سلمة، ولكن ما رأيت أشدَّ مواظبةً على الخير وقراءة القرآن والعمل لله من حماد بن سلمة». وقال رجل لعفان: أحدِّثك عن حماد؟ قال: مَن حماد ويلك؟ قال: ابن سلمة. قال: ألا تقول: أمير المؤمنين! وقال عبد الرحمن بن مهدي ــ والد إبراهيم الذي نسب إليه ابن الثلجي ما نسب ــ: «لو قيل لحماد بن سلمة: إنك تموت غدًا، ما قدَر أن يزيد في العمل شيئًا». وقال أيضًا: «حماد بن سلمة صحيحُ السماع، حسنُ اللُّقِيِّ، أدرك الناس، لم يُتهم بلون من الألوان، ولم يلتبس بشيء، أحسَنَ ملكةَ نفسه ولسانه ولم يطلقه على أحد، فسلِمَ، حتى مات». وقال حماد بن زيد: «ما كنا نرى أحدًا يتعلَّم بنيَّةٍ غير حماد بن سلمة، وما نرى اليوم من يعلِّم بنيةٍ غيرَه». وقال إسحاق بن الطبَّاع: قال لي ابن عيينة: العلماء ثلاثة، عالم بالله وبالعلم، وعالم بالله ليس بعالم بالعلم، وعالم بالعلم ليس بعالم بالله. قال ابن الطباع: «الأول كحماد بن سلمة … ». وقال علي ابن المديني: «من تكلم في حماد بن سلمة فاتَّهِموه في الدين».
86 - حنبل بن إسحاق:
في «تاريخ بغداد» (13/ 371 [372]) من طريقه: «حدثنا الحميدي، حدثنا حمزة بن الحارث بن عمير، عن أبيه قال: سمعت رجلًا يسأل أبا حنيفة في المسجد الحرام عن رجل قال: أشهد أن الكعبة حق، ولكن لا أدري هي هذه التي بمكة أم لا؟ فقال: مؤمن حقًّا. وسأله عن رجل قال: أشهد أن محمد بن عبد الله نبيّ، ولكن لا أدري هو الذي قبرُه بالمدينة أم لا؟ فقال: مؤمن حقًّا … ».
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 409)
وفيه (13/ 389 [406]) من طريقه: «حدثنا الحميدي قال: سمعت سفيان قال: كنت في جنازة أمِّ خَصيب بالكوفة، فسأل رجل أبا حنيفة عن مسألة من الصرف، فأفتاه. فقلت: يا أبا حنيفة [1/ 246] إن أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم قد اختلفوا في هذه، فغضب، وقال للذي استفتاه: اذهَبْ فاعمل بها، فما كان فيها من إثم فهو عليَّ».
قال الأستاذ (ص 36): «يتكلم فيه بعض أهل مذهبه، ويرميه ابن شاقْلا بالغلط في روايته، كما ذكره ابن تيمية في تفسير سورة القلم. لكن لا نلتفت إلى كلامهم، ونعدُّه ثقةً مأمونًا، كما يقول ابن نقطة في «التقييد»». وقال (ص 84): «غالِط، غيرُ مرضيٍّ عند بعض أهل مذهبه».
أقول: قال الدارقطني: «كان صدوقًا». وقال الخطيب: «كان ثقة ثبتًا». وتخطئته في حكاية إنما تدلُّ على اعتقاد أنه لم يكن معصومًا من الخطأ، وليس هذا مما يوهن الثقةَ المُكثِر كحنبل. وقد خطَّأ أهلُ العلم جماعةً من أجلة الصحابة، بل قالوا: إن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد يخطئون في أمور الدنيا، بل قال بعضهم: قد يعرض لهم الخطأ في شيء من أمر الدين، ولكن ينبَّهون في الحال لمكان العصمة في التبليغ. وقد تعرضتُ لذلك في قسم الاعتقاديات. والمقرر عند أهل العلم جميعًا أن الثقة الثبت قد يخطئ، فإن ثبت خطؤه في شيء فإنما يُترك ذاك الشيء. فأما بقية روايته، فهي على الصواب. ومن ادعى الخطأ في شيء، فعليه البيان. والأستاذ يعلم ذلك كله، ولكن … والله المستعان.
87 - خالد بن عبد الله القَسْري:
في «تاريخ بغداد» (13/ 381 [390]) من طريق: «محمد بن فُليح
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 410)
المدني عن أخيه سليمان ــ وكان علَّامةً بالناس ــ أن الذي استتاب أبا حنيفة خالد القسري … ».
قال الأستاذ (ص 62): «هو الذي بنى كنيسةً لأمه تتعبد فيها، وهو الذي يقال عنه: إنه ذبح الجعد بن درهم يوم عيد الأضحى أضحيةً عنه … ما كان العلماء ليسكتوا في ذلك العهد أمام استخفافه لشعيرة من شعائر الدين .. وسفكُ دمِ من وجب قتلُه شيء، وذبحُه على أن يكون أضحيةً شيء آخر. وكانت سيرة خالد وصمة عار في تاريخ الإسلام».
أقول: كان خالد أميرًا مسلمًا، خلط عملًا صالحًا ــ كإقامة الحدود ــ وآخَرَ سيئًا، الله أعلم ما يصح عنه منه. وقد جاء عن جماعة من الأئمة ــ كما في «التأنيب» نفسه ــ أن أبا حنيفة استتيب في الكفر مرتين. فإن كان خالد هو الذي استتابه في إحداهما، وقد شهد أولئك الأئمة أنها استتابة عن الكفر، فأيُّ معنى للطعن في خالد؟ هَبْه كان كافرًا! أيجوز أن يحنَق عليه مسلم، لأنه [1/ 247] رُفِع إليه إنسان يقول قولًا شهد علماء المسلمين أنه كفر، فاستتابه منه؟
وكان خالد يمانيَّ النسب، وكان له منافسون على الإمارة من المُضَريين، وأعداءٌ كثيرٌ يحرصون على إساءة سمعته. وكان القصاصون ولا سيما بعد أن نُكِب خالد يتقربون إلى أعدائه بوضع الحكايات الشنيعة في ثلبه، ولا ندري ما يصح من ذلك؟
وقضية الكنيسة إن صح فيها شيء فقد يكون برَّ أمَّه بمال، فبنى لها وكيلُها كنيسةً، فإنها كانت نصرانية. وليس في هذا ما يعاب به خالد، فقد أحلَّ الله عز وجل نكاحَ الكتابيات والتسرِّي بهن، ونهى عن إكراههن على
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 411)
الإسلام، وأمر بإقرارهن على دينهن، وأمر ببرِّ الأمهات.
فأما قضية الجعد، فإن أهل العلم والدين شكروا خالدًا عليها ولا يزالون شاكرين له إلى يوم القيامة. ومغالطة الأستاذ في قضية التضحية مما يُضحِك ويُبكي. يُضحِك لتعجرفه، ويُبكي لوقوعه من رجل ينعته أصحابه أو ينعت نفسه: «الإمام الفقيه المحدث والحجة الثقة المحقق العلامة الكبير … »! !
لا يخفى على أحد أن الأضحية الشرعية هي ذبح شاة أو بقرة أو بدنة بصفة مخصوصة في أيام الأضحى تقرُّبًا إلى الله تعالى بإراقة دمها، وليأكل منها المضحِّي وأهله، ويهدي من لحمها إلى أصحابه، ويتصدَّق منه على المساكين؛ وأن خالدًا لم يذبح الجعد ليأكل من لحمه ويُهدي ويتصدَّق، وإنما سماه تضحيةً لأنه إراقة دم يوم الأضحى تقرُّبًا إلى الله تعالى. فشبَّهه بالأضحية المشروعة من هذا الوجه، كما سمَّى بعضُ الصحابة وغيرهم قتلَ عثمان رضي الله عنه تضحيةً لأنه وقع في أيام الأضحى. فقال حسَّان(1):
ضحَّوا بأشمطَ عنوانُ السجودِ به … يُقطِّع الليلَ تسبيحًا وقرآنا
وقال أيمن بن خُرَيم(2):--------------------------------------------
(1) ديوان حسان (96).
(2) كذا ورد البيت في «الجوهرة» للبرِّي (2/ 189) و «نهاية الأرب» للنويري (19/ 319)، وغيرها. وهو ملفَّق من بيتين روايتهما في «المعارف» لابن قتيبة (198):
تفاقَدَ الذابحو عثمانَ ضاحيةً … فأيَّ ذِبْحٍ حرامٍ وَيحَهم ذَبَحوا
ضحَّوا بعثمانَ في الشهر الحرام ولَمْ … يخشَوا على مطمحِ الكفرِ الذي طَمَحوا
وانظر: «الكامل» للمبرد (919) و «التنبيه والإشراف» ــ طبعة ليدن (292).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 412)
ضحَّوا بعثمانَ في الشهر الحرام ضحًى … وأيَّ ذِبْحٍ حرامٍ وَيْلَهم ذَبَحوا
وقال القاسم بن أمية(1):
لَعَمْري لَبئس الذِّبْحُ ضحَّيتُمُ به … وخُنْتُم رسولَ الله في قتل صاحبِهْ
فإن قيل: لكن يظهر من القصة أن خالدًا لم يضحِّ، بل اجتزأ بذبح الجعد. قلت: ليس ذلك بواضح، وكان خالد يذبح كلَّ يوم عدة ذبائح، وهَبْ أنه لم يضحِّ ذاك اليوم، فغاية [1/ 248] الأمر أن يكون اجتزأ بإقامة ذلك الحدّ من جهة كونه قربةً إلى الله عز وجل وإقامةِ حدِّ من حدوده. والأضحية عند جمهور أهل العلم ليست بواجبة، فلا إثم على من تركها. فإن كان مع تركه لها قد قام بقربة عظيمة، ورأى أن ما يفوته من أجر الأضحية وإقامة الشعائر بها(2) يَجبُره ما يرجوه على تلك القربة الأخرى، فهو أبعد عن الإثم. ولو ضحَّى الرجلُ ألف أضحية لَما بلغ من أجرها وإقامة الشعائر بها أن تُوازِنَ إقامةَ الحدِّ على الجعد، وإماتةَ فتنته.
88 - خالد بن يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك:
في «تاريخ بغداد» (13/ 412 [439]) عنه قال: «أحَلَّ أبو حنيفة … ».--------------------------------------------
(1) انظر: «الجوهرة» (2/ 190) و «نهاية الأرب» (19/ 320). وله بيت آخر من أبيات حائية في رثاء عثمان ــ رضي الله عنه ــ أيضًا.
لَعَمْري لبئس الذِّبْحُ ضحَّيتُمُ به … خلافَ رسولِ الله يومَ الأضاحي
انظر: «تاريخ خليفة بن خياط» (177)، و «الإصابة» ــ طبعة التركي (9/ 10).
(2) (ط): «بما».
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 413)
قال الأستاذ (ص 145): «يقول عنه ابن معين: بالشام كتاب ينبغي أن يُدفن: «كتاب الديات» لخالد بن يزيد بن أبي مالك. لم يرض أن يكذب على أبيه، حتى كذب على الصحابة. قال ابن أبي الحواري: سمعت هذا الكتاب من خالد، ثم أعطيته للعطَّار، فأعطى الناسَ فيه حوائج. قال النسائي: غير ثقة. وقال أحمد: ليس بشيء».
أقول: إنما ذكر خالد في هذه الحكاية مسائلَ فقهية انتُقِدَتْ على أبي حنيفة، قد نظرتُ فيها في قسم الفقهيات. ومع ذلك فقد وثَّقه أحمد بن صالح المصري، والعجلي، وبلديُّه أبو زرعة الدمشقي. وقال ابن عدي(1): «لم أر من أحاديث خالد هذا إلا كلَّ ما يُحتمَل في الرواية أو يرويه ضعيف عنه، فيكون البلاءُ من الضعيف لا مِنْه». وكتاب الديات قد يكون ما فيه مما استنكره ابن معين، مما أخذه خالد عن الضعفاء فأرسله. والله أعلم.(2)
89 - داود بن المحبَّر:
في «تاريخ بغداد» (13/ 392 - 393 [409 - 410]) عدة روايات تتعلق بالمُحرِم إذا لم يجد إزارًا فلبس سراويل، أو لم يجد نعلًا فلبس خفَّين. وقد ذكرت المسألة في الفقهيات.
تكلَّم الأستاذ (ص 94) في الروايات إلى أن قال: «وأما ما رواه ابن عبد البر في «الانتقاء» (ص 140) من أنه لما قيل لأبي حنيفة … قال: لم يصح في هذا عندي … وينتهي كل امرئ إلى ما سمع؛ فغير ثابت عنه، لأن في سنده داود بن المحبَّر، متروك--------------------------------------------
(1) «الكامل»: (3/ 13).
(2) خلف بن بيان يأتي في ترجمة محمد بن الحسين بن حميد. [المؤلف]. رقم (202).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 414)
باتفاق .. بل حديث إباحة لبس الخفين … مخرج في «مسانيد أبي حنيفة». ففي «مسند أبي محمد البخاري الحارثي» عن أبي سعيد بن جعفر، عن أحمد بن سعيد الثقفي، عن المغيرة بن عبد الله، عن [1/ 249] أبي حنيفة، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس .... فهذا الحديث بهذا السند يردُّ على من يقول: إنه لم يبلغه حديث في هذا الباب … فينهار بهذا البيان جميعُ تلك المزاعم … هكذا يفضح الله الأفَّاكين».
أقول: داود وثَّقه ابن معين. وقال أبو داود: «ثقة شبه الضعيف، بلغني عن يحيى فيه كلام أنه يوثِّقه». وبهذا يُعلم ما في قول الأستاذ: «متروك باتفاق»، وإن كان الصواب ما عليه الجمهور أن داود ساقط. ومع ردِّ الأستاذ ذاك الخبرَ هنا، فقد احتج به (ص 74) إذ قال: «وأبو حنيفة الذي يقول: لعن الله من يخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم … ــ كما في «الانتقاء» لابن عبد البر (ص 141) ــ كيف يخالف حديثًا صحَّ عن الرسول عليه الصلاة والسلام؟ ومن زعم ذلك فقد أبعَدَ في البَهْتِ، نسأل الله الصون». وقوله: «لعن الله … ». قطعة من خبر داود الذي ردَّه الأستاذ هنا.
وغرض الأستاذ في الموضعين واحد، وهو ردُّ الروايات القوية. فإنه احتج به في (ص 74) على ردِّ روايات قوية متعددة، وختم بقوله: «نسأل الله الصون»! وردَّه (ص 94) ليردَّ روايات قوية، ثم احتج على الردِّ بما هو أسْقَط من خبر داود، وهو خبر الحارثي بذاك الإسناد. والحارثي قد أشرتُ إليه في «الطليعة» ص 64 ويأتي له ذكر في ترجمة علي بن جرير.
وترجمة الحارثي في «لسان الميزان» (ج 1 ص 27)(1) وفيها: «قال ابن--------------------------------------------
(1) كذا وقعت هذه الإحالة في (ط)، وهي خطأ قطعًا، وصواب الإحالة على الطبعة التي يعزو إليها المؤلف هو (3/ 348). وفي الطبعة المحققة (4/ 580).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 415)
الجوزي: قال أبو سعيد الروَّاس: يُتهم بوضع الحديث. وقال أحمد السليماني: كان يضع هذا الإسناد على هذا المتن، وهذا المتن على هذا الإسناد. وهذا ضرب من الوضع … وقال الخليلي: … له معرفة بهذا الشأن، وهو لين، ضعَّفوه. حدثنا عنه الملاحمي وأحمد بن محمد البصير بعجائب». وسترى ما يكشف بعضَ حاله في ترجمة علي بن جرير(1).
وشيخه أبو سعيد بن جعفر هو أبَّا بن جعفر، ترجمته في «لسان الميزان» (ج 1 ص 27)(2). وفيها «قال ابن حبان: كان يقعد يوم الجمعة بحذاء مجلس الساجي … ذهبت إلى بيته للاختبار … فرأيته قد وضع على أبي حنيفة أكثر من ثلثمائة حديث ما حدَّث بها أبو حنيفة قط … ». قال ابن حجر: «وقال حمزة (السهمي الحافظ)(3) عن الحسن بن علي بن غلام الزهري (الحافظ): أبّا بن جعفر كان يضع الحديث، وحدَّث بنسخة نحو المائة عن شيخٍ له مجهولٍ زعم أن اسمه أحمد بن سعيد بن عمرو المطوعي، عن ابن عيينة، عن إبراهيم بن [1/ 250] ميسرة، عن أنس. وفيها مناكير لا تعرف. وقد أكثر عنه أبو (محمد) الحارثي في «مسند أبي حنيفة»».
وشيخه هنا أحمد بن سعيد الثقفي لا يُعرف أو لم يُخلَق! وهكذا--------------------------------------------
(1) رقم (159).
(2) (1/ 231).
(3) كلام حمزة في «سؤالاته» 176.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 416)
المغيرة بن عبد الله. ومن العجائب أن صاحب «جامع المسانيد» زعم أنه المغيرة بن عبد الله اليشكري الذي يروى عن المغيرة بن شعبة المتوفى سنة خمسين! وأعجب من ذلك قول الأستاذ: «فهذا الحديث بهذا السند يُرَدُّ … ». وهذه سخرية من الأستاذ، لا أدري أبالعلم، أم بنفسه، أم بالذين يرى أنهم سيتلقَّون كلامه بالقبول والإعجاب! ثم ختم الأستاذ بقوله: «هكذا يفضح الله الأفاكين». ولا يخفى أين موضع هذه الكلمة! والله المستعان.
90 - دَعْلَج بن أحمد السِّجْزي:
في «تاريخ بغداد» (13/ 379 [386 - 387]) من طريقه: «أخبرنا أحمد بن علي الأبَّار، حدثنا سفيان بن وكيع، قال: جاء عمر بن حماد … ».
قال الأستاذ (ص 57): «فدعلج تاجرٌ مُثْرٍ، كان عنده قِفافٌ مملوءة ذهبًا تَبهَر عيون من يبيت عنده من الرواة وتسلُب ألبابهم. يتعانى الرواية، ويواسي الرواة من أهل مذهبه في التشبيه. وكان عنده تعصُّب وتغفُّل. وكان الرواة الأظِنَّاء يبيتون عنده، ويُدخلون في كتبه أشياءَ، فيرويها بسلامة باطن. وذكر الذهبي من الوضاعين الذين كانوا يُدخلون في كتبه اثنين: أحدهما علي بن الحسين الرُّصافي، وقد قال عنه: يضع الحديث ويفتري على الله. قال الدارقطني: لا يوصف ما أدخل هذا على الشيوخ، ثم عُمِل محضرٌ بأحاديث أدخلها على دعلج. وكذا أدخل أبو الحسين العطار المخرِّمي أحاديث على دعلج أيضًا، كما ذكره الذهبي. ويجعلهما ابن حجر شخصًا واحدًا بدون حجة».
أقول: قد سلف في ترجمة أحمد بن علي الأبَّار(1) أن دعلجًا--------------------------------------------
(1) رقم (27).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 417)
سِجِستاني كان يطوف البلاد لسماع العلم وللتجارة، ودخل بغداد وسنُّه نيف وعشرون سنة، وسنُّ الأبَّار فوق السبعين، فسمع منه ومن غيره، ومات الأبَّار بعد ذلك بسنوات. وبقي دعلج في تطوافه، ثم سكن مكة مدة، ثم تحول إلى بغداد وأقام بها إلى أن مات سنة 351. وذلك بعد وفاة الأ بَّار بإحدى وستين سنة. وتقدَّم أيضًا أن دعلجًا إنما أثرى بعد موت الأبَّار بدهر.
فأما مطاعن الأستاذ في دعلج، فأولها: أنه كان يعتقد التشبيه! وإنما أخذ الأستاذ ذلك من ذكرهم أن دعلجًا أخذ عن ابن خزيمة كتبه، وكان يفتي بقوله، وابن خزيمة عند الأستاذ مشبِّه! وهَبْه ثبت أن دعلجًا كان [1/ 251] على عقيدة ابن خزيمة، وعقيدةُ ابن خزيمة هي في الجملة عقيدة أئمة الحديث، وهي محض الإيمان. وقد أفردتُ الاعتقاديات بقسم.
وثانيها: أنه كان متعصبًا. وهذا تخرُّص من الأستاذ. فأما ما جاء من طريقه من الروايات، فشيء سمعه، فرواه. وقد عاش دعلج ببغداد عشرات السنين، كان الثناء عليه كلمةَ وفاقٍ بينهم على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم.
وثالثها: أن الرواة الأظِنَّاء كانوا يبيتون عنده ويُدخلون في كتبه! وهذا تخرُّص أيضًا. نعم، حُكِي عن رجل غير ظنين أنه بات عنده وأراه ماله، ولم يقل إن كتبه كانت مطروحة له ولا لغيره ممن يُخشَى منه العبث بها. فأما إدخال بعضهم عليه أحاديث، فذلك لا يقتضي الإدخال في كتبه، بل إذا استخرج الشيخ أو غيره من أصوله أحاديثَ، وسلَّمها إلى رجل لِيرتِّبها وينسخها، فذهب الرجل، ونسَخها، وأدخل فيها أحاديث ليست [من](1)--------------------------------------------
(1) زيادة مناسبة ليست في (ط).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 418)
حديث الشيخ، وجاء بالنسخة، فدفعها إليه ليحدِّث بها= صَدَقَ أنه أدخل عليه أحاديثَ. ثم إذا كان الشيخ يقِظًا، فاعتبر تلك النسخة بحفظه أو بمراجعة أصوله، أو دفعها إلى ثقة مأمون عارف كالدارقطني، فاعتبرها، فأخرج تلك الزيادة، ولم يحدِّث بها الشيخُ= لم يكن عليه في هذا بأس. ولعله هكذا جرى، فقد قال الخطيب في دعلج: «كان ثقةً ثبتًا، قبِلَ الحكَّامُ شهادته وأثبتوا عدالته … وكان أبو الحسن الدارقطني هو الناظر في أصوله والمصنِّف له كتبَه، فحدَّثني أبو العلاء الواسطي عن الدارقطني قال: صنفتُ لدعلج «المسند الكبير»، فكان إذا شكَّ في حديث ضرب عليه. ولم أر في مشايخنا أثبتَ منه … حمزة بن يوسف السهمي يقول: سئل أبو الحسن الدارقطني عن دعلج بن أحمد، فقال: كان ثقةً مأمونًا، وذكر له قصة في أمانته وفضله ونبله». وقال الذهبي في «تذكرة الحفاظ» (ج 3 ص 92)(1): «دعلج بن أحمد بن دعلج الإمام الفقيه محدث بغداد .... روى عنه الدارقطني، والحاكم، وابن رزقويه، وأبو إسحاق الإسفراييني(2)، وأبو القاسم بن بشران، وعدد كثير. وقال الحاكم: سمعت الدارقطني يقول: صنّفتُ لدعلج(3) «المسند الكبير» ولم أر في مشايخنا أثبتَ منه … ».
وجَعْلُ الأستاذ المُدْخِلِين جماعةً من أمانيه! والمعروف رجل واحد--------------------------------------------
(1) (3/ 881).
(2) (ط): «الإسفرائني» خطأ.
(3) (ط): «صنف الدعلج» و «التذكرة»: «صنف لدعلج»، والمثبت من «السير»: (16/ 33).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 419)
ترجمته في «تاريخ بغداد» (ج 11 ص 385): «علي بن الحسين(1) بن جعفر أبو الحسين البزاز يعرف بابن [1/ 252] كَرْنِيب، وبابن العطار المُخَرِّمي … بلغني عن الحاكم أبي عبد الله محمد بن عبد الله(2) النيسابوري قال: ذكر الدارقطني(3) ابنَ العطار، فذكر من إدخاله على المشايخ شيئًا فوق الوصف، وأنه أشْهَد عليه، واتخذ محضرًا بإدخاله أحاديث على دعلج». وذكره(4) الذهبي في «الميزان»(5)، واقتصر على قوله: «أدخل على دعلج أحاديثَ. قاله الدارقطني». ثم ذكر(6) «علي بن الحسين الرصافي»، وقال: «قال الدارقطني: لا يوصف ما أدخَل على الشيوخ، ثم عُمِلَ محضرٌ عليه بأحاديث أدخلها على دعلج». فقال ابن حجر في «اللسان»(7): «هذه صفة علي بن الحسن بن كَرْنِيب، وقد مرَّ».
وحجته في ذلك أن القصة متفقة، والاسم متفق، واسم الأب متقارب؛ فإن اسم «الحسن» و «الحسين» يكثر تحرُّفُ أحدهما إلى الآخر، وليس في «تاريخ بغداد» إلا رجل واحد، والمخرِّم والرصافة محلَّتان ببغداد وقد يكون--------------------------------------------
(1) كذا في (ط): «الحسين» وفي «تاريخ بغداد»: «علي بن الحسن» وهو الصواب ومقتضى السياق كما يأتي.
(2) (ط): «عبد» خطأ.
(3) كذا في (ط) وتاريخ بغداد، وفي الطبعة المحققة: «ذكرتُ للدارقطني».
(4) (ط): «وذكر».
(5) (4/ 40).
(6) (4/ 44).
(7) (5/ 529).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 420)
مسكنُ الرجل بينهما فينسب إلى هذه وإلى هذه. وابن حجر مُطَّلِع على مآخذ الذهبي ولم يقف في شيء منها إلا على رجل واحد.
وهذه الأمور إن لم تَكْفِ للجزم بأنه رجل واحد، فلا ريب أنها تكفي للتوقف عن الجزم بأنهما اثنان. وهب أنهما اثنان أو عشرة فإن ذلك لا يضرّ دعلجًا وروايتَه، ما لم يثبت أن ذلك كان على وجهٍ يُوجب القدحَ فيه. وذلك مدفوع بأن المُخبِر بذلك وكاتبَ المَحْضر أو المَحْضَرين أو المحاضر ــ كما يتمناه الأستاذ ــ هو الإمام أبو الحسن الدارقطني، وهو الذي كان الناظر في أمور دعلج، والمصنِّف له كتبه، وهو الذي وثَّقه أثبتَ توثيق كما سلف. وفي ذلك ما يقطع نزاعَ مَنْ يخضع للحق. فأما المعاند، فلا يقطعه إلا أن تشهد عليه أعضاؤه!
91 - الربيع بن سليمان المرادي:
في «تاريخ بغداد» (13/ 410 [437]) عنه: «سمعت الشافعي يقول: أبو حنيفة يضع أول المسألة خطأً، ثم يقيس الكتاب عليها».
قال الأستاذ ص 139: «الربيع المرادي الذي يقول فيه أبو يزيد القراطيسي ما يقول».
أقول: في ترجمته من «التهذيب»(1): «قال أبو الحسين الرازي الحافظ والد تمَّام: أخبرنا عليّ بن محمد بن أبي حسان الزيادي بحمص: سمعت أبا يزيد القراطيسي يوسف بن يزيد يقول: سماع الربيع بن سليمان من الشافعي ليس بالثَّبَت، وإنما أخذ أكثر الكتب من آل البُوَيطي بعد موت البُوَيطي. قال--------------------------------------------
(1) (3/ 246).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 421)
أبو الحسين: وهذا لا يُقبل من أبي يزيد، بل البويطي كان يقول: الربيع [1/ 253] أثبَتُ مني. وقد سمع أبو زرعة الرازي كتب الشافعي كلَّها من الربيع قبل موت البويطي بأربع سنين».
وقول القراطيسي: «ليس بالثبت» إنما مفاده نفيُ أن يكون غايةً في الثبت. ويُفهم من ذلك أنه ثَبَتٌ في الجملة، كما شرحته في ترجمة الحسن بن الصبَّاح(1). ويوضِّح ذلك هنا ما بعده. وحاصله أنه لم يكن للربيع في بعض مسموعاته من الشافعي أصولٌ خاصة محفوظة عنده؛ لأنه إنما أخذ أكثر الكتب من ورثة البويطي. وهذا تشدُّد من أبي يزيد في غير محَلّه، فقد يكون للربيع أصولٌ خاصة محفوظة عنده، ولا يمنعه ذلك من أخذ غيرها من ورثة البويطي ليحفظها. وعلى فرض أنه لم يكن له ببعض الكتب أصول خاصة، وإنما كان سماعه لها في كتب البويطي، وأن البويطي كان يخرجها لمن يريد سماعها من الربيع كأبي زرعة؛ فسماعُ الربيعِ لها ثابتٌ، وقد عرَفَ الكتبَ وأتقنها، فإذا وثِقَ بأنها لم تزل محفوظة في بيت البويطي حقَّ الحفظ حتى أخذها، فأيُّ شيء في ذلك؟
وقد قال الخليلي في الربيع: «ثقة متفق عليه، والمزني مع جلالته استعان على ما فاته عن الشافعي بكتاب الربيع». ووثَّقه آخرون، واعتمد الأئمة عليه في كتب الشافعي وغيرها.
ومع هذا كله فالحكاية التي يحاول الأستاذ الجواب عنها حكاية مفردة، قال الربيع فيها: «سمعت الشافعي … ». واعترف الأستاذ بمضمونها، كما--------------------------------------------
(1) رقم (76).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 422)
يأتي في ترجمة الشافعي(1). وقد روى الربيعُ عن البويطي عن الشافعي أشياء كما تراه بهامش «الأم» (ج 6 ص 57). وكان عُمر القراطيسيّ حين مات الشافعي ثماني عشرة سنة، ولم يأخذ عن الشافعي، وإنما رآه رؤيةً؛ فلا خبرة له بما سمعه الربيع، وإنما بنَى على الحدس، كما سلف.
92 - رجاء بن السندي:
في «تاريخ بغداد» (13/ 391 [408]) عنه: «سمعتُ بِشْر بن السَّرِي قال: أتيت أبا عوانة … ».
قال الأستاذ (ص 92): «طويل اللسان، وقد أعرض عنه أصحاب الأصول الستة».
أقول: أوهم الأستاذُ بهذه العبارة أن رجاءً كان بذيئًا، وأن أصحاب الأصول لم يرضوه. وليس الأمر كذلك، ولكن كان فصيحًا، قال بكر بن خلف: «ما رأيت أفصح منه». فهذا طول لسانه في اصطلاح الأستاذ الذي يقصد به الإيهام، فعَلَ ذلك في مواضع!
وتوفي رجاء سنة 221، فلم يدركه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وأدركوا من أقرانه ومن هو أكبر منه [1/ 254] مَن هو مثلُه أو أعلى إسنادًا منه، فلم يحتاجوا إلى الرواية عن رجل عنه؛ لإيثارهم العلوَّ. وأدركه أبو داود في الجملة، لأنه مات وسنُّ أبي داود نحو تسع عشرة سنة، ولكنه في بلد غير بلده، فالظاهر أنه لم يَلْقَه.--------------------------------------------
(1) رقم (189).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 423)
فأما مسلم، فإنه كان له حين مات رجاء نحوُ ست عشرة سنة، وهو بلديُّه، ويمكن أن يكون سمع منه وهو صغير، فلم ير مسلم ذلك سماعًا لائقًا بأن يعتمده في «الصحيح». ويمكن أن يكون مسلم تشاغل أول عمره بالسماع ممن هو أسنُّ من رجاء، وأعلى إسنادًا، ففاته رجاء.
وأما البخاري، فقد ذَكَر [في](1) «الكمال» أنه روى عنه، لكن قال المزي: «لم أجد له ذكرًا في الصحيح»(2). فقد لا يكون البخاري لقيه، وقد يكون لقيه مرةً فلم يسمع منه إلا شيئًا عن شيوخه الذين أدرك البخاريُّ أقرانَهم، فلم يحتَجْ إلى النزول بالرواية عن رجاء. فتحصَّلَ من هذا أنهم إنما لم يُخرجوا عنه إيثارًا للعلوِّ من غير طريقه، على النزول من طريقه. وراجع ترجمة إبراهيم بن شمّاس(3).
هذا، وقد روى عنه الإمام أحمد، وهو لا يروي إلا عن ثقة، كما يأتي في ترجمة محمد بن أعيَن(4). وروى عنه أيضًا إبراهيم بن موسى وأبو حاتم وقال: «صدوق». وقال الحاكم: «ركن من أركان الحديث».--------------------------------------------
(1) زيادة لازمة. و «الكمال في أسماء الرجال» لعبد الغني المقدسي (ت 600) لم يطبع بعد، وهو الذي هذَّبه المزِّي.
(2) «تهذيب الكمال»: (2/ 478) علق ذلك في هامش كتابه، وبقية كلامه: «ولا ذَكَره أحدٌ من المصنفين في رجاله، وإنما قال الحاكم في «تاريخ نيسابور»: روى عنه البخاري، ولم يقل في «الصحيح»، فلعله روى عنه خارج الصحيح، وليس من شرط هذا الكتاب فإن له نظراء لم نذكرهم. والله أعلم» اهـ.
(3) رقم (6).
(4) رقم (194).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 424)
93 - رَقَبة بن مَصْقَلة:
في «تاريخ بغداد» (13/ 416 [446]) عن أبي أسامة «مرَّ رجل على رَقَبة فقال: من أين أقبلت؟ قال: من عند أبي حنيفة. قال: يمكنك من رأي(1) ما مضغت، وترجع إلى أهلك بغير ثقة».
قال الأستاذ (ص 158): «ليس من رجال الجرح والتعديل، وإنما هو من رجالات العرب الذين يحبُّون التنكيت والتندّر. وهو الذي استلقى على ظهره في المسجد، وهو يتقلَّب ويقول لمن يسائله عما به: إني صريع الفالوذج! يعني أنه متخوم بأكله، أو مصروع بالتشوّق إليه. ومثل هذا الكلام موضعه كتب النوادر والمحاضرات .. ».
أقول: رقبة روى عن أنس ــ فيما قيل ــ وعن أبي إسحاق، وعطاء، ونافع، وعبد العزيز بن صُهيب، وثابت البُناني، وطلحة بن مصرِّف، وغيرهم. وعنه جرير بن عبد الحميد، وأبو عَوانة، وابن عُيينة، وغيرهم. قال الإمام أحمد: «شيخ ثقة من الثقات مأمون». وقال ابن معين والعجلي والنسائي: «ثقة». واحتج به الشيخان في «الصحيحين» وغيرهما. ومثلُه لو جَرَح أو عَدَّل لَقُبِل منه. فأما الدعابة، فلم تبلغ به بحمد الله عز وجل ما يخدش في دينه وأمانته. وقصة الفالوذج ــ إن صحت ــ[1/ 255] إنما فيها أنه أكل فالوذجًا، فتأذَّى به، فقال ما قال تلطُّفًا ونصيحةً لغيره، فكان ماذا؟
ومع هذا كلِّه، فليس في كلمته التي ذكرها الخطيب جرحٌ لأبي حنيفة. وقوله: «ترجع إلى أهلك بغير ثقة» يعني: بالرأي، لأنه قد يرجع أبو حنيفة--------------------------------------------
(1) في «الانتقاء» (ص 274): «يكفيك من رأيه … » معزوّة إلى مسعر بن كدام.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 425)
عنه بعد ساعة. وقد قال حفص بن غياث: «كنت أجلس إلى أبي حنيفة، فأسمعه يُسأل عن مسألة في اليوم الواحد، فيفتي فيها بخمسة أقاويل. فلما رأيتُ ذلك تركتُه، وأقبلتُ على الحديث». ذكره الأستاذ (ص 123).
وقال زفر صاحب أبي حنيفة: «كنا نختلف إلى أبي حنيفة … فقال يومًا أبو حنيفة لأبي يوسف: ويحك يا يعقوب لا تكتُبْ كلَّ ما تسمعه مني، فإني قد أرى الرأي اليومَ فأتركه غدًا، وأرى الرأي غدًا فأتركه بعد غد». ذكره الأستاذ (ص 118).
94 - زكريّا بن يحيى السّاجي:
في «تاريخ بغداد» (13/ 325) عنه: «سمعت محمد بن معاوية الزيادي يقول: سمعت أبا جعفر يقول: كان أبو حنيفة اسمه عتيك بن زَوْطَرة، فسمَّى نفسه النعمان، وسمَّى أباه ثابتًا».
قال الأستاذ (ص 18): «شيخ المتعصبين، كان وقَّاعًا، ينفرد بمناكير عن مجاهيل، وتجد في «تاريخ بغداد» نماذج من انفراداته عن مجاهيل بأمور منكرة. ونضالُ الذهبي عنه من تجاهل العارف. وقال أبو الحسن ابن القطان: مختلف فيه في الحديث، وثَّقه قوم وضعَّفه آخرون. وقال أبو بكر الرازي بعد أن ساق حديثًا بطريقه: انفرد به السَّاجي ولم يكن مأمونًا. وكفى في معرفة تعصُّب الرجل الاطلاعُ على أوائل كتاب «العلل» له».
أقول: أما التعصُّب، فقد مرَّ حكمُه في القواعد(1)، وبيَّنَّا أنه إذا ثبتت ثقةُ الرجل وأمانتُه لم يقدح ما يسمِّيه الأستاذ تعصُّبًا في روايته. ولكن ينبغي--------------------------------------------
(1) (ص 87 فما بعدها).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 426)
التروِّي فيما يقوله برأيه، لا اتهامًا له بتعمُّدِ الكذب والحكمِ بالباطل، بل لاحتمال أنَّ الحنَقَ حال بينه وبين التثبُّت. وبهذه القاعدة نفسها نعامل ما حكاه الأستاذ عن أبي بكر الرازي ــ إن كان ممن ثبتت ثقته وأمانته ــ فلا نقبلها منه بغير مستند، مع مخالفته لمن هو أثبت منه وأعلم بالحديث ورجاله. ولأمرٍ ما سَتَر الأستاذُ على نفسه وعلى الرازي، فلم يذكر الحديث ولا بيَّن موضعه (*)!
فأما قوله: «كان وقَّاعًا» فمن تصدَّى للجرح والتعديل والتنديد بمن يخالف السنة، احتاج [1/ 256] إلى ما يسمِّيه الأستاذ وقيعة، وإنما المذموم أن يقع الرجل في الناس بما لا يراه حقًّا، أو بما لا يُعذَر في جهلِ أنه باطل.
وأما الانفراد بمناكير عن مجاهيل ــ إن صحَّ ــ فلا يضرُّه، وإنما الحَمْل على أولئك المجاهيل، ولا يترتب على ذلك مفسدة. ومثلُ ذلك ما يرويه عن الضعفاء، كالحديث الذي في ترجمته في «لسان الميزان»(1) سمعه من الساجي أبو داود وعَبْدان والبزَّار وغيرهم، رواه الساجي عن عبد الله بن هارون بن أبي علقمة الفَرْوي. وعبد الله هذا يقال له: «أبو علقمة الصغير» له ترجمة في «تهذيب التهذيب» (ج 12 ص 172). وفيها: «قال الحاكم أبو أحمد: منكر الحديث … وقال ابن عدي: له مناكير … وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: يخطئ ويخالف. وقال الدارقطني في «غرائب مالك»: «متروك الحديث». فإن كان ذاك الحديث منكرًا، فالحملُ فيه على الفَرْوي، كالأحاديث الأخرى التي أُنكِرَت عليه.--------------------------------------------
(1) (3/ 522).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 427)
وأما كلمة ابن القطان(1)، فلم يبيِّن مَنْ هم الذين ضعَّفوه؟ وما هو التضعيف؟ وما وجهه؟ ومثلُ هذا النقل المرسَل على عواهنه لا يُلتفت إليه أمام التوثيق المحقَّق. وأخشى أن يكون اشتبه على ابن القطان(2) بغيره ممن يقال له: «زكريا بن يحيى»، وهم جماعة(3). وابن القطان ربما يأخذ من الصحُف، فيصحِّف. فقد وقع له في موضعٍ تصحيفٌ في ثلاثة أسماء متوالية. راجع «لسان الميزان» (ج 2 ص 201 - 202)(4). قد قال ابن حجر في «اللسان»(5) متعقبًا كلمةَ ابن القطان: «ولا يغترَّ أحد بقول ابن القطان، قد جازف بهذه المقالة، وما ضعَّف زكريا الساجي هذا أحدٌ قط … وذكره ابن أبي حاتم فقال: كان ثقة يعرف الحديث والفقه، وله مؤلفات حسان في الرجال واختلاف الفقهاء وأحكام القرآن … وقال مسلمة بن القاسم: بصري ثقة». والذهبي إنما قال في «الميزان»(6): «أحد الأثبات، ما علمتُ فيه جرحًا أصلًا. قال أبو الحسن بن القطان … ». فما الذي تجاهله الذهبيُّ؟ أما كلمة ابن القطان، فقد ذكرها.
وأما ما حكاه الأستاذ عن الرازي، فليس الرازي ممن يُذكَر في هذا--------------------------------------------
(1) في آخر كتابه «بيان الوهم والإيهام»: (5/ 640).
(2) (ط): «ابن قطان»!
(3) يُستبعد هذا الاحتمال؛ لأن ابن القطان أفرده بالترجمة، وذكر نَسَبه وموطنه ووفاته، ونقل من كتابه في «الضعفاء» …
(4) (3/ 28).
(5) (3/ 521).
(6) (2/ 269).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 428)