Arabic source text

📘 আত-তানকীলু বিমা ফী তানীবিল কাওসারী মিনাল আবাতীল - তবাতুল মাকতাবিল ইসলামী (আব্দুর রহমান আল-মুয়াল্লিমি আল-ইয়ামানি - মৃত্যু 1386 হিজরী)

📘 التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل - ط المكتب الإسلامي (عبد الرحمن المعلمي اليماني - ت 1386 هـ)

📘 আত-তানকীলু বিমা ফী তানীবিল কাওসারী মিনাল আবাতীল - তবাতুল মাকতাবিল ইসলামী (আব্দুর রহমান আল-মুয়াল্লিমি আল-ইয়ামানি - মৃত্যু 1386 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
الأستاذ جازمًا بقوله: «كذَّبه … في كلامه في الناس»! قال ابن السبكي(1): «قال ابن خزيمة فيما رواه الحاكم عن الحافظ حُسَينَك التميمي عنه: كان ابن عبد الحكم من أصحاب الشافعي، فوقعت بينه وبين البويطي وحشةٌ في مرض الشافعي. فحدَّثني أبو جعفر السُّكَّري صديقُ الربيع قال: لمَّا مرض الشافعي جاء ابن عبد الحكم ينازع البويطيَّ في مجلس الشافعي، فقال البويطي: أنا أحقُّ به منك. فجاء الحميدي وكان بمصر، فقال: قال الشافعي: ليس أحدٌ أحقَّ بمجلسي من البويطي، وليس أحدٌ من أصحابي أعلمَ منه. فقال له ابن عبد الحكم: كذبتَ. فقال له الحميدي: كذبتَ أنت وأبوك وأمك! وغضِبَ ابنُ عبد الحكم، فترك مذهب الشافعي. فحدثني ابن عبد الحكم [1/ 292] قال: كان الحميدي معي في الدار نحوًا من سنة، وأعطاني كتاب ابن عيينة، ثم أبوا إلا أن يُوقِعوا بيننا ما وقع».
فأول ما يجب البحث عنه هنا هو النظر في أبي جعفر السكري حاكي القصة أثقة هو أم لا؟ أما الأستاذ فلم يهمَّه هذا، إذ كان في القصة ما يوافق هواه. وأما أنا فقد فتشتُ عنه، فلم أعرفه(2). ورأيت القصة في «تاريخ بغداد» (ج 14 ص 301) وفيها: «صديق للربيع». وهذا يُشعِر بأنه ليس بالمعروف، فعلى هذا لا تثبت القصة. وإن دلَّت الشواهد على أن لها أصلًا في الجملة، فإن ذلك لا يُثبِت من تفاصيلها ما لا شاهد له.--------------------------------------------
(1) «طبقات الشافعية الكبرى»: (2/ 68).
(2) يحتمل أن يكون هو المترجَم في «تاريخ بغداد»: (5/ 49 - ط بشار) و «لسان الميزان»: (1/ 405): أحمد بن إسحاق السكري أبو جعفر البغدادي. ولم يوثقه أحد غير أن ابن حبان ذكره في «الثقات».

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 489)

وفي «توالي التأسيس» (ص 84)(1) عن الربيع صاحب الشافعي قال: «وجَّه الشافعيُّ الحميديَّ إلى الحلقة، فقال: الحلقة لأبي يعقوب البويطي. فمن شاء فليجلس، ومن شاء فليذهب». وكان البويطي أسنَّ أصحاب الشافعي وأفقهَهم، حتى كان الشافعي يعتمده في الفتيا ويحيل عليه إذا جاءته مسألة، كما في «الطبقات الشافعية»(2). وكان ابن عبد الحكم حينئذ فتًى ابنَ إحدى وعشرين سنة، فلم يكن قد استحكم علمُه ولا عقلُه، فمنازعته للبويطي طيشة من طيشات الشباب. وكان الحميدي أعلمهم بالحديث وأقدمهم صحبةً للشافعي، لأنه قدم معه من الحجاز إلى مصر، والباقون إنما صحبوه بمصر. والحميدي قرشي مكي، كما أن الشافعي كذلك، فهو أقربهم إلى الشافعي وألصقهم به. ولذلك ــ والله أعلم ــ لما ذهب أصحاب الشافعي في مرضه إلى الجامع تخلَّف الحميدي عنده، ثم خشي الشافعي أن يتنازعوا الحلقةَ، فأرسل الحميديَّ إليهم ليبلِّغهم عنه. فلو شكَّ ابنُ [عبد] الحكم في خبر الحميدي لكان حقُّه أن يذهب ليراجع الشافعيَّ، لكنه عرف صدقَه، فاضطرم في نفسه اليأس والحزن والغضب. فإنْ بدرت منه تلك الكلمة، فهي من فلتات الغضب كما لا يخفى، فلا يَتشبَّث بمثلها في الطعن في مثل الحميدي إلا مثلُ الأستاذ! وقد قال هو نفسه في حاشية (ص 99): «وأهل العلم قد تبدُر منهم بادرةٌ، فيتكلَّمون في أقرانهم بما لا يُقبل، فلا يتخذ ذلك حجة».--------------------------------------------
(1) (ص 197). وقد طبع الكتاب بهذا الاسم وصوابه «توالي التأنيس» بالنون، كما في «الجواهر والدرر»: (2/ 682) للسخاوي.
(2) (2/ 163).

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 490)

وقد أسلفتُ تحقيق هذا المعنى في القاعدة الرابعة من قسم القواعد(1). والأستاذ يقصِّر عن الحق تارة، ويتعدَّاه أخرى!
صَعْدةٌ نابتةٌ في حائرٍ … أينما الريحُ تُمَيِّلْها تَمِلْ(2)

[1/ 293] وهكذا إن كان الحميديُّ لمَّا استقبله صديقُه الفتى الطياش بتلك الكلمة غلبه الغضب فأجاب بما أجاب، وحُقَّ للحميدي أن ينشقَّ غضبًا فإنه لو جاء بذاك الخبر أكذَبُ الناس لما ساغ لعاقل أن يكذِّبه فيه؛ لأن الشافعي حيٌّ يُرزق بالقرب منهم، تُمكِن مراجعتُه بالسهولة، فمَن الذي يجترئ أن يكذب عليه؟ مع علم الحميدي(3) بصدقه وأمانته وأنه لا هوى له، بل لو كان له هوًى لكان مع ابن عبد الحكم صديقِه الذي أضافه في بيتهم(4) نحوًا من سنة، كما نصَّ على ذلك ابنُ عبد الحكم نفسه. وعلى كل حال، فذاك الجواب فَلْتةُ غضبٍ أيضًا، كما لا يخفى. ولا عتب على الأستاذ في تشبُّثه بها أيضًا لمَّا احتاج إلى الكلام في ابن عبد الحكم، كما يأتي في ترجمته(5)!
ولم يُبقِ الأستاذ على نفسه، بل أخذ يتكهَّن، فقال في (ص 130) في--------------------------------------------
(1) (ص 87 فما بعدها).
(2) لكعب بن جُعيل التغلبي. والبيت من «شواهد سيبويه»: (3/ 113). وانظر: شرح شواهده لابن السيرافي: (2/ 196)، و «خزانة الأدب»: (3/ 47).
(3) كذا الأصل. ولعله سبق قلم من المؤلف، والصواب: «ابن عبد الحكم»، كما يدل عليه السياق. [ن].
(4) كذا في (ط) والصواب: «في بيته».
(5) رقم (213).

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 491)

الحميدي: «لما استصحبه الشافعي إلى مصر باعتبار أنه راوية ابن عيينة أخذ يطمع أن يخلُف الشافعيِّ بعد وفاته. ولما علم أن أصحابه لا يرضونه لبعده عن الفقه، حكى عن الشافعيَّ أن أحقَّ جماعته بمقامه هو البويطي، فكذَّبه محمد بن عبد الحكم. ولم يكن مثلُ الإمام الشافعي لِيُسِرَّ إلى آحاد الآفاقيين بما يكتمه عن جماعته. ولو كان رأيه أن يكون البويطي خلفًا له لَجاهرَ بذلك أمام جماعته، لئلا يختلفوا بعده. وقد غرِمَ البويطيُّ ألفَ دينار ــ والألف كثير ــ إلى أن يُصلح قلوبَ الجماعة، كما حكى الحافظ ابن حجر في «توالي التأسيس»، وللبراطيل أفاعيل! وكان هوى الحميدي مع البويطي لتقاربهما في المنزع، وبُعدِهما عن الغوص على دقائق الفقه، بخلاف المزني وابن عبد الحكم. ولولا أنه كان راوية ابن عيينة لكان الناس استغنوا عنه وعن حديثه لبذاءة لسانه».
أقول: الحميدي هو الذي اعتمد صحبةَ الشافعي. وفي كتاب ابن أبي حاتم (ج 3 قسم 2 ص 202) عن الحميدي أنه يقول: «كان أحمد بن حنبل قد أقام عندنا بمكة على سفيان بن عيينة، فقال لي ذات يوم: هاهنا رجل من قريش له بيان ومعرفة. قلت: ومن هو؟ قال: محمد بن إدريس الشافعي. وكان أحمد بن حنبل قد جالسه بالعراق، فلم يزل حتى اجترَّني إليه، ودارت مسائل. فلما قمنا قال لي أحمد بن حنبل: كيف رأيت؟ ألا ترضى أن يكون رجل من قريش يكون له هذه المعرفة وهذا البيان؟ فوقع كلامه في قلبي، فجالسته، فغلبتهم عليه … [1/ 294] وخرجت مع الشافعي إلى مصر». وكان الشافعي قد استكثر من ابن عيينة، فلم يكن به حاجة إلى الحميدي ولا غيره.
وزَعْمُ طمعِ الحميدي أن يخلُفَ الشافعيَّ بمصر من مخلوقات الأستاذ، ليس عليه أدنى شبهة. بل كان الحميدي مكينًا بمكة، مؤثِرًا لها. وإنما فارقها تلك المدة إلى مصر إيثارًا لصحبة الشافعي، فكان أقصى همِّه أن يعود إليها.

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 492)

ودعوى بُعده عن الفقه مخلوق آخر! إنما كان الغالب على الحميدي الحديث، وقد صحب ابنَ عيينة، وأخذ من أخلاقه. وقد تقدَّم قول الشافعي في ابن عيينة: «ما رأيت أحدًا من الناس فيه من آلة العلم ما في ابن عيينة، وما رأيت أحدًا أكفَّ عن الفتيا منه». ولعل هذين الأمرين: إيثارَه الرجوع إلى مكة، وعدمَ التبسُّط في الفتوى= من الأسباب التي منعت ترشيحَه لخلافة الشافعي.
وحكايتُه عن الشافعي أن البويطي أحقُّ الجماعة كانت برسالة من الشافعي، وهو حيٌّ بالقرب منهم يمكنهم مراجعته، كما تقدم في القصة نفسها. ومحاولة الأستاذ أن يري القارئ أن الحميدي إنما أخبر بذلك بعد وفاة الشافعي مخلوق آخر من مخلوقاته! وتكذيبُ ابن عبد الحكم له ــ إن صحَّ ــ طيشةُ فتًى غِرٍّ مُحنِق، كما سلف. والشافعي لم يُسِرَّ إليه، وإنما كان عنده وبقية الأصحاب بالجامع، فأرسله إليهم، وهم بحيث تمكنهم مراجعته. وقد جاء عن الربيع قال: «دخلنا على الشافعي عند وفاته أنا والبويطي والمزني وابن عبد الحكم، فنظر إلينا الشافعي فأطال، ثم التفت إلينا فقال: أما أنت يا يعقوب، فستموت في حديدك. وأما أنت يا مزني، فسيكون لك بمصر هنات وهنات، ولتدركنَّ زمانًا تكون أقيسَ أهل زمانك. وأما أنت يا محمد، فسترجع إلى مذهب أبيك. وأما أنت يا ربيع، فأنت أنفعهم لي في نشر الكتب. قال الربيع: فكان كما قال». ترى القصة بسندها في «توالي التأسيس» (ص 85)(1).--------------------------------------------
(1) (ص 199 - 200).

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 493)

والحميديُّ، وإن لم يكن مصريًّا، فقد كان أعلمَ الجماعة بالحديث، وأقدمَهم صحبةً للشافعي، ورفيقَه في سفره، وكان قرشيًّا مكيًّا كالشافعي؛ فأخَصِّيَّتُه به واضحة. والمجاهرة قد وقعت. وذاك الاختلاف كان في حياة الشافعي كما هو صريح في القصة.
وغرامةُ البويطي ألفَ دينار لا شأن للحميدي بها، ولا لاختلاف الأصحاب؛ فإن الأستاذ إنما أخذ مما في «توالي التأسيس»(1): «قال زكريا الساجي: سمعت إبراهيم بن زياد يقول: سمعت البويطي يقول: لما مات الشافعي اجتمعنا في موضعه جماعة [1/ 295] من أصحابه، فجعل أصحاب مالك يسعون بنا عند السلطان، حتى بقيت أنا ومولى للشافعي. ثم صرنا بعد نجتمع ونتألَّف، ثم يسعون بنا حتى نتفرق، فلقد غرمتُ نحوًا من ألف دينار حتى تراجَعَ أصحابنا وتألَّفنا». فغرامةُ الألف كانت للسعي في إنقاذ من تحبسه الأمراء أو تنفيه من الأصحاب. فإن كان هناك برطيل، فللأمراء وأشياعهم. وزَعْمُ أنَّ البويطيَّ رشا الحميديَّ حتى شهد له زورًا بهتانٌ عظيمٌ لا يضرُّ في الدنيا والآخرة إلا مختلقَه!
وزَعْمُ أنَّ هوى الحميدي كان مع البويطي مخلوق آخر! ولو كان للهوى مدخل لكان هواه مع ابن عبد الحكم صديقه ومضيفه. وكان آل عبد الحكم أهل الكلمة والمكانة والثروة بمصر، لا يكاد يُذكَر البويطيُّ في ذلك بالنسبة إليهم.
وزَعْمُ التقارب في المنزع خلافُ الواقع، فإن الحميدي كان محدِّثًا قبل--------------------------------------------
(1) (ص 197).

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 494)

كل شيء، والبويطي كان فقيهًا قبل كل شيء(1).
وبُعْدُ البويطي عن الغوصِ مخلوق آخر! فقد كان الشافعي يحيل عليه بالفتوى في حياته، وإن كان أقلَّ مخالفةً له من المزني. والمزني لم يكن عند وفاة الشافعي في حدِّ أن يصلح لخلافته، كما يعلم من قول الشافعي له: «وليأتين عليك زمان … ». وكانت سنُّه عند وفاة الشافعي دون الثلاثين، وكأنه إنما صحب الشافعي بأَخَرة؛ فإنه استعان على ما فاته عن الشافعي بكتاب الربيع، كما مرَّ في ترجمة الربيع(2). فأما ابن عبد الحكم فكان دون ذلك بكثير، كما يعلم مما مرَّ.
ولم ير الأستاذ في تخرُّصاته بعد عنائه الطويل ما يغترُّ به عاقل! فأردف ذلك بحاشية علَّقها على (ص 131) أعاد فيها بعض ما تقدَّم، وحاول الاستنتاج على ذلك الأسلوب! فلا أطيل بذكر ذلك وما عليه. لكن زاد فيها ما قيل: إن البويطي لما حُبِسَ قال: «برئ الناس من دمي إلا ثلاثة حرملة والمزني وآخر». وقال بعضهم: إنه أراد بالآخر ابن الشافعي. فالحكاية ذكرها ابن السبكي(3) بقوله: «قال أبو جعفر الترمذي: فحدثني الثقة عن البويطي أنه قال … ». ولا أدري كيف سندها إلى أبي جعفر، ومَن شيخ أبي جعفر؟ أثقةً كان حقًّا أم لا؟ أسَمِع من البويطي، أم بلغه عنه؟ والحكاية--------------------------------------------
(1) لعل الكوثري أراد بالمنزع الاعتقاد. فالحميديّ معروف بإمامته في السّنة، والبويطي معروف موقفه من القول بخلق القرآن وصلابته حتى إنه توفي في السجن من أجل ذلك كما سيأتي.
(2) رقم (91).
(3) في «طبقات الشافعية»: (2/ 164).

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 495)

منكرة، لأن أولئك الثلاثة إن كانوا سعوا به ــ كما قيل ــ فالمباشرُ لترحيلهِ من مصر وتقييدهِ وحبسهِ غيرُهم، فكيف يبرِّئ المباشرين لظلمه دون الساعين؟ وأيضًا فلا موضع للسعي، لأن قضاة مصر الحنفية الجهمية كانوا يتبعون كلَّ من عُرِف بعلم أو فقه، [1/ 296] فيُكرِهونه على القول بخلق القرآن، وشمل ذلك جميعَ علماء الشافعية والمالكية بمصر. وأشبَهُ ما تحمل عليه الحكايةُ ــ إن صحَّتْ ــ هو أن يكون الجهمية حينئذ إنما كانوا يتعرَّضون لمن جاهر بالإنكار عليهم وأعلن منابذتهم وتضليلهم، وكان البويطيُّ يؤثر عدمَ المجاهرة، فجاهر أولئك الثلاثة، فأدَّى ذلك إلى قبض الجهمية على البويطي باعتبار أنه رئيس الجماعة، والمعروفُ عن أولئك الثلاثة عقيدة أهل السنة.
وكأنَّ الأستاذ يقيس أصحاب الشافعي على أصحاب أبي حنيفة، إذْ كذَّب أبو يوسف محمدًا تكذيبًا صريحًا فيما يرويه عنه، مع ما في كتب الحنفية كـ «شرح السير الكبير» (ج 1 ص 3) إذ ذكر الوحشة التي كانت بين أبي يوسف ومحمد، ثم قال: «وسببها الخاص ما يُحكى أنه جرى ذكر محمد رحمه الله في مجلس الخليفة، فأثنى عليه الخليفة، فخاف أبو يوسف أن يقرِّبه، فخلا به وقال: أترغب في قضاء مصر؟ فقال محمد: ما غرضك في هذا؟ فقال: قد ظهر علمنا بالعراق، وأحبُّ أن يظهر بمصر. فقال محمد: حتى أنظر. وشاور في ذلك أصحابَه، فقالوا له: ليس غرضَه قضاؤك، ولكن يريد أن ينحِّيك عن باب الخليفة. ثم أمر الخليفةُ أبا يوسف أن يُحضِره مجلسه، فقال أبو يوسف: إن به داءً لا يصلح معه لمجلس أمير المؤمنين. فقال: وما ذاك؟ قال: به سلس البول بحيث لا يمكنه استدامة الجلوس. فقال

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 496)

الخليفة: فأذن له بالقيام عند حاجته. ثم خلا بمحمد رحمه الله، وقال: إن أمير المؤمنين يدعوك، وهو رجل ملول فلا تُطِل الجلوس عنده، وإذا أشرتُ إليك فقم … ولما مات أبو يوسف رحمه الله لم يخرج محمد رحمه الله في جنازته».
لكن الفرق يا أستاذ واضح. كان أمام أبي يوسف ومحمد مجلسُ الرشيد، وملاذُّ الدنيا، وبِدَر الدنانير، وتخوت الثياب وغير ذلك. ولم يكن أمام البويطي شيء من ذلك، إنما أمامه مخالفة المالكية والجهمية والدولة، واحتاج أن يُنفق من صلب ماله وقوت عياله، حتى ختم الله تعالى له على أيدي أصحابك بالحسنى وزيادة.
مِن ثناء الأئمة على الحميدي: قال الإمام أحمد: «الحميدي إمام». وقال أبو حاتم: «هو أثبتُ الناس في ابن عيينة، وهو رئيس أصحابه، وهو ثقة إمام». وقال يعقوب بن سفيان: «ثنا الحميدي، وما لقيت أنصحَ للإسلام وأهله منه».
[1/ 297] فأما شدةُ الحميدي على أبي حنيفة، فاضطرَّه إليها ما بلغه عنه مما ذُكِر بعضُه في الترجمة، وقد صرَّح الأستاذ نفسه (ص 36) في بعضها أنه كفر صراح، وتلك الحكاية سمعها الحميدي من حمزة بن الحارث بن عمير، يرويها عن أبيه أنه سمعها من أبي حنيفة. وقد روى رجاء بن السِّندي ــ وقد تقدمت ترجمته(1) ــ عن حمزة بن الحارث عن أبيه نحوها كما في الترجمة. وحمزة ثقة عندهم، وكذلك أبوه عند القدماء ــ كما تقدم في--------------------------------------------
(1) رقم (92).

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 497)

ترجمته(1) ــ فكان ثقة عند الحميدي، فكان عند الحميدي أن الحكاية صحيحة.
وسمع الحميدي أبا صالح الفرَّاء ــ وهو محبوب بن موسى ــ يحدِّث عن الفزاري وهو أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن الحارث قال: قال أبو حنيفة: «إيمان آدم وإيمان إبليس واحد … ». وقد قال عثمان بن سعيد الدارمي: ثنا محبوب بن موسى الأنطاكي قال: سمعت أبا إسحاق الفزاري يقول: سمعت أبا حنيفة يقول: «إيمان أبي بكر الصديق وإيمان إبليس واحد … ». وقد مرت ترجمة الفزاري(2)، وتأتي ترجمة عثمان ومحبوب(3). وكان عند الحميدي أن هذه الحكاية صحيحة أيضًا.
ومن تدبَّر الترجمة علم أنه كان عند الحميدي حكايات أخرى قد سمعها ممن هو عنده ثقة. وبهذا يتبين للعالم العاقل أن الحميدي إن كان مخطئًا فهو معذور مأجور إن شاء الله تعالى. وقد عذَرَ أهلُ السنة بعضَ من قاتل أميرَ المؤمنين عليَّ بن أبي طالب رضوان الله عليه، وجاهر بسبِّه ولعنه، فإن كان الحميديُّ مخطئًا، فهو أولى وأجدرُ بأن يُعذَر ويُؤجَر.
فإن قيل: فكذلك ينبغي أن تعذروا الكوثريَّ، وإن اعتقدتم خطأه.
قلت: أما في خطئه الذي يُعذَر به، فحبًّا وكرامة. وأما ما زاد على ذلك، فقد جعل الله لكل شيء قدرًا!--------------------------------------------
(1) رقم (68).
(2) رقم (8).
(3) رقم (156 و 184).

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 498)

‌‌122 - عبد الله بن سعيد:
في «تاريخ بغداد» (13/ 380 [387 - 388]) من طريق أبي بكر الشافعي: «حدثني عمر بن الهيصم(1) البزَّاز، أخبرنا عبد الله بن سعيد بقصر ابن هبيرة، حدَّثني أبي، أنَّ أباه أخبره: أن ابن أبي ليلى كان يتمثّل … ».
قال الأستاذ (ص 60): «إن كان أبا عباد المقبري … وإن كان أبا سعيد الأشج .. وإن كان غيرهما= يكون مجهولًا هو وأبوه وجدُّه».
أقول: ما هو بأحدهما. والله أعلم.

‌‌123 - عبد الله بن سليمان بن الأشعث أبو بكر بن أبي داود السجستاني.
في [1/ 298] «تاريخ بغداد» (13/ 383 [394]) عنه أنه قال لأصحابه: «ما تقولون في مسألة … ».
قال الأستاذ (ص 68): «كذَّبه أبوه، وابنُ صاعد، وإبراهيم ابن الأصبهاني، وابن جرير. وهو ناصبي مجسِّم خبيث. روى أخلوقةَ التسلُّق عن الزهري كذبًا وزورًا، وقد شهد عليه بذلك شهود عدول هم الحفّاظ: محمد بن العباس الأخرم، وأحمد بن علي بن الجارود، ومحمد بن يحيى بن منده، وكاد أن يراق دمه في أصبهان بيد أميرها أبي ليلى لولا سعيُ بعض الوجهاء ممن كان يُجِلُّ أباه في استنقاذه بالطعن في أمثال هؤلاء الشهود. وهذا حاله، وإن راج على من لم يعرف دخائله. وكان هو في صفِّ أبي عبد الله الجصَّاص المكشوف الأمر ضد ابن جرير».
أقول: أما كلام أبيه، فقال ابن عدي(2) ــ على ما في «الميزان»--------------------------------------------
(1) (ط): «الهيثم» وفي «التاريخ» بطبعتيه: «الهيصم».
(2) «الكامل»: (4/ 265).

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 499)

و «لسانه»(1) ــ: «حدثنا عليُّ بن عبد الله الداهري، سمعت أحمد بن محمد بن عمر (وفي «تذكرة الحفاظ»(2): محمد بن أحمد بن عمرو) بن كُرْكُرة، سمعتُ علي بن الحسين بن الجنيد، سمعت أبا داود يقول: ابني عبد الله كذاب. قال ابن صاعد: كفانا ما قال أبوه فيه».
الداهري وابن كُرْكُرة لم أجد لهما ذكرًا في غير هذا الموضع. وقول ابن صاعد: «ما قال أبوه فيه» إن أراد هذه الكلمة، فإن كانت بلغَتْه بهذا السند، فلا نعلمه ثابتًا. وإن كان له مستند آخر، فما هو؟ وإن أراد كلمة أخرى، فما هي؟ وقد ارتاب الذهبي في الحكاية، فقال في «تذكرة الحفاظ» (ج 2 ص 302) بعد ذكر الحكاية بسندها: «وأما قول أبيه فيه، فالظاهر أنه ــ إن صح عنه ــ فقد عنى أنه كذاب في كلامه، لا في الحديث النبوي. وكأنه قال هذا وعبد الله شابٌّ طري، ثم كبِر وساد». وقال ابن عدي(3) ــ مع حَشْره كلَّ ما قيل في عبد الله ــ قال كما في «الميزان»: «ولولا ما شرطنا (يعني: مِنْ ذكرِ كلِّ من تُكلِّم فيه، وإن كان الكلام غير قادح) [1/ 299] لَما ذكرتُه … وهو معروف بالطلب. وعامةُ ما كتَبَ مع أبيه هو مقبول عند أصحاب الحديث. وأما كلام أبيه، فما أدري أيشٍ تبيَّن منه؟ ».
أقول: لم تثبت الكلمة. وقال ابن عدي: «سمعتُ عبدان يقول: سمعت--------------------------------------------
(1) «الميزان»: (3/ 147)، و «اللسان»: (4/ 491).
(2) (2/ 772). وفي «الكامل»: «أحمد بن محمد بن عَمرو بن عيسى كركرة [ط: كركر] … » وهو كذلك في «تاريخ دمشق»: (29/ 86) بإسناده إلى ابن عدي.
(3) (4/ 266).

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 500)

أبا داود السجستاني يقول: ومن البلاء أن عبد الله يطلب القضاء». كان أبو داود على طريقة كبار الأئمة من التباعد عن ولاية القضاء، فلما طلبه ابنه كره ذلك. ومن الجائز ــ إن صحَّ أنه قال: «كذاب» ــ أن يكون إنما أراد الكذب في دعوى التأهل للقضاء والقيام بحقوقه. ومن عادة الأب الشفيق إذا رأى من ابنه تقصيرًا أن يبالغ في تقريعه. وقد قال الأستاذ (ص 163): «الإخبار بخلاف الواقع هو الكذب، والكذبُ بهذا المعنى يشمل الغالط والواهم … فلا يُعتدُّ بقول من يقول: فلان يكذب، ما لم يفسِّر وجهَ كذبه».
وأما ابن صاعد وابن جرير، فلم أجد لهما كلامًا غير قول الأول: «كفانا ما قال أبوه فيه» وقد تقدم، وقولِ الثاني لما قيل له: إن ابن أبي داود يقرأ على الناس فضائل علي بن أبي طالب: «تكبيرة من حارس»، وهذا ليس بجرح، إنما مقصوده أنه كما أن الحارس قد يقول رافعًا صوته: الله أكبر، لا ينوي ذكر الله عز وجل، وإنما يقصد أن يسمع السُّرَّاق صوتَه فيعرفوا أنه موجود يقظان، فلا يُقدِموا على السرقة، فكذلك قد يكون ابن أبي داود يروي فضائل علي ليدفع عن نفسه ما رماه بعض الناس من النَّصْب، وهو بغض علي رضي الله عنه. وقد قال الذهبي في «التذكرة»(1): «لا ينبغي سماع قول ابن صاعد فيه، كما لم يُعتدَّ تكذيبه لابن صاعد، وكذا لا يُسمع قولُ ابن جرير فيه، فإن هؤلاء بينهم عداوة بينة».
أقول: وقد قدَّمتُ تحقيق هذا البحث في القواعد(2).--------------------------------------------
(1) (2/ 772).
(2) (ص 87 فما بعدها).

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 501)

وأما ابن الأصبهاني، فقال ابن عدي: «سمعت موسى بن القاسم الأشيَب يقول: حدثني أبو بكر، سمعتُ إبراهيم الأصبهاني يقول: أبو بكر بن أبي داود كذاب». أبو بكر شيخ الأشْيَب يحتمل أن يكون هو ابن أبي الدنيا، لأنه ممن يروي عن إبراهيم، وممن يروي عنه الأشيب. ويحتمل أن يكون غيره، لأن أصحاب هذه الكنية في ذاك العصر ببغداد كثيرون، ولم يشتهر ابن أبي الدنيا بهذه الكنية بحيث إذا ذُكِرتْ وحدها في تلك الطبقة ظهر أنه المراد. [1/ 300] فعلى هذا لا يتبيَّن ثبوتُ هذه الكلمة عن ابن الأصبهاني.
وابن أبي داود إن كان سِنُّه عند وفاة الأصبهاني سنة 266 فوق الثلاثين، فلم يكن قد تصدَّى للرواية في زمانه. قال الخطيب(1): «أخبرنا أبو منصور محمد بن عيسى الهمذاني، حدثنا أبو الفضل صالح بن أحمد الحافظ قال: أبو بكر عبد الله بن سليمان إمامُ أهل العراق وعَلَمُ العِلْم في الأمصار، نصَب السلطانُ المنبرَ، فحدَّث عليه لفضله ومعرفته. وحدَّث قديمًا قبل التسعين ومائتين. قدم همذان سنة نيف وثمانين ومائتين، وكتب عنه عامة مشايخ بلدنا ذلك الوقت. وكان في وقته بالعراق مشايخُ أسنَدُ منه ولم يبلغوا في الآلة والإتقان ما بلغ هو».
بلى كان يذاكر، وربما يتعرَّض لأكابر الحفاظ يذاكرهم، فيتفق أن يكون عنده حديثٌ ليس عندهم، فتُعجبُه نفسُه، ويتكلم بما يُعَدُّ جرأةً منه وسوءَ أدب، فيُغضبهم، كما فعل مع أبي زرعة. قال: «قلت لأبي زرعة: «أَلْقِ عليَّ حديثًا غريبًا من حديث مالك. فألقى عليَّ حديثَ وهب بن كيسان عن--------------------------------------------
(1) في «تاريخه»: (9/ 465).

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 502)

أسماء: لا تُحصي فيُحْصَى عليك. رواه لي عن عبد الرحمن بن شيبة وهو ضعيف. فقلت له: يجب أن تكتبه عني، عن أحمد بن صالح، عن عبد الله بن نافع، عن مالك. فغضب، وشكاني إلى أبي، وقال: انظر إلى ما يقول لي أبو بكر». هكذا في «تهذيب تاريخ ابن عساكر»(1) وغيره. فلعله كان يتعرَّض بمثل هذا لابن الأصبهاني، فاتفق أن وهِمَ ولَجَّ، فقال ابن الأصبهاني ما قال، إن صحَّت الحكاية عنه.
فأما بعد أن تصدَّى للحديث، فإن الناس أكثروا السماع منه، وكان كثير من الحفاظ يُعادُونه ويتعطَّشون إلى أن يقفوا له على زلَّةٍ في الرواية، فلم يظفروا بشيء، ولم ينكر أحد عليه حديثًا واحدًا. وكانوا كلما استغربوا شيئًا من حديثه أبرَزَ أصلَه بسماعه من أبيه. وهو القائل:
إذا تَشاجَرَ أهلُ العلم في خبرٍ … فَلْيطلبِ البعضُ من بعضٍ أصولَهُمُ
إخراجُك الأصلَ فعلُ الصادقين فإن … لم تُخرِج الأصلَ لم تسلُكْ سبيلَهُمُ
فاصدَعْ بعلم ولا تَرْدُدْ نصيحتَهم … وأظهِرْ أصولَكَ إن الفرعَ مُتَّهَمُ(2)
وأما النَّصْب، فقال ابن عدي(3) ــ على ما في «تذكرة الحفاظ»(4) ــ:--------------------------------------------
(1) انظر أصله: (29/ 78).
(2) كذا «وأظهر أصولك» في تاريخ بغداد (9/ 466) وتاريخ دمشق (29/ 85). ويصح إذا قلنا إن الواو من الخزم. لكن يبدو أن الصواب: «وأَظِهْرِ الأصلَ» وهو أقعد في السياق (الأصل … الفرع).
(3) (4/ 366).
(4) (2/ 771).

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 503)

«نُسِبَ في الابتداء إلى شيء من النصب، ونفاه ابن الفرات من بغداد إلى واسط. ثم ردَّه عليُّ بن عيسى، فحدَّث، وأظهر فضائل علي. ثم تحنبَلَ، فصار شيخًا منهم. وهو مقبول عند أصحاب الحديث». ولم يتحقق مَنْ الذي نسبه [1/ 301] إلى النصب؟ وما حجته في ذلك؟ وكان الرجل شكِسَ الأخلاق تيَّاهًا، وله أعداء. فإن كان شيء، فقد تاب وأناب. قال أحمد بن يوسف الأزرق: «سمعت أبا بكر بن أبي داود غير مرة يقول: كلُّ مَن بيني وبينه شيء ــ أو قال: كلُّ مَنْ ذَكَرني بشيء ــ فهو في حِلٍّ، إلا مَن رماني ببغض علي بن أبي طالب».
وأما أُخْلوقةُ التسلُّق، فقال ابن عدي: «سمعت محمد بن الضحَّاك بن عمرو بن أبي عاصم يقول: أشهَدُ على محمد بن يحيى بن منده بين يدي الله [أنه] قال: أشهَدُ على أبي بكر بن أبي داود بين يدي الله أنه قال: روى الزهري عن عروة قال: حفيتْ أظافرُ فلان من كثرة ما كان يتسلَّق على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم».
محمد بن الضحاك هذا له ترجمة في «تاريخ بغداد» (ج 5 ص 376) لم يذكر فيه توثيقًا ولا جرحًا. وابن منده هو أحد الذين شهدوا بأصبهان فجُرِحوا(1). وقد ذكر الحافظان الأصبهانيان الجليلان أبو الشيخ عبد الله بن محمد بن جعفر بن حَيّان وأبو نعيم في كتابيهما في «تاريخ علماء أصبهان والواردين عليها»(2) أبا بكر بن أبي داود، وأثنيا عليه، ولم--------------------------------------------
(1) انظر ما سلف من كلام الكوثري في أول الترجمة.
(2) «طبقات المحدثين بأصبهان»: (3/ 533 - 536)، و «تاريخ أصبهان»: (2/ 26 - 27).

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 504)

يتعرضا في ترجمته للقصة، لكن ذكراها في ترجمة محمد بن عبد الله بن الحسن بن حفص، فقال أبو الشيخ(1): «كان ورد أصبهان أبو بكر بن أبي داود السجستاني، وكان من العلماء الكبار. فكان يجتمع معه حفاظ أهل البلد وعلماؤهم، فجرى منهم يومًا ذكرُ علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، فقال ابن أبي داود: إن الناصبة يروون عليه أن أظفاره حَفِيت من كثرة تسلُّقه على أم سلمة. فنسبوا الحكاية إليه، وألغَوا ذكر الناصبة، وألَّبوا عليه جعفر بن شريك وأولاده … ».
وساق أبو نعيم(2) القصة بأتمَّ من ذلك قال: «محمد بن عبد الله بن الحسن بن حفص الهَمَذاني … وهو الذي عمِلَ وسعَى في خلاص عبد الله بن أبي داود لمَّا أمر أبو ليلى الحارث بن عبد العزيز بضرب عنقه لمّا تقوَّلوا عليه. وكان رحمه الله احتسب في أمر عبد الله بن أبي داود السجستاني لمّا امتُحِن، وتشمَّر في استنقاذه من القتل. وذلك أن أبا بكر بن أبي داود قدم أصبهان، وكان من المتبحِّرين في العلم والحفظ والذكاء والفهم، فحسَده جماعةٌ من الناس، وأجرى يومًا في مذاكرته ما قالت الناصبةُ في أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، فإنَّ الخوارج والنواصب نسبوه إلى أنَّ أظافيره قد حَفِيت من كثرة تسلُّقِه على أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم. ونسبوا الحكاية إليه، وتقوَّلوا عليه، [1/ 302] وحرَّضوا عليه جعفرَ بن محمد بن شريك، وأقاموا بعضَ العلوية خصمًا له. فأُحضِرَ مجلسَ أبي ليلى--------------------------------------------
(1) «طبقات المحدثين»: (3/ 302 - 306).
(2) «تاريخ أصبهان»: (2/ 181 - 182).

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 505)

الحارث بن عبد العزيز، وأقاموا عليه الشهادةَ ــ فيما ذُكِر ــ محمد بن يحيى بن منده، وأحمد بن علي بن الجارود، ومحمد بن العباس الأخرم؛ فأمر الوالي أبو ليلى بضرب عنقه. واتصل الخبر بمحمد بن عبد الله بن الحسن، فحضر الواليَ أبا ليلى، وجرَحَ الشهودَ. فنسب محمدَ بن يحيى إلى العقوق وأنه كان عاقًّا لوالده، ونسب ابنَ الجارود إلى أنه مُرْبي يأكل الربا ويؤكِّل الناس، ونسب الأخرمَ إلى أنه مفتري(1) غيرُ صدوق. وأخذ بيد عبد الله بن أبي داود، فأخرجه وخلَّصه من القتل. فكان عبد الله بن أبي داود يدعو لمحمد بن عبد الله طول حياته، ويدعو على الذين شهدوا عليه. فاستجيب له فيهم، وأصابت كلَّ واحد منهم دعوتُه. فمنهم من احترق(2)، ومنهم من خلَّط وفقَد عقلَه».
فهذان حافظان جليلان من أهل البلد الذي جرت القضية فيه، وهما أعرف بالقصة والشهود. وبعد أن قضى الحاكم ببراءة ابن أبي داود، فلم يبق وجهٌ للطعن فيه بما برَّأه منه الحكم.
وقد شهد ثلاثة خيرٌ من هؤلاء على المغيرة بن شعبة، وتلكَّأ الرابعُ، فحدَّ الصحابةُ الشهودَ ونجا المغيرةُ(3). ثم اتفق أهل السنة على أنه ليس--------------------------------------------
(1) كذا في (ط) و «تاريخ دمشق»: (29/ 88)، و «تاريخ الإسلام»: (7/ 305) للذهبي، وفي مطبوعة «تاريخ أصبهان»: «مقرئ».
(2) (ط): «احترف (! )» وهو تحريف كما نبَّه عليه المؤلف بعلامة التعجب، والمثبت من المصادر السالفة.
(3) قد ثبتت هذه القصة من طرق ذكرتُ أكثرها في «إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل» (ج 8 ص 28 رقم 2361) طبع المكتب الإسلامي. [ن].

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 506)

لأحد أن يطعن في المغيرة بما برَّأه منه الحكم. فإن كان أهل العلم بعد ذلك عدَّلوا الثلاثةَ الذين شهدوا على ابن أبي داود، فليس في ذلك ما ينفي أن يكونوا كانوا حين الشهادة مجروحين بما جُرحوا به في مجلس الحكم، بل يقال: تابوا مما جُرحوا به، فلذلك عدَّلهم أهلُ العلم.
وبعد، فقد كانت أم سلمة رضي الله عنها أتمَّ أمهات المؤمنين ولاءً لفاطمة عليها السلام وللحسن والحسين وأبيهما، وكان علي رضي الله عنه يثق بعظم ولائها، وبعقلها ورأيها ودينها، فكان يستنصحها ويستشيرها. فقد يكون بعضُ الناس روى أن عليًّا كان يتردد عليها لذلك، فأخذ بعض أعداء الله تلك الحكايةَ، وغيَّرها ذاك التغيير الفاجر! كما غيَّر بعضُهم حديث «أنت مني بمنزلة هارون من موسى»(1) فجعل بدل «هارون»: «قارون»، كما تراه في ترجمة حريز بن عثمان(2).

وكان‌‌ من عادة المحدثين التباهي بالإغراب، يحرص كلٌّ منهم على أن يكون عنده من الروايات ما ليس [1/ 303] عند الآخرين؛ لتظهر مزيَّته عليهم. وكانوا يتعنَّون شديدًا لتحصيل الغرائب، ويحرصون على التفرُّد بها، كما ترى في ترجمة الحسن بن علي المَعْمَري من «لسان الميزان»(3) وغيره. وكانوا إذا اجتمعوا تذاكروا، فيحرص كل واحد منهم على أن يذكر شيئًا يُغرِب به على أصحابه بأن يكون عنده دونهم. فإذا ظفِر بذلك افتخَر به--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (3706)، ومسلم (2404) من حديث سعد بن أبي وقاص.
(2) انظر «تهذيب التهذيب»: (2/ 239).
(3) (3/ 71).

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 507)

عليهم، واشتدَّ سروره وإعجابه وانكسارهم. وقد حكى ابن فارس عن الوزير أبي الفضل ابن العميد قال: «ما كنت أظن في الدنيا كحلاوة الوَزارة والرياسة التي أنا فيها حتى شاهدتُ مذاكرةَ الطبراني وأبي بكر الجعابي … »، فذكر القصة، وفيها غلبة الطبراني. قال ابن العميد: «فخجل الجعابي، فوددت أن الوزارة لم تكن، وكنتُ أنا الطبراني، وفرحتُ كفرَحه». راجع «تذكرة الحفاظ» (ج 3 ص 121)(1).
ولم يكونوا يبالون في سبيل إظهار المزية والغَلَبة أكان الخبر عن ثقة أو غيره، صحيحًا أو غير صحيح؟ وقد كان عند زكريا الساجي حديث عن رجل واهٍ، ومع ذلك لمَّا لم يوجد ذاك الحديث إلا عند الساجي صار له به شأن! وفي «لسان الميزان»(2): «قال الساجي: كتب عني هذا الحديثَ البزَّارُ وعبدانُ وأبو داود وغيرهم من المحدثين. قال القرَّاب: هذا حديث الساجي الذي كان يُسأل عنه».
وكانت طريقتهم في المذاكرة: أن يشير أحدُهم إلى الخبر الذي يرجو أنه ليس عند صاحبه، ثم يطالبه بما يدل على أنه قد عرفه، كأن يقول الأول: مالك عن نافع قال .... فإن عرفه الآخر قال: حدثناه فلان عن فلان عن مالك. وقد يذكر ما يعلم أنه لا يصح أو أنه باطل، كأن يقول: المقبري عن أبي هريرة مرفوعًا: «أبغَضُ الكلام إلى الله الفارسية»، أو يقول: أبو هريرة--------------------------------------------
(1) (3/ 915).
(2) (3/ 522).

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 508)