عن كلام الله أهو الله أو غير الله، فقال لهم أحمد: ما تقولون في علم الله، أهو الله أو غيره فعارضه أحمد بالعلم فسكت مناظرة- قال ابن تيمية- معلقا: " وهذا من حسن معرفة أبي عبد الله بالمناظرة-رحمه الله فإن المبتدع الذي بنى مذهبه على أصل فاسد، فينبغي إذا كان المناظر مدعيا أن الحق معه، أن يبدأ بهدم ما عنده، فإذا انكسر وطلب الحق فأعطه إياه، والا فما دام معتقدا نقيض الحق لم يدخل الحق إلى قلبه، كاللوح الذي كتب فيه كلام باطل، امحه أولا، ثم اكتب فيه الحق، وهؤلاء كان قصدهم الاحتجاج لبدعتهم فذكر لهم الإمام أحمد رحمه الله من المعارضة ما يبطلها " (2) . وهذا يدل على براعة علماء السلف - رحمهم الله تعالى-.
هـ- كما يرى شيخ الإسلام أن جواب الشبهة يجب أن يكون قويا حتى ينقضها ويعيب على الذين يوردون شبهات أهل الباطل ثم يردون عليها ردودا ضعيفة، ولما عرض لمسألة مجادلة أهل الكتاب ورأى جواز ذلك، ورد على من زعم أن جواز مجادلتهم منسوخ بآيات الجهاد والقتال (3) ، قال في أثناء الوجه السابع: ومما يعجب منه أن بعض المنكرين لمجادلة الكفار بناء على ظهور دلائل النبوة نجده هو ومن يعظمه من شيوخه الذين يعتمد في أصول الدين على نظرهم ومناظرتهم، ويزعمون أنهم قرروا دلائل النبوة قد أوردوا من الشبهات والشكوك--------------------------------------------
(1) حقيقة مذهب الاتحاديين، مجموع الفتاوى (2/145) .
(2) جواب أهل العلم والإيمان، مجموع الفتاوى (7/158-159) .
(3) انظر: الجواب الصحيح (1/66-78) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 314)
والمطاعن على دلائل النبوة ما يبلغ نحو ثمانين سؤالا، وأجابوا عنه بأجوبة لا تصلح أن تكون جوابا في المسائل الظنية، بل هى إلى تقرير شبه الطاعنين أقرب منها إلى تقرير أصول الدين، وهم مثلهم الغزالي وغيره بمن يضرب شجرة ضربا يزلزلها به وهو يزعم أنه يريد أن يثبتها" (1) . والمشكلة أنه في بعض الأحيان يورد البعض الشبهة، وإن لم يوردها الخصوم، ويصورها تصويرا جيدا، ثم يجيب عنها فيأتي الجواب أضعف منها، ولو لم يوردها لكان أفضل.
و ومن قواعد شيخ الإسلام مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك فيما إذا ولد الأمر بالمعروف ترك معروف اكبر، أو ولد النهي عن المنكر منكرا اكبر، وبني ذلك على مسألة المصالح والمفاسد اذا تعارضت، أو تزاحمت الحسنات والسيئات، "فإنه يجب ترجيح الراجح منها فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد وتعارضت المصالح والمفاسد؛ فإن الأمر والنهي- وإن كان متضمنا لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة- فينظر في المعارض له، فإن كان الذي يفوت من المصالح، أو يحصل من المفاسد: اكثر، لم يكن مأمورا به، بل يكون محرما إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته، لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة، فمتى قدر الانسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها، وإلا اجتهد رأيه لمعرفة الأشباه والنظائر، وقل أن تعوز النصوص من يكون خبيرا بها وبدلالتها على الأحكام.
وعلى هذا: إذا كان الشخص والطائفة جامعين بين معروف ومنكر، بحيث لا يفرقون بينهما، بل إما أن يفعلوهما جميعا، أو يتركوهما جميعا، لم يجز أن يؤمروا بمعروف، ولا ينهوا عن منكر، بل ينظر: فإن كان المعروف أكثر أمر به، وإن استلزم ما هو دونه من المنكر، ولم ينه عن منكر يستلزم تفويت معروف أعظم منه، بل يكون النهي حينئذ من باب الصد عن سبيل الله، والسعي في زوال طاعته وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزوال فعل الحسنات.--------------------------------------------
(1) انظر: الجواب الصحيح (1/66-77) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 315)
وإن كان المنكر أغلب نهى عنه، وإن استلزم فوات ما هو دونه من المعروف، ويكون الأمر بذلك المعروف المستلزم للمنكر الزائد عليه: أمرا بمنكر وسعيا في معصية الله ورسوله.
وإن تكافأ المعروف والمنكر المتلازمان: لم يأمر بهما، ولم ينه عنهما.
فتارة يصلح الأمر، وتارة لا يصلح لا أمر ولانهى، حيث كان المعروف والمنكر متلازمين، وذلك في الأمور المعينة الواقعة، وأما من جهة النوع فيؤمر بالمعروف مطلقا، وينهى عن المنكر مطلقا" (1) ، ويمثل لذلك في مكان آخر فيقول: " ولهذا لا يجوز إنكار المنكر بما هو أنكر منه، ولهذا حرم الخروج على ولاة الأمر بالسيف، لأجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن ما يحصل بذلك من فعل المحرمات وترك واجب، أعظم مما يحصل بفعلهم المنكر والذنوب، وإذا كان قوم على بدعة أو فجور، ولو نهوا عن ذلك وقع بسبب ذلك شر عظيم مما هم عليه من ذلك- ولم يمكن منعهم منه، ولم يحصل بالنهي مصلحة راجحة،-لم ينهوا عنه" (2) .
وهذه مسألة مهمة، ينبغي دراستها بعمق، ودراسة أصولها الشرعية لئلا يؤدي الأمر إلى نوع من الافراط أو التفريط في هذه المسألة التي اعتبرها بعض العلماء من أصول الدين.
ز- كان شيخ الاسلام لا يطلب رضى الناس، ويعلل ذلك بأن رضى المخلوقين غير ممكن، ولأننا مأمورون بأن نتحرى رضى الله تعالى، كما أن علينا أن لا نخاف إلا الله، ومن لزم هذه الطريقة كانت العاقبة له (3) .
ح- أمر بالاجتماع وعدم الفرقة، ويرى أن الاختلاف الذي ذكره الله في القرآن قسمان: قسم يذم فيه الطائفتان جميعا، وقسم يحمد فيه إحدى الطائفتين--------------------------------------------
(1) رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (ص: 34) ت الجليند.
(2) مجموع الفتاوى (14/472) .
(3) انظر: مجموع الفتاوى (3/232-233) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 316)
- وهم المؤمنون- وتذم فيه الطائفة الأخرى المخالفة لهم، كما يرى أن هناك اختلاف تنوع واختلاف تضاد، وإن الخلاف الذي بين السلف في تفسير الآيات وغيره إنما هو من النوع الأول (1) ، ثم يورد الأحاديث الواردة في النهي عن الاختلاف (2) .
ويرى شيخ الاسلام أن " البدعة مقرونة بالفرقة، كما أن السنة مقرونة بالجماعة، فيقال: أهل السنة والجماعة، كما يقال: أهل البدعة والفرقة " (3) ، (ونتيجة الجماعة: رحمة الله ورضوانه وصلواته، وسعادة الدنيا والآخرة وبياض الوجوه، ونتيجة الفرقة: عذاب الله ولعنته، وسواد الوجوه وبراء الرسول منهم " (4) .
ط- ضربه للأمثلة بما يوضح المراد، ففي مسألة التوسل، إنكار الوسائط بين الله وخلقه، ووضح المراد بضرب الأمثلة بالوسائل التي بين الملوك وبين الناس (5) -،كما ضرب الأمثلة لعذاب الروح والبدن ونعيمها في القبر (6) ، كما ضرب الأمثلة في مناسبات أخرى (7) .
خامسا: الأمانة العلمية:
قد يظن البعض أن المنهجية العلمية والأمانة في نقل النصوص ونسبتها إلى أصحابها، ومقارنة النسخ الخطية للوصول إلى نص المؤلف … وغيرها، من مبتكرات هذا العصر، عصر الطباعة والنشر على نطاق واسع، كما يظن أن المستشرقين هم الذين تنبهوا إلى ذلك وتبنوه، ثم حذا حذوهم المسلمون، وليس المقام مقام مناقشة هذه الأمور لأن مثل هذه القضايا- والحمد لله - أصبحت--------------------------------------------
(1) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم (1/126-133) .
(2) نفس المصدر (1/135-144) .
(3) الاستقامة (1/ 42) .
(4) مجموع الفتاوى (1/17) .
(5) انظر: الواسطة بين الحق والخلق- ط المكتب الاسلامي- (ص: 8-.1) .
(6) انظر: مجموع الفتاوى (4/274-276) .
(7) انظر: درء التعارض (3/97-98،5/366) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 317)
واضحة لدى الكثير من المهتمين بأمور التراث والبحث العلمي، والمستشرقون وحركتهم المعادية للاسلام، وحقدهم الدفين عليه وعلى تراثه وعلى المتمسكين به لا يكاد يجهله من عنده غيرة على هذا الدين، والايجابيات- التي صاحبت حركتهم- جاءت مشوبة بهذه الأغراض الخبيثة، وهذا حكم عام، والا فالمستشرقون ليسوا على حد سواء.
والأمانة العلمية من صميم ما يدعو اليه الإسلام، ولذلك طبقها المسلمون في حياتهم:
أ- فالإسلام حث على الصدق والعدل، ونهى عن الكذب والقول بلا علم.
ب- ثم تمثل ذلك في علم مصطلح الحديث، بأبوابه وفنونه، التي وصلت إلى أدق ما يمكن من الاتقان والضبط في الجرح والتعديل، والتحمل والأداء، وطبقات الرواة، والإدراج، والتصحيف والتحريف، وغيرها من علوم الحديث التي تميزت بها هذه الأمة عن غيرها من الأمم.
وشيخ الإسلام إنما سار على منهج علماء الإسلام في هذا الباب، ولما كان يواجه خصوما عديدين برزت عنده كمنهج له طبقها في كتاباته ورسائله … وشهد له بهذه المنهجية أعداؤه الذين لا يرضون سلفيته وردوده على من يعظمونه من أهل الأعتزال والأشاعرة وغيرهم، فالنشار- الذي يتهم شيخ الإسلام بتهم عديدة منها الكذب على الأشاعرة (1) - لا يملك إلا أن يناقض نفسه فيقول:
" ولكن حسبنا من ابن تيمية أنه كان مؤرخا ممتازا للفكر الاسلامي، وأنه ترك لنا نصوصا رائعة نستطع بواسطتها أن نصوغ المذاهب التى لم تصل إلينا مصادرها الأصلية صياغة منهجية متكاملة " (2) ، ويقول:"وبهذا حفظت لنا كتب--------------------------------------------
(1) انظر: نماذج من اتهاماته لشيخ الإسلام في نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام (ج1 ص: 378، 333، 356،366،371) وغيرها.
(2) نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام للدكتور على سامي النشار (1/278) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 318)
ابن تيمية الكثير من عناصر المذهب الكلابي، وسيقدم لنا عرضه السهل الممتع تفسيرا هاما له، علاوة على أن ابن تيمية كان مؤرخا ممتازا للأفكار الفلسفية" (1)
والدكتور أحمد صبحي لما انتقد البغدادي في كتبه لأنه شوه أقوال الفرق علق على ذلك بمدح من ينقل الأقوال بأمانة ومنهم:"ابن تيمية في منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية، ومن لم يطلع على كتاب (منهاج الكرامة في الامامة) لابن المطهر الحلى- والذي يرد عليه ابن تيمية- يستطع أن يستخلص من كناب ابن تيمية معظم عبارات ابن المطهر بنصها، وتلك نزاهة في الحوار لم يعرفها البغدادي" (2) .
وكاتب آخر يقول: " ولكن الثابت أن ابن تيمية ينقل آراء الخصوم نقلا أمينا، ويشرع في مناقشتها بعد ذلك" (3) ، وبذلك أصبحت كتبه موضع ثقة الدارسين كما أشار أحد الكتاب (4) .
وشيخ الإسلام ينطلق في هذا الباب من بيان أن من صفة أهل السنة العدل والرحمة، فيعدلون على من خرج عن السنة ويرحمون الخلق ويحبون الخير لهم (5) ، ويشير إلى أن الامام أحمد-رحمه الله كان يعطي كل ذي حق حقه (6) ، وانه في كل فن يجب أن يرجع فيه إلى أهل فنه فالأحاديث يرجع فيها إلى أهل المعرفة بالحديث، والأحكام يرجع فيها إلى أهل المعرفة بها (7) . ثم يطبق هذا فيقول مثلا في رده على الاخنائي؛ حين خلط بين الأحاديث الواردة فيما سنه الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته من زيارة القبور، وما نهى عنه مما يقصده--------------------------------------------
(1) نشأة الفكر الفلسفي (1/270) ، وانظر (2/339- 392) .
(2) في علم الكلام: أحمد صبحى (2/95-96) .
(3) نشأة الأشعرية وتطورها، للدكتور جلال محمد موسى (ص: 334) .
(4) دراسات في فكر ابن تيمية: عبد اللطيف محمد العبد (ص: 14- هـ 1) .
(5) انظر: الاستغاثة (2/256-257) .
(6) انظر: تلخيص الاستغاثة (1/12-13) .
(7) انظر: نفس المصدر (1/12-13) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 319)
أهل البدع من السفر لزيارة القبور ودعائهم والاستشفاع بهم:"وهذا الموضع يغلط فيه هذا المعترض وأمثاله، ليس الغلط فيه من خصائصه، ونحن نعدل فيه ونقصد قول الحق والعدل فيه كما أمر الله تعالى، فإنه أمر بالقسط على أعدائنا الكفار، فقال سبحانه وتعالى {كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى} [المائدة: 8] ، فكيف بإخواننا المسلمين، والمسلمون إخوة، والله يغفر له ويسدده، ويوفقه وسائر اخواننا المسلمين" (1) .
ويرى شيخ الإسلام أن عامة ما يؤتي الناس إما في تفريط في الحق وأدلته أو دخول في الباطل (2) ، كا أنه يؤكد أن الحجج القوية لا تقابل بالجحد فيقول: "وليس مما أمر الله به ورسوله ولا مما يرتضيه عاقل أن تقابل الحجج القوية بالمعاندة والجحد، بل قول الصدق والتزام العدل لازم عند جميع العقلاء، وأهل الإسلام والملل أحق بذلك من غيرهم؛ اذ هم- ولله الحمد- أكمل الناس عقلا، وأتمهم إدراكا، وأصحهم دينا، وأشرفهم كتابا، وأفضلهم نبيا، وأحسنهم شريعة" (3) .
وبعد هذه المقدمة نذكر نماذج من منهجه:
أ- دعوته إلى نقل الأقوال بألفاظها:
ا- قال في رده على النصارى: "وأنا أذكر ما ذكروه بألفاظهم بأعيانها، فصلا فصلا، وأتبع كل فصل بما يناسبه من الجواب فرعا وأصلا وعقدا وحلا.." (4) ، ثم لما نقل نصا من كتاب النصارى الذى ردوا به على المسلمين--------------------------------------------
(1) الرد على الإخنائي (ص: 81-82) ط السلفية.
(2) انظر: الصفدية (1/293- 294)
(3) انظر: درء التعارض (9/207) .
(4) الجواب الصحيح (1/19) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 320)
قال:"وهذه ألفاظهم بأعيانها في الفصل الأول " (1) .
2- وينعي على الإخنائي الذي رد على ابن تيمية فحرف كلامه، يقول:" وكان ينبغى أن يحكي لفظ المجيب بعينه، ويبين ما فيه من الفساد، وإن ذكر معناه فيسلك سبيل الهدى والسنة، فأما أن يذكر عنه ما ليس فيه، ولا يذكر ما فيه فهذا خروج عن الصدق والعدل إلى الكذب والظلم" (2) .
3 ولما نقل الرازى مناظرة ابن الهيصم لابن فورك حول العلو، وذكر الرازي أنه نظم حجة ابن الهيصم أحسن من نظمه، فقال ابن تيمية في معرض المناقضة: "وأما الحجة التي ذكرها عن ابن الهيصم فلم يذكر ألفاظها، لكن ذكر أنه نظمها أحسن من نظمه، ونحن في جميع ما نورده نحكي ألفاظ المحتجين بعينها، فإن التصرف في ذلك قد يدخله خروج عن الصدق والعدل، إما عمدا وإما خطأ، فإن الإنسان إن لم يتعمد أن يلوي لسانه بالكذب أو يكتم بعض ما يقوله غيره، لكن المذهب الذي يقصد الإنسان إفساده لا يكون في قلبه من المحبة له ما يدعوه إلى صوغ أدلته على الوجه الأحسن حتى ينظمها نظما ينتصر به، فكيف إذا كان مبغضا لذلك؟ والله أعلم بحقيقة ما قاله ابن الهيصم ونقله هذا عنه، لكن نحن نتكلم على ما وجدناه، مع العلم بأن الكرامية فيهم نوع بدعة في مسألة الإيمان وغيرها كما في الأشعرية أيضا بدعة، لكن المقصود في هذا المقام ذكر كلامهم وكلام النفاة" (3) .
ومن هذا النص المهم يتبين حرص شيخ الإسلام على نقل ألفاظ الخصوم بعينها، وأن هذه خطة اختطها لنفسه، كما أنه يشير إلى ناحية نفسية عند الإنسان حين يريد إبطال مذهب أو قول، وهو تنبيه إلى أمر واقعي، كثيرا ما يكون سببا في كثرة الجدال، وغلبة الشحناء وعدم الوصول إلى الحق بسرعة.--------------------------------------------
(1) الجواب الصحيح (1/28)
(2) الرد على الاخنائي (ص: 13) ط السلفية
(3) نقض أساس التقديس المطبوع (2/344) ، وانظر ردا آخر على أحد المعترضين عليه حول اسم "النور" وأنه لم يقل ما قاله المعترض على الوجه الذي حكاه، مجموع الفتاوى (6/375) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 321)
ب- الدقة في نسبة الأقوال إلى أصحابها:
أ- فهو يعتمد النقل الصحيح للأقوال، فيقول: " وقد بلغنى بإسناد متصل عن بعض رؤوسهم- وهو الخونجي (1) - صاحب " كشف الأسرار في المنطق " - وهو عند كثير منهم غاية في هذا الفن- أنه قال عند الموت " أموت وما علمت شيئا إلا أن الممكن يفتقر إلى الواجب " ثم قال: " الافتقار وصف عدمي، أموت وما علمت شيئا "، وذكر الثقة عن هذا الآمدي أنه قال: " أمعنت النظر في الكلام وما استفدت شيئا إلا ما عليه العوام، أو كلاما هذا معناه.. ". وكذلك حدثني الثقة من قرأ على ابن واصل الحموي أنه قال: " أبيت بالليل وأستلقى على ظهري وأضع الملحفة على وجهي، أقابل أدلة هؤلاء بأدلة هؤلاء وبالعكس، وأصبح وما ترجح عندي شيء " كأنه يعني أدلة المتكلمين والفلاسفة " (2) .
وكثيرا ما ينقل شيخ الإسلام عن الثقات فيما يتعلق بأحوال عصره وأقوال رجالهم.
2- ولما رمى ابن المطهر الحلي المسلمين بأنهم حشوية ومجسمة، قال شيخ الاسلام في معرض الرد عليه: " ومن أراد أن ينقل مقالة عن طائفة فليسم القائل والناقل، وإلا فكل أحد يقدر على الكذب، فقد تبين كذبه فيما نقله عن أهل السنة " (3) .
3- ويرى أن المعرفة بحقيقة أقوال الناس إنما تتم بنقل ألفاظهم فيقول: " وكثير
من الناقلين ليس قصده الكذب، لكن المعرفة بحقيقة أقوال الناس من غير نقل ألفاظهم وسائر ما به يعرف مرادهم قد يتعسر على بعض الناس ويتعذر على بعضهم" (4) .--------------------------------------------
(1) هو: أفضل الدين أبو عبد الله محمد بن ناماور بن عبد الملك، الخونجي الشافعي، تولى قضاء القضاة في مصر، ولد سنة 590 هـ، وتوفي سنة 646 هـ، له الحمل في المنطق ط- وكشف الأسرار - في المنطق وغيرها، انظر: عيون الأنباء (ص: 586) ، وذيل الروضتين (182) ، وسير أعلام النبلاء (23/228) ، ومقدمة رسالتان في المنطق (ص:5- 25) .
(2) درء التعارض (3/262-264) .
(3) منهاج السنة؛ المحققة (2/413) .
(4) منهاج السنة (3/208) - مكتبة الرياض الحديثة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 322)
4- وفي رده على الآمدي حين نقل عن طائفة أنهم يقولون عن الله: إنه جسم الأجسام، حقق القول في هذه النسبة فقال:"مع أني إلى ساعتى هذه لم أقف على قول لطائفة، ولا نقل عن طائفة أنهم قالوا: جسم كالأجسام مع أن مقالة المشبهة الذين يقولون: يد كيدى، وقدم كقدمي، وبصر كبصري مقالة معروفة، وقد ذكرها الأئمة كيزيد بن هارون، وأحمد بن حنبل، وإسحاق ابن راهويه، وغيرهم، وأنكروها وذموها، ونسبوها إلى مثل داود الجواربي البصري وأمثاله، ولكن مع هذا صاحب هذه المقالة لا يمثل بكل شيء من الأجسام، بل ببعضها، ولابد مع ذلك أن يثبتوا التماثل من وجه والاختلاف من وجه، لكن إذا أثبتوا من التماثل ما يختص بالمخلوقين كانوا مبطلين على كل حال " (1) .
5- ولما ذكر أقوال المرجئة في الوعيد قال: " ويذكر عن غلاتهم أنهم نفوا الوعيد بالكلية، لكن لا أعلم معينا معروفا أذكر عنه هذا القول، ولكن حكي هذا عن مقاتل بن سليمان، والأشبه أنه كذب عليه " (2) . وأحيانا يقول: وأظن أن قول فلان هو هذا وما يشبه هذا (3) ، وقد يعبر أحيانا بمثل قوله:" كأن في الحكاية عنهما غلطا " (4) .
6- تصحيحه للأقوال التي تنسب خطأ إلى بعض الناس، فالكرامية الذين يقولون: إن الايمان قول في اللسان- وعليه فالمنافقون عندهم مؤمنون- يقول عنهم: " وبعض الناس يحكى عنهم أن من تكلم بلسانه دون قلبه فهو من أهل الجنة، وهو غلط عليهم، بل يقولون: إنه مؤمن كامل الايمان، وأنه من أهل النار " (5) .--------------------------------------------
(1) درء التعارض (4/144-145) ، وانظر (4/26-27) .
(2) شرح الأصفهانية (ص: 144) ، وانظر منهاج السنة (3/73) . وقال " والظاهر أنه غلط عليه".
(3) الرسالة الأكملية، مجموع الفتاوى (6/96) .
(4) النبوات (ص:5) ، دار الكتب العلمية.
(5) الفرقان بين الحق والباطل- مجموع الفتاوى (3/561) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 323)
ويقول- بعد أن نقل كلاما للحلاج رواه عنه القشيري في الرسالة-:" قلت هذا الكلام- والله أعلم- هل هو صحيح عن الحلاج أم لا؟ فإن في الإسناد من لا أعرف حاله، وقد رأيت أشياء كثيرة منسوبة إلى الحلاج من مصنفات وكلمات ورسائل، وهي كذب عليه لاشك في ذلك، وإن كان في كثير من كلامه الثابت عنه فساد واضطراب، لكن حملوه أكثر مما حمله.... " (1) .
ولما ذكر مسألة الاستثناء في الماضي المعلوم المتيقن، مثل قوله: هذه شجرة إن شاء الله، وهذا إنسان إن شاء الله، قال: " هذه بدعة مخالفة للعقل والدين، ولم يبلغنا عن أحد من أهل الإسلام، إلا عن طائفة من المنتسبين إلى الشيخ أبي عمرو بن مرزوق (2) ، ولم يكن الشيخ يقول بذلك، ولا عقلاء أصحابه ولكن حدثني بعض الخبيرين أنه بعد موته تنازع صاحبان له: حازم وعبد الملك فابتدع حازم هذه البدعة في الاستثناء في الأمور الماضية المقطوع بها، وترك القطع بذلك، وخالفه عبد الملك في ذلك موافقة لجماعة المسلمين وأئمة الدين، وأما الشيخ أبو عمرو فكان أعقل من أن يدخل في مثل هذا الهذيان فإنه كان له علم ودين … " (3) .
7- ولما انتقد بعض العلماء لأنه يحرف المقالات ذكر الدليل على ذلك، بالمقارنة بين نقله والأصل المنقول عنه، ولما نقل عن هذا العالم نفسه نصا آخر شك في وجود تحريف فيه قال بكل أمانة: " وكذلك فيما نقله من كلام الأشعري كيف زاد فيه ونقص مع أن المنقول نحو ورقتين فلعله أيضا قد عمل ذلك فيما نقله من كلام ابن كلاب إذ لم نجد نحن نسخة الأصول الذي (4) نقل منها حتى نعلم كيف فعل فيها، وفيما نقله تحريف بين " (5) .--------------------------------------------
(1) الاستقامة (1/119) .
(2) هو: الشيخ عمان بن مرزوق بن حميد القرشي، توفي سنة 564 هـ، ذيل طبقات الحنايلة (1/306-311) .
(3) مجموع الفتاوى (8/ 421-422) .
(4) كذا في المخطوط وصحة العبارة أن يقال (التي) .
(5) نقض أساس التقديس المخطوط (1/87) ، وانظر في المثال الأول، الذى أثبت فيه التحريف لوجود الأصل الذي نقل عنه (ص:54) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 324)
ج- رجوعه إلى المصادر والكتب، والاعتذار إذا لم يجدها:
ا- فيشير إلى أن أقوال الخوارج إنما عرفها بنقل الناس عنهم، ولم يقف لهم على كتاب مثل غيرهم، يقول: " وأقوال الخوارج إنما عرفناها من نقل الناس عنهم، لم نقف لهم على كتاب مصنف، كما وقفنا على كتب المعتزلة، والرافضة، والزيدية، والكرامية، وا لأشعرية، والسالمية، وأهل المذاهب الأربعة، والظاهرية، ومذاهب أهل الحديث، والفلاسفة والصوفية ونحو هؤلاء " (1) .
2- ولما تكلم في إحدى المسائل- مسألة الارادة الجازمة هل يعاقب عليها إذا كانت معصية- فصل القول تفصيلا دقيقا، لكنه اعتذر أثناء الجواب فقال: " وحين كتبت هذا الجواب لم يكن عندي من الكتب ما يستعان به على الجواب فإن له موارد واسعة " (2) .
3- ولما نقل كلام الباقلافي من كتابه " الإبانة " بما يدعم مذهب أهل السنة قال:" وقال في كتاب التمهيد كلاما اكثر من هذا، لكن ليست النسخة حاضرة عندي " (3) .
4- اعتماده الخط- إذ عرف صاحبهـ يقول:"ورأيت بخط القاضى أبي يعلى-رحمه الله على ظهر كتاب " العدة" بخطه قال:" نقلت من آخره كتاب الرسالة للبخارى في أن القراءة غير المقروء … " (4) .
د - رجوعه إلى اكثر من نسخة للكتاب الواحد:
ا- فحينما يرجع إلى سنن الترمذي، يذكر اختلاف النسخ في حكم الترمذي على الأحاديث، فمثلا في حديث ابن عباس- رضي الله عنهما قال:--------------------------------------------
(1) الفرقان بين الحق والباطل، مجموع الفتاوى (13/49) .
(2) مجموع الفتاوى (1/765-766) .
(3) الفتوى الحموية، مجموع الفتاوى (5/99) .
(4) الكيلانية، مجموع الفتاوى (12/362) ، وفي نموذج آخر: لما نقل أبيات ابن عربي المشهورة وتكلم عليها قال:" ولهذا يقول: إن قلت عبد فذاك ميت"، وفي موضع آخر رأيته بخطه " إن قلت ميت فذاك نفي"، مجموع الفتاوى (2/114-115) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 325)
" لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج" قال: رواه أهل السنن الأربعة، وقال الترمذي " حديث حسن " وفي بعض نسخه "صحيح " (1) .
2- ولما نقل من كتاب " الرد على الجهمية " للامام أحمد بن حنبل رجع إلى أكثر من نسخة، ففي أحد النصوص: " ولا يكون شيئين مختلفين، وفي نسخة ولا يوصف بوصفين مختلفين … " وفي نص آخر: تبين للناس أنهم لا يأتون بشيء- وفي نسخة: لا يثبتون شيئا- … " (2) .
3- وأيضا في كتاب"الحيدة"لعبد العزيز الكناني رجع إلى اكثر من نسخة (3) ، وطرح رأيه في إحداها وناقشه (4) .
4- ولما نقل عن الرازي نصا فيه"فقد التزمه أصحابنا" قال: وفي نسخة "بعض أصحابنا " (5) .
هـ- تصويبه لما يرى من أخطاء بعد نقل النص كما هو:
1-ومن أمثلة ذلك أن الاخنائي احتج في رده على ابن تيمية بحديث موضوع صحفه ليحتج به، ولفظه كما ذكره: " من صلى علي عند قبري سمعته، ومن صلى على نائيا سمعته" قال شيخ الإسلام:"هكذا في النسخة التي أحضرت إلي مكتوبة عن المعترض، وقد صحح على قوله " سمعته " وهو غلط--------------------------------------------
(1) اقتضاء الصراط المستقيم (1/294) ، والحديث رواه الترمذى في أبواب الصلاة، باب ما جاء في كراهية أن يتخذ على القبر مسجدا ورقمه (0 32) " (2/136) - تحقيق: شاكر"وقد رجعت إلى طبعة عبد الوهاب عبد اللطيف (1/ 201) ورقمه (319) ، والى تحفة الأحوذي (1/266) ، هندبة، وإلى عارضة الأحوذى (2/117) ، ومعارف السنن (3/309) وفي كلها " أن الترمذى قال " حديث حسن، وابن تيمية إنما رجع إلى نسخة أخرى غير ما اعتمد عليه هؤلاء.
(2) درء التعارض (2/176-177) ، وانظر نموذجا آخر في نقله من هذا الكتاب في الجواب الصحيح (1/173) .
(3) درء التعارض (2/251، 272، 290) .
(4) المصدر نفسه (2/273) .
(5) نقض التأسيس المخطوط (2/116) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 326)
فإن لفظ الحديث "من صلى على عند قبري سمعته، ومن صلى علي نائيا بلغته" هكذا ذكره الناس " (1) . ثم ذكر من رواه وكلام العلماء في إسناده ورجاله، وما يغني عنه من الأحاديث الأخرى (2) .
2- ولما نقل عن أبي محمد بن عبد المالكي من كتابه في أصول السنة والتوحيد، نقل كلامه حول المعارف فذكر أنه قال: " فأول الكلام الواقع في الخلاف في المعارف فجمهور قول المعتزلة أن جميعها اضطرار، قلت: كأنه بالعكس " (3) ، وفي نص آخر قال أبو محمد بن عبد: " فعز ربنا أن يقوم بالعلل فيصير دليلا بعدما كان مدلولا"، هكذا رأيته في الكتاب، إنما أراد: فيصير مدلولا بعدما كان دليلا " (4) .
هذا منهج شيخ الاسلام، جاء الكلام حوله طويلا، لكثرة كتبه وتنوعها، وطولها، ولعل ما سبق يعين على إعطاء صورة واضحة لذلك.
* * *--------------------------------------------
(1) الرد على الاخنائي (ص: 131-134) ط السلفية، وانظر: مختصره في مجموع الفتاوى (27/241-242) . والحديث ذكر شيخ الاسلام أن القاضى عياض نسبه إلى ابن أبي شيبة، وقد اطلعت عل المصنف في مظانه ومنها أحاديث فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فلم أجده، انظر: المصنف كتاب الفضائل (11/504) وما بعدها، لكن ذكر حديثا فيه أن ملكا موكلا بمن صلى عليه أن يبلغ عنه؛ انظره في (11/507) برقم (841) ، كما ذكر ابن تيمية أن البيهقى رواه وذلك في شعب الايمان كما في كنز العمال (1/492) برقم (2165) . ثم وجدته في الشعب رقم 1481 (4/213-214) - ط الدار السلفية الهند. وانظر تعليق المحقق عليه.
(2) انظر: الرد على الإخنائي (ص: 132) وما بعدها.
(3) درء التعارض (8/504) .
(4) نفس المصدر (8/507) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 327)