قال: كان الرشيد جالسًا في مجلسه، فأُتي بأسير من الروم، فقال لذُفَافة العبسي: قم فاضرب عنقه. فضربه، فنبا سيفه. فقال لابن فليح المدني: قم فاضرب عنقه. فضربه، فنبا سيفه أيضًا. فقال: أصلح الله أمير المؤمنين تقدَّمَتْني ضَرْبة عَبَسية … ».
وفيها (ج 14 ص 59): «أخبرني الحَرَمي ابن أبي العلاء، ثنا الزبير بن بكَّار، عن عمه، عن فليح بن سليمان قال: مررنا يومًا مع خالصة (جارية للرشيد) في موكبها … »(1).--------------------------------------------
(1) أقول: ومما وقفت عليه من أخباره ما يلي:
قال العيني في «مغاني الأخيار»: (1/ 443): «ذكره ابنُ يونس في العلماء الذين قدموا مصر، وقال: روى عنه عمرو بن الربيع بن طارق ولم يزد على هذا شيئًا … قلت: روى له أبو جعفر الطحاوي».
وأخرج ابن عساكر في «تاريخ دمشق»: (50/ 81) من طريق الزبير بن بكار حدثني عمران بن موسى بن فليح حدثني عمي سليمان بن فليح قال: استنشدني يومًا أمير المؤمنين هارون الرشيد لكثيّر فأنشدته نسيب قصيدة له … ».
وفي «تاريخ الطبري»: (4/ 455): «حدثني محمد بن يحيى قال: حدثني الحارث بن إسحاق قال: أغاروا على دار مروان ودار يزيد، وفيهما طعام كان حمل للجند في البحر، فلم يدعوا فيهما شيئًا، قال: وشَخَص سليمانُ بن فليح بن سليمان في ذلك اليوم إلى أبي جعفر، فقدم عليه فأخبره الخبر».
وله ابن اسمه محمد، ذكره ابن حبان في «الثقات»: (9/ 146) وابن يونس في «تاريخه ــ المجموع»: (2/ 206) وساق نسبه وقال: «محمد بن سليمان بن فليح ابن سليمان بن أبي المغيرة بن حنين الخزاعي يكنى أبا جعفر، مديني، قدم إلى مصر، له دار بمصر بناها في سنة إحدى وثمانين ومائة».
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 449)
وفليح بن سليمان المشهور توفي سنة 168 قبل ولاية الرشيد الخلافة، ولا أحسبه دخل بغداد، ولو دخلها لما كان له شأن بمروره مع خالصة في موكبها، ومع ذلك فليس هو من آل أبي فروة. وهارون وعمران ابنا موسى لم أعرفهما. والأشبه ــ والله أعلم ــ أنه كان لفليح بن سليمان المعروف أربعة أبناء: محمد ويحيى وموسى وسليمان، وجهل أبو زرعة سليمان كما جهل موسى. ثم كان لموسى ابنان: هارون وعمران المذكوران في السند. فسليمان أخو محمد كما قال محمد، وعمُّ عمران كما قال عمران. وهو ابنُ فليح الذي ذكره اليزيدي. و(1) الواقع في [1/ 269] رواية «الأغاني» الثانية باسم «فليح بن سليمان» إما أن يكون انقلب، وإما أن يكون الأصل «ابن فليح بن سليمان»، فسقطت كلمة «ابن».
ولم يكن لسليمان هذا اعتناء برواية الحديث، فيعرفه أهل الحديث، وإنما كان كما قال أخوه: «علَّامة بالناس»، يعني: بأخبارهم، ويشهد لذلك قوله في رواية اليزيدي: «تقدمتني ضربة عَبَسية». يشير إلى قصة وَرْقاء بن زهير العبسي التي ذكرها الفرزدق في قوله:
فسيفُ بني عبسٍ وقد ضَرَبوا به … نبا بيدَيْ ورقاءَ عن رأسِ خالدِ(2)
وكان منقطعًا إلى خدمة الرشيد وآله، وكثير من هذا الضرب وممن هو أولى بالاشتهار منه لا نكاد نعرف عنهم شيئًا، كما يأتي في ترجمة--------------------------------------------
(1) (ط): «وهو» والصواب ما أثبتّ، والسياق يدلّ عليه.
(2) انظر: النقائض (1/ 384).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 450)
أبي جزي(1). ومثلُ هذا لا مانع أن تكون له دالَّة تُجَرِّئه على الكلام في مجلس الرشيد. وعلى كل حال فليس هو ممن يثبت بروايته خبر، فإن كان هناك ما يدفع صحة خبره ــ كما يقول الأستاذ ــ فالحمل عليه، ولا مسوِّغ للحكم على السند بأنه مركب، كما زعم الأستاذ. وراجع «الطليعة» (ص 27 - 28 و 93 - 94)(2).
107 - سُنَيد بن داود.
مرَّت حكايته وكلام الأستاذ فيه والجواب عن بعضه في ترجمة حجاج بن محمد(3). وبقي قول النسائي: «غير ثقة» وقول أبي داود: «لم يكن بذلك» وقول أبي حاتم: «ضعيف». كذا في كتاب ابنه(4). وقد ذكره ابن حبان في «الثقات»(5)، وروى عنه أبو زرعة ومن عادته أن لا يروي إلا عن ثقة، كما في «لسان الميزان» (ج 2 ص 416)(6). وقال الخطيب: «كان له معرفة بالحديث، وما أدري أي شيء غَمَصوا عليه؟ وقد ذكره أبو حاتم في شيوخه الذين يروي عنهم فقال: بغدادي صدوق». قال الخطيب: «كان له--------------------------------------------
(1) رقم (270).
(2) (ص 15 - 20 و 72 - 73). ووقع في (ط) العزو إلى الطليعة (و 93 - 64) خطأ.
(3) رقم (71).
(4) هذا القول نقله المؤلف من «تهذيب التهذيب»: (4/ 244) والحافظ تَبَع للمزي في «تهذيب الكمال»: (3/ 303)، والذي في «الجرح والتعديل»: (4/ 326): «صدوق».
(5) (8/ 43).
(6) (3/ 396).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 451)
معرفة بالحديث وضبطه».
أقول: ما أراهم غَمَصوا عليه إلا ما تقدَّم في ترجمة حجاج. ولعل من شدَّد لم يتدبر القصة، وقد تقدَّم الجواب الواضح عنها، وكفى بقول حاكيها نفسِه وهو الإمام أحمد: «كان سنيد لزم حجاجًا قديمًا، وقد رأيت حجاجًا يملي عليه، وأرجو أن لا يكون حدَّث إلا بالصدق».
108 - شريك بن عبد الله النخعي القاضي:
في «تاريخ بغداد» (13/ 372 [376]) عنه: «كفر أبو حنيفة بآيتين من كتاب الله تعالى … » وفيه (13/ 381 [389]) عن أحمد بن إبراهيم قال: [1/ 270] «قيل لشريك: استتيب أبو حنيفة؟ قال: قد علم ذلك العواتقُ في خدورهنّ». وعن يحيى بن آدم: «سمعت شريكًا يقول: استتبتُ أبا حنيفة مرتين». وعن يحيى بن حمزة: «حدثني شريك بن عبد الله قاضي الكوفة أن أبا حنيفة استتيب من الزندقة مرتين». وعن أبي معمر (إسماعيل بن إبراهيم بن معمر) قال: «قيل لشريك: ممَّ استتبتم أبا حنيفة؟ قال: من الكفر». وفيه (3/ 397 [417]) عن شريك: «لو كان في كلِّ رُبْعٍ من أرباع الكوفة خمَّار يبيع الخمر كان خيرًا من أن يكون فيه من يقول بقول أبي حنيفة».
قال الأستاذ (ص 40): «معروف أن شريكًا كان له لسان ذلق لا واخذه الله. وتشنيعه هذا تشنيع من لا يفرِّق بين مدلولَي الدين والإيمان، ولا يهتدي إلى وجه الجمع بين الظواهر المتضاربة في ذلك، وتَابعَ الخوارج أو المعتزلة من حيث لا يعلم».
وقال (ص 61): «والتحقيق أن شريكًا ثقة في الحديث لكنه طويل اللسان في الناس».
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 452)
وقال (ص 64): «الخبر كذب ملفَّق، وخاصةً بهذا اللفظ (استتبت أبا حنيفة) لأن شريكًا إنما ولي القضاء بعد وفاة أبي حنيفة بخمس سنين». وقال بعد ذلك: «وشريك يكاد(1) يكون ممن لا يعرف ما هي الزندقة؟ ».
وقال (ص 108): «ولو فرضنا أن شريكًا قال هذا لكان آذى نفسه … لأن أبا حنيفة وأصحابه على قولهم المعروف في الأشربة غير الخمر، كانوا يمنعون الناس من احتسائها بخلاف شريك … فيكون شريك كأنه ما كان يعجبه منعُ أصحاب أبي حنيبفة من احتساء النبيذ، حتى تمنّى أن يكون في كل حيّ من الأحياء خمَّار لينتشي كما يشاء … وشريكٌ ممن عُرِف بطول اللسان، وقد اضطربت أقواله في أبي حنيفة بين مدح وقدح، وقولُ أهل النقد فيه معروف، وحسابُه على الله».
أقول: أما القضية الأولى وهي في الإرجاء، فقد ذكرت المسألة في قسم الاعتقاديات(2).
وأما حال شريك في نفسه، فمن أجلَّة العلماء وأكابر النبلاء. فأما في الرواية، فكثير الخطأ والغلط والاضطراب، فلا يُحتجُّ بما ينفرد به أو يخالف. ونَسَبه الدارقطني وابن القطان وعبد الحق إلى التدليس.
وأما قوله: «استتبت أبا حنيفة»، وقولهم له: «استتبتم أبا حنيفة؟ » فلا مانع من صحته. وقد جاء نحو ذلك عن سفيان الثوري. وحقيقة الاستتابة أن يقال للرجل: «تُبْ». فقد يقول العالم وإن لم يكن قاضيًا ولا أميرًا ذلك لغيره، وقد يجتمع عالمان أو أكثر على [1/ 271] واحد، فيقولون له: «تُبْ»، وقد يهدِّدونه بأنه إذا لم يتب رفعوه إلى الحاكم، وقد يُحضر الحاكمُ بعضَ--------------------------------------------
(1) (ط): «كان» والتصحيح من «التأنيب».
(2) (2/ 555 فما بعدها».
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 453)
العلماء ويتساورهم(1) في رجل، فيستتيبونه بحضرته. وهذا واضح جدًّا.
وأما ما قاله الأستاذ في قضية الأشربة فعبث، ومقصود شريك واضح(2)، والنبيذ عند أهل العراق الذين يرخِّصون فيه ليس بخمر عندهم، وشريك إنما ذكر الخمَّار لا النبَّاذ. ولو ذكر الأستاذ ما عنده عن شريك في المدح ــ كما أشار إليه ــ لكان أولى ممَّا ذكره هنا، بشرط أن يكون في روايته بعض القوة، ولكن الأستاذ يعرف بضاعته!
109 - صالح بن أحمد:
راجع «الطليعة» (ص 12 - 18)(3). ووقع في آخر السطر السابع من صفحة (13) «أن»، والصواب «ألَّا». ويزاد بعد السطر الثالث عشر هذه العبارة: «والظاهر أنه جيء به إلى بغداد طفلًا أو وُلِد بها فإن في ترجمته من «تاريخ بغداد» ذكر جماعة من شيوخه، وكلُّهم عراقيون من أهل بغداد والبصرة ونواحيها، أو ممن ورد على بغداد، وسماعُه منهم قديم. فمن شيوخه البغداديين: يعقوب الدَّورقي المتوفى سنة 252(4)، ويوسف بن موسى القطان المتوفى سنة 253. ومن البصريين: محمد بن يحيى بن أبي حزم القِطَعي المتوفى سنة 253. وصرَّح الخطيب في ترجمة فَضْلَك الرازي بأن ابن أبي مقاتل بغدادي، فلا شأن له من جهة السماع بهمذان ولا بهراة».--------------------------------------------
(1) كذا في (ط)، ولعلها: «ويشاورهم».
(2) (ط): «واحد» والظاهر ما أثبتّ.
(3) (ص 5 - 13).
(4) وقع في (ط): «202» خطأ والصواب ما أثبت، وانظر «الطليعة» (ص 7).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 454)
ويبدل السطر السادس عشر بلفظ: «بمائة وأربع عشرة سنة». وتبدل كلمة «بنيف وثلاثين» في السطر الرابع من صفحة (15) بكلمة «بست وأربعين»، فإنّ محمد بن عيسى بن عبد العزيز قُتل سنة 430 كما في ترجمته من «تاريخ بغداد» (ج 2 ص 406). وسقط هناك لفظ «عبد» خطأً كما لا يخفى، وإن حاول الأستاذ أن يشكِّك فيه لإفلاسه. وفي «تاريخ بغداد» (1/ 214): «أخبرنا أبو منصور محمد بن عيسى بن عبد العزيز البزَّاز بهمذان قال: سمعت أبا الفضل صالح بن أحمد بن محمد التميمي الحافظ يقول … ».
ووقعت في الترجمة من «الطليعة»(1) أخطاء مطبعية لابأس بأن أشير إليها هنا:
ص 12 س 4: 1، و 20. س 10: ابن أبي مقاتل. س 14: بصره كما قاله. س 16: بمثل السند.
ص 13 س 4: همذاني - همذانيان. س 7: العادة إلا. س 12: همذاني.
[1/ 272] ص 14 س 11: أبو الفضل. س 14: عنها) … وكان. س 15: ثبتا … ».
ص 15 س 1: 592. س 3: بست وأربعين.
ص 16 س 5: الحذاء … روى عنه. س 6: الحافظ … قال.
ص 17 س 11: باثنتين.--------------------------------------------
(1) من الطبعة الأولى، وقد أصلحناها في طبعتنا هذه من «الطليعة» بعد وقوفنا على نسخةٍ منها بخط مؤلفها.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 455)
هذا ولما كانت قضية صالح بن أحمد وما معها أول انتقاد أتى في «الطليعة» رأى الأستاذ أنه لا يجدر به السكوت عليها مهما كلَّفه الكلامُ من التعسُّف والتعجرف. وكنت ذكرت في «الطليعة»(1) سبعة أوجه تُبيِّن أن صالح بن أحمد في السند هو أبو الفضل التميمي الهَمَذاني الحافظ الثقة المأمون، لا ابن أبي مقاتل القيراطي المطعون فيه؛ فحاول الأستاذ في «الترحيب» الاعتراض على الثلاثة الأوجه الأولى بما حاصله أن كلًّا منها لا يقتضي البتَّ.
فأقول: ما منها إلا ما لو بنيتُ الحكم عليه وحده لصحَّ، راجع «فتح المغيث» للسخاوي (ص 449)(2) طبعة الهند، فكيف بسبعة أوجه لعل تلك الثلاثة أضعَفُها! وقد قدمت هنا ما يؤيد تلك الأوجه.
هذا، وشيوخ القيراطي قدماء كما مرَّ، وهو مرميٌّ بسرقة الحديث، والباعث على سرقة الحديث هو الغرام بدعوى العلوّ. فمن حمله غرامُه بالعلو على الكذب، فكيف بعد سماعه من الذين توفوا سنة 252 ينزل إلى الرواية عمن كان في تلك السنة طفلًا أو لم يولد، وهو القاسم بن أبي صالح المتوفى سنة 338؟ فإنّ أقدم مَن سُمِّي من شيوخ القاسم: أبو حاتم الرازي المتوفى سنة 277. بل لو روى القيراطي عن محمد بن أيوب شيخ القاسم في تلك الحكاية لكان نزولًا، فإن محمد بن أيوب توفي سنة 294.
ثم ذكر الأستاذ في «الترحيب» (ص 26) أنه قد سبقه إلى القول بأن--------------------------------------------
(1) (ص 6).
(2) (4/ 268 وما بعدها) مبحث المتفق والمفترق.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 456)
صالح بن أحمد الواقع في السند هو القيراطي، الملِكُ عيسى، واللجنة الأزهرية التي علقت على الطبعة الثانية للمجلد الثالث عشر من «تاريخ بغداد».
فأقول: أما أنا، فلم أكن وقفتُ على ذلك. وليس للأستاذ في ذلك عذر، إذ ليس هو ممن يقلِّد مثلَ مَنْ ذكره في هذه المواضع، وكلامه يدل على أنه لم يقلِّد، بل بحَثَ ونَظَر، فغاية الأمر أن يكون جرَّأه الغلطُ على التغالط، فيلحق ذلك بنظائره في «الطليعة» (ص 52 - 66) [1/ 273]. وقد ردَّ على عيسى واللجنة حيث لم يكن له هوًى في الموافقة، وذلك قوله (ص 56) من «التأنيب»: «وأبو مسدد قَطَن بن إبراهيم … وليس المراد قَطَن بن نُسَير كما ظن ذلك الملك المعظَّم، وما وقع في كتاب الملك المعظم المطبوع من ذكر (بشير) بدل (نسير) تصحيف. وكذلك ما وقع في تعليق الطبعة الثانية(1) من ذكر (بشر) بدل (نسير) تصحيف آخر ومتابعة للواهم في (قطن)».
ثم قال الأستاذ في «الترحيب» (ص 28): «ومع هذا لا مانع من قبول تحقيق الأستاذ اليماني في عدّ صالح بن أحمد في السند هو الموثَّق مقدِّرًا بحثه … ». ثم عاد فأقام الحجة على أن في نفسه مانعًا أيَّ مانع فقال: «على أن صالح بن أحمد المضعَّف … ». وذكر في (ص 29) أنه لا يبعد أن يكون بين محمد بن عيسى وبين صالح بن أحمد اسمُ راوٍ سقط من الأصل. يعني: فيكون محمد بن عيسى روى عن رجل عن صالح بن أحمد، وسقط اسم الرجل.--------------------------------------------
(1) (13/ 385).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 457)
أقول: هذا التجويز يدلّ على مبلغ اضطرار الأستاذ. وإنني لأعجب من عقليته الجبّارة كيف يجمع بين هذا وأمثاله وبين التألُّم ممَّا فهمه من «الطليعة» من نسبته إلى تعمّد المغالطة! على أن هذا التجويز الذي استروح إليه لا يقتصر الحال على أنه لا دليل عليه، بل الدلائل قائمة على خلافه، كما يُعلم بتدبر ما في «الطليعة» وما هنا.
وتعرَّض الأستاذ لما ذكرته في «الطليعة» (ص 19 - 20)(1) من أن الحكاية ثابتة أيضًا من وجه آخر عن إبراهيم بن بشار يعرفه الأستاذ، فقال (ص 25) من «الترحيب»: «ولم يدر المسكين أن ذلك الخبر في السقوط بحيث لا يمكن أن يقوم على قدم، فضلًا عن قدمين، لاستحالة المتن». كأن القيام على قدم أيسر عند الأستاذ من القيام على قدمين، وثبوتَ الخبر بسند أقوى من ثبوته بسندين! أما الاستحالة، فقد مرَّ الكلام عليها في الفصل الثاني من المقدمة(2)، وتقدَّم الإشارة إليها قريبًا في ترجمة سليمان بن عبد الله(3).
ثم ذكر أن ابن أبي خيثمة نُسِب إلى القدر، وكان مختصًّا بعلي بن عيسى، وأن إبراهيم بن بشّار متكلَّم فيه، وأن سفيان بن عيينة اختلط بأخَرَة.
فأقول: أما إبراهيم وسفيان فقد تقدمت ترجمتاهما(4). وأما ابن أبي--------------------------------------------
(1) (ص 12 - 13).
(2) (ص 8 - 19).
(3) رقم (104).
(4) برقم (2 و 99).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 458)
خيثمة، فقال الدارقطني: [1/ 274] «ثقة مأمون»، وقال الخطيب: «كان ثقة عالمًا متقنًا حافظًا». هكذا في «تذكرة الحفاظ»(1) و «لسان الميزان»(2). ووقع في «تاريخ بغداد»(3): «متفننًا» بدل «متقنًا». وقال الذهبي في «تذكرة الحفاظ»: «الحافظ الحجة الإمام».
فأما القَدَر فلو ثبت عنه لم يضرَّه، كما سلف في القواعد(4)، فكيف وهو غير ثابت! إذ لا يُدرى مَن الناس الذين نسبوه إليه وما مستندهم في تلك النسبة؟ وقد قال الأستاذ (ص 56) في قول الحِمَّاني: سمعت عشرة كلهم ثقات يقولون: سمعنا أبا حنيفة يقول: القرآن مخلوق. فقال الأستاذ: «قول الراوي: سمعت الثقة يُعَدُّ كرواية عن مجهول، وكذا الثقات».
وأما اختصاصه بعلي بن عيسى، فالظاهر أن الفرغاني لم يذكرها على جهة الذم، إذ ليس فيها ما يقتضيه. فإنّ علي بن عيسى الوزير كان من خيار الوزراء مع مشاركته في العلم وعنايته بالعلماء. واختصاصُ ابن أبي خيثمة به إنما كان لِعُلْقة العلم.
110 - صالح بن محمد التميمي الحافظ الملقب «جَزَرة»:
ذكر الأستاذ (ص 187) قول صالح في الحسن بن زياد اللؤلؤي: «ليس بشيء، لا هو محمود عند أصحابنا ولا عندهم، يُتهم بداء سوء، وليس--------------------------------------------
(1) (2/ 596).
(2) (1/ 463).
(3) (4/ 384)، ووقع في الطبعة المحققة: (5/ 265): «متقنًا» كما في التذكرة واللسان.
(4) (ص 71 فما بعدها).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 459)
هو في الحديث بشيء». فقال الأستاذ: «جَزَرة على سعة علمه في الحديث كان بذيء اللسان مداعبًا أسوأ مداعبة. وهو القائل لمن رأى سوأته قد انكشفت: لا تَرْمَدْ عيناك أبدًا، بدل أن يخجل ويستتر. وقد قال مرة لمن سأله عن الثوري: كذَّاب. فكتب السائل قوله، فخاطبه أحدُ جلسائه مستنكرًا صنيعه: لا يحلُّ لك هذا، فالرجل يأخذه على الحقيقة فيحكيه عنك. فقال: أما أعجبَكَ؟ مَن يسأل مثلي عن مثل سفيان الثوري، يفكَّر فيه أنه(1) يحكي أو لا يحكي؟ كما في «تاريخ الخطيب» 9/ 326 و 327. فيفيد جوابه هذا [1/ 275] أنه ممن لا يُقبل قولُه في الأئمة، لضياع كلامه بين الهزل والجد. والعجب من هؤلاء الأتقياء الأطهار استهانتهم بأمر القذف الشنيع هكذا فيما لا يُتصوَّر قيامُ الحجة فيه، مع علمهم بحكم الله في القَذَفة. ولا يكون ذلك إلا من قلة الدين واختلال العقل».
أقول: قوله «بذيء اللسان» كلمة شنيعة لا مبرِّر لها. وقوله: «مداعبًا أسوأ مداعبة» إسراف لا مسوِّغ له، وقد ذكر أشهر ما يُحكى من مداعبة صالح، فليزِنْها القارئ وَلْيحكم أهي مما يسوغ لمثل الكوثري أن يقول في هذا الرجل الجليل: «بذيء اللسان مداعبًا أسوأ مداعبة»؟ ولفظ القصة: «كُنَّا نقرأ على صالح جزرة، وهو عليل، فتحرَّك، فبدت عورته، فأشار إليه بعض أهل المجلس بأن يجمع عليه ثيابه، فقال: رأيتَه؟ لا تَرْمَدْ عيناك أبدًا! » فلا يشك عاقل أنه بادر فاستتر، ولوضوح ذلك لم يحتج الراوي إلى ذكره. فأما الخجل فهو حال نفسية ليس في القصة دليل على عدمه، على أن الذين حضروا وثقَّلوا عليه في مرضه بطلب السماع أولى بأن يخجَلوا. فأما هو، فمريض معذور.--------------------------------------------
(1) كذا في «التأنيب» و (ط). وفي «التاريخ» بطبعتيه: «أن».
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 460)
وأما قوله لمن سأله عن الثوري، فكان السائل ــ كما في القصة ــ «من أهل الرُّستاق» وفي ذلك مع جواب صالح ما يُعْلَم منه أن السائل كان جاهلًا مغفَّلًا، وثقَّل على صالح بالسؤال عن المحدثين حتى بلغ من جهله أن يسأل عن سفيان الثوري المجمَع على إمامته وجلالته إجماعًا صادقًا لا يخفى عن طالب العلم في تلك الأزمنة، وكان الحاضرون غير ذاك الجاهل يعرفون عادة صالح في التنكيت، ويشاهدون جهل السائل وتثقيله، ويعرفون اعتقاد صالح في الثوري، فتجوَّز صالح في تلك الكلمة عالمًا بأن الحاضرين سينبِّهون السائل على الحقيقة، ولو لم ينبِّهوه لنبَّهه صالح في المجلس. وما وقع في القصة «أمَا أعجبك» صوابه «ما أعجبك! »(1) كما يوضِّحه السياق. وقوله «من يسأل مثلي … » يريد به أن الرجل مغفَّل، فلو فُرِض أنه لم ينبَّه في المجلس وذهب يحكي عن صالح أنه قال لمَّا سأله عن الثوري: «كذاب» لَمَا قَبِل منه ذلك أحد، ولا التفتوا إليه لظهور تغفيله، فضلًا عن العلم بحال الثوري وعقيدة صالح فيه.
قول الأستاذ: «فيفيد جوابه هذا أنه ممن لا يُقبل قولُه في الأئمة»، إن أراد به أنه إذا حكى بعض المغفَّلين عن صالح مثل تلك الكلمة أنه قالها في مثل [1/ 276] الثوري فيما تقدَّم، لم يُلتفت إلى تلك الحكاية= فحقٌّ، وإن كنا لا نعلم شيئًا من هذا القبيل غير ما تضمنته تلك الحكاية.
قوله: «لضياع قوله بين الهزل والجد» باطل. وأي شيء له من الهزل في هذا الباب غير تلك الحكاية الفذَّة التي مرَّ توجيهها؟ أما جِدُّه في هذا الباب ــ--------------------------------------------
(1) وهو كذلك في الطبعتين.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 461)
أعني كلامه في الرواة جرحًا وتعديلًا ــ فأكثر من أن يحصى. وهو في قبول ذلك منه كغيره من أئمة الحديث بإجماع أهل العلم.
قوله: «والعجب من هؤلاء الأتقياء الأطهار … » إن أراد به قول صالح في الحسن بن زياد: «يتهم بداء سوء»، فليس بقذف، كما لا يخفى على ذي فقه.
أولًا: لأن صالحًا لم يُثبت، وإنما ذكر أن الحسن يُتَّهم، أي: يتهمه بعض الناس. وفي كتب الحنفية أنفسهم: «إن قال: قد أُخْبِرْتُ بأنك زانٍ لم يكن فيه حد»(1).
ثانيًا: لأنه لم يُثبت الفعل، وإنما أثبت اتهامَ بعض الناس.
ثالثًا: لم يذكر صريح الزنا، وإنما قال: «بداء سوء»، وأدواء السوء كثيرة؛ بل لعل تلك الكلمة لا تعريض فيها بموجِب الحد، وإنما المراد بداء السوء ما دون الفاحشة. ولم تقتصر حال اللؤلؤي على التهمة بما دون الفاحشة، بل شهد عليه الأئمة الأثبات بفعله في الصلاة، كما سلف في ترجمة الخطيب(2)، وتراه في ترجمة اللؤلؤي من «لسان الميزان»(3) وغيره. وصالح مكلَّف شرعًا بإخبار سائله عن اللؤلؤي بحاله فيما يقتضي عدالتَه أو جرحَه. وقد نصَّ جماعة من أهل العلم على أن قاصد الجرح إذا قال في--------------------------------------------
(1) انظر «المبسوط»: (9/ 120)، و «بدائع الصنائع»: (7/ 44).
(2) رقم (26).
(3) (3/ 48).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 462)
المسؤول عنه: «هو زانٍ» لم يكن قذفًا محرمًا، وإنما هو شهادة وجب عليه أداؤها فأدَّاها. فتدبَّرْ ما تقدَّم، ثم انظُرْ هل هناك كلمة يؤدي بها صالحٌ ما وجب عليه أعفُّ وأطهَرُ من قوله: «يتهم بداء سوء»؟
وقد حكى الحنفيّةُ أنفسُهم عن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة كلمةً شنيعة قالها وليس في صدد جرح، بل في صدد مدح نفسه، وذمِّ مَنْ كان ينازعه في ولاية القضاء(1). وسبق في ترجمة الخطيب كلماتُ الكوثري في حقِّه. فالأستاذ يستحلُّ لنفسه ولأصحابه ما لا يكاد يحِلُّ لمن رُفِعَ عنه القلم، ويحاول التشنيع على هذا الحافظ المجمَع على ثقته وأمانته بكلمةٍ، هي أعفُّ وأطهرُ ما يمكنه أن يؤدِّي بها ما أوجب الله تعالى عليه؛ ثم يضِجُّ [1/ 277] ويعِجُّ من مخالفيه إذا نسبوه إلى تعمُّد المغالطة. وسيأتي شيء من حال اللؤلؤي في الرواية في ترجمة محمد بن سعد العوفي(2).
111 - الصقر بن عبد الرحمن بن مالك بن مِغْوَل:
في «تاريخ بغداد» (13/ 332) «أخبرني البَرْقاني، أخبرنا محمد بن العباس الخزاز، حدثنا عمر بن سعد، حدثنا عبد الله بن محمد، حدثني أبو مالك بن أبي بَهْز البجَلي، عن عبد الله بن صالح عن أبي يوسف … ».
قال الأستاذ (ص 29): «أبو مالك هو محمد بن الصقر بن عبد الرحمن ابن بنت مالك بن مِغْوَل المعروف بابن مالك بن مِغْول، فالصقر وعبد الرحمن من--------------------------------------------
(1) يقصد قوله لما ولي قضاء البصرة بعد يحيى بن أكثم ثم صُرِف فقيل له: عففتَ عن أموالنا. فقال: وعن أبنائكم! يُعرِّض بيحيى. انظر «لسان الميزان»: (2/ 114).
(2) رقم (206).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 463)
الكذابين المعروفين … ».
أقول: الصقر وعبد الرحمن لا شأن لهما بهذه الحكاية، ولا تزر وازرة وزر أخرى. والصقر ذكره أبو حاتم فقال: «صدوق»(1)، وذكره ابن حبان في «الثقات»(2) في موضعين سمَّاه في الأول «سقر» وقال: «يخطئ ويخالف»، وسماه في الثاني «صقر» وقال: «في قلبي من حديثه ما حدثنا أبو يعلى ثنا الصقر … » فذكر حديثًا قد أنكره غيرُه على الصقر حتى رماه بعضهم لأجله بالكذب ووضع الحديث. وذاك الحديث رواه الصقر عن عبد الله بن إدريس أحد الثقات الأثبات عن المختار بن فُلْفُل. قال ابن حجر في «لسان الميزان»(3): «لم ينفرد الصقر بهذا، فقد رواه إبراهيم بن زياد السكوني عن بكر بن المختار بن فُلْفُل عن أبيه، وتقدم في ترجمة بكر. ورواه ابن أبي خيثمة في «تاريخه» عن عبد الأعلى بن أبي المساور عن المختار بن فُلْفُل، مثله، لكن ابن أبي المساور واهٍ، فالظاهر أن الصقر سمعه من عبد الأعلى أو بكر، فجعله عن عبد الله بن إدريس ليرُوْج له، أو سها».
أقول: قد بان بصنيع أبي حاتم الرازي وأبي حاتم ابن حبان أنه لم يُنْكَر على الصقر إلا هذا الحديث، وأن بقية أحاديثه مستقيمة، فالحَمْل على السهو والغلط هو الأقرب. وكم من رجل وثَّقوه، وقد وقع له ما يشبه هذا. فأما عبد الرحمن بن مالك بن مِغْوَل، فتالف. والله أعلم.--------------------------------------------
(1) (4/ 452).
(2) (8/ 305 و 322).
(3) (4/ 323).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 464)
112 - ضِرَار بن صُرَد:
في «تاريخ بغداد» (13/ 380 [388]) من طريق «محمد بن يونس، ثنا ضرار بن صرد قال: حدثني سُلَيم … » فذكر الحكاية. ومن طريق «عبد الأعلى بن واصل، ثنا أبو نعيم ضرار بن صرد قال: سمعت سُلَيم بن عيسى … » فذكرها.
وقال [1/ 278] البخاري في ترجمة سليم من «التاريخ الكبير»(1): «قال لي ضرار بن صرد: حدثنا سليم سمع سفيان: قال لي حماد بن أبي سليمان: أبلِغْ أبا حنيفة المشرك أني بريء منه. قال: وكان يقول: القرآن مخلوق». وفي رواية الخطيب الثانية: «قال سليم: كان يزعم أن القرآن مخلوق» وفي الرواية الأولى: « … إني بريء منه حتى يرجع عن قوله في القرآن». وكأنَّ ذلك من تخليط محمد بن يونس الكُدَيمي.
قال الأستاذ (ص 60): «ضرار بن صرد هو أبو نُعَيم الطحان الذي يقول عنه ابن معين: كذاب … ».
أقول: قال علي بن الحسن الهِسِنْجاني عن ابن معين: «بالكوفة كذابان: أبو نُعَيم النخعي، وأبو نُعَيم ضِرار بن صُرَد». وظاهر هذا تعمُّد الكذب، لكن قال الأستاذ (ص 163): «الإخبار بخلاف الواقع هو الكذب، والكذب بهذا المعنى يشمل الغالط والواهم، فمن غلط أو وهم في شيء يمكن عدُّه كاذبًا على هذا الرأي … فلا يُعتَدُّ بقول من يقول: فلان يكذب، ما لَم يفسِّر وجهَ كذبه. ولذا عُدَّ عند كثير من أهل النقد قولُ القائل: كذب فلان، من الجرح غير المفسَّر … ».--------------------------------------------
(1) (4/ 127).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 465)
أقول: وقد قال ابن معين لشجاع بن الوليد أبي بدر السكوني: يا كذاب. وقد قال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: «شجاع بن الوليد ثقة»، ووثَّقه غيُره، ولكنه يهم ويغلط. فلننظر كلام غير ابن معين في أبي نعيم النخعي ــ واسمه عبد الرحمن بن هانئ ــ ثم في أبي نعيم ضرار بن صرد.
فأما النخعي، فقد قال العجلي: «ثقة». وقال أبو حاتم: «لا بأس به، يكتب حديثه». وروى عنه أبو زرعة ومِن عادته أن لا يروي إلا عن ثقة، كما في «لسان الميزان» (ج 2 ص 416)(1). وقال البخاري: «فيه نظر، وهو في الأصل صدوق»(2). وكلمة «فيه نظر» معدودة من أشد الجرح في اصطلاح البخاري، لكن تعقيبه هنا بقوله: «وهو في الأصل صدوق» يخفِّف من وطأتها(3).
وأما ضِرار، فروى عنه أبو زرعة أيضًا. وقال البخاري والنسائي: «متروك الحديث». لكن البخاري روى عنه وهو لا يروي إلا عن ثقة كما صرَّح به الشيخ تقي الدين ابن تيمية(4)، ومرَّ النظر في ذلك في ترجمة--------------------------------------------
(1) (3/ 396).
(2) «التاريخ الأوسط»: (4/ 942) في رواية الخفّاف وليست في «الكبير» ولا رواية زنجويه للأوسط.
(3) أقول: هذا أمر قاله الذهبي في «الميزان»: (3/ 130، 449) وتوبع عليه، لكن جَمَع عدد من الباحثين من قال فيهم البخاري: «فيه نظر» وقورن كلامه بكلام النقّاد فلم يظهر أنه يستعملها فيمن حاله بمنزلة المتروك، ولا أُثر عن البخاري بنقلٍ ثابت أنه يستعملها في التضعيف الشديد. وقد قال الحافظ ابن حجر في «بذل الماعون» (ص 92): إن هذه عبارته فيمن كان وسطًا.
(4) في «تلخيص كتاب الاستغاثة»: (1/ 77).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 466)
أحمد بن عبد الله أبو عبد الرحمن(1). والظاهر التوسط، وهو أن البخاري لا يروي إلا عمن هو صدوق في الأصل يتميَّز صحيحُ حديثهِ مِن سقيمه، كما صرَّح به في رواية الترمذي عنه(2)، كما تقدم في تلك الترجمة. فقوله في ضرار: [1/ 279] «متروك الحديث» محمول على أنه كثير الخطأ والوهم، ولا ينافي ذلك أن يكون صدوقًا في الأصل يمكن لمثل البخاري تمييز بعضِ حديثه. وقال أبو حاتم في ضرار: «صدوق صاحب قرآن وفرائض، يُكتبَ حديثه ولا يحتج به، روى حديثًا عن معتمر عن أبيه عن الحسن عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضيلة بعض الصحابة ينكره أهل المعرفة بالحديث»(3).
أقول: متنه: «قال لعلي: أنت تبيِّن لأمتي ما اختلفوا فيه بعدي» أخرجه الحاكم في «المستدرك» (ج 3 ص 122)، وقال: «صحيح على شرط الشيخين». قال الذهبي: «بل هو ــ فيما أعتقده ــ من وضع ضِرار، قال ابن معين: كذاب».
أقول: لا ذا ولا ذاك، والصواب ما أشار إليه أبو حاتم، فإنه أعرف بضِرار وبالحديث وعلله. فكأنَّ ضِرارًا لُقِّن أو أُدخِلَ عليه الحديث أو وهِمَ. فالذي يظهر أن ضِرارًا صدوق في الأصل، لكنه ليس بعمدة، فلا يُحتج بما رواه عنه من لم يُعرف بالإتقان. ويبقى النظر فيما رواه عنه مثلُ أبي زرعة أو--------------------------------------------
(1) رقم (23).
(2) «جامع الترمذي»: (2/ 198 و 4/ 214)، ونقل عنه في «العلل الكبير» (ص 394) قوله: «وكل رجل لا أعرف صحيح حديثه من سقيمه لا أروي عنه ولا أكتب حديثه … ».
(3) «الجرح والتعديل»: (4/ 465 - 466).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 467)
أبي حاتم أو البخاري. والله أعلم. ولضرار رواية في مناقب أبي حنيفة كما في «تاريخ بغداد» (1).(2)
113 - طريف بن عبيد الله:
في «تاريخ بغداد» (13/ 413 [441]) عنه: «سمعت ابن أبي شيبة … »
قال الأستاذ (ص 147): «ضعيف عنده مناكير. قال الدارقطني: ضعيف. وقال أبو زكريا يزيد بن محمد بن إياس الموصلي في «تاريخه»: لم يكن من أهل الحديث، توفي سنة 304».
أقول: لم يتهموه بتعمُّد الكذب، ولكن يظهر أنه كان مغفَّلًا يحدِّث على التوهم. والله أعلم.
114 - طَلْق بن حبيب:
في «تاريخ بغداد» (13/ 374 [378 - 380]) من طريقين عن «سليمان بن حرب قال: حدثنا حماد بن زيد قال: جلست إلى أبي حنيفة، فذكر سعيد بن جبير، فانتحله في الإرجاء، فقلت: يا أبا حنيفة من حدَّثك؟ قال: سالم الأفطس. قال: قلت: سالم الأفطس كان مرجئًا، ولكن حدثني أيوب قال: رآني سعيد بن جبير جلستُ إلى طَلْق فقال: [1/ 280] ألم أرك جلستَ إلى طلق؟ لا تجالسه. قال حماد: وكان طلق يرى الإرجاء. قال: فقال رجل لأبي حنيفة: ما كان رأي طلق؟ فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض--------------------------------------------
(1) انظر (13/ 342 و 357).
(2) طاهر بن محمد. راجع «الطليعة» (ص 79 [69 - 70]). [المؤلف].
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 468)