جمعًا بين الأدلة.
والحاصل أن المراد بالأمة بعضهم، فيغفر الله تعالى لبعض الأمة جميع ذنوبهم؛ صغائرها وكبائرها ما عدا الشركَ، قال الله تعالى {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48] الآية، فبعض الأمة هم الذين شاء الله تعالى أن يغفر ذنوبهم جميعها. فتبصر. والله تعالى أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه هذا أخرجه مسلم في صحيحه.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف:
أخرجه رحمه الله هنا، وفي "الكبرى" برقم (3/ 315) بهذا السند.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول:
أخرجه مسلم والترمذي؛ فأخرجه مسلم في "الإيمان" عن محمد بن عبد الله بن نمير، وزهير بن حرب -كلاهما عن عبد الله بن نمير- وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي أسامة -كلاهما عن مالك بن مِغْول، عن الزُّبير بن عَدِيّ، عن طلحة بن مُصَرّف، عن مُرَّة بن شَرَاحِيل، عنه.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 98)
وأخرجه الترمذي في تفسير "سورة النجم" عن ابن أبي عُمَر، عن سفيان بن عيينة، عن مالك بن مغول، عن طلحة نحوه "لمَّا بَلَغَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم سدرة المنتهى … " الحديث، ولم يذكر الزبير بن عدي. وقال: حسن صحيح.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: بيان ما أكرم الله به نبيه صلى الله عليه وسلم من المعراج.
ومنها: بيان محل سدرة المنتهى، وبيان وصفها.
ومنها: بيان معنى قوله تعالى: {إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى}. [النجم: 16].
ومنها: بيان ما أكرِمَ به صلى الله عليه وسلم حيث أعطي هذه الخصال الثلاث، ولم
يعطهن أحد غيره.
ومنها: بيان فضل الصلوات الخمس حيث فُرِضت في المحل الرفيع خلاف سائر الفرائض.
ومنها: بيان فضل خواتيم سورة البقرة، وقد ورد في فضلها أحاديث صحاح:
فمنها: ما أخرجه الشيخان من حديث ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كَفَتَاه".
ومنها: ما أخرجه الترمذي عن النُّعْمان بن بَشِير، عن النبي صلى الله عليه وسلم -
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 99)
قال: "إنَّ الله كَتَبَ كتابًا قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام، أنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة، ولا يُقْرأ بهِنَّ في دار ثلاثَ ليال فَيقْرَبُها شيطانٌ". وصححه الحاكم على شرط مسلم.
ومنها: ما أخرجه مسلم والنسائي، واللفظ له عن ابن عباس رضي الله عنهما. قال: "بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعنده جبريل إذ سمع نَقيضًا فوقه، فرفع جبريل بصره إلى السماء، فقال: هذا باب قد فُتِحَ مَن السماء ما فُتِحَ قَطُّ، قال: فنزل منه ملك، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: أبشر بنورين قد أوتيتَهُمَا لم يُؤتهما نبي قبلك، فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ حرفًا منهما إلا أوتيته".
ومنها: بيان ما أكرم الله به هذه الأمة؛ حيث إنه يغفر لها المُقْحِمَات غيرَ الشرك. وهذا فضل عظيم من رب كريم.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يغفر لهم المقحمات بمنه وكرمه آمين.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 100)
2 - بَابٌ أيْن فُرِضَتِ الصَّلاةُ؟
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواب سؤال من سأل: أين فرضت الصلاة؟، ومحل الترجمة من الحديث قوله: "فرضت بمكة". والمراد به أول محل ظهر فيه فرضيتها من الأرض، وإلا فأول محل فرضها فوق السموات. والله تعالى أعلم.
452 - أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ: أَنَّ عَبْدَ رَبِّهِ بْنَ سَعِيدٍ، حَدَّثَهُ: أَنَّ الْبُنَانِيَّ حَدَّثَهُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ الصَّلَوَاتِ فُرِضَتْ بِمَكَّةَ، وَأَنَّ مَلَكَيْنِ أَتَيَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَذَهَبَا بِهِ إِلَى زَمْزَمَ، فَشَقَّا بَطْنَهُ، وَأَخْرَجَا حَشْوَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَغَسَلَاهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ كَبَسَا جَوْفَهُ حِكْمَةً وَعِلْمًا.
رجال هذا الإسناد
1 - (سليمان بن داود) بن حَمَّاد المَهْرِي، أبو الرَّبِيع المصري بن أخي رِشْدينِ بنِ سَعْد، ثقة، توفي سنة 253، من [11]، أخرج له أبو داود والنسائي، وتقدم في 63/ 79.
2 - عبد الله (بن وهب) بن مسلم القرشي مولاهم أبو محمد
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 101)
المصري الفقيه، ثقة حافظ عابد، توفي سنة 179، عن 72 سنة، من [9]، أخرج له الجماعة، وتقدم في 9/ 9.
3 - (عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاري، مولاهم أبو أيوب المصري، ثقة فقيه حافظ، توفي قديمًا قبل سنة 150، من [7]، وأخرج له الجماعة، وتقدم في 63/ 79.
4 - (عبد ربه بن سعيد) بن قيس الأنصاري، أخو يحيى، المدني، ثقة، توفي سنة 139، وقيل بعد ذلك، من [5].
وفي "تت" عن يحيى بن سعيد القطان، قال: كان وَقَّادًا حَيَّ الفُؤَاد، وعن عبد الله بن أحمد عن أبيه: شيخ ثقة مدني، وقال ابن معين: ثقة مأمون، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: لا بأس به، قلت: يحتج بحديثه؟ قال: حسن الحديث ثقة، ووثقه النسائي، والعجلي، وابن سعد، وقال: كثير الحديث دُونَ أخيه يحيى، وقال أبو عوانة: هو أعَزُّ إخْوَتِهِ حديثًا. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: هو الذي يقال له: عبد ربه المدني، أخرج له الجماعة.
5 - (البُنَانِيُّ) هو ثابت بن أسلم أبو محمد البصري، منسوب إلى بُنَانَة -بضم الباء الموحدة وتخفيف النون- ابن سَعْد بن لُؤَيّ بن غالب، ثقة عابد، من [4]، تقدم في 45/ 53.
6 - (أنس بن مالك) بن النضر بن ضَمْضَم أبو حَمْزَة خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنه تقدم في 6/ 6. والله تعالى أعلم.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 102)
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات أجلاء، اتفقوا عليهم غير شيخه، فتفرد به هو، وأبو داود.
ومنها: أنهم ما بين مصريين؛ وهم الثلاثة الأولون، ومدنيين؛ وهم الباقون.
ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي، عبدِ رَبِّهِ عن ثابت.
ومنها: أن فيه أنسًا أحد المكثرين المسبعة، رَوَى 2286 حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أنس بن مالك) رضي الله عنه (أنَّ الصلوات الخمس) بفتح همزة "أن"، لأن الجملة في تأويل المصدر مفعول "حَدَّثَ"، (فُرِضَت) بالبناء للمفعول، أي أظهر للناس وجوبها (بمكة) قبل الهجرة إلى المدينة، ليلة المعراج، كما تقدم إيضاحه في الباب السابق.
(وأن ملكين) بفتح "أن" أيضًا عطفًا على "أنَّ الصلوات"، وقد تقدم اختلاف الروايات في الملائكة الذين أتوه، هل هما اثنان أم ثلاثة؟ في الحديث (448) (أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهبا به إِلى) بئر (زمزم، فشقا بطنه)، وتقدم أن الشق من النحر إلى مَرَاقِّ البَطنِ،
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 103)
(وأخرجا حَشْوَه) قال السندي رحمه الله: هكذا في نسختنا -وهو بفتح فسكون- أي ما في بطنه، وفي نسخة السيوطي "حُشوته" وهي بالضم والكسر: الأمعاء. اهـ. قلت: المعنى واحد.
(في طَست) بالفتح والكسر، وتقدم الكلام على ضبطه ومعنا في (448)، والجار والمجرور متعلق بمحذوف، أي وَضَعَاهُ في طست (من ذهب)، وتقدم سبب اختصاص الطست وكونه من ذهب، في حديث الرقم المذكور، (فغسلاه بماء زمزم) فيه أن ماء زمزم أفضل من غيره.
(ثم كَبَسَا) بفتح الكاف والباء، قال المجد في "ق": كَبَسَ البِئْرَ وَالنَّهْرَ يَكْبسُهُمَا: طَمَّهُمَا بالتُّرَاب، وقَال أيْضًا: "طَمَّ الإنَاءَ: مَلأَهُ، والرِّكِيَّةَ، يَطِمُّهَا -بالكسر، ويَطُمُّهَا- بَالضم: دَفَنَهَا، وسَتَرَهَا اهـ.
فتبين بهذا أن معنى قوله (ثم كبسا جوفه) أي ملآه، وقوله: (حكمةً وعلمًا) منصوبان على التمييز، وفي "الكبرى" "حِكْمَةً وإيمَانًا" وهو الموافق للرواية المتقدمة في الباب السابق.
وقال السندي: "ثم كبسا جوفه" أي ستراه "حكمةً وعلمًا" أي حال كونه ذا حكمة وعلم. اهـ.
قال الجامع: ما قدمته هو الأوضح. والله أعلم، وهو المستعان وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 104)
حديث أنس رضي الله عنه هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف:
أخرجه المصنف هنا في "المجتبى" (452) وفي "الكبرى" (316) بسند "المجتبى"، وقال: قال أبو عبد الرحمن: عبد ربه بن سعيد، ويحيى بن سعيد، وسعد بن سعيد بن قيس بن قهد(1) الأنصاري، وهم ثلاثة إخوة، ويحيى بن سعيد أجَلُّهم، وأنْبَلُهُم، وهو أحد الأئمة، وليس بالمدينة بعد الزهري في عصره أجل منه، وعبد ربه ثقة، وسعد ضعيف. اهـ جـ 1 ص 141.
قال الجامع: قوله في نسبه: ابن سعيد بن قيس بن قهد، لا يصح كما قاله البخاري في التاريخ الكبير، والصحيح في نسبه أنه ابن سعيد بن قيس بن عمرو بن سَهْل بن ثَعْلَبَةَ بن الحارث بن زيد بن ثعلبة بن غَنْم بن مالك بن النَّجَّار. انظر "تت" جـ 11 ص 221، و"تهذيب الكمال" جـ 31 ص 347. والله تعالى أعلم.
تنبيه:
هذا الحديث من أفراد المصنف، لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره. انظر "تحفة الأشراف" جـ 1 ص 145. والله تعالى أعلم.--------------------------------------------
(1) ونسخة "الكبرى" ابن فهد، بالفاء، والصواب ابن قهد بالقاف، كما في "تت" جـ 11 ص 221، و"تهذيب الكمال" جـ 31 ص 347.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 105)
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: بيان محل فرض الصلوات الخمس، وهو مكة، وهو محل الترجمة للمصنف، وهذا مما لا خلاف فيه بين أهل العلم.
ومنها: بيان فضل النبي صلى الله عليه وسلم حيث أكرمه الله تعالى بشق بطنه وغسل ما فيه مما ينافي كمال العبودية؛ من حظوظ النفس والشيطان.
ومنها: إظهار معجزة باهرة له في هذا العمل؛ حيث إنه لم يتأثر بجروح، ولا قَرِحَ مَحَلُّ الشق.
ومنها: بيان فضل ماء زمزم على غيرها من المياه؛ حيث غسل بها باطنه صلى الله عليه وسلم.
ومنها: بيان أنه صلى الله عليه وسلم مُلِىَء حكمًة وعلمًا، وهذا من فضل الله العظيم، قال الله تعالى {وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء: 113] والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 106)
3 - بَابُ كيفَ فُرِضَتِ الصَّلاةُ
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على جواب سؤال السائل عن كيفية فرض الصلاة.
هل فرضها الله تعالى أن تصلى على هيئة صلاة الحضر، أم على هيئة صلاة السفر؟
453 - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أَوَّلَ مَا فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ الْحَضَرِ.
رجال الإسناد: خمسة
1 - (إسحاق بن إِبراهيم) بن مَخْلد بن إبراهيم، أبو محمد، أو أبو يعقوب المعروف بابن راهويه الحنظلي المروزي نزيل نيسابور، ثقة حافظ مجتهد، قرين الإمام أحمد، من [10]، وتقدم في 2/ 2.
2 - (سفيان) بن عيينة أبو محمد الهِلالِي مولاهم الكوفي ثم المكي، ثقة حافظ حجة فقيه إمام، من كبار [8]، تقدم في 1/ 1.
3 - (الزهري) محمد بن مسلم أبو بكر المدني، الإمام الفقيه الحُجَّة
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 107)
الحُجَّة رأس الطبقة [4]، تقدم في 1/ 1.
4 - (عروة) بن الزبير بن العَوَّام أبو عبد الله الأسدي المدني، ثقة فقيه مشهور، من [3]، تقدم في 40/ 44.
5 - (عائشة) أم المؤمنين الصدّيقة بنت الصدّيق رضي الله عنهما، تقدمت في 5/ 5. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات أجلاء، اتفقوا عليهم، وكلهم مدنيون إلا شيخه فمروزي ثم نيسابوري.
ومنها: أن فيه روايةَ تابعي عن تابعي، الزهري عن عروة.
ومنها: أن عروة هو أحد الفقهاء السبعة.
ومنها: أن عائشة من المكثرين السبعة روت 2210 حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عائشة) رضي الله عنها، أنها قالت: (أوَّل ما فرضت الصلاة ركعتين) هكذا في بعض النسخ؛ بنصب "ركعتين" على الحال لعامل محذوف، تقديره: فُرِضَت حال كونها ركعتين، وأولَ منصوب على الظرفية متعلق بالفعل المقدر، و"ما" مصدرية، والتقدير: في أول فرض الصلاة فرضت حال كونها ركعتين، أو "ما" موصولة عبارة عن
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 108)
وقت، وجملة "فر ضت الصلاة" صلتها، والعائد محذوف، والتقدير: في أول الوقت الذي فرضت فيه الصلاة، فرضت حال كونها ركعتين.
وفي بعض النسخ: "ركعتان" بالرفع، وعلى هذا يكون مرفوعًا على الابتداء، والظرف قبله خبره، والتقدير: ركعتان كائنتان في أول فرض الصلاة. والله أعلم.
ثم إنَّ المرادَ به الصلاة التي تختلف حَضرًا وَسَفرًا، فلا يستشكل بالمغرب والفجر.
وقد وردت زيادة توضح المراد في مسند أحمد رحمه الله "إلا المغرب فإنها كانت ثلاثًا".
(فأقرت صلاة السفر) فعل ونائب فاعله، أي رَجَعَت إلى الحالة الأولى بعد نزول القصر في السفر بحيث كأنها مقررة على الحالة الأصلية، وما ظهرت الزيادة فيها أصلًا، فلا يشكل بأن ظاهر قوله تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ …} الآية [النساء: 101]، يفيد أن صلاة السفر قصرت بعد أن كانت تامة، فكيف يصح القول بأنها أقرت؟ وأيضًا اندفع أن يقال مُقْتَضَى هذا الحديث أن الزيادة على الركعتين لا يصح، ولا يجوز كما في صلاة الفجر، فكيف كانت عائشة تتمها في السفر؟ فليتأمل. قاله السندي رحمه الله.
(وأتمت صلاة الحضر)، وفي الكبرى للمصنف "وَزِيَد في الحَضَر" أي بعد الهجرة إلى المدينة، لمَا عند البخاري في كتاب الهجرة من طريق
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 109)
قالت: "فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر النبي صلى الله عليه وسلم، فَفُرِضَتْ أربعًا".
وقد أخذ بهذا الحديث الحنفية، وقالوا: إن القصر عزيمة، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في المسائل قريبًا إن شاء الله تعالى، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عائشة رضي الله عنها هذا متفق عليه.
المسألة الثاني: في بيان مواضعه عند المصنف:
أخرجه المصنف هنا (453) وفي "الكبرى" (317) بسند الباب. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول:
أخرجه البخاري ومسلم؛ فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن عبد الله بن محمد، عن سفيان، عن الزهري بسند المصنف، وأخرجه مسلم في "الصلاة" عن علي بن خشْرَم، عن سفيان به. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: أنه استدل الحنفية بحديث عائشة رضي الله عنها على أن القصر في السفر عزيمة، لا رخصة.
واحتج مخالفوهم بقوله سبحانه وتعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} لأن نفي الجُنَاح لا يدل على العزيمة، والقصر إنما يكون من شيء أطول منه.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 110)
ويدل على أنه رخصة أيضا قوله صلى الله عليه وسلم: "صدقة تصدق الله بها عليكم". وأجابوا عن حديث الباب بأنه من قول عائشة غير مرفوع، وبأنها لم تشهد زمان فرض الصلاة، قاله الخطابي وغيره.
قال الحافظ رحمه الله: وفي هذا الجواب نظر، أمَّا أوَّلًا فهو مما لا مَجال للرأي فيه فله حكم الرفع، وأما ثانيًا فعلى تقدير تسليم أنها لم تدرك القصة يكون مرسل صحابي، وهو حجة، لأنه يحتمل أن تكون أخذته عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو عن صحابي آخر أدرك ذلك.
وأما قول إمام الحرمين: "لو كان ثابتًا لَنُقِلَ متواترًا" ففيه نظر أيضًا، لأن التواتر في مثل هذا غير لازم.
وقالوا أيضًا: يعارض حديثَ عائشة هذا حديثُ ابن عباس "فُرضَت الصلاُة في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين" أخرجه مسلم. ويأتي للمصنف بعد حديثين.
والجواب أنه يمكن الجمع بين حديثي عائشة وابن عباس بحمل حديث عائشة على ما آل إليه الأمر من التخفيف، فيتفق مع حديث ابن عباس رضي الله عنهم.
وألْزَمُوا الحنفيةَ على قاعدتهم -فيما إذا عارض رأيُ الصحابي رِوايتَه- بأنهم يقولون: العبرةُ بما رأى، لا بما رَوَى، وخالفوا ذلك هنا، فقد ثبت أنها كانت تُتِمُّ في السفر، فدل على أن المروي عنها غير ثابت.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 111)
والجواب عنهم أنَّ عروة الراوي عنها قد قال لما سُئِلَ عن إتمامها في السفر: إنها تأولت كما تأوَّلَ عثمان، فعلى هذا لا تعارض بين روايتها، وبين رأيها، فروايتها صحيحة، ورأيها مبني علي ما تأولت.
قال الحافظ رحمه الله. والذي يظهر لي -وبه تجتمع الأدلة السابقة- أن الصلوات فرضت ليلة الإسراء ركعتين ركعتين، إلا المغرب، ثم زِيدَت بعد الهجرة عَقِبَ الهجرة، إلا الصبح، كماَ رَوى ابنُ خزيمة وابنُ حبان والبيهقيُّ من طَريق الشعبي، عن مسروق، عن عائشة، قالت: "فُرِضَت صلاةُ الحَضَر ركعتان ركعتان، وتُرِكَت صلاةُ الفجر لطول القراءة، وصلاةُ المغرب، لأنها وتر النهار".
ثم بعد أن استقر فرض الرباعية خُفّفَ محها في السفر عند نزول الآية السابقة، وهي قوله تعال: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} [النساء، آية: 101].
ويؤيد ذلك ما ذكره ابنُ الأثير في شرح المسند أن قصر الصلاة كان في السنة الرابعة من الهجرة، وهو مأخوذ مما ذكره غيره؛ أن نزول آية الخوف كان فيها، وقيل: كان قصر الصلاة في ربيع الآخر من السنة الثانية، ذكره الدُّولابِيُّ، وأورده السُّهَيلِيُّ بلفظ "بَعْدَ الهجرةِ بعام، أو نحوه"، وقيل: بعد الهجرة بأربعين يومًا.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 112)
فعلى هذا المرادُ بقول عائشة "فأقرَّت صلاةُ السفر" أي باعتبار ما آل إليه الأمر من التخفيف، لا أنها استَمَرَّت منذ فَرِضَت، فلا يلزم من ذلك أنَّ القصر عزيمة. اهـ. "فتح الباري" جـ 1 ص 553، 554.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الحافظ في وجه الجمع حسن جدًّا. ويؤيد عدمَ كون القصر عزيمًة ما يأتي للمصنف من طريق العلاء بن زُهَير الأزدي عن عبد الرحمن بن الأسود عن عائشة رضي الله عنها: "أنها اعتَمَرَتْ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة حتى إذا قدمت مكة قالت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي قَصَرْتَ، وأتْمَمْتُ، وأفطَرْتَ، وصُمْتُ؟ قال: أحسنتِ يا عائشة، وما عاب عليَّ".
والحديث ضعفه ابن حزم بجهالة العلاء، وردَّ عليه ذلك عبدُ الحق، وقال: بل هو ثقة مشهور، والحديث الذي رواه في القصر صحيح، وتناقض فيه ابن حبان؛ فقد ذكره في الثقات، وقال في الضعفاء: يَروِي عن الثقات ما لا يُشْبِهُ حديثَ الأثبات، فَبَطَل الاحتجاجُ به فيما لم يوافق الثقات، ورده الذهبي بأن العبرة بتوثيق يحيى، يعني ابن معين، فقد وثَّقَهُ. انظر "تت" جـ 8 ص 181.
وسيأتي تحقيق الكلام في المسألة في "كتاب تقصير الصلاة" إن شاء الله تعالى. والله ولي التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 113)
454 - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ الْبَعْلَبَكِّيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْوَلِيدُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عَمْرٍو يَعْنِي الأَوْزَاعِيَّ، أَنَّهُ سَأَلَ الزُّهْرِيَّ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ؟ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: فَرَضَ اللهُ عز وجل الصَّلَاةَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَوَّلَ مَا فَرَضَهَا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أُتِمَّتْ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا، وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى الْفَرِيضَةِ الأُولَى".
رجال هذا الإسناد: ستة
1 - (محمد بن هاشم) بن سعيد القرشي (البعلبكي) بفتحات وسكون العين المهملة: نسبة إلى بعلبك مدينة بالشام على 12 فرسخًا من دمشق. اهـ لب اللباب بزيادة جـ 1 ص 135. صدوق، توفي سنة 254، من [10].
وفي "تت": أبو عبد الله البَعْلَبكيُّ، قال النسائي: لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات، وقالَ: يُغَرِّبُ، قال عمرو بن دُحيم: مات ببعلبك سنة 254، وكان مولده في شهر ربيع الأول سنة 167، وقال مسلمة بن قاسم: صدوق مشهور. اهـ "تت" باختصار. انفرد به
المصنف.
2 - (الوليد) بن مسلم القرشي مولاهم، أبو العباس الدمشقي،
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 114)
ثقة، لكنه كثير التدليس والتسوية، من [8].
وفي "تت": الوليد بن مسلم القرشي مولى بني أمية، وقيل: مولى بني العباس، أبو الوليد الدمشقي عالم الشام. قال ابن سعد: كان ثقةً كثيرَ الحديث، وقال أبو مسهر: كان الوليد مُعْتَنيًا بالعلم، وكان من ثقات أصحابنا، وفي رواية: من حفاظ أصحابنا، ووثقه العجلي
ويعقوب بن شيبة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وعن أحمد قال: كان الوليد رَفَّاعًا، وعنه كان كثيرَ الخطأ، وعن أبي مسهر: كان الوليد ممن يأخذ عن أبي السَّفَرِ حديثَ الأوزاعي، كان أبو السفر كَذَّابًا، وعنه: كان الوليد يحدث حديثَ الأوزاعي عن الكذابين، ثم يدلسها عنهم، وعن الهيثم ابن خارجة قال: قلت للوليد: قد أفْسَدتَ حديثَ الأوزاعي، قال: كيف؟ قلتُ: تروي عن الأوزاعي عن نافع وعن الأوزاعي عن الزهري، ويحيى بن سعيد، وغيرك يدخل بين الأوزاعي، وبين نافع: عبد الله بن عامر، وبينه وبين الزهري: إبراهيم بن مُرَّة، وقُرَّة، وغيرهما، فما يحملك على هذا؟ قال: أنَبِّل الأوزاعي أن يروي عن مثل هؤلاء، قلت: فإذا رَوَى الأوزاعي عن هؤلاء وهؤلاء ضعفاء أحاديثَ مناكير، فأسقطتهم أنت وَصيَّرتها من رواية الأوزاعي عن الثقات ضُعِّفَ الأوزاعُّي، قال: فلم يلتفت إلى قولي.
وقال الدارقطني: كان الوليد يرسل، يَروي عن الأوزاعي أحاديث عند الأوزاعي عن شيوخ ضعفاء، عن شيوخ قد أدركهم الأوزاعي،
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 115)
فيُسقِطُ أسماءَ الضعفاء، ويجعلها عن الأوزاعي، عن نافع، وعن عطاء ولد سنة 119، وتوفي سنة 194، وقيل: 195، وقيل: 196، أخرج له الجماعة اهـ "تت" باختصار جـ 11 ص 151 - 155.
3 - (أبو عمرو الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمرو الفقيه، ثقة جليل، توفي سنة 157 من [7]، أخرج له الجماعة وتقدم في 45/ 56.
4 - (الزهري) محمد بن مسلم أبو بكر المدني، الإمام الحجة من [4]، تقدم في 1/ 1.
5 - (عروة) بن الزبير أبو عبد الله المدني الفقيه الحجة، من [2]، تقدم في 40/ 44.
6 - (عائشة) أم المؤمنين رضي الله عنها تقدمت في 5/ 5. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات أجلاء اتفقوا عليهم، إلا شيخه، فانفرد هو به، ونصفهم الأول شاميون، والثاني مدنيون.
ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي؛ الزهري عن عروة، ورواية الراوي عن خالته.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 116)
ومنها: أن عروة أحد الفقهاء السبعة.
ومنها: أن عائشة من المكثرين السبعة روت 2210 حديثًا.
ومنها: قوله "يعني الأوزاعي"، والقائل هو شيخ المصنف، وهذا هو الظاهر، ويحتمل أن يكون هو المصنفَ، وإنما أتى بها لأن شيخه لم ينسبه، فأراد نسبته، ففصل كلامه من كلام شيخه، قال في ألفية الأثر:
وَلا تَزِدْ فِي نَسَبٍ أوْ وَصَفِ مَنْ … فَوْقَ شُيُوخ عَنْهُمُو مَا لَمْ يُبَنْ
بِنَحْوِ يَعْنِي أوْ بِانَّ أوْ بِهُو … أمَّا إِذا أتَمَّهُ أوَّلهُ
أجِزْهُ في البَاقي لَدَى الجُمْهُورِ … والفَصْلُ أولَى قَاصِرَ المَذْكُورِ
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عائشة) رضي الله عنها، أنها (قالت: فرض الله عز وجل الصلاةَ على رسوله صلى الله عليه وسلم أولَ ما فرضها) منصوب على الظرفية متعلق بفَرَضَ، و"ما" مصدرية، أو موصولة واقعة على الأوقات، والعائد محذوف، والتقدير: في أول فَرْضهَا، أو في أول الأوقات التي فَرَضَهَا فيها (ركعتين ركعتين) بالتكرار، ليفيد عموم التثنية لكل صلاة رباعية، ولولاه لكان فيه إيهامُ أنَّ الفريضة في السفر والحضر ما كانت إلا فردَ ركعتين فقط.
قال الكرماني: فإن قلتَ: لِمَ انْتَصَبَ "ركعتين"؟ قلتُ: بالحالية، فإن قلتَ: ما حكم لفظ "ركعتين" الثاني؟ قلتُ: هو تكرار للفظ الأول
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 117)