"ليس" في محل نصب على الحال من الثوب.
يعني أنه لا يتزر بالثوب الواحد في وسطه، ويشد طرفي الثوب في حقويه، بل يتوشح بهما على عاتقيه، ليحصل الستر لجزء من أعلى البدن، وإن كان ليس بعورة، ولكون ذلك أمكن في ستر العورة(1).
وقد ورد بيان كيفية الصلاة في الثوب الواحد، وهو أن يخالف بين طرفي الثوب على عاتقيه؛ وهو التوشح المذكور فيما أخرجه البخاري، وأبو داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من صلى في ثوب فليخالف يين طرفيه". ولفظ أبي داود: "إذا صلى أحدكم في ثوب فليخالف بطرفيه على عاتقيه".
هذا فيما إذا كان الثوب يتسع لذلك، وأما إذا كان ضيقاً فليصل به متزراً، لما أخرجه الشيخان من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أنه صلى إلى جانب رسول الله صلى الله عليه وسلم مشتملاً بثوب واحد، فقال له: "ما هذا الاشتمال الذي رأيت؟ " قال: قلت: كان ثوبًا -يعني ضاق- قال: "فإن كان واسعاً فالتحف به، وإن كان ضيقاً فاتزر به". ولفظ مسلم: "إذا كان واسعاً فخالف بين طرفيه، وإن كان ضيقاً فاشدده على حَقْوِك"(2). والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.--------------------------------------------
(1) فتح جـ 2 ص 20.
(2) و"الحقو" -بفتح الحاء المهملة-: موضع شد الإزار، وهو الخاصرة، ثم توسعوا حتى سموا الإزار الذي يشد على العورة حقواً، والجمع أحْقٍ، وحُقِيّ، مثل فلس =
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 541)
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (18/ 769)، وفي الكبرى (6/ 845) عن محمد بن منصور، عن ابن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عنه. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود؛ فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن أبي عاصم النبيل، عن مالك، عن أبي الزناد به. ومسلم فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، وزهير بن حرب -وأبو داود فيه عن مسدد- أربعتهم عن سفيان بن عيينة، به.
والحميدي رقم (964)، وأحمد (2/ 243، 464)، والدارمي رقم (1378)، وابن خزيمة رقم (765). والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
يستفاد من الحديث النهي عن الصلاة في الثوب الواحد إذا لم يكن على عاتقه شيء منه.--------------------------------------------
= وفلوس، وقد يجمع على حقَاء، مثل سهم وسهام. أفاده في المصباح. وذكر في القاموس أن حاء الحقو يكسر أَيضاً.
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 542)
قال العلامة ابن دقيق العيد رحمه الله: هذا النهي معلل بأمرين؛ أحدهما: أن في ذلك تعري أعالي البدن، ومخالفة الزينة المسنونة في الصلاة. والثاني: أن الذي يفعل ذلك إما أن يشتغل بإمساك الثوب، أو لا، فإن لم يشتغل خيف سقوط الثوب، وانكشاف العورة، وإن شُغِلَ كان فيه مفسدتان؛ إحداهما: أنه يمنعه من الإقبال على صلاته، والاشتغال بها، الثانية: أنه إذا شغل يده في الركوع والسجود لا يؤمن من سقوط الثوب وانكشاف العورة(1). انتهى كلام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى.
وقال النووي رحمه الله: قال العلماء: حكمته أنه إذا ائتزر به، ولم يكن على عاتقه منه شيء لم يؤمن أن تنكشف عورته، بخلاف ما إذا جعل بعضه على عاتقه، ولأنه قد يحتاج إلى إمساكه بيده، أو يديه فيشغل بذلك، وتفوته سنة وضع اليد اليمنى على اليسرى تحت صدره، ورفعهما حيث شرع الرفع وغير ذلك، ولأن فيه ترك ستر أعلى البدن وموضع الزينة، وقد قال الله تعالى: {خُذُوا زِينَتَكُمْ} [الأعراف: 31].
ثم قال مالك، وأبو حنيفة، والشافعي رحمهم الله تعالى، والجمهور: هذا النهي للتنزيه، لا للتحريم، فلو صلى في ثوب واحد ساتر لعورته، ليس على عاتقه منه شيء صحت صلاته مع الكراهة، سواء قدر على شيء يجعله على عاتقه، أم لا.--------------------------------------------
(1) إحكام الأحكام جـ 2 ص 509 - 510.
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 543)
وقال أحمد وبعض السلف رحمهم الله: لا تصح صلاته إذا قدر على وضع شيء على عاتقه إلا بوضعه، لظاهر الحديث. وعن أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى رواية أنه تصح صلاته، ولكن يأثم بتركه.
وحجة الجمهور قوله صلى الله عليه وسلم في حديث جابر رضي الله عنه: "فإن كان واسعاً فالتحف به، وإن كان ضيقاً فاتزر به". رواه البخاري، ومسلم في آخر الكتاب في حديثه الطويل(1). انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى.
وقال العلامة الشوكاني رحمه الله: والحديث يدل على جواز الصلاة في الثوب الواحد. قال النووي رحمه الله: ولا خلاف في هذا إلا ما حكي عن ابن مسعود رضي الله عنه، ولا أعلم صحته. وأجمعوا أن الصلاة في ثوبين أفضل.
ويدل أيضاً على المنع من الصلاة في الثوب الواحد إذا لم يكن على عاتق المصلي منه شيء. وقد حمل الجمهور هذا النهي على التنزيه. وعن أحمد: لا تصح صلاة من قدر على ذلك فتركه. وعنه أيضاً تصح ويأثم. وغفل الكرماني عن مذهب أحمد، فادّعى الإجماع على جواز ترك جعل طرف الثوب على العاتق، وجعله صارفاً للنهي عن التحريم إلى الكراهة.
وقد نقل ابن المنذر عن محمد بن علي عدم الجواز. وكلام الترمذي يدل على ثبوت الخلاف أيضاً. وعقد الطحاوي له باباً في شرح معاني--------------------------------------------
(1) شرح مسلم جـ 4 ص 231 - 232.
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 544)
الآثار، ونقل المنع عن ابن عمر، ثم عن طاوس، والنخعي، ونقله غيره عن ابن وهب، وابن جرير. وجمع الطحاوي بين الأحاديث بأن الأصل أن يصلي مشتملاً، فإن ضاق اتزر.
ونقل الشيخ تقي الدين السبكي وجوب ذلك عن الشافعي، واختاره. قال الحافظ: لكن المعروف في كتب الشافعية خلافه. واستدل الخطابي على عدم الوجوب بأنه صلى الله عليه وسلم صلى في ثوب كان أحد طرفيه على بعض نسائه، وهي نائمة. قال: ومعلوم أن الطرف الذي هو لابسه من الثوب غير متسع لأن يتزر به، ويفضل منه ما كان لعاتقه. وفيما قاله نظر لا يخفى. قاله الحافظ.
إذا تقرر لك عدم صحة الإجماع الذي جعله الكرماني صارفاً للنهي، فالواجب الجزم بمعناه الحقيقي، وهو تحريم ترك جعل طرف الثوب الواحد حال الصلاة على العاتق، والجزم بوجوبه مع المخالفة بين طرفيه بحديث أبي هريرة رضي الله عنه المتقدم: "من صلى في ثوب فليخالف بطرفيه". حتى ينتهض دليل يصلح للصرف. ولكن هذا في الثوب إذا كان واسعاً، جمعاً بين الأحاديث، كما صرح به في حديث جابر رضي الله عنه المتقدم.
وقد عمل بظاهر الحديث ابن حزم رحمه الله، فقال: وفَرْضٌ على الرجل إن صلى في ثوب واسع أن يطرح منه على عاتقه، أو عاتقيه، فإن لم يفعل بطلت صلاته، فإن كان ضيقاً اتزر به، وأجزأه، سواء كان معه
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 545)
ثياب غيره، أو لم يكن، ثم ذكر ذلك عن نافع مولى ابن عمر، والنخعي، وطاوس.
انتهى كلام الشوكاني(1) رحمه الله تعالى.
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله المانعون من عدم صحة الصلاة في الثوب الواحد إذا لم يكن على عاتقه منه شيء، هو الحق الذي لا ينبغي العدول عنه، لقوة دليله، ووضوحه، وخلافه رأي لا يؤيده دليل يصلح للتمسك به. فتبصر.
والحاصل أن حديث الباب يدل على تحريم الصلاة في الثوب الواحد الواسع إذا لم يكن على عاتقه منه شيء، والنهي للتحريم، لعدم وجود صارف له، فمن صلى في ثوب واحد واسع ولم يجعل على عاتقه منه شيئاً، وهو قادر، بطلت صلاته. والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
…--------------------------------------------
(1) نيل الأوطار جـ 2 ص 148 - 149.
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 546)
19 - الصَّلَاةُ فِي الْحَرِيرِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على حكم الصلاة في ثوب الحرير.
770 - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، وَعِيسَى بْنُ حَمَّادٍ زُغْبَةُ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: أُهْدِيَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَرُّوجُ حَرِيرٍ فَلَبِسَهُ ثُمَّ صَلَّى فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَنَزَعَهُ نَزْعًا شَدِيدًا كَالْكَارِهِ لَهُ، ثُمَّ قَالَ: "لَا يَنْبَغِى هَذَا لِلْمُتَّقِينَ".
رجال هذا الإسناد: ستة
1 - (قتيبة) بن سعيد الثقفي البغلاني أبو رجاء، ثقة ثبت، من [10]، تقدم في 1/ 1.
2 - (عيسى بن حماد زُغْبة)(1) التُّجيبي، أبو موسى الأنصاري، مات سنة 249 وقد جاوز 90 سنة، وهو آخر من حدث عن الليث من الثقات، من [10]، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه، تقدم في 135/ 211.--------------------------------------------
(1) "زُغْبة" -بضم الزاي، وسكون المعجمة، بعدها موحدة- وهو لقبه، وهو لقب أبيه أيضاً. اهـ ت ص 270. والزّغبة في الأصل دويبة كالفأر. قاله في القاموس. ص 121.
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 547)
3 - (الليث) بن سعد، الإمام الفقيه الحجة المصري، مات سنة 175، من [7]، أخرج له الجماعة، تقدم في 31/ 35.
4 - (يزيد بن أبي حبيب) أبو رجاء، واسم أبيه سويد، ثقة فقيه، يُرسِل، مات سنة 128 وقد قارب 80 سنة، من [5]، أخرج له الجماعة، تقدم في 134/ 207.
5 - (أبو الخير) مَرْثَد بن عبد الله الْيَزَنِي المصري، ثقة فقيه، مات سنة 90، من [3]، أخرج له الجماعة، تقدم في 38/ 582.
6 - (عقبة بن عامر) الجُهني صحابي مشهور، اختلف في كنيته عَلَى سبعة أقوال، أشهرها أبو حماد، ولي إمرة مصر لمعاوية ثلاث سنين، وكان فقيهاً فاضلاً، مات في قرب الستين، أخرج له الجماعة. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله.
ومنها: أن رجاله ثقات نُبلاء.
ومنها: أنهم من رجال الجماعة، غير شيخه عيسى بن حماد، فإنه من رجال مسلم وأبي داود وابن ماجه.
ومنها: أنه مسلسل بالمصريين.
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 548)
ومنها: أنه مسلسل بالفقهاء.
ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي؛ يزيد عن أبي الخير.
ومنها: أنه شيخه عيسى مشهور بلقب، وهو زُغبة، وهو لقب لأبيه أيضاً، وأصل الزغبة دُويبة كالفأرة، ولا أدري سبب تلقيبه بها.
ومنها: أن "زغبة" يعرب بدلاً، أو عطف بيان لعيسى، فيكون مرفوعاً، أو يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هو زغبة، أو مفعولاً لفعل مقدر، أي: أعني زغبةَ وهذا بالإجماع، وأوجب البصريون إضافة الاسم إلى اللقب إذا كانا مفردين، كسعيد كُرْز، وإلى هذا أشار ابن مالك في الخلاصة، حيث قال:
وَإِنْ يَكُونَا مُفْرَدَيْنِ فَأَضِفْ … حَتْمًا وَإلاَّ أَتْبِعِ الَّذِي رَدِفْ
ومنها: أنه يُقَدّر قبل قوله: "عن الليث" لفظ "كلاهما"، يعني أن قتيبة وعيسى يرويان هذا الحديث عن الليث. وقد تقدم هذا غير مرة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عقبة بن عامر) الجهني رضي الله عنه، أنه (قال: أهدي) -بضم الهمزة- قال الفَيّومي: يقال: أهديتُ للرجل كذا -بالألف-: بعثتُ به إليه إكراماً، فهو هديّة بالتثقيل، لا غير(1) (لرسول الله صلى الله عليه وسلم) متعلق بـ "أُهدي".--------------------------------------------
(1) المصباح جـ 2 ص 636.
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 549)
والذي أهدى إليه هو أُكَيدر بن عبد الملك صاحب دُومة الجَندَل(1). وذكر أبو نعيم أنه أسلم، وأهدَى إلى النبي صلى الله عليه وسلم حُلَّةَ سِيَرَاء. ومن قال: إنه أسلم فقد أخطأ خطأ ظاهراً، وكان نصرانياً، ولما صالحه النبي صلى الله عليه وسلم عاد إلى حصنه، وبقي فيه، ثم إن خالداً أسره لَمّا حاصر دُومة الجندل أيام أبي بكر رضي الله عنه، فقتله مشركاً نصرانياً. قاله العيني(2).
(فَرُّوجُ حرير) وفي رواية ابن إسحاق عند أحمد "فروج من حرير". والفرّوج -بفتح الفاء، وتشديد الراء المضمومة، وآخره جيم-: هو القباء المُفَرَّجُ من خلف، وحكى أبو زكريا التّبريزي، عن أبي العلاء المعريّ جواز ضم أوله، وتخفيف الراء. قاله في الفتح(3). وقال ابن منظور: والفَرُّوج -بفتح الفاء-: القَبَاء؛ وقيل: الفرُّوج قباء فيه شق من خلفه. اهـ(4).
وقال العلامة العيني رحمه الله: قوله: "فرّوج حرير" بالإضافة، كما في ثوب خَزّ، وخاتم حديد، ويجوز أن يكون "حرير" صفة--------------------------------------------
(1) "أُكيدر" بضم الهمزة، و"دُومة الجندل": اسم حصن، قال الجوهري: أصحاب اللغة يقولون بضم الدال، وأهل الحديث يفتحونها، وهو اسم موضع فاصل بين الشام والعراق على سبعة مراحل من دمشق، وعلى ثلاثة عشر مرحلة من المدينة. اهـ. عمدة القاري جـ 4 ص 97.
(2) عمدة القاري جـ 4 ص 97.
(3) جـ 2 ص 38.
(4) لسان العرب جـ 5 ص 3371.
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 550)
لـ "فرّوج"، والإعراب يحتمل ذلك، والكلام في الرواية، والظاهر أنه الأول. اهـ(1).
(فلبسه، ثم صلّى فيه) زاد في رواية ابن إسحاق، وعبد الحميد ابن جعفر عند أحمد: "ثم صلى فيه المغرب".
وقال الحافظ رحمه الله: وظاهر هذا الحديث أن صلاته صلى الله عليه وسلم فيه كانت قبل تحريم لبس الحرير، ويدل على ذلك حديث جابر عند مسلم بلفظ: "صلى في قباء ديباج، ثم نزعه، وقال: "نهاني عنه جبريل"، ويدل عليه أيضاً مفهوم قوله: "لا ينبغي هذا للمتقين"؛ لأن المتقي وغيره في التحريم سواء. ويحتمل أن يراد بالمتقي المسلم، أي المتقي للكفر، ويكون النهي سبب النزع، ويكون ذلك ابتداء التحريم.
وإذا تقرر هذا فلا حجة فيه لمن أجاز الصلاة في ثياب الحرير، لكونه صلى الله عليه وسلم لم يعد تلك الصلاة؛ لأن ترك إعادتها لكونها وقعت قبل التحريم، أما بعده فعند الجمهور تجزىء لكن مع التحريم، وعن مالك يعيد في الوقت(2).
وقال العيني رحمه الله: قال أصحابنا -يعني الحنفية- تصح الصلاة، ولكنها تكره، ويأثم لارتكابه الحرام، وبه قال الشافعي،--------------------------------------------
(1) عمدة جـ 4 ص 97.
(2) فتح جـ 2 ص 38.
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 551)
وأبو ثور. وقال القاسم عن مالك: من صلى في ثوب حرير يعيد في الوقت إن وجد ثوباً غيره، وعليه جل أصحابه. وقال أشهب: لا إعادة عليه في الوقت، ولا في غيره، وهو قول أصبغ، وخفف ابن الماجشون لباسه في الحرب والصلاة للترهيب على العدو والمباهاة. وقال آخرون: إن صلى فيه، وهو يعلم أن ذلك لا يجوز يعيد(1). والله أعلم.
(ثم انصرف) وفي رواية ابن إسحاق: "فلما قضى صلاته"، وفي رواية عبد الحميد: "فلما سلم من صلاته"، وهو المراد بالانصراف في رواية الليث (فنزعه نزعاً شديداً) زاد أحمد في روايته عن حجاج، وهاشم: "عَنِيفاً" أي بقوة ومبادرة لذلك، على خلاف عادته في الرفق والتأني.
قال الحافظ رحمه الله: وهذا مما يؤكد أن التحريم وقع حينئذ (كالكاره له) زاد أحمد في رواية عبد الحميد بن جعفر: "ثم ألقاه، فقلنا: يا رسول الله، قد لبسته، وصليت فيه" (ثم قال: لا ينبغي هذا) يحتمل أن تكون الإشارة للبس، أي لا يحل هذا اللبس، ويحتمل أن تكون للحرير، فيتناول غير اللبس من الاستعمال، كالافتراش أي لا يحل استعمال هذا الحرير.
قال الفيّومي رحمه الله: "وينبغي أن يكون كذا": معناه يندب ندباً--------------------------------------------
(1) عمدة القاري جـ 4 ص 99.
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 552)
مؤكداً، لا يحسن تركه، واستعمال ماضيه مهجور، وقد عَدُّوا "ينبغي" من الأفعال التي لا تتصرف، فلا يقال: انبغي، وقيل في توجيهه: إن انبغى مطاوع بَغَى، فلا يستعمل انفعل في المطاوعة إلا إذا كان فيه علاج وانفعال، مثل كسرته فانكسر، وكما لا يقال: طلبته فانطلب، وقصدته فانقصد، لا يقال: بغيته فانبغى؛ لأنه لا علاج فيه. وأجازه بعضهم، وحكي عن الكسائي أنه سمعه من العرب.
وما ينبغي أن يكون كذا: أي ما يستقيم، أو ما يحسن. انتهى(1).
قال الجامع: المناسب هنا المعنى الأول، أي ما يستقيم هذا؛ لأنه محرم. والله أعلم.
(للمتقين) أي المتقين الكفر أو المعاصيَ كلها. وقال ابن بطال: يمكن أن يكون نزعه لكونه حريراً صِرْفاً، ويمكن أن يكون نزعه لأنه من جنس لباس الأعاجم، وقد ورد حديث ابن عمر رفعه: "من تشبه بقوم فهو منهم" أخرجه أبو داود بسند حسن.
قال الحافظ: وهذا التردد مبني على تفسير المراد بالمتقين، فإن كان المراد به مطلق المؤمن حمل على الأول، وإن كان المراد به قدراً زائداً على ذلك حمل على الثاني. والله أعلم.
وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة رحمه الله: اسم التقوى يعم--------------------------------------------
(1) المصباح جـ 2 ص 57.
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 553)
جميع المؤمنين، لكن الناس فيه على درجات. قال الله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} الآية [المائدة: 93]. فكل من دخل في الإسلام فقد اتقى، أي وقى نفسه من الخلود في النار، وهذا مقام العموم، وأما مقام الخصوص فهو الإحسان، كما قال صلى الله عليه وسلم: "أن تعبد الله كأنك تراه" انتهى. وقد رجح عياض رحمه الله أن المنع فيه لكونه حريراً.
وقال القرطبي رحمه الله في المفهم: المراد بالمتقين المؤمنون؛ لأنهم الذين خافوا الله تعالى، واتقوه بإيمانهم وطاعتهم له. وقال غيره: لعل هذا من باب التهييج للمكلف على الأخذ بذلك؛ لأن من سمع أن من فعل ذلك كان غير متق، فَهِم منه أنه لا يفعله إلا المستخف، فيأنف من فعل ذلك، لئلا يوصف بأنه غير متق.
قال البدر العيني رحمه الله: فإن قلت: النساء يدخلن فيهم مع أن الحرير حلال لهن. قلت: هذه مسألة مختلف فيها، والأصح أن جمع المذكر السالم لا يدخل فيه النساء، فلا يقتضي الاشتراك، ولئن سلمنا دخولهن فالحل لهن علم بدليل آخر. اهـ(1). والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:--------------------------------------------
(1) عمدة جـ 4 ص 98.
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 554)
حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه هذا متفق عليه. والله أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (19/ 770)، وفي الكبرى (7/ 846) عن قتيبة، وعيسى بن حماد، كلاهما عن الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عنه. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري، ومسلم، فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن عبد الله ابن يوسف، وفي "اللباس" عن قتيبة -كلاهما عن الليث، به.
ومسلم في "اللباس" عن قتيبة به. وعن أبي موسى، عن أبي عاصم، عن عبد الحميد بن جعفر، عن يزيد بن أبي حبيب به.
وأحمد (4/ 243، 249، 150). وابن خزيمة رقم (774). والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: جواز الصلاة في ثوب الحرير، والظاهر أن هذا هو مراد المصنف رحمه الله تعالى بالترجمة، ووجهه أنه صلى الله عليه وسلم لم يعد تلك الصلاة، فدل على جوازها في الحرير، لكن هذا إنما يتم إن قلنا بأن تلك الصلاة وقعت بعد تحريم الحرير على الرجال، وقد تقدم ترجيح كون نزعه للفَرُّوج ابتداء التحريم، فالصلاة وقعت قبله. والله أعلم.
ومنها: أنه يدل على تحريم الحرير على الرجال دون النساء؛ لأن
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 555)
اللفظ لا يتناولهن على الراجح، ودخولهن بطريق التغليب مجاز يمنع منه ورود الأدلة الصريحة على إباحته لهن.
ومنها: أن الصبيان لا يحرم عليهم لبسه؛ لأنهم لا يوصفون بالتقوى. وقد قال الجمهور بجواز إلباسهم ذلك في نحو العيد، وأما في غيره فكذلك في الأصح عند الشافعية، وعكسه عند الحنابلة، وفي وجه ثالث يمنع بعد التمييز.
ومنها: أنه لا كراهة في لبس الثياب الضيقة والمُفَرّجة لمن اعتادها، أو احتاج إليها(1).
ومنها: أن فيه جواز قبول هدية المشرك للإمام لمصلحة يراها. والله تعالى أعلم.
المسألة الخامسة:
قال العلامة أبو بكر ابن العربي رحمه الله تعالى: اختلف العلماء في لباس الحرير على عشرة أقوال: الأول: محرم بكل حال، والثاني: محرم إلا في الحرب، والثالث: يحرم إلا في السفر، والرابع: يحرم إلا في المرض، والخامس: يحرم إلا في الغزو، والسادس: يحرم إلا في العَلَم، والسابع: يحرم على الرجال والنساء، والثامن: يحرم لبسه من فوق، دون لبسه من أسفل، وهو الفرش. قاله أبو حنيفة، وابن الماجشون، والتاسع: مباح بكل حال، والعاشر: يحرم، وإن خلط مع--------------------------------------------
(1) فتح جـ 11 ص 446.
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 556)
غيره، كالخزّ. انتهى(1).
قال الجامع عفا الله عنه: الجمهور على تحريم الحرير على الرجال دون النساء، إلا فيما استثني؛ كالمرض، ونحوه، وسيأتي تحقيق هذه الأقوال بأدلتها مستوفى في "كتاب الزينة" إن شاء الله تعالى.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
…--------------------------------------------
(1) انظر عمدة القاري جـ 4 ص 98.
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 557)
20 - الرُّخْصَةُ فِي الصَّلَاةِ فِي خَميصَةٍ لَهَا أعْلَامٌ
أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على الرخصة في الصلاة في خميصة لها أعلام.
"الرخصة" وزان غرفة، وتضم الخاء للإتباع، وجمعه رُخَصٌ، ورُخُصات، مثل غُرَف، وغُرُفات: التسهيل، والتيسير(1).
"الخميصة": -بفتح الخاء المعجمة، وكسر الميم، بعدها صاد مهملة-: كساء أسود مُعْلَمُ الطرفين، ويكون من خزّ، أو صوف، فإن لم يكن معلماً فليس بخميصة. قاله الفيومي(2).
وقال العيني رحمه الله: كساء أسود مربع، له علمان، أو أعلام، ويكون من خزّ، أو صوف، ولا تسمى خَمِيصة إلا أن تكون سوداء معلمة، سميت بذلك للينها ورقتها وصغر حجمها إذا طويت، ومأخوذ من الخَمَص، وهو ضمور البطن. وقال ابن حبيب في شرح الموطأ: الخميصة كساء صوف، أو مِرْعِزَّى(3) معلم الصنعة(4).
و"الأعلام" -بالفتح-: جمع عَلَم -بفتحتين- مثل سبب وأسباب،--------------------------------------------
(1) المصباح جـ 1 ص 224.
(2) المصباح جـ 1 ص 182.
(3) "المِرْعزُّ، والمِرْعِزَّى، ويمد إذا خفف، وقد تفتح الميم في الكل: الزَّغَب الذي تحت شعر العَنْز. اهـ. "ق".
(4) عمدة القاري جـ 4 ص 93.
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 558)
يقال: أعلمت الثوب: جعلتُ له علَمًا من طِراز وغيره(1). والله تعالى أعلم.
771 - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ -وَاللَّفْظُ لَهُ- عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ، لَهَا أَعْلَامٌ، ثُمَّ قَالَ: شَغَلَتْنِي أَعْلَامُ هَذِهِ، اذْهَبُوا بِهَا إِلَى أَبِي جَهْمٍ، وَائْتُونِى بِأَنْبِجَانِيِّهِ.
رجال هذا الإسناد: ستة
1 - (إِسحاق بن إِبراهيم) الحنظلي تقدم قبل بابين.
2 - (قتيبة بن سعيد) تقدم في السند الماضي.
3 - (سفيان) بن عيينة، تقدم قبل باب.
4 - (الزهري) محمد بن مسلم المدني، الإمام الحجة الثبت، من [4]، تقدم في 1/ 1.
5 - (عروة بن الزبير) بن العوام المدني، الفقيه الثبت، من [3]، تقدم في 40/ 44.
6 - (عائشة) أم المؤمنين رضي الله عنها، تقدمت في 5/ 5. والله تعالى أعلم.--------------------------------------------
(1) المصباح جـ 2 ص 427.
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 559)
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، من رجال الجماعة، وفيه رواية تابعي، عن تابعي.
ومنها: قوله: "واللفظ له" أي لفظ الحديث لقتيبة، وأما إسحاق، فرواه بالمعنى، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وفيه عائشة من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عائشة) رضي الله عنها (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في خميصة) تقدم ضبطها وتفسيرها في أول الباب (لها أعلام) جملة في محل جر صفة لـ "خميصة" (ثم قال: شغلتني أعلام هذه) أي كادت تشغلني، وتلهيني عن كمال الحضور في الصلاة، وليس المراد أنها شغلته بالفعل؛ ففي رواية البخاري: "كنت أنظر إلى علمها، وأنا في الصلاة، فأخاف أن تفتنني". وفي رواية مالك في الموطأ: "فإني نظرت إلى علمها في الصلاة، فكاد يفتنني".
فإطلاق رواية الباب للمبالغة في القرب، لا لتحقق وقوع الشغل، وعلى تقدير وقوعه له صلى الله عليه وسلم، فليس فيه نقص في حقه؛ لأنه بشر يؤثر فيه ما يؤثر في البشر من الأمور التي لا تؤدي إلى نقص في مرتبته الشريفة صلى الله عليه وسلم. أفاده في "المنهل"(1).--------------------------------------------
(1) جـ 6 ص 9 - 10.
(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 560)