نعم". قال الدارقطني: هذا إسناد صحيح.
قال الجامع عفا الله عنه: فيما قاله الحافظ من تقديم أحاديث الجهر نظر، وقد تقدم الكلام عليه. والله تعالى أعلم.
وقال الحازمي رحمه الله بعد ذكر الاختلاف في أحاديث أنس رضي الله عنه، وأنها كلها صحيحة مخرجة في كتب الأئمة، ما نصه: وغير مستبعد وقوع الاختلاف في مثل ذلك، وكم من شخص يتغافل عن أمر هو من لوازمه حتى لا يلقي إليه بالًا البتة، ويتنبه لأمر ليس من لوازمه، ويلقي إليه باله بالكلية، ومن أعجب ما اتفق لي أني دخلت جامعًا في بعض البلاد لقراءة شيء من الحديث، فحضر إليّ جماعة من أهل العلم، من المواظبين على الجماعة في الجامع، وكان إمامهم صَيّتًا يملأ الجامع صوته، فسألتهم عنه، هل كان يجهر بـ "بسم الله الرحمن الرحيم" أو يخفيها؟، فاختلفوا عليّ في ذلك، فقال بعضهم: يجهر بها، وقال بعضهم: يخفيها، وتوقف آخرون. قال: والحق أن كل من ذهب إلى أي من هذه الروايات فهو متمسك بالسنة. والله أعلم انتهى(1).
وقال الشوكاني رحمه الله: ولكنه لا يخفى عليك أن هذه الأحاديث التي استدل بها القائلون بالجهر، منها ما لا يدل على--------------------------------------------
(1) اهـ كلام الحازمي في "الناسخ والمنسوخ" منقولًا عن "نصب الراية" جـ 1 ص 363.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 504)
المطلوب، وهو ما كان فيه ذكر أنها آية من الفاتحة، أو ذكر القراءة لها، أو ذكر الأمر بقراءتها من دون تقييد بالجهر بها في الصلاة؛ لأنه لا ملازمة بين ذلك وبين المطلوب، وهو الجهر بها في الصلاة، وكذا ما كان مقيدًا بالجهر بها دون ذكر الصلاة؛ لأنه لا نزاع في الجهر بهما خارج الصلاة.
فإن قلت: أما ذكر أنها آية، أو ذكر الأمر بقراءتها بدون تقييد بالجهر، فعدم الاستلزام مسلم، وأما ذكر قراءته صلى الله عليه وسلم في الصلاة لها فالظاهر أنه يستلزم الجهر، لأن الطريق إلى نقله إنما هو السماع، وما يسمع جهر، وهو المطلوب.
قلت: يمكن أن يكون الطريق إلى ذلك إخباره صلى الله عليه وسلم أنه قرأ بها في الصلاة، فلا ملازمة، والذي يدل على المطلوب منها هو ما صرح فيه بالجهر بها في الصلاة، وهي أحاديث لا ينتهض الاحتجاج بها كما عرفت، ولهذا قال الدارقطني: إنه لم يصح في الجهر بها حديث. ولو سلمنا أن ذكر القراءة في الصلاة يستلزم الجهر بها لم يثبت بذلك مطلوب القائلين بالجهر؛ لأن أنهض الأحاديث الواردة بذلك حديث أبي هريرة المتقدم، وقد تعقب باحتمال أن يكون أبو هريرة أشبههم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم في معظم الصلاة، لا في جميع أجزائها، على أنه قد رواه جماعة عن نعيم، عن أبي هريرة، بدون ذكر البسملة، كما قال الحافظ في "الفتح".
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 505)
وقد جمع القرطبي بما حاصله: أن المشركين كانوا يحضرون المسجد، فإذا قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: إنه يذكر رحمن اليمامة -يعنون مسيلمة- فأمر أن يخافت ببسم الله الرحمن الرحيم، ونزلت: {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} [الإسراء: 110] قال الحكيم الترمذي: فبقي ذلك إلى يومنا هذا على ذ كر الرسم، وإن زالت العلة، وقد روى هذا الحديثَ الطبرانيُّ في "الكبير"، و"الأوسط".
وعن سعيد بن جبير قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وكان المشركون يهزءون بمكاء وتصدية، ويقولون: محمد يذكر إله اليمامة، وكان مسيلمة الكذاب يسمى رَحْمَانًا، فأنزل الله: {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ} فتسمع المشركين، فيهزءوا بك، {وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} عن أصحابك، فلا تسمعهم. رواه ابن جبير، عن ابن عباس، ذكره النيسابوري في "التيسير".
وهذا جمع حسن إن صح أن هذا كان سببًا في ترك الجهر، وقد قال في "مجمع الزوائد": إن رجاله موثقون.
وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في "زاد المعاد" وكان -أي النبي صلى الله عليه وسلم- يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم تارة، ويخفيها أكثر مما جهر بها، ولا ريب أنه لم يكن يجهر بها دائمًا في كل يوم وليلة خمس مرات أبدًا حضرًا وسفرًا، ويخفى ذلك على خلفائه الراشدين، وعلى جمهور أصحابه، وأهل بلده في الأعصار الفاضلة، هذا من أمحل المحال حتى
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 506)
يحتاج إلى التشبث فيه بألفاظ مجملة، وأحاديث واهية، فصحيح تلك الأحاديث غير صريح، وصريحها غير صحيح. انتهى(1).
وقال الشوكاني رحمه الله: وأكثر ما في المقام الاختلاف في مستحب أو مسنون، فليس شيء من الجهر وتركه يقدح في الصلاة ببطلان بالإجماع، فلا يهولنك تعظيم جماعة من العلماء لشأن هذه المسألة، والخلاف فيها، ولقد بالغ بعضهم حتى عدها من مسائل الاعتقاد. انتهى المقصود من كلام الشوكاني رحمه الله تعالى(2).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تلخص مما تقدم من أقوال هؤلاء الأئمة من النظر في أدلة الفريقين أن الأرجح الإسرار بالبسملة لقوة أدلته، وأما أحاديث الجهر فصريحها غير صحيح، وصحيحها غير صريح، فلا تعارض بها الأحاديث الصحيحة الصريحة، لكن مجموعها يفيد قوة، فتصلح للاحتجاج بها، لتحمل على بعض الأوقات، وبهذا تجتمع الأدلة.
وخلاصة ذلك أن الإسرار بالبسملة هو الأولى، ولكن يستحسن الجهر بها أحيانًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وإن أردت تحقيق الكلام على أدلة الفريقين فراجع "الفتاوى--------------------------------------------
(1) "زاد المعاد" جـ 1 ص 206 - 207.
(2) "نيل الأوطار" جـ 3 ص 42 - 48.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 507)
الكبرى" لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى جـ 1 ص 77 - 87. فلقد حقق المسألة حق التحقيق، ودقق نظره فيها غاية التدقيق. وكتاب "نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية" للحافظ الزيلعي رحمه الله تعالى جـ 1 ص 323 - 363. فلقد جمع، وأفاد، وأحسن، وأجاد. والله تعالى أعلم.
تنبيه:
قال الإمام أبو محمد بن حزم رحمه الله: ومن كان يقرأ برواية من عدّ "بسم الله الرحمن الرحيم" آية من القرآن لم تجزه الصلاة إلا
بالبسملة، وهم عاصم بن أبي النجود، وحمزة، والكسائي، وعبد الله ابن كثير، وغيرهم من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم.
ومن كان يقرأ برواية من لا يعدها آية من القرآن فهو مخير بين أن يبسمل، وبين أن لا يبسمل، وهم ابن عامر، وأبو عمرو، ويعقوب،
وفي بعض الروايات عن نافع. انتهى.
واعترض عليه المحقق أحمد محمد شاكر رحمه الله، فقال: هكذا أطلق المؤلف الرواية في البسملة عن القراء، وهو خطأ، فإن الذين
قرؤوا منهم بترك البسملة إنما قرؤوا بذلك عند الوصل فقط، أي إذا وصل القارىء سورة بالتي قبلها، على أن كل من روي عنه تركها منهم روي عنه إثباتها، ولم يرد عن واحد منهم في حذفها رواية واحدة قط.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 508)
ثم إن هذا الخلاف بينهم إنما هو في غير الفاتحة. قال إمام القرّاء أبو الخير بن الجزري في كتاب "النشر في القراءات العشر" جـ 1 ص 262: "إن كلًا من الفاصلين بالبسملة والواصلين والساكتين إذا ابتدؤوا سورة من السور بسمل بلا خلاف عن واحد منهم، إلا إذا ابتدأ براءة".
ثم قال: "لم يكن بينهم خلاف في إثبات البسملة أول الفاتحة، سواء وصلت بسورة الناس قبلها، أو ابتدئ بها، لأنها ولو وصلت
لفظًا، فإنها مبتدأ بها حكمًا، ولذلك كان الواصل هنا حالًا مُرْتَحِلًا".
والحق أن قراءة من قرأ بحذفها في الوصل قراءة شاذة غير صحيحة، وإن كانت من السبعة أو العشرة؛ لأن من شرط صحة القراءة موافقة رسم المصحف، كما اتفق عليه عامة القراء بغير خلاف، بل هو اتفاق جميع العلماء، وما كان الصحابة رضي الله عنهم ليزيدوا في المصاحف مائة وعشرين بسملة من غير أن تكون نزلت في المواضع التي كتبت فيها ولو شككنا في هذا لفتحنا بابًا عريضًا للملاحدة اللاعبين بالنار، وقد كان الصحابة أحرص على كتاب الله من أن يتطرق إليه شك أو وهم، ولذلك جردوا المصاحف من أسماء السور، ولم يكتبوا "آمين"، وامتنع عمر من كتابة شهادته هو وبعض كبار الصحابة بالرجم خشية أن يتوهم أنها زيادة على الكتاب، وصدع بذلك على المنبر.
وأما من أجاز قراءة الفاتحة في الصلاة بدون بسملة فإنه لا دليل له أصلًا، والأحاديث التي استدلوا بها بعضها ضعيف، وبعضها لا يدل
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 509)
صراحة على ذلك، ولا تعارض اتفاق القراء من غير خلاف على البسملة في أول الفاتحة مع تأيد هذا برسم المصحف، وهو الحجة
الأولى القاطعة لكل النزاع.
وقد حققنا هذا الموضوع في شرحنا على التحقيق لابن الجوزي بما لا تجده في كتاب آخر، والحمد لله رب العالمين.
انتهى كلام المحقق أحمد شاكر رحمه الله تعالى(1). وبالله تعالى التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.--------------------------------------------
(1) راجع "المحلى" جـ 3 ص 251 - 232.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 510)
24 - إِيجابُ قِرَاءَةِ فَاتِحةِ الْكتَابِ فِي الصَّلاةِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على إيجاب قراءة الفاتحة على كل مصل إمامًا كان، أو مأمومًا، أو منفردًا في صلاته.
وقد ترجم البخاري رحمه الله تعالى بما فيه تفصيل حيث قال: [باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها في الحضر
والسفر، وما يجهر فيها، وما يخافت].
قال في الفتح: لم يذكر المنفرد؛ لأن حكمه حكم الإمام، وذكر السفر لئلا يتخيل أنه يترخص فيه بترك القراءة كما رخص فيه بعض
الركعات. انتهى(1). والله تعالى أعلم.
910 - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: "لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ".
رجال هذا الإسناد: خمسة
1 - (محمد بن منصور) بن ثابت بن خالد الخُزاعي الجَوَّاز المكي، ثقة، مات سنة 252، من [10]، أخرج له النسائي، تقدم--------------------------------------------
(1) فتح جـ 2 ص 479 - 480.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 511)
في 20/ 21.
2 - (سفيان) بن عيينة، أبو محمد الهلالي مولاهم، الكوفي، ثم المكي، ثقة حافظ حجة فقيه إمام، مات سنة 198، من كبار [8]، أخرج له الجماعة، تقدم في 1/ 1.
3 - (الزهري) محمد بن مسلم القرشي الإمام الحجة الفقيه الثبت، مات سنة 125، من كبار [4]، أخرج له الجماعة، تقدم
في 1/ 1.
4 - (محمود بن الربيع) بن سُراقة بن عمرو الخزرجي، أبو نعيم، أو أبو محمد المدني، صحابي صغير، وجل روايته عن الصحابة، أخرج له الجماعة، تقدم في 10/ 788.
5 - (عبادة بن الصامت) بن قيس بن أصرم بن فهر بن قيس بن ثعلبة بن غنم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج الأنصاري الخزرجي، أبو الوليد المدني، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أخو أوس ابن الصامت، شهد العقبة الأولى والثانية، وهو أحد النقباء الاثني عشر ليلة العقبة، وشهد بدرًا، فما بعدها، وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم. وعنه أبناؤه، الوليد، وداود، وعبيد الله، وحفيداه: يحيى، وعبادة ابنا الوليد، وإسحاق بن يحيى بن الوليد بن عبادة، ولم يدركه، ومن أقرانه أبو أيوب الأنصاري، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، ورفاعة بن رافع، وشرحبيل بن حسنة، وسلمة بن المحبق، وأبو أمامة،
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 512)
وعبد الرحمن بن غنم، وفضالة بن عبيد، ومحمود بن الربيع، وغيرهم من الصحابة، والأسود بن ثعلبة، وجبير بن نفير، وجنادة بن أبي أمية، وحطَّان بن عبد الله الرَّقاشي، وغيرهم. قال ابن سعد: آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين أبي مَرْثَد". وقال محمد بن كعب القرظي: هو أحد من جمع القرآن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. رواه البخاري في تاريخه الصغير، قال: وأرسله عمر إلى فلسطين ليعلم أهلها القرآن، فأقام بها إلى أن مات. وقال ابن سعد، عن الواقدي، عن يعقوب بن مجاهد، عن عبادة بن الوليد بن عبادة، عن أبيه: مات بالرملة سنة -34 - وهو ابن -77 - سنة، قال ابن سعد: وسمعت من يقول: إنه بقي حتى توفي في خلافة معاوية، وكذا قال الهيثم بن عدي. وقال دُحَيم: توفي ببيت المقدس. وقال ابن حبان: هو أول من ولي القضاء بفلسطين. وقال سعيد بن عفير: كان طوله عشرة أشبار. أخرج له الجماعة(1). والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، إلا شيخه، فقد انفرد هو به.
ومنها: أن شيخه، وسفيان مكيان، والباقون مدنيون، وعبادة،--------------------------------------------
(1) "تك" جـ 14 ص 183 - 189. "تت" جـ 5 ص 109 - 110.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 513)
وإن سكن فلسطين، إلا أنه مدني.
ومنها: أن فيه رواية صحابي، عن صحابي.
ومنها: أن فيه الإخبار في أوله، والعنعنة في باقيه. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن محمود بن الربيع) قال في الفتح: في رواية الحميدي، عن سفيان، حدثنا الزهري، سمعت محمود بن الربيع. ولابن أبي عمر عن سفيان بهذا الإسناد عند الإسماعيلي: سمعت عبادة بن الصامت. ولمسلم من رواية صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، أن محمود بن الربيع أخبره، أن عبادة بن الصامت أخبره. وبهذا التصريح بالإخبار يندفع تعليل من أعله بالانقطاع لكون بعض الرواة أدخل بين محمود، وعبادة رجلًا، وهي رواية ضعيفة عند الدارقطني. انتهى(1).
(عن عبادة بن الصامت) رضي الله عنه (عن النبي صلى الله عليه وسلم) أنه (قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب") زاد الحميدي عن سفيان: "فيها"، كذا في مسنده، وهكذا رواه يعقوب بن سفيان، عن الحميدي، أخرجه البيهقي، وكذا لابن أبي عمر، عند الإسماعيلي، ولقتيبة، وعثمان بن أبي شيبة، عند أبي نعيم في المستخرج، وهذا يعين أن المراد القراءة في نفس الصلاة.--------------------------------------------
(1) فتح جـ 2 ص 486.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 514)
قال العلامة السندي رحمه الله: ليس معناه: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب في عمره قط، أو لمن لم يقرأ في شيء من الصلوات قط، حتى لا يقال: لازم الأول افتراض الفاتحة في عمره مرة ولو خارج الصلاة، ولازم الثاني افتراضها مرة في صلاة من الصلوات، فلا يلزم منه الافتراض لكل صلاة، وكذا ليس معناه لا صلاة لمن ترك الفاتحة، ولو في بعض الصلوات، إذ لازمه أنه بترك الفاتحة في بعض الصلوات تفسد الصلوات كلها، ما ترك فيها، وما لم يترك فيها، إذ كلمة "لا" لنفي الجنس، ولا قائل به، بل معناه: لا صلاة لمن لم يقرأ بالفاتحة من الصلوات التي لم يقرأ فيها، فهذا عموم محمول على الخصو بشهادة العقل، وهذا الخصوص هو الظاهر المتبادر إلى الأفهام من مثل هذا العموم، وهذا الخصوص لايضر بعموم النفي للجنس، لشمول النفي بعدُ لكل صلاة ترك فيها الفاتحة، وهذا يكفي في عموم النفي.
ثم قد قرروا أن النفي لا يعقل إلا مع نسبة بين أمرين، فيقتضي نفي الجنس أمرًا مستندًا إلى الجنس ليتعقل النفي مع نسبته، فإن كان ذلك الأمر مذكورًا في الكلام فذاك، وإلا يقدر من الأمور العامة، كالكون، والوجود.
أما الكمال، فقد حقق الكمال(1) ضعفه؛ لأنه مخالف للقاعدة، لا يصار إليه إلا بدليل، والوجود في كلام الشارع يحمل على الوجود الشرعي دون الحسي، فمفاد الحديث نفي الوجود الشرعي للصلاة التي--------------------------------------------
(1) يريد به الكمال بن الهمام، صاحب "فتح القدير شرح الهداية" في الفقه الحنفي.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 515)
لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، وهو عين نفي الصحة. وما قاله أصحابنا -يعني الحنفية- إنه من حديث الآحاد، وهو ظني، لا يفيد العلم، وإنما يوجب العمل، فلا يلزم منه الافتراض، ففيه أنه يكفي في المطلوب أنه يوجب العمل ضرورة أنه يوجب العمل بمدلوله، لا بشيء آخر، ومدلوله عدم صحة صلاة من لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، فوجوب العمل به يوجب القول بفساد تلك الصلاة، وهو المطلوب.
فالحق أن الحديث يفيد بطلان الصلاة إذا لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب.
نعم يمكن أن يقال: قراءة الإمام قراءة المقتدي، كما ورد به بعض الأحاديث، فلا يلزم بطلان صلاة المقتدي إذا ترك الفاتحة، وقرأها
الإمام.
بقي أن الحديث يوجب قراءة الفاتحة في تمام الصلاة، لا في كل ركعة، لكن إذا ضم إليه قوله صلى الله عليه وسلم: "وافعل في صلاتك كلها" للأعرابي المسيء صلاته يلزم افتراضها في كل ركعة، ولذا عقب هذا الحديث بحديث الأعرابي في صحيح البخاري، فلله درّهُ ما أدقه. والله تعالى أعلم. انتهى كلام السندي رحمه الله تعالى(1).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي حققه العلامة السندي--------------------------------------------
(1) شرح السندي جـ 2 ص 137 - 138.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 516)
رحمه الله من بطلان صلاة من لم يقرأ بفاتحة الكتاب عملًا بالأحاديث الصحيحة حسن جدًّا، وهو يدل على إنصافه، وبُعده عن التعصب المذهبي الذي يغطي كثيرًا من الحق، وهذا أمر نادر عند المذهبيين، ولا سيما الذين ينتسبون إلى مذهبه، فإن هذه المسألة، وأشباهها مما زلت فيه أقدام الذين يُظَنُّ فيهم البراعة والتقدم في المذهب، بل وفي سائر العلوم.
غير أن قوله: نعم يمكن أن يقال: قراءة الإمام قراءة المقتدي .. إلخ، فيه نظر، فإن الأحاديث الواردة فيه غير ثابتة، فلا تصلح لتخصيص عموم: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"، وعلى تقدير صحتها تحمل على ما عدا الفاتحة. وسيأتي تحقيق ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: قيل: يحمل على نفي الذات وصفاتها، لكن الذات غير منتفية، فيخص بدليل خارج، ونوزع في تسليم عدم نفي الذات على الإطلاق؛ لأنه إن ادعى أن المراد بالصلاة معناها اللغوي فغير مسلم؛ لأن ألفاظ الشارع محمولة على عرفه؛ لأنه المحتاج إليه فيه لكونه بعث لبيان الشرعيات، لا لبيان موضوعات اللغة، وإذا كان المنفي الصلاة الشرعية استقام دعوى نفي الذات، فعلى هذا لا يحتاج إلى إضمار الإجزاء، ولا الكمال؛ لأنه يؤدي إلى الإجمال، كما نقل عن القاضي أبي بكر وغيره حتى مال إلى التوقف؛ لأن نفي الكمال يشعر بحصول الإجزاء، فلو قدر الإجزاء
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 517)
منتفيًا لأجل العموم قدر ثابتًا لأجل إشعار نفي الكمال بثبوته، فيتناقض، ولا سبيل إلى إضمارهما معًا؛ لأن الإضمار إنما احتيج إليه
للضرورة، وهي مندفعة بإضمار فرد فلا حاجة إلى أكثر منه، ودعوى إضمار أحدهما ليست بأولى من الآخر. قاله ابن دقيق العيد.
قال الحافظ: وفي هذا الأخير نظر؛ لأنا إن سلمنا تعذر الحمل على الحقيقة، فالحمل على أقرب المجازين إلى الحقيقة أولى من الحمل على أبعدهما، ونفي الإجزاء أقرب إلى نفي الحقيقة، وهو السابق إلى الفهم؛ ولأنه يستلزم نفي الكمال من غير عكس، فيكون أولى.
ويؤيده رواية الإسماعيلي من طريق العباس بن الوليد النَّرْسِيّ -أحد شيوخ البخاري- عن سفيان بهذا الإسناد بلفظ: "لا تجزىء صلاة لا يقرأ فيها بقاتحة الكتاب". وتابعه على ذلك زياد بن أيوب، أحد الأثبات، أخرجه الدارقطني، وله شاهد من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا بهذا اللفظ، أخرجه ابن خزيمة، وابن حبان، وغيرهما، ولأحمد من طريق عبد الله بن سَوَادة القشيري، عن رجل، عن أبيه مرفوعًا: "لا تقبل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن". وقد أخرج ابن خزيمة عن محمد بن الوليد القرشي، عن سفيان حديث الباب بلفظ: "لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب"، فلا يمتنع أن يقال: إن قوله: "لا صلاة" نفي بمعنى النهي، أي لا تصلوا إلا بقراءة
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 518)
فاتحة الكتاب، ونظيره ما رواه مسلم من طريق القاسم(1)، عن عائشة مرفوعًا: "لا صلاة بحضرة الطعام"، فإنه في صحيح ابن حبان بلفظ: "لا يُصَلِّ أحدكم بحضرة الطعام". أخرجه مسلم من طريق حاتم بن إسماعيل، وغيره عن يعقوب بن مجاهد، عن القاسم(2). وابن حبان من طريق حسين بن علي وغيره، عن يعقوب به، وأخرج له ابن حبان أيضًا شاهدًا من حديث أبي هريرة بهذا اللفظ. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى(3). والله تعالى ولي التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه هذا متفق عليه.
المسالة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -24/ 910 - وفي "الكبرى" -24/ 982 - وفي "فضائل القرآن" جـ 5 ص 11 عن محمد بن منصور، عن سفيان بن--------------------------------------------
(1) هكذا قال في الفتح، لكن الذي في صحيح مسلم أن الحديث من طريق عبد الله بن أبي عتيق، لا من طريق القاسم، وإنما القاسم له قصة جرت بينه وبين عائشة حتى حدثت بسببها بهذا الحديث. فيتأمل، وليراجع صحيح مسلم جـ 2 ص 78 - 79. بالنسخة التي صححها، وحشى عليها محمد ذهني.
(2) لا، بل هو عن ابن أبيَ عتيق، وأما القاسم، فهو صاحب القصة. فتنبه.
(3) فتح جـ 2 ص 486 - 487.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 519)
عيينة، عن الزهري، عن محمود بن الربيع، عنه. وفي 24/ 911 - وفي "الكبرى" -24983 - عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن معمر، عن الزهري، به. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري في "الصلاة" عن علي بن عبد الله، عن سفيان بن عيينة.
ومسلم فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، وإسحاق بن إبراهيم، ثلاثتهم عن سفيان- وعن أبي الطاهر بن السرح، وحرملة بن يحيى، كلاهما عن ابن وهب، عن يونس- وعن إسحاق بن إبراهيم، وعبد بن حميد، كلاهما عن عبد الرزاق، عن معمر- وعن الحسن الحلواني، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن صالح بن كيسان - أربعتهم عن الزهري، به.
وأبو داود فيه عن قتيبة، وأبي الطاهر بن السرح، كلاهما عن سفيان، به.
والترمذي فيه عن ابن أبي عمر، وعلي بن حجر، كلاهما عن سفيان به، وقال: حسن صحيح.
وابن ماجه فيه عن هشام بن عمار، وسهل بن أبي سهل، وإسحاق ابن إسماعيل الأيلي، ثلاثتهم، عن سفيان، به.
وأخرجه الحميدي في "مسنده" رقم 386. وأحمد 5/ 314 و 321
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 520)
و 322.
والبخاري في "خلق أفعال العباد" رقم 66، وفي "جزء القراءة" 2 و5. والدارمي رقم 1245. وابن خزيمة 488. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في بيان وجوب القراءة في الصلاة:
مذهب العلماء كافة وجوب القراءة في الصلاة، وأنها لا تصح إلا بها، قال النووي، رحمه الله في "المجموع": ولا خلاف في ذلك إلا ما حكاه القاضي أبو الطيب ومتابعوه عن الحسن بن صالح، وأبي بكر الأصم أنهما قالا: لا تجب القراءة، بل هي مستحبة، واحتُجّ لهما بما رواه أبو سلمة، ومحمد بن علي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه صلى المغرب، فلم يقرأ، فقيل له: فقال: كيف كان الركوع والسجود؟ قالوا: حسنًا، قال: فلا بأس. رواه الشافعي في "الأم"، وغيره.
وعن الحارث الأعور أن رجلًا قال لعلي رضي الله عنه: إني أصلي، ولم أقرأ؟ قال: أتممت الركوع والسجود؟ قال: نعم. قال: تمت صلاتك. رواه الشافعي، وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: القراءة سنة. رواه البيهقي.
وحجة الجمهور الأحاديث الصحيحة، الآتية في المسألة التالية، وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول صلى الله عليه وسلم قال: "لا صلاة إلا بقراءة". رواه مسلم(1).--------------------------------------------
(1) انظر صحيح مسلم جـ 2 ص 10.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 521)
وأجابوا عن أثر عمر رضي الله عنه بثلاثة أوجه:
أحدها: أنه ضعيف، لأن أبا سلمة، ومحمد بن علي لم يدركا عمر.
الثاني: أنه محمول على أنه أسر بالقراءة.
الثالث: أن البيهقي رواه من طريقين موصولين عن عمر رضي الله عنه أنه صلى المغرب، ولم يقرأ، فأعاد. قال البيهقي: وهذه الرواية
موصولة موافقة للسنة في وجوب القراءة، وللقياس في أن الأركان لا تسقط بالنسيان.
وأما أثر علي رضي الله عنه فضعيف أيضًا؛ لأن الحارث الأعور متفق على ضعفه، وترك الاحتجاج به.
وأما أثر زيد رضي الله عنه، فقال البيهقي وغيره: مراده أن القراءة لا تجوز إلا على حسب ما في المصحف، فلا تجوز مخالفته، وإن كان على مقاييس العربية، بل حروف القراءة سنة متبعة، أي طريق يتبع، ولا يُغَيَّر والله أعلم. انتهى(1).
وقال في شرح مسلم: وحكى القاضي عياض عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وربيعة، ومحمد بن أبي صفرة من أصحاب
مالك أنه لا تجب قراءة أصلًا، وهي رواية شاذة عن مالك. انتهى(2).--------------------------------------------
(1) أفاده في المجموع جـ 3 ص 330.
(2) شرح مسلم جـ 4 ص 103.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 522)
قال الجامع عفا الله عنه: الصواب ما عليه الجمهور من وجوب القراءة في الصلاة، وأنه لا تصح إلا بها، والأقوال المخالفة لهذا إما غير صحيحة عمن نسبت إليه، وإما شاذة لا يلتفت إليها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: في اختلاف العلماء في وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة:
ذهب جمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين، فمن بعدهم إلى أن الفاتحة متعينة، لا تصح الصلاة للقادر عليها إلا بها. وقد حكاه ابن المنذر عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن أبي العاص، وابن عباس، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وخَوَّات بن جُبَير، والزهري، وابن عَوْن، والأوزاعي، ومالك، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور. قال النووي: وحكاه أصحابنا عن الثوري، وداود.
وقال أبو حنيفة: لا تتعين الفاتحة، لكن تستحب، وفي رواية عنه: تجب، ولا تشترط، ولو قرأ غيرها من القرآن أجزأه، وفي قدر الواجب ثلاث روايات:
إحداها: آية تامة.
الثانية: ما يتناوله الاسم، قال الرازي: وهذا هو الصحيح عندهم.
الثالثة: ثلاث آيات قصار، أو آية طويلة، وبهذا قال أبو حنيفة،
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 523)