حضر ذلك المجلس، فلا يقول: حدثنا، أو نحوها، يعني لكون علي هو المخصوص بالتحديث، وكان أبي، يعني عليا يقول: حدثنا. اهـ فتح المغيث جـ 2/ ص 21.
ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي: ابن شهاب، عن ابن المسيب.
ومنها: أن ابن المسيب هو أحد الفقهاء السبعة المتقدم ذكرهم.
ومنها: أن أبا هريرة أحد المكثرين السبعة، روى 5374 حديثا كما تقدم في 1/ 1.
شرح الحديث
"عن أبي هريرة" الدَّوسي عبد الله بن عمرو على الأصح، أو عبد الرحمن بن صخر على المشهور رضي الله عنه. "عن رسول الله صلى الله عليه وسلم" أنه "قال: الفطرة" بكسر الفاء، مبتدأ، قال السندي: بمعنى الخلقة، والمراد بها هنا السنة القديمة التي اختارها الله تعالى للأنبياء فكأنها أمر جبلّي فُطرُوا عليها.
قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي ذكر اختلاف العلماء في معنى الفطرة في المسائل الآتية إن شاء الله تعالى. "خمس" خبر المبتدإ، وليس المراد الحصر، فقد صح عشر من الفطرة، فالحديث من أدلة من يقول: إن مفهوم العدد غير معتبر، أفاده السندي. "الاختتان" افتعال من الختن، وهو قطع القُلفَة التي تغطي الحَشَفَة من الرجل، وقطع بعض الجلدة التي في أعلى فرج المرأة، ويسمى ختانُ الرجل إعْذارا، بالعين المهملة، والذال المعجمة، والراء، وختانُ المرأة خَفْضا بالخاء المعجمة، والفاء، والضاد المعجمة. اهـ طرح جـ 2/ ص 75.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 321)
وقال الحافظ رحمه الله: الختان بكسر الخاء المعجمة، وتخفيف المثناة
مصدر خَتَنَ، أي قطع، والخَتْن بفتح فسكون قطع بعض مخصوص من عضو مخصوص، والختان اسم لفعل الخاتن ولموضع الختن أيضا، كما
في حديث عائشة "إذا التقى الختانان".
وقال أيضا: قال أبو عبيد: عذرت الجارية والغلام، وأعذرتهما: ختنتهما وأختنتهما وزنا ومعني، قال الجوهري: وأكثرون: خفضت الجارية، قال: وتزعم العرب أن الغلام إذا ولد في القمر فسخت قُلْفَتُهُ،
أي اتسعت، فصاركالمختون اهـ: فتح بتصرف جـ 22/ ص 106.
وسيأتي تمام البحث في المسائل الآتية إن شاء الله تعالى.
"والاستحداد" استفعال من استعمال الحديد في حلق العانة. اهـ طرح، وقال في النيل: هو حلق العانة، سمي استحدادا لاستعمال الحديدة، وهي المُوسَي. اهـ. "وقص الشارب" أي قطع الشعر الثابت على الشفة العليا، يقال: قَصَصت الشعر قَصًا من باب قتل: قطعته، والشارب: هو الشعر الثابت على الشفة العليا. اهـ المنهل جـ 1/ ص 185. وقال في (ق) وشرحه: والشوارب ما سال على الفم من الشعر، قال اللحياني: وقالوا: إنه لَعَظيمُ الشوارب قال: وهو من الواحد فُرِّقَ، فجعل كل جزء منه شاربا، ثم جمع على هذا، وقد طَرَّ شارب الغلام، وهُمَا شاربان. انتهى، وقيل: إنما هو الشارب، والتثنية خطأ، وقال أبو علي الفارسي: لا يكاد الشارب يثنى، ومثله قول أبي حاتم، قال أبو عبيدة: قال الكلابيون: شاربان باعتبار الطرفين، والجمع شوارب. اهـ (ق وتاج). "وتقليم الأظفار" أي تقطيع ما طال منها، وهو مبالغة القَلْم، يقال: قلمته قَلْما من باب ضرب: قطعته، وقلمت الظفر: أخذت ما طال منه، وقَلَّمت بالتشديد مبالغة، وتكثير. أفاده في المصباح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 322)
والأظفار: جمع ظفر، قال الفيومي: والظفر للإنسان(1) مذكر، وفيه لغات: أفصحها بضمتين، وبها قرأ السبعة في قوله تعالى: {حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} [الأنعام: 146] الثانية: الإسكان للتخفيف، وقرأ بها الحسن البصري، والجمع أظفار، وربما جمع على أظفُر، مثل ركن وأركُن، والثالثة: بكسر الظاء وزان حمْل، والرابعة: بكسرتين للإتباع، وقرىء بهما في الشواذ، والخامسةَ: أظفُور، والجمع أظافير، مثل أسبوع وأسابيع. اهـ المصباح. "ونتف الإبط" أي نزع شعرها، يقال: نتفت الشعر نتفا من باب ضرب: نزعته. اهـ المصباح. والإبط ما تحت الجَنَاح، يذكر ويؤنث، فيقال: هو الإبط، وهي الإبط، والجمع آباط، مثل حمل، وأحْمَال، ويزعم بعض المتأخرين: أن كسر الباء
لغة، وهو غير ثابت. اهـ المصباح.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
"المسألة الأولى" في درجته: هذا الحديث متفق عليه.
"المسألة الثانية" في بيان موضعه عند المصنف:
أخرجه المصنف هنا 9/ 9 المجتبى، و 9/ 10 الكبرى عن الحارث بن مسكين، عن ابن وهب، عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة رضي الله عنه. وسيأتي برقم 10، 11، 5043، 5044، 5235 المجتبى.
"تنبيه" ذكر المصنف أحاديث الفطرة وهي أربعة في السنن الكبري في محل واحد تحت عنوان 9 "ذكر عدد الفطرة" فجعل الحديث الأول 9 طريق محمَّد بن عبد الله بن يزيد الذي جعله هنا تحت ترجمة 11 "نتف الإبط"، وجعل الثاني 10 طريق الحارث بن مسكين الذي ذكره هنا--------------------------------------------
(1) ولم يخص في (ق) الظفر بالإنسان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 323)
في هذه الترجمة 9 "الاختتان"، وجعل الثالث 11 طريق محمَّد بن عبد الأعلى الذي ذكره هنا تحت ترجمة 10 "تقليم الأظفار"، وجعل الرابع وهو 12 طريق الحارث بن مسكين الذي ذكره هنا تحت ترجمة 12 "حلق العانة" والله أعلم.
"المسألة الثالثة" فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول وغيرهم:
أخرجه من طريق يونس (م) في الطهارة 16/ 2 عن أبي الطاهر بن السرح، وحرملة بن يحيى، عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري الخ، أفاده المزي. وقال بعض المحققين: والحديث يعني حديث الفطرة لا بخصوص طريق يونس رواه البخاري في صحيحه 10/ 276، 11/ 74 ومسلم 3/ 146 نووي بنحو طريق المصنف هنا، ومن طريق آخر عن ابن عيينة، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة مرفوعا، فذكره، وفيه: "الفطرة خمس، أو خمس من الفطرة"، وأبو داود 11/ 252 عون من طريق سفيان، عن الزهري به، والترمذي 8/ 33 تحفة من طريق معمر، عن الزهري، وقال حسن صحيح. ورواه ابن ماجه 1/ 125 سندي عن سفيان عن الزهري، ومالك في الموطأ 3/ 107 تنوير من طريق سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة به.
وأبو عوانة في صحيحه 1/ 190 والبخاري في الأدب المفرد ص 365 من طريق محمَّد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، غير أنه جعل مكان الاختتان السواك. وأحمد في مسنده 2/ 229، 2/ 283، و 410، و 489 عن معمر عن الزهري، وكذا رواه 2/ 239 عن سفيان عن الزهري. اهـ ما أفاده بعض المحققين.
"المسألة الرابعة" في بيان اختلاف العلماء في معنى الفطرة:
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اختلف العلماء في معنى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 324)
الفطرة المذكورة في هذا الحديث: فقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في الخلاف، والماوردي في الحاوي وغيرهما من أصحابنا: هي الدين، وقال الإمام أبو سليمان الخطابي: فسرها أكثر العلماء في هذا الحديث بالسنة، قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: هذا فيه إشكال لبعد معنى السنة عن معني الفطرة في اللغة، قال: فلعل وجهه أن أصله سنة الفطرة أو أدب الفطرة فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
قال النووي: تفسير الفطرة هنا بالسنة هو الصواب ففي صحيح البخاري عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "من السنة قص الشارب، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار" وأصح ما فسر به غريب الحديث تفسيره بما جاء في رواية أخرى، لا سيما في صحيح البخاري. اهـ كلام النووي المجموع جـ 1/ ص 284.
وقال الحافظ السيوطي رحمه الله: وقال أبو شامة: أصل الفطرة: الخلقة المبتدأة، والمراد بها هنا أن هذه الأشياء إذا فُعلت اتصف فاعلها بالفطرة التي فطر الله العباد عليها، وحثهم عليها، واستحبها لهم ليكونوا على أكمل الصفات وأشرفها صورة، وقال الحافظ في الفتح: وقد رد البيضاوي الفطرة في هذا الحديث إلى مجموع ما ورد في معناها، وهو الاختراع، والجبلَّةُ، والسن، والسنة، فقال: هي السنة القديمة التي اختارها الأنبياء، واتفقت عليها الشرائع، فكأنها أمر جبلي فطروا عليها اهـ زهر الربى، 1/ 14، 16.
وقال الحافظ العراقي رحمه الله: اختلف في المراد بالفطرة في هذا الحديث: فقيل المراد بها السنة، حكاه الخطابي عن أكثر أهل العلم، ويدل عليه رواية أبي عوانة في المستخرج في حديث عائشة: "عشر من السنة"، وعلى هذا فالمراد بالسنة الطريقة، أي أن ذلك من سنن الأنبياء،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 325)
وطريقتهم؛ لأن بعضها واجب كما سيأتي على الخلاف، ومن لا يرى وجوب شيء منها يحملها على السنة التي تقابل الواجب، قيل: المراد بالفطرة هنا الدين.
وأما أصل الفطرة: فابتداء الخلق واختراعه من قوله تعالى: {فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [فاطر: 1] وعن ابن عباس: قال: "ما كنت أدري معنى هذه الآية حتى احتكم إليَّ أعرابيان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي ابتدأت حفرها. ومنه بعير فاطر إذا ابتدأ خروج نابه، وقيل: المراد به الجبلَّة التي جبل عليها ابن آدم، ومنه قول علي في خطبته: "وجبار القلوب على فطرتها"، أي على خلقتها، وجبلتها، وهو أحد الأقوال في قوله: "كل مولود يولد على الفطرة" وقيل: الفطرة الإسلام، ومنه قول حذيفة: "لو مت على هذا مت على غير فطرة محمَّد صلى الله عليه وسلم "، وهو أحد الأقوال أيضا في قوله: "كل مولود يولد على الفطرة"، وعليه حمل قول جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم لما أخذ اللبن ليلة الإسراء: "أصبت الفطرة". اهـ طرح جـ 2/ ص 73.
وقد ذكر العلامة أبو عبد الله محمَّد بن أحمد الأنصاري القرطبي في تفسيره النفيس المسمى بالجامع لأحكام القرآن في اختلاف العلماء في معنى الفطرة كلامًا مستوعبا حسنا جدا أسوقه هنا، وإن كان بعضه تقدم لكونه أوضح وأشمل وأغزر، قال رحمه الله تعالى: ما نصه:
واختلف العلماء في معنى الفطرة المذكورة في الكتاب والسنة على أقوال متعددة منها:
الإسلام، قاله أبو هريرة، وابن شهاب، وغيرهما، قالوا: وهو المعروف عند عامة السلف من أهل التأويل، واحتجوا بالآية يعني آية {فطرة الله} [الروم: 30] وحديث أبي هريرة يعني حديث "ما من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 326)
مولود إلا يولد على الفطرة" الحديث، وعضدوا ذلك بحديث(1) عياض بن حمار المجاشعي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للناس يوما: "ألا أحدثكم بما حدثني الله في كتابه إن الله خلق آدم وبنيه حنفاء مسلمين وأعطاهم المال حلالا لا حرام فيه، فجعلوا مما أعطاهم الله حلالًا وحراما" .. الحديث، وبقوله صلى الله عليه وسلم: "خمس من الفطرة"، فذكر منها قص الشارب، وهو من سنن الإسلام، وعلى هذا التأويل فيكون معني الحديث: أن الطفل خلق سليما من الكفر على الميثاق الذي أخذه الله على ذرية آدم حين أخرجهم من صلبه، وأنهم إذا ماتوا قبل أن يدركوا في الجنة أولاد المسلمين كانوا أو أولاد كفار.
وقال آخرون: الفطرة: هي البداءة التي ابتدأهم الله عليها، أي على ما فطر الله عليه خلقه من أنه ابتدأهم للحياة والموت والسعادة والشقاوة، وإلى ما يصيرون إليه عند البلوغ، قالوا: والفطرة في كلام العرب: البدأة، والفاطر المبتدىء، واحتجوا بما روى ابن عباس أنه قال: لم أكن أدري ما فاطر السموات والأرض حتى أتي أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي ابتدأتها، قال المروزي: كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا القول، ثم تركه، قال أبو عمر في كتاب التمهيد له: ما رسمه مالك في موطئه، وذكر في باب القدر فيه من الآثار يدل على أن مذهبه في ذلك نحو هذا، والله أعلم.
ومما احتجوا به ما روي عن كعب القُرَظي في قوله تعالى: {فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ} [الأعراف: 30] قال: من ابتدأ الله خلقه للضلالة صيره إلى الضلالة، وإن عمل بأعمال الهُدَى، ومن ابتدأ الله خلقه على الهدى صيره إلى الهدى وإن عمل بأعمال الضلالة، ابتدأ الله--------------------------------------------
(1) أخرجه أحمد في المسند 4/ 162 عن يحيى بن سعيد، عن هشام، عن قتادة عن مطرف عن عياض بن حمار رحمه الله تعالى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 327)
خلق إبليس على الضلالة، وعمل بأعمال السعادة مع الملائكة، ثم رده الله إلى ما ابتدأ عليه خلقه، قال: {وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 34] قال القرطبي: وجاء معنى قول كعب هذا مرفوعا من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنازة غلام من الأنصار فقلت: يا رسول الله طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه، قال: أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلا، وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم"، أخرجه ابن ماجه في السنن، وأخرج أبو عيسى الترمذي عن عبد الله بن عمرو قال: "خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كتابان، فقال أتدرون ما هذان الكتابان؛ فقلنا: لا يا رسول الله إلا أن تخبرنا، فقال: للذي في يده اليمنى هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة، وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجْملَ على آخرهم، فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا، ثم قال للذي في شماله: هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم، فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا" … وذكر الحديث وقال فيه حديث حسن.
وقالت فرقة: ليس المراد بقوله تعالى {فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 30]، ولا قوله عليه السلام: "كل مولود يولد على الفطرة" … العموم، وإنما المراد بالناس: المؤمنون إذا لو فَطَر الجميع على الإسلام لما كفر أحد، وقد ثبت أنه خلق أقواما للنار كما قال تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ} [الأعراف: 179]، وأخرج الذرية من صلب آدم سوداء وبيضاء، وقال في الغلام الذي قتله الخضر: "طبع يوم طبع كافرًا"، وروى أبو سعيد الخدري قال "صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر بنهار، وفيه وكان فيما حفظنا أن قال: "ألا إن بني آدم خلقوا طبقات
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 328)
شتى، فمنهم من يولد كافرا ويَحيَا كافرًا، ويموت كافرا، ومنهم من يولد مؤمنا ويحيا مؤمنا ويموت كافرا، ومنهم من يولد كافرا ويحيى كافرًا ويموت مؤمنًا، ومنهم حسن القضاء حسن الطلب"، وذكره حماد بن سلمة في مسند الطيالسي قال: حدثنا علي بن زيد، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، قالوا: والعموم بمعنى الخصوص كثير في لسان العرب، ألا ترى إلى قوله تعالى: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ} [الأحقاف: 25] ولم تدمر السموات والأرض، وقوله: "فتحنا عليهم أبواب كل شىء"، ولم تفتح عليهم أبواب الرحمة، وقال إسحاق بن راهويه الحنظلي: تم الكلام عند قوله: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا} [الروم: 30] ثم قال: {فطرت الله} [الروم: 30]، أي فطر الله الخلق فطرة، ولهذا قال: {لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [الروم: 30].
قال شيخنا أبو العباس: من قال: هي سابقة السعادة والشقاوة فهذا إنما يليق بالفطرة المذكورة في القرآن لأن الله تعالى: {لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [الروم: 30] وأما في الحديث: فلا لأنه قد أخبر في بقية الحديث بأنها تبدل وتغير.
وقال طائف: من أهل الفقه والنظر: الفطرة هي الخلقة التي خلق عليها المولود في المعرفة بربه فكأنه قال: كل مولود يولد على خلقة يعرف بها ربه إذا بلغ مبلغ المعرفة يريد خلقة مخالفة البهائم التي لا تصل بخلقتها إلى معرفته، واحتجوا على أن الفطرة الخلقة، والفاطر الخالق بقول الله عز وجل: {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ} [فاطر: 1]، يعني خالقهن، وبقوله: {وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي} [يس: 22]، يعني خلقني، وبقوله: {الذي فطرهن} [الأنبياء: 56] يعني خلقهن قالوا: فالفطرة: الخلقة، والفاطر الخالق، وأنكروا أن يكون المولود يفطر على كفر أو إيمان أو معرفة أو إنكار، قالوا: وإنما المولود على السلامة في الأغلب خلقة وطبعا وبنية ليس معها إيمان ولا كفر، ولا إنكار، ولا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 329)
معرفة، ثم يعتادون الكفر والإيمان بعد البلوغ إذا ميزوا، واحتجوا بقوله في الحديث: "كما تُنتَجُ البهيمةُ بهيمةً جمعاء" يعني سالمة "هل تحسون فيها من جدعاء" يعني مقطوعة الأذن، فمثل قلوب بني آدم بالبهائم لأنها تولد كاملة الخلق ليس فيها نقصان ثم تقطع آذانها بعدُ، وأنوفها، فيقال: هذه بحائر وهذه سوائب، يقول: فكذلك قلوب الأطفال في حين ولادتهم ليس لهم كفر ولا إيمان ولا معرفة ولا إنكار كالبهائم السائمة، فلما بلغوا استهوتهم الشياطين فكفر أكثرهم، وعصم الله أقلهم، قالوا: ولو كان الأطفال قد فطروا على شيء من الكفر والإيمان في أولية أمورهم ما انتقلوا عنه أبدا، وقد نجدهم يؤمنون ثم يكفرون، قالوا ويستحيل في المعقول أن يكون الطفل في حين ولادته يعقل كفرا أو إيمانا؛ لأن الله أخرجهم في حال لا يفقهون معها شيئًا، قال الله تعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا} [النحل: 78]، فمن لا يعلم شيئًا استحال منه كفر، أو إيمان، أو معرفة، أو إنكار.
قال أبو عمر بن عبد البر: هذا أصح ما قيل: في معنى الفطرة التي يولد الناس عليها ومن الحجة أيضا في هذا قوله تعالى: {إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الطور: 16]، و {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} [المدثر: 38]، ومن لم يبلغ وقت العمل لم يرتهن بشيء، وقال: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] ولما أجمعوا على دفع القود، والقصاص، والحدود، والآثام عنهم في دار الدنيا كانت الآخرة أولى بذلك، ويستحيل أن تكون الفطرة المذكورة الإسلام كما قال ابن شهاب لأن الإسلام والإيمان قول باللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح، وهذا معدوم من الطفل لا يجهل ذلك ذو عقل، وأما قول الأوزاعي سألت الزهري عن رجل عليه رقبة أيجزي عنه الصبي أن يعتقه وهو رضيع؟ قال: نعم لأنه ولد على الفطرة يعني الإسلام فإنما أجزأ عتقه عند من أجازه لأن حكمه حكمُ أبويه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 330)
وخالفهم آخرون، فقالوا: لا يجزىء في الرقاب الواجبة إلا من صام وصلى، وليس في قوله تعالى: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} [الأعراف: 29]، ولا في أن يختم الله للعبد بما قضاه له وقدَّره عليه دليل على أن الطفل يولد حين يولد مؤمنا، أو كافرا، لما شهدت له العقول أنه في ذلك الوقت ليس ممن يعقل إيمانا ولا كفرا، والحديث الذي جاء فيه أن الناس خُلقُوا على طبقات .. ليس من الأحاديث التي لا مطعن فيها؛ لأنه انفرد به علي بن زيد بن جُدعان، وقد كان شعبة يتكلم فيه، على أنه يحتمل قوله: "يولد مؤمِنا"، أي يولد ليكون مؤمنا، ويولد ليكون كافرا على سابق علم الله فيه، وليس في قوله في الحديث: "خلقت هؤلاء للجنة، وهؤلاء للنار أكثر من مراعات ما يختم به لهم، لا أنهم في حيث طفولتهم ممن يستحق جنة أو نارًا، أو يعقل كفرًا أو إيمانًا.
قال القرطبي: قلت: وإلى ما اختاره أبو عمر، واحتج له ذهب غير واحد من المحققين: منهم ابن عطية في تفسيره في معنى الفطرة، وشيخنا أبو العباس، قال ابن عطية: والذي يُعتمد عليه في تفسير هذه اللفظة أنها الخلقة والهَيْئَة التي في نفس الطفل التي هي مُعَدَّة ومهيَّأة لأن يميز بها مصنوعات الله تعالى، ويستدل بها على ربه، ويعرف شرائعه، ويؤمن به، فكأنه تعالى قال: أقم وجهك للدين الذي هو الحنيف، وهو فطرة الله الذي على الإعداد له فطر البشر، لكن تعرضهم العوارض ومنه: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه" … فذكر الأبوين إنما هو مثال للعوارض التي هي كثيرة.
وقال شيخنا في عباراته: إن الله تعالى خلق قلوب بني آدم مُؤَهَّلة لقبول الحق كما خلق أعينهم وأسماعهم قابلة للمرئيات والمسموعات، فما دامت باقية على ذلك القبول، وعلى تلك الأهلية أدركت الحق ودين الإسلام، وهو الدين الحق، وقد دل على صحة هذا المعنى قوله: "كما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 331)
تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء" يعني أن البهيمة تلد ولدها كامل الخلق سليما من الآفات، فلو ترك على أصل تلك الخلقة لبقي كاملا بريئا من العيوب، لكن يُتَصرَّف فيه فيُجدَع أذنه، ويُوسَم وجهه، فتطرأ عليه الآفات والنقائص، فيخرج عن الأصل، وكذلك الإنسان، وهو تشبيه واقع، ووجهه واضح.
قال القرطبي: وهذا القول مع القول الأول موافق له في المعنى، وأن ذلك بعد الإدراك حين عقلوا أمر الدنيا، وتأكدت حجة الله عليهم بما نصب من الآيات الظاهرة من خلق السموات، والأرض، والشمس، والقمر، والبر، والبحر، واختلاف الليل والنهار، فلما عملت أهواؤهم فيهم أتتهم الشياطين فدعتهم إلى اليهودية والنصرانية، فذهبت بأهوائهم يمينا وشمالا، وأنهم إن ماتوا صغارا فهم في الجنة، أعني جميع الأطفال لأن الله تعالى لما أخرج ذرية آدم من صلبه في صورة الذر أقروا له بالربوبية، وهو قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا} [الأعراف: 172]، ثم أعادهم في صلب آدم بعد أن أقرُّوا له بالربوبية وأنه الله لا إله غيره، ثم يكتب العبد في بطن أمه شقيا أو سعيدا على الكتاب الأول فمن كان في الكتاب الأول شقيا عمر حتى يجري عليه القلم فينقض الميثاق الذي أخذ عليه في صلب آدم بالشرك، ومن كان في الكتاب الأول سعيدا عمر حتى يجري عليه القلم فهم مع آبائهم في الجنة، ومن كان من أولاد المشركين فمات قبل أن يجري عليه القلم فليس يكونون مع آبائهم؛ لأنهم ماتوا على الميثاق الأول الذي أخذ عليهم في صلب آدم ولم ينقض الميثاق ذهب إلى هذا جماعة من أهل التأويل، وهو يَجمعُ بين الأحاديث، ويكون معني قوله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن أولاد المشركين فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين" يعني لو بلغوا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 332)
ودل على هذا التأويل أيضا حديث البخاري عن سَمُرة بن جُنْدَب، عن النبي صلى الله عليه وسلم الحديث الطويل حديث الرؤيا، وفيه قوله عليه السلام: "وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإبراهيم عليه السلام، وأما الولدان حوله فكل مولود يولد على الفطرة، قال: فقيل: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأولاد المشركين" وهذا نص يرفع الخلاف وهو أصح شيء روي في هذا الباب، وغيره من الأحاديث فيها علل، وليست من أحاديث الأئمة الفقهاء، قاله أبو عمر ابن عبد البر، وقد روي من حديث أنس: قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين؟ فقال: "لم تكن لهم حسنات فيجزوا بها، فيكونوا من ملوك الجنة، ولم تكن لهم سيآت فيعاقبوا عليها، فيكونوا من أهل النار، فهم خَدَم أهل الجنة ذكره يحيى بن سلام في التفسير له. اهـ كلام القرطبي في الجامع لأحكام القرآن جـ 14/ ص 30.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث أنس الذي فيه أن أولاد المشركين خدم أهل الجنة قال الحافظ في الفتح: حديث ضعيف أخرجه أبو داود الطيالسي، وأبو يعلى، قال وللطبراني والبزار من حديث سمرة
مرفوعًا: "أولاد المشركين خدم أهل الجنة" وإسناده ضعيف. اهـ جـ 3/ ص 290.
وهذا الذي صححه الحافظ ابن عبد البر هو المذهب الصحيح المختار الذي عليه المحققون كما قاله النووي رحمه الله انظر الفتح جـ 3/ ص 291. وذكر الحافظ رحمه الله تعالى في هذه المسألة عشرة أقوال انظر الصفحة السابقة، وليس هذا محل ذكرها بالاستيفاء وإنما ذكرت هذا القدر بسبب تفسير الفطرة الواردة في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة، وستكون لي عودة في شرح الباب 60 من كتاب الجنائز رقم الحديث 1949، و 1950، و 1951، و 1952. إن شاء الله تعالى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 333)
"المسألة الخامسة" في مناسبة تسمية هذه الخصال فطرة، قال صاحب المفهم: في هذه الخصال مما فطره(1) على حسن الهيئة والنظافة، وكلاهما يحصل به البقاء على أصل كمال الخلقة التي خلق الإنسان عليها، وبقاء هذه الأمور وترك إزالتها يشوه الإنسان، ويقبحه بحيث يُستقذر، ويجتنب، فيخرج عما تقتضيه الفطرة الأولى، فسميت هذه الخصال فطرة لهذا المعنى. قاله الحافظ العراقي. طرح جـ 2/ ص 73.
"المسألة السادسة": قال الحافظ العراقي رحمه الله تعالى: ذكر صاحب المفهم عن ابن عباس أن هذه الخصال هي التي ابتلى الله بها إبراهيم، فأتمهن فجعله الله إماما. اهـ طرح جـ 2/ ص 73.
وقال الحافظ رحمه الله تعالى: أخرج عبد الرازق في تفسيره،
والطبري من طريقه بسند صحيح عن طاوس عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} [البقرة: آية 124]
قال: ابتلاه الله بالطهارة، خمس في الرأس، وخمس في الجسد .. الحديث اهـ فتح جـ 22/ ص 377.
وفي مختصر تفسير ابن كثير للعلامة أحمد محمَّد شاكر رحمه الله: ما حاصله باختصار: وقد اختلف في تعيين الكلمات التي اختبر الله بها إبراهيم الخليل عليه السلام: فروي عن ابن عباس في ذلك روايات: فروى عنه: ابتلاه الله بالمناسك. وروي عنه: ابتلاه بالطهارة، خمس في الرأس وخمس في الجسد، في الرأس: قص الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك، وفرق الرأس، وفي الجسد: تقليم الأظافر، وحلق العانة، والختان، ونتف الابط، وغسل أثر الغائط والبول بالماء. قال ابن شاكر: رواه الطبري 1910، والحاكم في--------------------------------------------
(1) العبارة: ليست واضحة، ولعل العبارة الصحيحة هكذا: في هذه الخصال مناسبة فطره على حسن الهيئة والنظافة. الخ، فتأمل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 334)
المستدرك جـ 2/ ص 266، وقال صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.
وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه كان يقول: في تفسير هذه الآية، قال: عشر، ست في الإنسان، وأربع في المشاعر، فأما التي في الإنسان: فحلق العانة، ونتف الإبط، والختان، وكان ابن هبيرة يقول: هؤلاء الثلاثة واحدة، وتقليم الأظفار، وقص الشارب، والسواك وغسل يوم الجمعة، والأربعة التي في المشاعر: الطواف، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار، والإفاضة. قال ابن شاكر: إسناد ابن أبي حاتم في هذا لابن عباس إسناد صحيح. إلى آخر ما ذكره من الأقوال هناك. انظر مختصر ابن كثير للعلامة ابن شاكر رحمه الله تعالى جـ 1/ ص 231 - 232.
"المسألة السابعة" قوله: "الفطرة خمس". هكذا في رواية المصنف ومسلم من طريق يونس، عن الزهري بدون شك، ووقع في رواية البخاري، ومسلم، وأبي داود من طريق سفيان: "الفطرة خمس" أو "خمس من الفطرة" بالشك، وهو من سفيان، ووقع في رواية أحمد "خمس من الفطرة"، ولم يشك، وكذا في رواية معمر، عن الزهرى عند الترمذي، والرواية الأولى محمولة على هذه، قال ابن دقيق العيد: دلالة "منْ" على التبعيض فيه أظهر من دلالة هذه الرواية يعني رواية الفطرة خمس على الحصر، وقد ثبت في أحاديث أخرى زيادة على ذلك فدل على أن الحصر فيها غير مراد، واختلف في النكتة في الإتيان بهذه الصيغة فقيل: ليعلم أن مفهوم العدد ليس بحجة، وقيل: بل كان أعلم أولا بالخمس، ثم أعلم بالزيادة، وقيل: بل الاختلاف في ذلك بحسب المقام فذكر في كل موضع اللائق بالمخاطبين، وقيل: أريد بالحصر المبالغة لتأكيد أمر الخمس المذكورة كما حمل عليه "الدين النصيحة"،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 335)
و"الحج عرفة"، ونحو ذلك، ويدل على التأكيد ما أخرجه الترمذي والنسائي من حديث زيد بن أرقم مرفوعا: "من لم يأخذ شاربه فليس منا"، وسنده قوي، وأخرج أحمد من طريق يزيد بن عمرو المعافري
نحوه، وزاد فيه حلق العانة، وتقليم الأظفار.
وذكر ابن العربي: أن خصال الفطرة تبلغ ثلاثين خصلة، قال الحافظ رحمه الله: فإن أراد خصوص ما ورد بلفظ الفطرة فليس كذلك، وإن أراد أعم من ذلك فلا ينحصر في الثلاثين، بل تزيد كثيرا، وأقل ما ورد في خصال الفطرة حديث ابن عمر: من الفطرة: "حلق العانة، وتقليم الأظفار، وقص الشارب،" رواه البخاري.
وأخرج الإسماعيلي في رواية له بلفظ "ثلاث من الفطرة" … ، وأخرجه في رواية أخرى بلفظ من الفطرة، فذكر الثلاث، وزاد الختان، ولمسلم من حديث عائشة: "عشر من الفطرة" … فذكر الخمسة التي في حديث أبي هريرة: إلا الختان، وزاد إعفاء اللحية، والسواك، والمضمضة، والاستنشاق، وغسل البراجم، والاستنجاء. أخرجه من رواية مصعب بن شيبة عن طلق بن حبيب عن عبد الله بن الزبير عنها، لكن قال في آخره: إن الراوي نسي العاشرة إلا أن تكون المضمضة. وقد أخرجه أبو عوانة في مستخرجه بلفظ: "عشرة من السنة"، وذكر الاستنثار بدل الاستنشاق، وأخرج النسائي من طريق سليمان التيمي قال: سمعت طلق بن حبيب يذكر: "عشرة من الفطرة" فذكر مثله، إلا أنه قال: وشككت في المضمضمة وأخرجه أيضا من طريق أبي بشر عن طلق قال: من السنة عشر، فذكر مثله إلا أنه ذكر الختان بدل غسل البراجم، ورجح النسائي الرواية المقطوعة على الموصولة المرفوعة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 336)
قال الحافظ: والذي يظهر لي أنها ليست بعلة قادحة فإن راويها مصعب بن شيبة وثقه ابن معين، والعجلي، وغيرهما، ولينه أحمد، وأبو حاتم، وغيرهما، فحديثه حسن، وله شواهد في حديث أبي هريرة، وغيره، فالحكم بصحته من هذه الحيثية سائغ، وقول سليمان التيمي: سمعت طلق بن حبيب يذكر عشرا من الفطرة: يحتمل أن يريد أنه سمعه يذكرها من قبل نفسه على ظاهر ما فهمه النسائي، ويحتمل أن يريد أنه سمعه يذكرها، وسندها، فحذف سليمان السند، وقد أخرج أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، من حديث عمار بن ياسر مرفوعًا نحو حديث عائشة قال: "من الفطرة: المضمضة، والاستنشاق، والسواك، وغسل البراجم، والانتضاح"، وذكر الخمس التي في حديث أبي هريرة، ساقه ابن ماجه، وأما أبو داود: فأحال به على حديث عائشة، ثم قال: وروي نحوه عن ابن عباس، وقال: "خمس في الرأس"، وذكر منها الفَرْق، ولم يذكر إعفاء اللحية، قال الحافظ: كأنه يشير إلى ما أخرجه عبد الرزاق في تفسيره، والطبري من طريقه بسند صحيح عن طاوس، عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} [البقرة: 124] قال: ابتلاه الله بالطهارة: خمس في الرأس، وخمس في
الجسد، قال الحافظ: فذكر مثل حديث عائشة، كما في الرواية التي قدمتها عن أبي عوانة سواء، ولم يشك في المضمضة وذكر أيضًا الفرق بدل إعفاء اللحية، وأخرجه ابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن عباس فذكر غسل الجمعة بدل الاستنجاء، فصار مجموع الخصال التي وردت في هذه
الأحاديث خمس عشرة خصلة، اقتصر أبو شامة في كتاب السواك وما أشبه ذلك منها على اثنى عشر، وزاد النووي واحدة في شرح مسلم.
ثم ذكر الحافظ شرح العشر الزائدة على الخمس المتفق عليها، وأنا ألخص ما ذكره هنا تتميما للفائدة، فأقول:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 337)
فأما الوضوء، والاستنشاق، والاستنثار، والاستنجاء، وغسل الجمعة، فسيأتي شرحها في أبوابها، وأما إعفاء اللحية فسيأتي في 15/ 15 وأما السواك فقد مضى في 2/ 2.
وأما الفرق: فقد أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، وكان أهل الكتاب يُسْدلُون أشعارهم، وكان المشركون يفرُقُون رؤوسهم، فسدل النبي صلى الله عليه وسلم ناصيته، ثم فَرَقَ بعدُ.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: الفَرْق بفتح الفاء، وسكون الراء بعدها قاف: قسمة شعر الرأس في المفرق، وهو وسط الرأس، يقال: فَرَقَ شعره فَرْقا بالسكون، وأصله من الفرق بين الشيئين، والمفرق مكان انقسام الشعر من الجبين إلى دارة وسط الرأس، وهو بفتح الميم وبكسرها، وكذلك الراء تكسر، وتفتح.
وقوله: كان المشركون يَفْرُقون: قال الحافظ: هو بسكون الفاء وضم الراء وقد شددها بعضهم، حكاه عياض، قال: والتخفيف أشهر وكذا في قوله: ثم فرق الأشهر فيه التخفيف. قال عياض: سَدْل الشعر إرساله، يقال: سَدَل شعره، وأسدله إذا أرسله ولم يضم جوانبه وكذا الثوب. والفرق تفريق الشعر بعضه من بعض وكشفه عن الجبين، قال: والفرق سنة لأنه الذي استقر عليه الحال، والذي يظهر أن ذلك وقع بوحي لقول الراوى في أول الحديث أنه كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشىء، فالظاهر أنه فرق بأمر من الله حتى ادعى بعضهم فيه النسخ، ومَنَعَ السدلَ، واتخاذَ الناصية، وحكي ذلك عن عمر بن عبد العزيز، وتعقبه القرطبي بأن الظاهر أن الذي كان صلى الله عليه وسلم يفعله إنما هو لأجل استئلافهم فلما لم ينجع فيهم أحب مخالفتهم، فكانت مستحبة،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 338)
لا واجبة، وقول الراوي: فيما لم يؤمر فيه بشيء، أي لم يطلب منه، والطلب يشمل الوجوب والندب، وأما توهم النسخ في هذا فليس بشيء لإمكان الجمع بل يحتمل أن لا يكون الموافقة والمخالفة حكمًا شرعيا إلا من جهة المصلحة، قال: ولو كان السدل منسوخا لصار إليه الصحابة، أو أكثرهم، والمنقول عنهم أن منهم من كان يفرُق، ومنهم من كان يسدل، ولم يعب بعضهم على بعض، وقد صح أنه كانت له صلى الله عليه وسلم لمَّه فإن انفرقت فرقها، وإلا تركها، فالصحيح أن الفرق مستحب، لا واجب، وهو قول مالك.
قال الحافظ: وقد جزم الحازمي بأن السدل نسخ بالفرق، واستدل برواية معمر التي أشرت إليها قبلُ، وهو ظاهر، يعني قوله: وكان إذا شك في أمر لم يؤمر فيه بشيء صنع ما يصنع أهل الكتاب، وقال النووي: الصحيح جواز السدل والفرق، قال: واختلفوا في قوله: يحب موافقة أهل الكتاب فقيل: للاستئلاف كما تقدم، وقيل: المراد إنه كان مأمورا باتباع شرائعهم فيما لم يوح إليه بشيء، وما علم أنهم لم يبدلوه، واستدل به بعضهم على أن شرع من قبلنا شرع لنا حتى يَردَ في شرعنا ما يخالفه، وعكس بعضهم فاستدل على أنه ليس بشرع لنا لأنه لو كان كذلك لم يقل يحب بل كان يتحتم الاتباع، والحق أن لا دليل في هذا على المسألة لأن القائل به يقصره على ما ورد في شرعنا أنه شرع لهم لا ما يؤخذ عنهم هم، إذ لا وثوق بنقلهم، والذي جزم به القرطبي أنه كان يوافقهم لمصلحة التأليف محتمل، ويحتمل أيضا، وهو أقرب أن الحالة التي تدور بين الأمرين لا ثالث لهما إذا لم ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم شيء كان يعمل فيه بموافقة أهل الكتاب لأنهم أصحاب شرع بخلاف عَبَدَة الأوثان، فإنهم ليسوا على شريعة، فلما أسلم المشركون انحصرت المخالفة في أهل الكتاب فأمرهم بمخالفتهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 339)
قال الحافظ: وقد جمعت المسائل التي وردت الأحاديث فيها بمخالفة أهل الكتاب فزادت على الثلاثين حكما، وقد أودعتها كتابي الذي سميته "القول المثبت في الصوم يوم السبت"، ويؤخذ من قول ابن عباس في الحديث كان يحب موافقة أهل الكتاب، وقوله: ثم فرق بعدُ نسخ حكم تلك الموافقة كما قررته، ولله الحمد. ويؤخذ منه أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ. اهـ فتح جـ 22/ ص 132.
قال الجامع: والراجح أن شرع من قبلنا شرع لنا على الوجه المتقدم. والله أعلم.
وأما غسل البراجم: فهو بالموحدة والجيم جمع بُرْجُمَة بضمتين، وهي عقد الأصابع التي في ظهر الكف، قال الخطابي هي المواضع التي تتسخ ويجتمع فيها الوسخ، ولا سيما ممن لا يكون طريّ البدن. وقال الغزالي كانت العرب لا تغسل اليد عَقب الطعام فيجتمع في تلك الغضون وسخ فأمر بغسلها، قال النووي: وهي سنة مستقلة ليست مختصة بالوضوء، يعني أنها يحتاج إلى غسلها في الوضوء والغسل والتنظيف، وقد ألحقَ بها في إزالة ما يجتمع من الوسخ في معاطف الأذن وقعر الصماخ، فإن في بقائها إضرارا بالسمع، وقد أخرج ابن عدي من حديث أنس "أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بتعاهد البراجم عند الوضوء" لأن الوسخ إليها سريع، وللترمذي الحكيم من حديث عبد الله بن بشْر رفعه: "قُصُّوا أظفاركم، وادفنوا قلاماتكم، ونقوا براجمكم" وفي سنده راو مجهول، ولأحمد من حديث ابن عباس: "أبطأ جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ولم لا يُبطىءُ عني وأنتم لا تستنُّون؟ أي لا تستاكون، ولا تقصون شواربكم، ولا تنقون رواجبكم؟ والرواجب جمع راجبة بجيم وموحدة، قال أبو عبيد: البراجم، والرواجب مفاصل الأصابع كلها، وقال ابن سيده: البرجمة المفصل الباطن عند بعضهم،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 340)