مرفوعًا: «خلق الله الفرس» إلخ. وقد تقدَّم في ترجمة حماد بن سلمة(1).
وكان ابن أبي داود صَلِفًا تيَّاهًا حريصًا على الغلبة. فكأنه سمع بعض النواصب يروي بسند فيه واحد أو أكثر من الدجَّالين إلى الزهري أنه قال: «قال عروة … ». فحفظ ابن أبي داود الحكاية، مع علمه واعتقاده بطلانها، لكن كان يُعِدُّها للإغراب عند المذاكرة. ولما دخل أصبهان ضايقَ محدِّثيها في بلدهم، فتجمَّعوا عليه، وذاكروه، فأعوزه أن يُغرِبَ عليهم، ففزع إلى تلك الحكاية فقال: «الزهري عن عروة … ». فاستفظع الجماعةُ الحكايةَ. ثم بدا لهم أن يتخذوها [1/ 304] ذريعةً إلى التخلُّص من ذلك التيَّاه الذي ضايقَهم في بلدهم، فاستقرَّ رأيهم على أن يرفعوا ذلك إلى الوالي ليأمر بنفي ابن أبي داود، فيستريحوا منه، إذ لا يرون في القضية ما يوجب القتل. فلما أمر أبو ليلى بما أمر سُقِط في أيديهم، ورأوا أنهم إن راجعوه عاد الشرُّ عليهم. فقيَّضَ الله تبارك وتعالى ذلك السّريَّ الفاضلَ محمدَ بن عبد الله بن الحسن فخلَّصهم جميعًا.
ومن الجائز أن يكون ابن أبي داود قَبْل نَفْيه من بغداد وقعت له مثلُ هذه الواقعة، ولكن كان أهل بغداد أعقلَ من أهل أصبهان، فاقتصروا على نسبته إلى النَّصْب ونفيه من بغداد.
وعلى كلِّ حال، فقد أساء جدَّ الإساءة بتعرُّضه لهذه الحكاية مِن دون أن يَقرُنها بما يصرِّح ببطلانها. ولا يكفيه من العذر أن يقال: قد جرت عادتهم في المذاكرة بأن يذكر أحدُهم ما يرجو أن يُغرِب به على الآخرين بدون--------------------------------------------
(1) رقم (85).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 509)
التزام أن يكون حقًّا أم باطلًا. لكن الرجل قد تاب وأناب كما تقدَّم، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، ولو كان الذنب كفرًا صريحًا. وبعد التوبة لا يجوز أن يُطعن في الرجل بما قد تاب منه، ولو كان كفرًا.
والذين كانوا يشنِّعون على أبي حنيفة بأنه اسْتُتيب من الكفر مرتين، إنما كانوا يستروحون إلى أن عَوده إلى ما استتيب منه حتى استتيب ثانيًا كأنه يَرِيب في صحة توبته الأولى، وأنه بقي عنده ما يناسب ما استتيب منه وإن لم يكن كفرًا. وهذا تعنُّت سوَّغه عندهم أنهم احتاجوا إليه للتنفير عن اتباع أبي حنيفة فيما لم يرجع عنه مما يرونه أخطأ فيه.
وبعدُ، فقد أطبق أهل العلم على السماع من ابن أبي داود وتوثيقه والاحتجاج به، ولم يبق معنى للطعن فيه بتلك الحكاية وغيرها مما مرَّ. فروى عنه الحاكم أبو أحمد، والدارقطني، وابن المظفر، وابن شاهين، وعبد الباقي بن قانع حافظ الحنفية، وأبو بكر بن مجاهد المقرئ، وخلق لا يحصَون. وتقدَّم قول أبي الفضل صالح بن أحمد التميمي الهمذاني الحافظ فيه: «إمام العراق وعَلَم العلم في الأمصار … ». وتقدَّم أيضًا ثناءُ أبي الشيخ وأبي نعيم. وذكر السُّلَمي أنه سأل الدارقطني عنه، فقال: «ثقة إلا أنه كثير الخطأ في الكلام على الحديث». وقال الخليلي: «حافظ إمامُ وقته عالم متفق عليه. واحتج به من صنَّف الصحيح: أبو علي النيسابوري، وابن [1/ 305] حمزة الأصبهاني. وكان يقال: أئمة ثلاثة في زمن واحد: ابن أبي داود، وابن خزيمة، وابن أبي حاتم»، وقد طعن الأستاذ في هؤلاء الثلاثة كلِّهم، وعدَّهم مجسِّمين، يعني أنهم على عقيدة أئمة الحديث، وقد ذكرتُ
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 510)
ما يتعلق بذلك في قسم الاعتقاديات(1). وقال محمد بن عبد الله بن الشخِّير في ابن أبي داود: «كان زاهدًا عالمًا ناسكًا، رضي الله عنه وأسكنه الجنة برحمته».
124 - عبد الله بن صالح:
مرت الإشارة إلى حكايته في ترجمة الصقر(2).
قال الأستاذ (ص 29): «كاتب الليث المختلط».
أقول: لم يتبين لي أهو هو، أم عبد الله بن صالح العجلي أحد الثقات، أم غيرهما؟ وكاتب الليث لم يختلط، ولكن أُدخلت عليه أحاديث. وترى شرحَ ذلك والفصلَ فيه في «مقدمة فتح الباري»(3).(4)
125 - عبد الله بن عدي أبو أحمد الجرجاني الحافظ مؤلف «الكامل» وغيره:
تعرَّض له الأستاذ (ص 169) قال: «كان ابن عدي ــ على بُعدِه من الفقه والنظر والعلوم العربية ــ طويلَ اللسان في أبي حنيفة وأصحابه».
أقول: أبو أحمد إمام في الحديث ورجاله وعلله، واشتغالُه بذلك عن التبسُّط في الفقه والنظر لا يدل على بُعده عن التأهل لذلك، وكان عنده من--------------------------------------------
(1) (2/ 335 وما بعدها).
(2) رقم (111).
(3) (ص 413).
(4) عبد الله بن عثمان: الصواب: عبد الله بن عمر. يأتي. [المؤلف].
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 511)
معرفة اللسان ما يكفيه. وأما طول لسانه، فذلك مقتضى مقامه وله في ذلك أسوة بأكابر أئمة السنة. (1)
126 - عبد الله بن عمر بن الرمَّاح:
راجع «الطليعة» (ص 60 - 61)(2). وفي «تهذيب التهذيب» (ج 7 ص 447 وص 160) أنه يقال لعمر بن ميمون بن بحر بن الرماح والد عبد الله هذا «عمر بن الرماح»، يُنسب إلى جدِّه الأعلى. وهكذا وقع في «سنن الترمذي»(3) في «باب ما جاء في الصلاة على الدابة في الطين والمطر». ومن لازم هذا أن يقال لعبد الله هذا: «عبد الله بن عمر بن الرماح». فزَعْمُ الأستاذ في «الترحيب» (ص 44 - 45) أنني أنا تزيَّدْتُ في نَسَبِه ما شئتُ من الأسماء تهمةٌ باطلة. إنما بيَّنتُ ما قام عليه الدليل، فأما تصحيف «عمر» [1/ 306] إلى عثمان كعكسه، فكثير في الكتب. وقد ذكرتُ في «الطليعة»(4) شاهدَه من كلام الأستاذ نفسه. وإذا ذكر صاحبُ العلم أنه وقع في العبارة تصحيف أو نسبة للرجل إلى جده أو غير ذلك، فالمدار على الدليل. فإن كان معه دليل، فحقُّه أن يُشكر، وإلا فحقُّه أن يُعاب ويُزجر، ولاسيَّما إذا كان الدليل يدفع ما ذكره. فلا يكفي الأستاذَ في دفع ما انتقدتُه عليه من هذا القبيل مما يخالف الدليل أن ينتقد على ما وقع مني من ذاك--------------------------------------------
(1) عبد الله بن علي بن المديني. راجع «الطليعة» (ص 69 - 70 [53 - 54]). [المؤلف].
(2) (ص 46).
(3) (411).
(4) (ص 46).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 512)
القبيل حيث يقتضيه الدليل!
بقي أن الأستاذ زعم أن عبد الله بن عمر بن ميمون بن بحر بن الرمَّاح مجهول الصفة. فأقول: قال ابن حبان في «الثقات»(1): «عبد الله بن عمر بن ميمون بن الرماح السعدي أبو عبد الرحمن البلخي قاضي نيسابور. روى عن مالك، ووكيع، وأهل العراق. حدَّثَنا عنه الحسين بن إدريس الأنصاري وعبد الله بن محمد الأزدي. مستقيم الحديث إذا حدَّث عن الثقات. وقد قيل: كنيته أبو محمد، وكان مرجئًا. مات سنة أربع وثلاثين ومائتين». وهذا من ابن حبان توثيق مقبول، كما يأتي في ترجمته(2).
قال الأستاذ: «فلا يناهض ما تواتر … ».
أقول: أجل، لا يناهض ما صحَّ تواترُه، بل لا يناهض ما هو أثبتُ منه وإن لم يتواتر. فإن كان الذي يناقض خبرَ عبد الله هذا متواترًا حقًّا أو أثبتَ من خبر عبد الله على الأقل، اندفع خبرُ عبد الله. وليس هذا موضع النظر في ذلك، وقد عرفنا الأستاذ ودعاويه. والله الموفق.
127 - عبد الله بن عَمْرو أبو معمر المِنْقَري:
في «تاريخ بغداد» (13/ 382 [391]) من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: «حدثني أبو معمر قال: قيل لشريك … ».
قال الأستاذ (ص 64): «فإن كان عبدَ الله بن عمرو المنقري البصري، فهو--------------------------------------------
(1) (8/ 357).
(2) رقم (200).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 513)
قدري لا تُقبل روايته في حقِّ مخالفه في المذهب. وإن كان الهروي، فقد سبق. على أن لفظ أبي معمر لفظ انقطاع».
أقول: هو الهرويُّ حتمًا، واسمه إسماعيل بن إبراهيم بن معمر تقدمت ترجمته(1). وفي ترجمته من «تهذيب التهذيب»(2): « … نزيل بغداد روى عن … وشريك … وعنه البخاري ومسلم … وعبد الله بن أحمد … قال عبد الله بن أحمد: سمعتُ أبا معمر يقول: من زعم أن [1/ 307] الله لا يتكلم ولا يسمع ولا يبصر ــ وذكر أشياء من الصفات ــ فهو كافر بالله … مات … سنة 236».
فأما المنقري، فبصري مُقعَد توفي سنة 224، وعبد الله بن أحمد ولد ببغداد سنة 213. وليس في ترجمته من «التهذيب»(3) ذكر روايته عن شريك ولا رواية لعبد الله بن أحمد عنه. وهو مع ذلك ثقة جليل. وما ذُكر به من القَدَر لا يقدح فيه، وقول الأستاذ: «لا تقبل روايته في حق مخالفه» قد تقدم النظر في ذلك في القواعد(4)، وكذلك النظر فيما يتعلق بقوله: «لفظ انقطاع»(5).
وكلا الرجلين أعني: المنقري، والهروي غير مدلِّس. والله الموفق.--------------------------------------------
(1) رقم (47).
(2) (1/ 273 - 274).
(3) (5/ 335).
(4) (1/ 87 - 98).
(5) (1/ 135 - 144).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 514)
128 - عبد الله بن محمد بن حميد أبو بكر بن أبي الأسود:
في «تاريخ بغداد» (13/ 387 [403]) عنه «عن بشر بن مفضّل قال: قلت لأبي حنيفة … ».
قال الأستاذ (ص 78): «قال ابن أبي خيثمة: كان ابن معين سيِّئ الرأي في أبي بكر بن أبي الأسود».
أقول: هذا مجمل. وقد جاء عن ابن معين أنه قال: «ما أرى به بأسًا». وجاء عنه أيضًا أنه قال: «لا بأس به، ولكنه سمع من أبي عوانة وهو صغير وقد كان يطلب الحديث». فهذا يفسِّر رواية ابن أبي خيثمة. وقال ابن المديني: «بيني وبين أبي الأسود ستة أشهر. ومات أبو عوانة وأنا في الكُتَّاب». ومولد ابن المديني سنة 161، وذكر هو أن وفاة أبي عوانة سنة 175، وقال غيره: سنة 176. فعلى ذلك يكون سنُّ ابن أبي الأسود حين وفاة أبي عوانة خمس عشرة سنة أو أكثر. وكان ابنَ أخت عبد الرحمن بن مهدي، فقد يكون ساعَدَه هو أو غيره في الضبط، وقد صحَّح الجمهورُ السماعَ في مثل تلك السنِّ وفيما دونها.
نعم، يؤخذ من كلام بعضهم أن أبا عوانة توفي سنة 170(1)، ووقع في «تاريخ جرجان»(2) لحمزة السهمي حكايةُ ذلك عن بعض الحفاظ، كما يأتي في ترجمة أبي عوانة(3). فعلى هذا يكون سنُّ ابن أبي الأسود نحو تسع--------------------------------------------
(1) وقع في (ط): «270» خطأ.
(2) (ص 481).
(3) رقم (259).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 515)
سنين. لكن ذاك القول شاذ، ومع ذلك فابن تسع سنين قد يصح سماعه عندهم.
والذي يرفع النزاع من أصله أنه ليس في سماع الرجل وهو صغير ما يوجب الطعن فيه. وإنما يتوجَّه الطعنُ إذا كان السماع غير صحيح، ومع ذلك كان الرجل يَبني عليه ويَروي بدون أن يبيِّن، وهذا منتف هاهنا. أما أوّلًا، فلأن احتمال صحة سماعه من أبي عوانة ظاهر، ولا سيما على المعروف من أن وفاة أبي عوانة كانت سنة خمس أو ست وسبعين ومائة. وأما ثانيًا، فلأن البخاري وأبا داود والترمذي [1/ 308] أخرجوا لابن أبي الأسود، ولم يذكروا شيئًا من روايته عن أبي عوانة. وذلك يدل على أحد أمرين: إما أن يكون ابن أبي الأسود لم يرو عن أبي عوانة شيئًا، وإما أن يكون ربما روى عنه مع بيان الواقع.
وعلى هذا فيكون كلام ابن معين وابن المديني إنما هو على سبيل الاحتياط، عَلِما أنه سمع من أبي عوانة وهو صغير، فخشيا أن يَعْتَمِد على ذلك، فيروي من غير بيان. فأما حاله في نفسه وفي روايته عن غير أبي عوانة، فلا مَطْعَن فيه. وقد روى عنه البخاري في «صحيحه»(1)، وروى عنه أبو داود وهو لا يروي إلا عن ثقة عنده، كما في ترجمة أحمد بن سعد بن أبي مريم(2). وقال الخطيب: «كان حافظًا متقنًا»(3). وحكايته المتقدمة أولَ--------------------------------------------
(1) في مواضع كثيرة.
(2) رقم (18).
(3) «تاريخ بغداد»: (10/ 63).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 516)
الترجمة من روايته عن بشر بن المفضَّل المتوفى سنة 187، أي حين كان سنُّ ابن أبي الأسود ستًا وعشرين سنة أو أزيد. والله الموفق.
129 - عبد الله بن محمد بن جعفر بن حَيّان أبو الشيخ الأصبهاني الحافظ:
قال الأستاذ (ص 49): «صاحب «كتاب العَظَمة» و «كتاب السنة» وفيهما من الأخبار التالفة ما لا آخر له، وقد ضعَّفه بلديُّه الحافظ العسَّال بحق».
أقول: أما ما في كتبه من الأخبار الواهية فهو كغيره من حفاظ عصره وغيرهم. قال ابن حجر في «لسان الميزان» (ج 3 ص 75)(1) في ترجمة الطبراني: «عاب عليه إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي جَمْعَه الأحاديثَ بالأفراد مع ما فيها من النكارة الشديدة والموضوعات … وهذا أمر لا يختصّ به الطبراني … بل أكثر المحدِّثين في الأعصار الماضية من سنة مائتين وهلمَّ جرًّا إذا ساقوا الحديث بإسناده اعتقدوا أنهم برئوا من عهدته». وقد مرَّ النظر في ذلك في ترجمة أبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني(2).
فأما العسال، فهو أبو أحمد محمد بن أحمد بن إبراهيم بن سليمان الأصبهاني. له أيضًا ــ كما في ترجمته من «تذكرة الحفاظ» (ج 3 ص 97)(3) ــ «كتاب العظمة»، و «كتاب المعرفة في السنة»، و «كتاب الرؤية» وغيرها،--------------------------------------------
(1) (4/ 125).
(2) رقم (22).
(3) (3/ 887).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 517)
ولعل فيها نحوَ ما في كتب أبي الشيخ. وما زعم الأستاذ أن العسال ضعَّف أبا الشيخ، فلم أظفر بذلك، إلا أني أذكر أنني قبل مدة وقفتُ على قصةٍ(1) في كتاب ــ لا أذكر الآن أيُّ كتاب هو؟ ــ جرت بين عالمين. فإن كانا هما العسال وأبا الشيخ، [1/ 309] فحاصل القصة ــ على ما أذكر ــ أن أبا الشيخ كان عنده حكاية يرى العسال أنها خطأ من بعض الرواة أو أن فيها مقالةً رجع عنها صاحبُها، وذكر العسَّالُ أنه سيهجر أبا الشيخ حتى يُخرج الحكاية من كتابه. وليس في هذا تضعيف، ولا أذكر في القصة ما يصح أن يُعَدَّ تضعيفًا(2).
وعلى العالم أن لا يُعمِّيَ مصدرَه، فيتعبَ الناسُ ويرتابوا فيه. بل ينبغي له أن ينصَّ على مصدره، اللهم إلا أن يكون على طرف الثُّمام، كأن يقول في راوٍ: ضعَّفه فلان، وذلك موجود في ترجمة الرجل من «الميزان» مثلًا= فهذا لا حرج فيه. فأما من يُعمِّي مصدَرَه ــ ولاسيَّما في عصرنا هذا ــ فإنما يدل على أنه لأمرٍ ما يكره أن يعرفه الناس. والكتب التي بأيدينا ليس فيها إلا الثناءُ على أبي الشيخ وتوثيقُه وإطراؤه. فلم يذكره الذهبي في «الميزان» ولا ابن حجر في «اللسان» ولا أشار الذهبي إلى تليين له في «تذكرة الحفاظ». وهكذا عدة كتب أخرى توجد فيها ترجمته. وذلك ــ مع تعمية الأستاذِ لمصدره ــ كافٍ في الدلالة على أن ما زعمه الأستاذ غير صحيح، إما لعدم صحة إسناده، وإما لأنه ليس ما وقع بتضعيف، وإما لغير ذلك.--------------------------------------------
(1) (ط): «قصته» تصحيف.
(2) بل صرَّح بمدحه. انظر «السير»: (16/ 122).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 518)
هذا، وقد كنت كتبتُ إلى بعض أهل العلم(1) أسألهم، فلم أحصل على خبر، إلا أن أحدهم أخبرني أنه اجتمع بالأستاذ الكوثري نفسه(2).--------------------------------------------
(1) يقصد الشيخ أحمد شاكر (ت 1371) رحمه الله، فقد أرسل له المؤلف يسأله عن مسائل منها هذه وفيها: «أن الكوثري يقول في أبي الشيخ هذا: «ضعَّفه بلديُّه الحافظ أبو أحمد العسّال بحق» فأحب أن أعرف مستند الكوثري في ذلك. وفي ذهني قصة فيها: أن رجلًا من المحدثين هجر صاحبًا له في حكاية عن الإمام أحمد تتعلق ببعض أحاديث الصفات، وقال الهاجر ما معناه: لا أزال هاجرًا له حتى يخرج تلك الحكاية من كتابه. هذه حكاية وقفت عليها قديمًا. ولم أهتد الآن لموضعها، ويمكن أن تكون الواقعة لأبي الشيخ والعسال وأن تكون هي مستند الكوثري». انظر الرسائل المتبادلة (ص 92) في المجلد الأول من هذه الموسوعة.
(2) كذا انتهى الكلام في (ط). والذي اجتمع بالكوثري هو الشيخ سليمان الصنيع (ت 1389) رحمه الله، فقد جاء ذلك في رسالة (حصلت على نسخة منها) أجاب فيها عن رسالة للشيخ محمد نصيف يسأل فيها عن هذا الموضع من كتابنا هذا، فأجاب الصنيع بقوله: « … وجوابي على ذلك: أني اجتمعت بالكوثري عدة مرات في داره بمصر في ذلك الحين، وسألته عن ذلك، فلم أحصل على نتيجة منه، ولو كان صادقًا فيما نسبه إلى أبي أحمد العسال لأوضحه لي حين سؤالي له، والذي يظهر لي أن الرجل يرتجل الكذب ويغالط كما يظهر ذلك مما أوضحه الشيخ عبد الرحمن في الطليعة وفي التنكيل. يضاف إلى ذلك أن الحافظ الذهبي قد ترجم لأبي الشيخ الأصبهاني في «تذكرة الحفاظ» ج 3 ص 945 من الطبعة الثالثة وكذا في «شذرات الذهب» من 3 ص 69 … » وذكر توثيق الأئمة له ثم قال: « .. وهذا من الأدلة الواضحة على عدم صحة ما ذكره الكوثري من تضعيف أبي الشيخ، وقد بحثت في جميع الكتب الموجودة لدي ككتاب «الأنساب» للسمعاني ومختصره «اللباب» وكل الكتب المطبوعة التي ترجمت لأبي الشيخ فلم أجد شيئًا مما ذكره الكوثري … هذا ما لدي أكتبه إليكم … وأعتقد أن الشيخ عبد الرحمن قد وفى الموضوع حقه من الرد في كتاب التنكيل … ».
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 519)
130 - عبد الله بن محمد بن جعفر القزويني:
في «تاريخ بغداد» (13/ 404 [429]): أخبرني أبو نصر أحمد بن الحسين القاضي بالدِّينَوَر، أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد بن إسحاق السنِّي الحافظ، قال: حدثني عبد الله بن محمد بن جعفر، حدثنا هارون بن إسحاق، سمعت محمد بن عبد الوهاب القنَّاد يقول: حضرتُ مجلس أبي حنيفة، فرأيتُ مجلسَ لغوٍ لا وقار فيه. وحضرتُ مجلس سفيان الثوري، فكان الوقار والسكينة والعلم، فلزمتُه».
قال الأستاذ (ص 125): «ليس أبا الشيخ ابن حيان، لأنه لم يدرك هارون بن إسحاق الهَمْداني المتوفى سنة 258 بل هو القاضي القزويني الكذَّاب المشهور الذي وضع على لسان الشافعي نحو مائتي حديث، ولم يرو الشافعي شيئًا من ذلك أصلًا، لكن الخطيب لا يتورع أن يروي بطريقه في مثالب أبي حنيفة، كما لا يتحرج أن [1/ 310] يروي بطريقه في مناقب الشافعي … ولولا مثل هذه الأمور المكشوفة لما كانت السهام المصوَّبة إلى نحر الخطيب لِتصيبَ المقتل منه».
أقول: أما الجزم بأنه ليس أبا الشيخ، ففي محلِّه. وأما الجزم بأنه القزويني، فليس بجيد؛ لأنهم لم ينصُّوا على أنه يروي عن هارون، ولا على أن ابن السني يروي عنه. وكتب الرجال التي بين أيدينا لم تستوعب الرواة. نعم، يظهر من كلام الذهبي في خطبة «الميزان»(1) أنه استوعب المتكلَّم فيهم، وأن من لم يذكره فهو إما ثقة وإما مستور. ومعلوم أن ذلك بحسب ما وقف عليه ولم يغفل عنه. وقد استدرك عليه مَنْ بَعْده جماعةً، ووقفتُ أنا في--------------------------------------------
(1) (1/ 3 - 4).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 520)
الكتب الأخرى على أفراد مضعَّفين لم يُذكَروا في «لسان الميزان». وحاول جماعة استيعاب الثقات. والموجود بين أيدينا من(1) كتاب ابن حبان، وهو مختصٌّ بالقدماء هارون بن إسحاق وطبقته ومَن قبلهم. وكثيرًا ما يوجد في أسانيد كتب الحديث التي لم يعتن أهل العلم باستيعاب رواتها وكتبِ التاريخ وغيرها مما تُذْكَر فيه الأخبار بأسانيدها أسماءُ رواة لا نجدهم في الكتب التي بأيدينا. ومنها أسماء تشبه الموجودين في الكتب، ولكن تقوم القرائن على أن المذكور في السند رجل آخر. فإن فرضنا أن الخطيب التزم أن لا يروي في «تاريخه» شيئًا عن مثل القزويني، فهذه قرينة على أنه كان يرى أن هذا الرجل غير القزويني. وإن كان الخطيب لم يلتزم ذلك، وفرضنا أن هذا الرجل هو القزويني، وأن الخطيب عرف ذلك= فعذرُ الخطيب واضح، وهو أنه لم يلتزم أن لا يروي عن مثله مثل تينك الحكايتين.
أما الحكاية التي في مناقب الشافعي، فإنما هي رؤيا لا تضع حكمًا ولا ترفعه، والمناقب مما يتسامح فيها. وقد تسامح الحنفية في رواية الأكاذيب المكشوفة والأحاديث الموضوعة في مناقب إمامهم، كما يأتي في ترجمة محمد بن سعيد البُورقي(2) مع أمثلة أخرى لا تحصى. وتبعهم الخطيب نفسه، فروى في مناقب أبي حنيفة كثيرًا من ذلك. بل تسامح الحنفية في الكتب التي يسمِّيها الأستاذ «المسانيد السبعة عشر»، وزاد عليهم الأستاذ، فاحتجَّ بأشياء من ذلك.--------------------------------------------
(1) كذا في (ط).
(2) رقم (207).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 521)
وأما الحكاية التي في صدر هذه الترجمة، فما يتعلق منها بالثوري ثابتٌ من غير وجه، كما يُعلم من مراجعة ترجمته في «تقدمة الجرح التعديل»(1) لكتاب ابن أبي حاتم، و «تاريخ بغداد»(2) وغيرهما [1/ 311] «حتى كان الرجل يجيء إلى المكان الذي فيه الثوري وأصحابه، فيقرب من المكان، فيحسبه خاليًا، فإذا فتح البابَ وجده غاصًّا بالناس». وما يتعلق بأبي حنيفة إنما المراد باللغو رفعُ الأصوات في المناظرة بالرأي، والمراد بالوقار خفض الأصوات. وعلى هذا؛ فمعنى ذلك ثابت أيضًا بروايات أخرى.
ومع هذا فالقزويني إنما خلَّط في آخر عمره. فإن كان هو الواقع في السند وعَرَف الخطيبُ ذلك، فلعله علم أن سماع ابن السنِّي من القزويني قديم. قال مسلمة بن قاسم في القزويني: «كان كثيرَ الحديث والرواية، وكان فيه بأوٌ شديد وإعجاب. وكان لا يرضى إذا عورض في الحديث أن يُخرج لهم أصوله، ويقول: هم أهون من ذلك. قال: فحدَّثني أبو بكر المأموني ــ وهو من أهل العلم العارفين بوجوهه ــ قال: ناظرته يومًا، وقلت له: ما عليك لو خرَّجتَ لهم أصلًا من أصولك؟ فقال: لا ولا كرامة. ثم قام فأخرجها، وعرض عليّ كلَّ حديث اتهموه فيه مثبتًا في أصوله». وقال ابن يونس: «كان محمودًا في القضاء، وكانت له حلقة بمصر، وكان يظهر عبادة وورعًا. وثقل سمعُه جدًّا، وكان يفهم الحديث ويحفظ ويُملي ويجتمع إليه الخلق. فخلَّط في الآخر، ووضع أحاديث … » ثم قال: «مات بعد أن افتضح بيسير»(3).--------------------------------------------
(1) (ص 55 - 125).
(2) (9/ 153 وما بعدها).
(3) ترجمته في «لسان الميزان»: (4/ 574 - 576). ووقع في (ط): «أبو بكر المأمون».
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 522)
131 - عبد الله بن محمد بن جعفر، المعروف بصاحب الخان بأُرْمِيَة:
في «تاريخ بغداد» (13/ 398 [419]): «أخبرنا أبو نصر أحمد بن إبراهيم المقدسي بسَاوة(1)، حدثنا عبد الله (كذا) محمد(2) بن جعفر المعروف بصاحب الخان بأُرْمِيَة قال: حدثنا محمد بن إبراهيم الدَّيْبلي … ».
قال الأستاذ ص 111: «والله أعلم بحال من لا يعرف إلا بصاحب الخان بأرمية».
أقول: وأنا لم أعرفه، ولا أدري ما الساقط أكلمة «بن» بعد عبد الله، أم كلمة «أبو» قبلها(3)؟
132 - عبد الله بن محمد بن سيَّار الفَرْهَيَاني، ويقال: الفَرْهَاذاني:
في «تاريخ بغداد» (13/ 412 [440]) من طريقه: «سمعت القاسم بن عبد الملك أبا عثمان يقول: سمعت أبا مُسهِر يقول: كانت الأئمة تلعن أبا فلان على هذا المنبر ــ وأشار إلى منبر دمشق. قال الفَرْهَياني: وهو أبو حنيفة».
قال الأستاذ (ص 145): «من شيوخ ابن عدي ومحمد بن الحسن النقاش، ومن طرازهما في المعتقد، فلا يوثِّقه إلا مثلُه». وقال قبل ذلك: «لعنُ شخصٍ معيَّن--------------------------------------------
(1) (ط): «بسادة» تحريف.
(2) في الطبعة المحققة: (15/ 548): «عبد الله بن محمد».
(3) الراجح هو الاحتمال الأول؛ لأنه جاء كذلك في موضع آخر من «التاريخ»: (10/ 156)، وساقه ابن عساكر كذلك في «تاريخه»: (32/ 425).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 523)
لا يكون فيه نصٌّ في الشرع على أنه من أهل النار يُعَدُّ ذنبًا عظيمًا في هذا الدين الحنيف … على أن … في رواية أبي مسهر [1/ 312] … كانت الأئمة تلعن أبا فلان … فجعل الفراهيناني(1) الخبيث أبا فلان أبا حنيفة من غير دليل … ».
أقول: قال الذهبي في «تذكرة الحفاظ» (ج 2 ص 255)(2): «الحافظ الإمام الثقة … روى عنه محمد بن الحسن النقاش المقرئ، وأبو أحمد بن عدي، وأبو بكر الإسماعيلي، وبشر بن أحمد الإسفرايني، وأبو عمرو بن حمدان، وغيرهم. قال ابن عدي: كان رفيقَ النسائي. وكان ذا بصر بالرجال، وكان من الأثبات. سألته أن يملي عليّ عن حرملة، فقال: حرملة ضعيف. ثم أملى عليّ ثلاثة أحاديث ولم يزدني».
وقد حاول الأستاذ (ص 66) أن يجعل ابن أبي العوّام من الثقات الأثبات، لأنه روى عن النسائي، مع أن الرواية عن مثل النسائي أو مَن هو خير منه لا تدل على إسلام الراوي، فكيف عدالته! فكيف أن يكون من الثقات الأثبات! فأما مرافقة مثل النسائي في العلم وطلبه، فدلالتها على حُسْن حال المرافق ظاهرة.
وابن عدي من أجلة أئمة الفن، وإن كره الأستاذ. ومعتقده هو السنة، بل هو الإسلام، وإن رغم الجهمية! وقد تقدم الإشارة إلى هذا في قسم--------------------------------------------
(1) كذا قال الأستاذ، وقال: «وقع في الطبعات الثلاث بدل (الفراهيناني): (الفرهياني)، وهو غلط». كذا قال. وفراهينان من قرى مرو، ليس منها هذا الرجل. وإنما هو من فرهاذان، فيقال له: «الفرهاذاني» على الأصل، و «الفرهياني» على التغيير كما في «معجم البلدان». [المؤلف].
(2) (2/ 716).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 524)
القواعد(1)، وبسطت الكلام في العقائد في قسم الاعتقاديات(2).
وأما لعن المعيَّن، فالخلاف فيه مشهور. ولعل من شدَّد في المنع منه إنما ذهب إلى سدِّ الذريعة لئلا يتوصل إلى لعن بعض الصحابة. على أنه قد كان يبلغ علماءَ دمشق عن أبي حنيفة كلماتٌ يرونها كفرًا وبعضُها مسطَّر في «التأنيب» نفسه، وظاهر أسانيدها الصحة. فلا مانع أن يبنُوا على ظاهر ذلك، ومن بنى على الظاهر فأخطأ، فهو معذور.
وقول الفرهياني: «وهو أبو حنيفة» لم يقلها بغير دليل، وقد مرَّ في (الترجمة) نفسها من «تاريخ بغداد» (13/ 378 [385]) من طريق أبي مسهر نفسه: «قال سلمة بن عمرو القاضي على المنبر: لا رحم الله أبا حنيفة، فإنه أول من زعم أن القرآن مخلوق». والدعاء بعدم الرحمة هو معنى الدعاء بالإبعاد عنها، وهو معنى اللعن. فأما قول الأستاذ: «الخبيث»، فأدع حسابها إلى الله عز وجل.
133 - [1/ 313] عبد الله بن محمد بن عبد العزيز أبو القاسم البغوي ابن بنت أحمد بن منيع، وابن منيع، والمنيعي:
في «تاريخ بغداد» (13/ 378 [385]): «أخبرنا العتيقي، أخبرنا جعفر بن محمد بن [علي](3) الطاهري، حدثنا أبو القاسم البغوي، حدثنا زياد بن أيوب، حدثني حسن بن أبي مالك ــ وكان من خيار عباد الله ــ قال:--------------------------------------------
(1) (1/ 87 - 98).
(2) (2/ 283 وما بعدها).
(3) سقط من (ط).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 525)
قلت لأبي يوسف القاضي: ما كان أبو حنيفة يقول في القرآن؟ قال: فقال: كان يقول: القرآن مخلوق. قال: قلت: فأنت يا أبا يوسف؟ فقال: لا. قال أبو القاسم: فحدَّثتُ بهذا الحديث القاضي البِرْتي، فقال لي: وأيّ حَسَنٍ كان! وأيّ حسن كان! يعني: الحسن بن أبي مالك. قال أبو القاسم: فقلت للبِرْتي: هذا قول أبي حنيفة؟ قال: نعم المشؤوم. قال: جعل يقول: أحدث بخلقي»(1).
قال الأستاذ (ص 54): «هذه كذبة متراكبة على ألسنة أبي يوسف وابن أبي مالك وأحمد بن القاسم البِرْتي (*)، وثلاثتهم من أغْيَر أهل العلم على مذهب أبي حنيفة، وأرطبهم لسانًا في الثناء على أبي حنيفة. ولا أتهم بهذه الرواية السخيفة سوى أبي القاسم البغوي، إن كان الخطيب سمعها من العتيقي. وقد قال ابن عدي عن حاله عند أهل بغداد: وجدتُ الناس أهلَ العلم والمشايخَ مجمعين على ضعفه. وتجد بعد هذا الإجماع مَن يروي عنه. وكم أوقع الرواةَ تطلُّبُ العلوِّ في الرواية عن الضعفاء والهَلْكى! ولولا أن البغوي الحنبلي عاش وعلت سنُّه لما كان يروي عنه أحد ممن له شأن، لظهور مبدأ أمره كما سبق».
أقول: أما غيرة أولئك الثلاثة على مذهب أبي حنيفة وثناؤهم عليه، فما يصحُّ من ذلك لا يمنع أن يخالفوه في تلك المقالة، كما خالفه أبو يوسف في مسائل لا تحصى. ولا مانع من أن يخبر بعضهم بعضًا بها، ولا أن يُخبر بها(2) الحسنُ زيادًا ليعلمه براءة أبي يوسف من تلك المقالة، ولاسيَّما إذا عُلم أنها مستفيضة عن أبي حنيفة. وكان حفيده إسماعيل بن حماد يصرخ--------------------------------------------
(1) كذا في (ط) و «التاريخ» ط القديمة، وفي المحققة (15/ 519): «أحدث بِحَلْقي».
(2) (ط): «يخبرها».
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 526)
بها صراخًا أيام المحنة، وأنها دين أبيه وجدِّه(1). وجاء عن الحِمَّاني أنه حدَّثه عشرة كلُّهم ثقات أنهم سمعوا أبا حنيفة يقول هذه المقالة. والأستاذ وإن تكلم في الرواة، فهو يعترف، بل يتبجَّح بأن أبا حنيفة كان يقول ذلك. وكذلك لا مانع أن يخبر البِرْتيُّ البغويَّ، لعلمه بأنه قد علم ذلك وليعلمه براءته، مع أن الحسن والبِرْتي كانا من الاعتدال والاستقامة وحبِّ السنة بمكان، ولذلك أطاب أهلُ الحديث أنفسُهم الثناء عليهما.
وأما البغوي، فإن أهل العلم بعده أجمعوا على توثيقه. هذا ابن عدي(2) بعد أن حطَّ عليه بما [1/ 314] لا يوجب جرحًا، لم ينكر عليه إلا حديثًا واحدًا أشار إلى أنه غلط في إسناده. فأثبت ابن حجر في «لسان الميزان»(3) أن الغلط من شيخ البغوي، وأن البغويّ بعد اطلاعه على أنه غلطٌ كفَّ عن روايته. ثم عاد ابن عدي، فأنصف وقال: «ولولا أني شرطتُ أن كلَّ من تُكُلِّمَ فيه (يعني ولو بكلام يسير لا يقدح) أذكره وإلا كنت لا أذكره». وأعرض الخطيب(4) عن كلام ابن عدي رأسًا. وذكره ابن الجوزي في «المنتظم» (ج 6 ص 229) وذكر بعض كلام ابن عدي، وأجاب عنه وقال: «هذا كلام لا يخفى أنه صادر عن تعصُّب». وقال الذهبي في «الميزان»(5): «تكلَّم فيه ابنُ عدي بكلام فيه تحامُل، ثم في أثناء الترجمة أنصف، ورجع عن الحطِّ عليه».--------------------------------------------
(1) انظر «لسان الميزان»: (2/ 114).
(2) في «الكامل»: (4/ 267).
(3) (4/ 565 - 567).
(4) في ترجمته: (10/ 110 - 115).
(5) (3/ 206)
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 527)
وإنما كان البغويّ عالي الإسناد، حديد اللسان، يفتخر على المحدثين في عهده في بلده، ويتكلم فيهم، فيتكلمون فيه بما ليس بموجبٍ جرحًا.
وروى الخطيب أن ابن أبي حاتم سئل عن البغوي: يدخل في الصحيح؟ قال: نعم. وعن أبي بكر أحمد بن عبدان أنه سُئِلَ عن البغوي فقال: «لا شك أنه يدخل في الصحيح». وعن الدارقطني أنه سئل عن البغوي فقال: «ثقة جبل إمام من الأئمة ثبت أقلُّ المشايخ خطأ». وعن موسى بن هارون أنه سئل عن البغوي، فقال: «ثقة صدوق، لو جاز أن يقال لإنسان: إنه فوق الثقة، لقيل له». وقال الخطيب في أول الترجمة: «كان ثقة ثبتًا مكثرًا فهمًا عارفًا». وقال الذهبي في «التذكرة»(1): «واحتج به عامةُ من خرَّج الصحيح كالإسماعيلي والدارقطني والبَرْقاني … وقال أبو يعلى الخليلي: البغوي شيخ معمَّر … حافظ عارف، صنَّف مسندَ عمِّه، وقد حسدوه في آخر عمره، فتكلَّموا فيه بشيء لا يقدح فيه». ووثَّقه أيضًا مسلمة بن قاسم، كما في «لسان الميزان».
فهذا هو الإجماع يا أستاذ! وهل يضرُّ البغويَّ بعد ذلك أن يتهمه مثلُك!
وأما الخطيب، فقد تقدمت ترجمتُه(2)، وأنت تعرف صدقَه وثبتَه حقَّ المعرفة، وإن أظهرت التشكك! والله المستعان.(3)--------------------------------------------
(1) (2/ 739).
(2) رقم (26).
(3) عبد الله بن محمد بن عثمان المزني الحافظ المعروف بابن السقاء. راجع «الطليعة» (ص 48 - 49 [36 - 37]). وراجع «تذكرة الحفاظ» (ج 3 ص 231 [965]). [المؤلف].
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 528)