مع عبد العزيز بن الحارث الحنبلي بعض المجالس، فسئل عن فتح مكة أكان صلحًا أو عَنوة؟ فقال: عَنوة. فقيل: ما الحجة في ذلك؟ فقال: ثنا أبو علي محمد بن أحمد بن الصواف، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا عبد الرزاق، عن مالك ــ أو معمر قال عبد الواحد: أنا أشك ــ عن الزهري، عن أنس: أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في فتح مكة أكان صلحًا أو عَنوة؟ فسألوا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «عَنوة». قال ابن المسلم: فلما خرجنا من المجلس قلت له: ما هذا الحديث؟ قال: ليس بشيء، وإنما صنعتُه في الحال لأدفع به الخصم».
الثالث: قال الخطيب في ترجمة عبد الوهاب: «حدثنا عبد الوهاب بن عبد العزيز بن الحارث بن أسد بن الليث بن سليمان بن الأسود بن سفيان بن يزيد بن أكينة بن عبد الله التميمي قال: سمعت أبي يقول … ». فساق السند مسلسلًا بالآباء إلى أكينة «يقول: سمعت عليًّا، وسئل عن الحنّان المنّان … ». وساق الذهبي في ترجمة أبي الحسن من «الميزان»(1) بالسند إليه قال: «سمعت أبي … » بسلسلة الآباء إلى «أكينة يقول: سمعت أبي الهيثم يقول: سمعت أبي عبد الله يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما اجتمع قوم على ذِكْر إلا حفَّتْهم الملائكة، وغشيَتْهم الرحمة». قال الذهبي: «المتَّهَمُ به أبو الحسن. وأكثر أجداده لا ذكر لهم في تاريخ ولا في أسماء رجال».
فأما الأمر الأول، فأجاب عنه ابن الجوزي في «المنتظم» (ج 7--------------------------------------------
(1) (3/ 339).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 549)
ص 110) بقوله: «يجوز أن يكون قد كتب في بعض المسانيد من مسند آخر، ومن مسموعاته من غير ذلك المسند. متى كان الشيء محتملًا لم يجُز أن يُقطَع على صاحبه بالكذب، نعوذ بالله من الأغراض الفاسدة، على أنها تحول على صاحبها»(1).
[1/ 327] أقول: يقع في بعض مسانيد الصحابة من «المسند» أحاديث لصحابي آخر. ففي مسند ابن عباس من «المسند» (ج 1 ص 258)(2) حديث من رواية أبي هريرة مرفوعًا، وفي الصفحة التي تليها(3) حديث من رواية أنس مرفوعًا، ولذلك نظائر. فكأنَّ مقصود ابن الجوزي أنه يجوز أن يكون أبو الحسن حوَّل الحديثين المذكورين مثلًا، فألحق الأول في مسند أبي هريرة، والثاني في مسند أنس. ولا يخفى بعدُ هذا الاحتمال، إذ لو كان هذا هو الواقع لما كان هناك ما يدعو الحفّاظ الأثبات كالدارقطني وابن شاهين إلى شدة الإنكار وكتابة المحضر، ولَمَا عبَّر ابن رزقويه بقوله: «وضع أبو الحسن».
فأما قول ابن الجوزي: «ومن مسموعاته»، فكأنه أراد به أنه إن لم يكن ذانك الحديثان من «المسند» فيجوز أن يكون سمعهما أبو الحسن خارج «المسند» بسند «المسند»، كأن يكون «المسند» عنده من روايته عن ابن--------------------------------------------
(1) أقول: وهناك احتمال ثالث لم يذكره ابن الجوزي، وهو أن يكون قد وقعت له أحاديث من بعض نسخ «المسند» أو رواياته، فألحقها في نسخته أو في الرواية التي لم تقع فيها تلك الزيادات ولم يبين مصدر هذه الأحاديث الزائدة.
(2) رقم (2342).
(3) رقم (2346).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 550)
الصواف عن عبد الله بن أحمد عن أبيه، وسمع بهذا السند نفسه حديثين مفردين، فألحقهما في «المسند».
وهذا الاحتمال أقرب من الأول، وعليه فلم يكن من أبي الحسن وضعٌ ولا افتراء. ويبقى النظر في صورة إلحاقه، فإن كان إنما علَّقهما في الحاشية على سبيل الفائدة الزائدة لا على إيهام أنهما من «المسند»، فهذا لا محذور فيه أصلًا. وإن كان أدرجهما في «المسند» موهمًا أنهما منه، فقد أساء، إلا أنه لا يكون ذلك وضعًا للحديث وافتراءً له. وإنكار الحفاظ وكتابة المحضر وقول ابن رزقويه: «وضع … في (مسند أحمد)» يدلُّ أن الواقع لم يقتصر على الكتابة في الحاشية بدون إيهام.
وقد وقع التقصير من الجانبين؛ قصَّر الأزهري عن تفصيل القضية، فلم يذكر ما هما الحديثان، وما قال الحفّاظ؟ وقصَّر محدّثو الحنابلة، فلم يراجعوا عند كتابة المحضر، ولم ينقلوا بيان الحال إن كان الواقع على وجه لا يضرُّ صاحبَهم أبا الحسن. فلو ساغ لابن الجوزي أن يتهم الخطيبَ بالميل لساغ لمن يدافع عن الخطيب أن يقول: لو كان هناك ميلٌ لتداركه محدثو الحنابلة في عصر الخطيب عندما سمعوا ما ذكره الخطيب في «تاريخه». ولعلهم كانوا قد علموا بالقضية، أو سألوا عنها، فعرفوها، ورأوا أن السكوت عنها أولى؛ لأن ذكرها مفصلةً لا ينفع صاحبهم، بل لعله يكون أضرَّ عليه.
وقد كان ابن الجوزي قريبًا من عصر الواقعة، فإن لم يعتن بالبحث عنها والسؤال فقد قصَّر. وإن بحث وسأل، فعرفها، فما باله اقتصر [1/ 328] على التجويزات البعيدة والتجنِّي على الخطيب؟ ولا يُظَنُّ به أنه بحث وسأل، فلم
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 551)
يجد خبرًا ولا أثرًا إلا ما ذكره الخطيب؛ لأنه لو كان الأمر هكذا لكان الظاهر أن يذكره ابن الجوزي، فإنه أقوى للدفاع مما اقتصر عليه.
وبعدُ، فالأسلم للجانبين والأحقن لدم الأخوين أن يقال: لعل أبا الحسن سمع ذينك الحديثين مفردين ليسا من «المسند»، ولكنهما بسنده، فألحقهما في الحاشية أو بين السطور غير قاصد الإيهام، ولكن كانت صورة الإلحاق موهمة. فأبو الحسن معذور لعدم قصده، والمنكرون معذورون لبنائهم على الظاهر. والله أعلم.
وأما الأمر الثاني، فأجاب عنه بأن عبد الواحد «لا يُعوَّل على قوله … ». وستأتي ترجمة عبد الواحد(1)، فلا هو بالذي تقوم الحجة بما ينفرد به ولا هو بمن يُظَنُّ به أن يختلق مثل هذه القصة اختلاقًا. وإذ كان الأمر كذلك، فلا مانع من إبداء احتمال يخفُّ به الاستبعاد، كأن يقال: لعل صاحب القصة رجل آخر غير أبي الحسن، ويكون ابن المسلم لم يُسمِّه، بل قال مثلًا: «بعض الفقهاء» أو «بعض الشيوخ»، ولعله ذكر مذهبه، فظن عبد الواحد أنه أبو الحسن، فسمَّاه.
وأما الأمر الثالث، فلم يذكره الخطيب في ترجمة عبد العزيز، وإنما الذي اتَّهم به عبدَ العزيز هو الذهبي، ولا حجة للذهبي على ذلك إلا أن عبدَ الوهاب موثَّق، وعبدُ العزيز قد قيل فيه ما تقدَّم في الأمرين السابقين. وقد علمتَ أن الأمر الثاني لم يثبت ولا قارب، وأن الأمر الأول لا يخلو عن احتمال، فالأَولى في هذا الأمر الثالث الحملُ على أحد الآباء المجاهيل.--------------------------------------------
(1) رقم (149).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 552)
ومع أن ابن الجوزي دافع عن أبي الحسن، فلم يذكر أن أحدًا من حفاظ الحنابلة أو غيرهم وثَّقه، ولا وثقه هو، بل اقتصر على أنه لا يجوز القطع عليه بالكذب. وإنما ذَكَر قولَ أبي يعلى ابن الفراء الحنبلي: «رجل جليل القدر، وله كلام في مسائل الخلاف، وتصنيف في الأصول والفرائض»(1).
والذي يتحصَّل هنا: أنه لم يثبت ما يُقطع به على أبي الحسن أنه وضع الحديث، لكنه مع ذلك لم يثبت على قواعد الرواية ما يقتضي أن تجبَ الحجةُ بروايةٍ ينفرد بها. فأمَّا الخطيب، فمَنْ أنصفَ علِمَ بأنه لم يتعدَّ ما يوجبه عليه فنُّه ومقامُه. والله أعلم.
145 - [1/ 329] عبد الملك(2) بن حبيب القرطبي. أحد مشاهير المالكية:
ذكر الأستاذ (ص 6) عن الباجي: «روى عبد الملك بن حبيب، أخبرني مطرِّف: أنهم سألوا مالكًا عن تفسير الداء العضال … ». وفيه قول الباجي: «وعندي أن هذه الرواية غير صحيحة … ».
قال الأستاذ (ص 8): «ووجهُ حكمه يظهر من ترجمة مطرِّف … وعبد الملك في كتب الضعفاء».
أقول: كان ابن حبيب فقيهًا جليلًا نبيلًا صالحًا في نفسه، لكن لم تكن الرواية من شأنه، كان يتساهل في الأخذ، ويروي على التوهُّم. هذا محصَّل--------------------------------------------
(1) نقله عنه الخطيب في «تاريخه»: (10/ 461)، وذكره ابن أبي يعلى في «طبقات الحنابلة»: (3/ 246 - 248).
(2) وقع في (ط) محرفًا «عبد الله»!
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 553)
ما ذكروه في ترجمته(1). وقد توبع في هذه الحكاية، كما يأتي في ترجمة مُطرِّف(2).
146 - عبد الملك بن قُريب الأصمعي:
ذكر الأستاذ (ص 24) ما حكي عن الأصمعي في قول الشعبي: «لا تعقل العاقلة … »، وأن الأصمعي قال: «كلمتُ أبا يوسف بحضرة الرشيد، فلم يفرِّق بين عقلتُه وعقلتُ عنه حتى فهَّمتُه». فقال الأستاذ (ص 25): «لا نقيم لكلامه وزنًا. فإن كنت لا تكتفي بما في الكتب المؤلفة في الضعفاء من قول مثل أبي زيد الأنصاري فيه، فعليك بكتاب «التنبيهات على أغاليط الرواة» لأبي القاسم علي بن حمزة البصري، لتطلع على أغلاط هذا المتقعر وكلام الناس في أمانته في النقل».
وذكر الأستاذ (ص 54) عن «تاريخ بغداد»(3) حكاية من طريق الأصمعي، فقال: «كذَّبه أبو زيد الأنصاري. وذكر علي بن حمزة .... ورماه بأمور تؤيد رأي أبي زيد فيه. وليس بقليلٍ ما ذكره الخطيب من نوادره. ومن جملة نوادره: أن الأصمعي لما توفي سنة 215 قال أبو قِلَابة الجَرْمي في جنازته: … » فذكر البيتين.
أقول: أما الحكاية الأولى، فمسألة لغوية قد ذكرتها في الفقهيات(4). والحكاية الثانية لم ينفرد بها الأصمعي، ومعناها مشهور إن لم يكن متواترًا.--------------------------------------------
(1) انظر «ترتيب المدارك»: (4/ 122 - 148)، و «السير»: (12/ 102 - 107) و «لسان الميزان»: (5/ 255 - 259).
(2) رقم (247).
(3) (13/ 378 [385]).
(4) (2/ 152 - 156).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 554)
وأما ما روى عن أبي زيد فلم يصحَّ، كما أوضحته في «الطليعة» (ص 82 - 83)(1). ولو صحَّ لما أوجب جرحًا، لأنه لم يفسَّر. ويحتمل أن يراد به النسبة إلى الخطأ والغلط، كما ذكره الأستاذ (ص 163). ويؤيده أنه كان بين أبي زيد والأصمعي منافسة دنيوية واختلاف في الاعتقاد، مع أن بعض أئمة الحديث تكلَّم في أبي زيد، كما تراه في ترجمته من «التهذيب»(2). والأصمعي وثَّقه [1/ 330] الأئمة، كما يأتي.
وقال الأستاذ في «الترحيب»(3): «وأما الأصمعي، فقد وثَّقه غيرُ واحد في الحديث. وأما أخباره ونوادره المدونة في الكتب، ففيها كثير مما يُرفَض، وقد قال ابن أخي الأصمعي عبد الرحمن بن عبد الله وقد سئل عن عمه: هو جالس يكذب على العرب. وقال أبو رياش: كان الأصمعي مع نَصْبه كذّابًا. وقال: سأله الرشيد: لم قطع عليٌّ يدَ جدِّك أصمع؟ فقال: ظلمًا يا أمير المؤمنين. وكذب عدوُّ الله، إنما قطعه في سرقة. وأطال أبو القاسم علي بن حمزة .... ومما قال فيه: كان مجبِرًا شديدَ البغض لعليّ كرَّم الله وجهه. وتكذيبه ليس بمنحصر فيما يروى عن أبي زيد الأنصاري».
أقول: كأنَّ الأستاذ يحسب الكلام في الأصمعي كما قالت الأعراب(4):
قد هدَم اليربوعُ بيتَ الفارهْ … فجاءت الزُّغْبُ من الوِبارَه(5)--------------------------------------------
(1) (ص 64).
(2) (4/ 3 - 5).
(3) (ص 340 ــ ملحق بالتأنيب).
(4) انظر: «الحيوان»: (6/ 370) للجاحظ، و «المعاني الكبير»: (2/ 681) لابن قتيبة.
(5) في «الحيوان»: «فجاءت الرُّبْيَة والوِبارة».
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 555)
وكلُّها(1) يشتدُّ بالحجارَه
مَنْ عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي يا أستاذ؟ ! وهل عرفه الناس إلّا بكلمات يرويها عن الأصمعي! ومَنْ جعله بحيث تُعارَض بما حُكي عنه نصوصُ أئمة الإسلام في توثيق الأصمعي؟ ! ولعلها ــ إن صحت الكلمة عنه ــ كلمةٌ قالها في صباه وهو يلعب مع الأطفال، فاستُظْرِفَتْ من ذاك الصبيِّ، فنُقِلَتْ.
وأما أبو رياش، فمَن أبو رياش؟ أذَكَروه بأكثَر من أنه كان حُفَظةً للأشعار، أو أنه كان يتشيَّع، أو أنه كان وسخًا دنسًا إلى الغاية؟ وهل يَحتجُّ بكلامه في الأصمعي عاقل! ولمعرفتنا بحاله لا نطالبك بتصحيح النقل عنه، وكان بعد الأصمعي بزمان طويل.
أما علي بن حمزة، فمعدود من علماء اللغة، بينه وبين الأصمعي زمان طويل. حدُّه أن يُقبل منه تخطئةُ مَن قبله إذا أقام الحجة. وقوله: «إن الأصمعي كان مجبِرًا» دليل على أنه هو كان قدريًّا، والقدرية تسمِّي أهل السنة «مُجْبِرة». وقوله: «شديد البغض لعلي كرم الله وجهه» قولٌ لا حجة عليه، ولا نعلم عن الأصمعي شيئًا يَثبُت عنه يسوِّغ أن يُنسَب لأجله إلى النصب.--------------------------------------------
(1) كذا «وكلُّها» في الأصل. وكان في أصل «المعاني الكبير»: «وحلم»، فرأى الشيخ المعلمي أنه تصحيف «وكلُّهم»، وأثبت ذلك في المتن مع الإشارة في الحاشية إلى أن في نسخة كرنكو المنقولة من المخطوط: «وحلم (بفتح فسكون) تشتدُّ».
قلت: والصواب ما ورد في المخطوط: «وحَلَمٌ تشتدُّ». و «الحَلَم» ضرب من القِرْدان. وفي «الحيوان»: «وحَلَمٌ يَشُدُّ» وشَدَّ واشتدَّ بمعنًى. [الإصلاحي].
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 556)
ودونك ثناءَ الأئمة على الأصمعي. قال الإمام الشافعي بعد أن فارق بغداد: «ما رأيت بذلك العسكر أصدقَ لهجةً من الأصمعي». فتدبر هذه الكلمة، وانظر من كان ببغداد من الأكابر الذين رآهم الشافعي بها. وقال أبو أمية الطَّرْطُوسي: «سمعت أحمد ويحيى يثنيان على [1/ 331] الأصمعي في السنَّة. قال: وسمعتُ عليَّ ابن المديني يثني عليه»، وقال عباس الدُّوري: «قلت لابن معين: أريد الخروج إلى البصرة، فعمَّن أكتب؟ قال: عن الأصمعي فهو صدوق». وقال أبو داود: «صدوق». وقال نصر بن علي: «كان الأصمعي يقول لعفَّان: اتَّقِ الله، ولا تُغيِّرْ حديثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقولي». قال نصر بن علي: «كان الأصمعي يتَّقي أن يفسِّر حديثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يتقي أن يفسِّر القرآن». وذكره ابن حبان في «الثقات»(1)، وقال: «ليس فيما يروي عن الثقات تخليط إذا كان دونه ثقة».
أقول: وتجد في كتب اللغة ومعاني الشعر مواضع كثيرة يتوقف عنها الأصمعي، وذلك يدل على توقِّيه وتثبُّته. وكأنَّ ابن جني أشار إلى كلام علي بن حمزة إذ قال في «الخصائص»(2): «وهذا الأصمعي ــ وهو صَنَّاجة الرُّواة والنقَلة، وإليه محطُّ الأعباء والثقَلة، ومنه تُجنَى الفِقَر والمُلَح، وهو ريحانُ(3) كلِّ مغتَبَق ومصطَبَح ــ كانت مشيَخةُ القراء وأماثلُهم تحضره ــ--------------------------------------------
(1) (8/ 389).
(2) (3/ 311 - تحقيق النجار). ويبدو أن المؤلف نقل النص من طبعة غير التي نعزو إليها وقد أثبت الفروق في الهامش وهي مهمة في تصحيح بعض عبارات النص.
(3) في «الخصائص»: «ريحانة».
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 557)
وهو حَدَث ــ لأخذ قراءةِ نافع عنه. ومعلومٌ قدرُ ما حذِقَ(1) من اللغة فلم يُثْبِته لأنه لم يقوَ عنده إذ لم يسمعه … فأما إسفافُ مَن لا علمَ له وقولُ من تمسَّك به(2): إن الأصمعي كان يزيد في كلام العرب، ويفعل كذا، ويقول كذا، فكلامُ معفوٍّ عنه، غير معبوءٍ به، ولا متقدم في(3) مثله؛ حتى كأنه لم يتأدَّ إليه توقفُه عن تفسير القرآن وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم وتحرُّزُه(4) من الكلام في الأنواء».
وأما ما يُحكى عن الأصمعي من النوادر، فقد نَحَله الناسُ حكايات كثيرة جدًّا، وكلُّ من أراد أن يضع حكايةً نسبها إلى الأصمعي، فلا يلتفت من ذلك إلَّا لما صحَّ سندُه، ولن يوجد في ذلك إلّا ما هو حق وصدق، أو يكون الحمل فيه(5) على مَنْ فوق الأصمعي. ومحاولة الأستاذ التفرقة بين الحديث والحكايات محاولة فاشلة، والصدقُ الذي يُثْنَى به على الراوي شيء واحد، إمَّا أن يثبتَ للأصمعيِّ كلُّه، وهو الواقع كما صرّحَتْ به كلمةُ الشافعي السابقة، واقتضته كلمات غيره، وإمَّا أن يسقط كلُّه. وقد تقدم شرح ذلك في القواعد(6).--------------------------------------------
(1) في «الخصائص»: «كم قدر ما حذف».
(2) في «الخصائص»: «وقول من لا مُسْكة به».
(3) في «الخصائص»: «ولا منقومٍ من مثله».
(4) في «الخصائص»: «وتحوّبه».
(5) (ط): «منه».
(6) (1/ 59 - 70).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 558)
وأما قول الأستاذ: «ومن جملة نوادره: أن الأصمعي لما توفي … »، فهذا من العجائب، كيف تكون من نوادره وقد مات؟ ! أوَ لم يستطع الأستاذ تخلُّصًا إلى ذينك البيتين اللذين هُجي بهما الأصمعي بعد موته لتعطّش الأستاذ إلى ذكرهما؟ والحكاية من رواية أبي العيناء، [1/ 332] وحالُه معروف، يأتي له ذكر في ترجمة الإمام مالك(1)، مع أن تمام الحكاية: «قال أبو العيناء: وجذبني من الجانب الآخر أبو العالية الشامي فأنشدني:
لِلّاه درُّ بناتِ الدهر إذ فَجَعَتْ … بالأصمعيِّ لقد أبقَتْ لنا أسَفَا
عِشْ ما بدا لك في الدنيا فلستَ ترى … في الناس منه ولا مِنْ عِلْمِه خَلَفا
لم أورد هذه التتمة منكرًا على الأستاذ إعراضه عنها. ولكن كان الأجدر به ــ وهو يعلم أن هذه تمام الحكاية ــ أن يُعرض عن أولها، لئلا يكون ــ أو لئلّا يقال: إنه ــ ممن يُرضيه القول الزور الفاجر، ويُسخطه القول الصادق البار.
هذا وقد كان الأصمعي أوائل أمره يخالط الخلفاء والأمراء، ثم انقطع عن ذلك، ولزم بيته ومسجده، حتى إن المأمون الخليفة حَرَص جهدَه على أن يصير الأصمعي إليه، فأبى. فكان المأمون يجمع المسائل ثم يبعث بها إلى الأصمعي بالبصرة ليجيب عنها. وليس للأصمعيّ ذنب إلا أنه من أهل السنة. والله المستعان.--------------------------------------------
(1) رقم (183).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 559)
147 - عبد الملك بن محمد أبو قِلابة الرقاشي:
في «تاريخ بغداد» (13/ 423 [453]) من طريق الأصم: «حدثنا أبو قلابة الرقاشي، حدثنا أبو عاصم قال: سمعت سفيان الثوري بمكة، وقيل له: مات أبو حنيفة، فقال: الحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به كثيرًا من الناس». ومن طريق الأصم أيضًا: «حدثنا محمد بن علي الوراق، حدثنا مسدد قال: سمعت أبا عاصم يقول: ذُكِر عند سفيان موتُ أبي حنيفة، فما سمعته يقول: رحمه الله، ولا شيئًا، قال: الحمد لله الذي عافانا مما ابتلاه به».
قال الأستاذ (ص 169): «أبو قلابة الرقاشي كثير الخطأ في الأسانيد والمتون، على ما نقله الخطيب عن الدارقطني».
أقول: قال الدارقطني: «لا يحتج بما تفرَّد به. بلغني عن شيخنا أبي القاسم ابن بنت منيع (هو عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، تقدمت ترجمته(1)) أنه قال: عندي عن أبي قلابة عشرة أجزاء ما منها حديث مُسلَّم، إما في الإسناد وإما في المتن، كان يحدِّث من حفظه فكثرت الأوهام فيه». ولا حاجة بنا ــ ولله الحمد ــ إلى مضايقة الأستاذ بأن نقول: أنت لا تثق بالبغوي، فليس لك أن تعوِّل عليه هنا. بل نقول: قال ابن جرير: «ما رأيت أحفظ منه». وقال مسلمة بن قاسم عن ابن الأعرابي: « … ما رأيت أحفظ منه، وكان من الثقات … ». [1/ 333] قال مسلمة: «وكان راوية للحديث متقنًا ثقة … ». وقال أبو داود: «رجلُ صدق أمين مأمون، كتبت عنه بالبصرة». وقال ابن خزيمة: «ثنا أبو قلابة بالبصرة قبل أن يختلط ويخرج إلى بغداد».--------------------------------------------
(1) رقم (133). وانظر كلام الكوثري في تضعيفه بلا حق هناك.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 560)
فاتضح أن أبا قلابة كان ثقة متقنًا إلا أنه تغيَّر بعد أن تحوَّل إلى بغداد، وفيها سمع منه البغوي. فإن كان سماع الأصم منه بالبصرة ثبتت الحكاية، وإلَّا فقد تابعه عليها جبل من الجبال(1) كما رأيت. قال البخاري في «صحيحه»(2) في «باب من أين يخرج من مكة»: «كان يقال: هو مسدّد كاسمه … سمعت يحيى بن معين يقول: سمعت يحيى بن سعيد يقول: لو أن مسدّدًا أتيته في بيته لاستحقَّ ذلك، وما أبالي كتبي كانت عندي أو عند مسدّد».
148 - عبد المؤمن بن خلف أبو يعلى التميمي النسفي الحافظ:
ذكر الأستاذ (ص 187) أن الخطيب روى(3) من طريقه عن صالح بن محمد جزرة(4) الحافظ كلامًا في الحسن بن زياد اللؤلؤي، فقال الأستاذ: «عبد المؤمن ليس ممن يصدَّق فيه، لأنه كان ظاهريًّا طويل اللسان على أهل القياس».
أقول: قد سلف في القواعد(5) أن المخالفة في المذهب لا تُرَدُّ بها الرواية، كالشهادة، وهذا ما لا أرى عالمًا يشكّ فيه. ومن حكم له أهلُ العلم بالصدق والأمانة والثقة فقد اندفع عنه أن يقال: «لا يُصدَّق في كذا» اللهم إلا--------------------------------------------
(1) يعني مسدَّد بن مسرهد.
(2) (2/ 145 رقم 1576).
(3) «التاريخ»: (7/ 315).
(4) (ط): «بن جرزة» خطأ.
(5) (1/ 87 - 98).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 561)
أن تقام الحجة الواضحة على أنه تعمَّد كذبًا صريحًا، فيزول عنه اسم الصدق والأمانة البتة. والأستاذ يمرُّ بالجبال الرواسي، فينفخ ويخيِّل لنفسه وللجهال أنه قد أزالها أو جعلها هباء! والذي جرَّأه على ذلك كثرة الأتباع، وغربة العلم، وما لا أحبّ ذكره. والله المستعان.
149 - عبد الواحد بن عليّ بن بَرْهان العكبري:
هذا الرجل روى عنه الخطيب أشياء تتعلق برواة الحديث، ومن جملة ذلك ما تقدم في ترجمة عبد العزيز بن الحارث أبي الحسن التميمي(1)، وما يأتي في ترجمة عبيد الله بن محمد بن بطة العُكْبري(2). فاعترضه ابن الجوزي، فقال في ترجمة أبى الحسن: «هذا العكبري لا يعوَّل على قوله، فإنه لم يكن من أهل الحديث والعلم، إنما كان [1/ 334] يعرف شيئًا من الحديث. كذلك ذكر عنه الخطيب. وكان أيضًا معتزليًّا يقول: إن الكفار لا يخلدون في النار»(3). وذكر نحو ذلك في ترجمة ابن بطة(4)، ثم قال: فمن كان اعتقاده يخالف إجماع المسلمين فهو خارج عن الإسلام، فكيف يقبل جرحه؟ وقال محمد بن عبد الملك الهمذاني: كان ابن بَرْهان يميل إلى المُرْد ويقبِّلهم».
وقال في ترجمة عبد الواحد من «المنتظم» (ج 8 ص 236): «كان--------------------------------------------
(1) رقم (144).
(2) رقم (153).
(3) «المنتظم»: (7/ 110).
(4) المصدر نفسه: (7/ 194).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 562)
مجوّدًا في النحو، وكان له أخلاق شرسة، ولم يلبس سراويل قط، ولا قبل عطاء أحد، وكان لا يغطي رأسه. وذكر محمد بن عبد الملك: كان ابن برهان يميل إلى المُرْد الصِّباح ويقبِّلهم من غير ريبة. وقوله: «من غير ريبة» أقبح من التقبيل، لأن النظر إليهم ممنوع منه إذا كان بشهوة، فهل يكون التقبيل بغير شهوة؟ … ».
وفي «لسان الميزان» (ج 4 ص 82)(1): «قال ابن ماكولا: كان فقيهًا حنفيًّا قرأ اللغة، وأخذ الكلام من أبي الحسين البصري. قلت: وقد بالغ محمد بن عبد الملك الهمذاني في «تاريخه» فقال: كان يمشي مكشوف الرأس، وكان يميل إلى المُردان من غير ريبة. ووقف مرةً على مكتب عند خروجهم، فاستدعى واحدًا واحدًا فيقبِّله ويدعو له ويسبِّح الله، فرآه ابن الصبَّاغ، فدسَّ له واحدًا قبيحَ الوجه، فأعرض عنه وقال: يا أبا نصر لو غيرك فعل بنا هذا».
وفي ترجمة عبد الواحد من «تاريخ بغداد» (ج 11 ص 17): «كان يذكر أنه سمع من أبي عبد الله ابن بطة وغيره إلا أنه لم يرو شيئًا. وكان مضطلعًا بعلوم كثيرة منها النحو واللغة ومعرفة النسب والحفظ لأيام العرب وأخبار المتقدمين، وله أُنْسٌ شديد بعلم الحديث».
أقول: فقد كان ابن بَرْهان على بدعته من أهل العلم والزهد والمنزلة بين العلماء. ومحمد بن عبد الملك الهَمَذاني لا أعرف ما حاله(2)؟ وقد ذكر--------------------------------------------
(1) (5/ 294).
(2) هو: محمد بن عبد الملك بن إبراهيم الهَمَذاني المقدسي أبو الحسن الشافعي (463 - 521)، قال ابن النجار: «كان فاضلًا حسن المعرفة بالتواريخ والدول … وبه خُتِم هذا الفن». وقال ابن كثير: «صاحب التاريخ من بيت الحديث والأئمة». وذكر ابن الجوزي عن شيخه عبد الوهاب ما يوجب الطعن فيه. ترجمته في «تاريخ الإسلام»: (11/ 375)، و «البداية والنهاية»: (16/ 276)، و «طبقات الشافعية»: (6/ 135).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 563)
ابن حجر أنه بالغ. وقد تصرَّف ابن الجوزي في عبارة الهمذاني، ففي موضع زاد فيها «ويقبِّلهم» وحذف «من غير ريبة». وفي موضع زاد «الصِّباح فيقبِّلهم»، وإنما أخذ الصباحةَ والتقبيلَ من قصة المكتب. وقد كان ببغداد في ذاك العصر عدد كثير من مشاهير العلماء ما منهم إلا من يخالف عبد الواحد في العقيدة والمذهب أو أحدهما. وكان عبد الواحد على غاية الصيانة. ذكروا أنه «لما ورد الوزير عميد الدين إلى بغداد استحضره فأعجبه كلامه، فعرض عليه مالًا، فلم يقبله. فأعطاه مصحفًا بخط ابن البواب وعكازةً [1/ 335] حُمِلت إليه من الروم، فأخذهما. فقال له أبو علي ابن الوليد المتكلِّم: أنت تحفظ القرآن، وبيدك عصا تتوكأ عليها، فلِمَ تأخذ شيئًا فيه شبهة؟ فنهض ابن بَرْهان في الحال إلى قاضي القضاة ابن الدامغاني وقال له: لقد كدتُ أهلك حتى نبَّهني أبو علي ابن الوليد، وهو أصغر سنًّا منِّي، وأريد أن تعيد هذه العكازة والمصحف على عميد الدين، فما يصحباني. فأخذهما، وأعادهما إليه». أفما كان في ذاك الجمّ الغفير من أهل العلم من ينكر على ابن برهان ما نسبه ابن الجوزي إليه؟ ! وما كان فيهم من يعيبه بذلك على الأقل، مع مخالفتهم له كما سلف؟ فما بالنا لا نعرف عنهم كلمة واحدة في ذلك إلّا تلك الشاذَّة من ذاك الهَمَذاني؟
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 564)
وليس المقصود ردَّ كلمة الهمذاني، وإنما المقصود تجريدها عما فيها من المبالغة التي أشار إليها ابن حجر. فأقول: كانت المكاتب في ذاك العصر خاصةً بالأطفال، إنما هي لتعليم القراءة والكتابة؛ فأما ما زاد عن ذلك من العلم فكان محلُّه الجوامع والمساجد ومجالس العلماء في بيوتهم والمدارس الكبيرة. فمرَّ ــ على ما يقول الهمذاني ــ ابنُ بَرْهان مع جماعة من أهل العلم وغيرهم، فيهم الإمام أبو نصر ابن الصبّاغ الشافعي، بمكتب من مكاتب الأطفال، فصادف وقت خروجهم، فأخذ ابن برهان يقبِّلهم ويدعو لهم تنشيطًا لهم ورجاءَ أن يصيروا رجالًا صالحين. فمازحه ابن الصباغ بأن قدَّم إليه واحدًا منهم قبيح الصورة، فأعرض عنه ابن برهان علمًا بأنه لا مجال هناك لأدنى ريبة، ولو كان هناك مجال لريبة لكان الظاهر أن يقبِّل ذاك القبيح كغيره. وأيُّ عقل يميز أن يكون فيما جرى شيء من الريبة، ويقرُّه الحاضرون من أهل العلم وغيرهم، ويقتصر ابن الصباغ على تلك الملاطفة؟ فأما أهل بغداد المخالفون لابن بَرْهان في العقيدة أو المذهب أو كليهما، فلم يروا فيما جرى ما يسوِّغ أن يُعاب به ابن برهان. وأما ذلك الهَمَذاني فدعته نفرته عن ابن برهان لمخالفته في العقيدة والمذهب إلى أن عبَّر بقوله: «يميل إلى المردان»، فنازعه واعظُ الله تعالى في قلبه، فدافعه بقوله: «من غير ريبة»، وذكروا(1) قصة المكتب، فجاء ابن الجوزي، فصنع ما تقدَّم. ولا أدري ما صنع سِبْطه، فإنه كثير التصرف في مثل هذا! فوقع التزيُّد في الحكاية، كما تراه في «بغية الوعاة»(2) وغيرها.--------------------------------------------
(1) كذا في (ط).
(2) (2/ 120 - 121).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 565)
أما العقيدة فذكروا أن ابن برهان كان معتزليًّا، ولا أدري ما الذي كان يوافق فيه المعتزلة. فأما قوله بأن الكفار لا يخلدون في العذاب، فهي مسألة مشهورة. ولو رأى علماء بغداد أن قول ابن برهان فيها مُخرج عن [1/ 336] الإسلام لسعوا في إقامة الحدِّ عليه، فما بالهم أعرضوا عن ذلك، وكانوا يُجِلُّون ابن برهان ويحترمونه؟
نعم، ابن برهان لم يوثقه أحد فيما نعلم، ومن المحتمل أنه كان يهِم فيما يرويه من الحكايات أو يبني على الظن، فحقُّه أن لا تقوم الحجة بما ينفرد به، ولكنه يُذكر في المتابعات والشواهد كما صنع الخطيب. والله الموفق.
150 - عبد الوارث بن سعيد أبو عبيدة التنُّوري:
في «تاريخ بغداد» (13/ 388 [403 - 404]) عنه حكايتان في ردِّ أبي حنيفة حديثَ «أفطر الحاجم والمحجوم» بقوله: «هذا سجع»، وردِّه قولًا لعمر بن الخطاب في الولاء بقوله: «هذا قول شيطان».
قال الأستاذ في حاشية (ص 81): «قدريّ كما ذكره الخطيب في «الكفاية»، وقدرية البصرة في غاية من الانحراف عن أبي حنيفة لكثرة هبوطه البصرة للردِّ عليهم في مبدأ أمره».
أقول: هبوط أبي حنيفة البصرة للمخاصمة في القَدَر لم يثبت. وقول عبد الوارث بالقَدَر في ثبوته نظر، قال ابنه عبد الصمد ــ وهو من الثقات الأثبات ــ: «إنه لمكذوب على أبي، وما سمعت منه يقول قطُّ في القَدَر وكلامِ عمرِو بن عبيد»(1). فإن كان في نفسه منه شيء، فلم يكن يرى خلافه--------------------------------------------
(1) انظر «تهذيب التهذيب»: (6/ 443).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 566)
ضلالة فيعادي مخالفيه، وإلا لكان أهمّ شيء عنده أن يدعو ولده. وقد شهد له ابن المبارك أنه لم يكن داعية. ذكره الذهبي في ترجمته من «تذكرة الحفاظ» (ج 1 ص 237)(1). فليس هنا ما يتشبَّث به في دفع رواية عبد الوارث، وهو مُجمع على ثقته وجلالته.
151 - عَبْد بن أحمد أبو ذر الهروي:
تأتي له حكاية في ترجمة عبيد الله بن محمد ابن بطة، فقال ابن الجوزي في «المنتظم» (ج 7 ص 194): «كان من الأشاعرة المبغضين، وهو أول من أدخل الحرمَ مذهبَ الأشعري، ولا يقبل جرحه لحنبليٍّ يعتقد كفرَه».
أقول: قال ابن الجوزي نفسه في ترجمة أبي ذر من «المنتظم» نفسه (ج 8 ص 115): «كان ثقة ضابطًا فاضلًا … وقيل: إنه كان يميل إلى مذهب الأشعري». ويظهر من هذه العبارة الأخيرة أن الميل لم يثبت، فإن ثبت فما مقداره؟ وقد كان ابن الجوزي نفسه مائلًا، بل يوجد في كلامه وكلام كثير من الحنابلة ما هو أبعد عن قول أحمد والأئمة من كلام الأشعري [1/ 337] وأصحابه. هكذا قاله أعرف الناس بهم، وهو رجل منهم(2)، كما تقدم في ترجمة الخطيب(3).--------------------------------------------
(1) (2/ 257).
(2) هو شيخ الإسلام ابن تيمية. وقد سبق نقل كلامه من «شرح العقيدة الأصفهانية» (ص 517 - 518).
(3) رقم (26).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 567)
هَبْ أن أبا ذر كان أشعريًّا، فما تفصيل ذلك؟ والنقل عن الأشعري مختلف، وأصحابه مختلفون. وعلى كل حال فلا يكفِّرون الحنابلة، نعم قد يبدّعونهم. ولكن عقلاءهم ولاسيما العارفين بالرواية منهم كالبيهقي لا يرون ذلك مُوهنًا للرواية ولا مسوِّغًا للبغض والعداوة. وقد مرَّت الإشارة إلى ذلك في القواعد(1)، وأشبعت القول في قسم الاعتقاديات(2). فالحق الذي لا معدل عنه أن أبا ذر ثقة تُقبل روايته، ويُرَدُّ عليه من قوله ورأيه ما أخطأ فيه الحق.(3)
152 - عُبيد الله بن عبد الكريم أبو زُرْعة الرازي:
حكى الأستاذ (ص 42) عن كتاب ابن أبي العوام: «حدثني إبراهيم بن أحمد بن سهل الترمذي قال: حدثنا عبد الواحد بن أحمد الرازي بمكة قال: أنبأنا بشار بن قيراط عن أبي حنيفة … ». وعلَّق الأستاذ في الحاشية على بشار بن قيراط: «مقبول عند الحنفية بنيسابور، كما قال الخليلي في «الإرشاد»، وإن طال لسان أبي زُرْعة فيه لكونه من أهل الرأي».
أقول: ابن أبي العوّام قد تعرّضت له في «الطليعة» (ص 27 - 28)(4). فأعرض الأستاذ في «الترحيب» عن ذلك، ولنا أن نسأله: مَن إبراهيم بن أحمد في السند؟ ومن شيخه؟ فما بال الأستاذ أعرض عن ذلك كلِّه وتناول بشارًا؟ أَلِيوهم أن بقية السند ثقات إجماعًا؟ أم ليتوصّل إلى الغضِّ من أبي--------------------------------------------
(1) (1/ 87 - 98).
(2) (2/ 411 وما بعدها، 529 وما بعدها).
(3) عبدة بن عبد الله الخراساني. يأتي في «عبيدة» [رقم 154]. [المؤلف].
(4) (ص 18 - 19).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 568)