نحن أن الخمر محرمة والآدمي محرم إجماعا، فدارت الآية بين الزيادة على ما فيها قطعا، وبين الاحتمال لما قاله الشافعي والتخصيص كما قدمناه في الدم النقصان الكبد والطحال فيه إلى زيادات معاني من المتممات بيناها في كتاب الأحكام والخلاف فجاء من هذا أن الآية في خل الاجتهاد بالتخصيص بها أو التعميم، والزيادة عليها أو الاقتصار إلى غير ذلك من وجوه الاحتمال، ومع هذا كله لا يصح دعوى نسخ فيها إذ لا يمكن إثباته منها والله أعلم.
الآية الرابعة: ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن.
قال بعضهم: نسخها قوله تعالى: {وإن تخالطوهم فإخوانكم}.
قال القاضي ابن العربي:
هذا تقصير، فإن قوله تعالى: {إلا بالتي هي أحسن} هو نفسه {وإن تخالطوهم فإخوانكم} يعني فإن الإصلاح لمال اليتيم من باب الأحسن مع الخلطة ظاهر، والمصلحة فيه موجودة، فصار معنى الاثنين فيه واحدا، والله أعلم
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 220)
سورة الأعراف
قال المفسرون: هي مكية إلا قوله: {وسألهم عن القرية} فإنها مدنية، فيها آيتان موضع نظر. الآية الأولى: قوله: {وأملي لهم إن كيدي متين} أي خل عنهم ودعهم نسختها آية السيف.
قال محمد بن العربي رحمه الله:
قوله تعالى: {وأملي لهم} أي أؤخرهم حينا من الدهر من الملاوة بضم الميم وفتحها وكسرها وهي حين من الزمان، كقوله تعالى: {إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار} يريد بالعقوبة، يريد أؤخرهم بها حتى يظنوا أنها لا تدركهم وهذا هو المكر والكيد يفعل ما يظن المفعول معه أنه خير وهو شر في الباطن، فإن الباريء أنعم على الكفار بالصحة والسلامة وجعلها أسبابًا للمعصية فكانت غاية المضرة، وهو محمود من الباري تعالى، محمود منا إذا فعله المسلم مع الظالم ليتخلص منه به من ظلمه. وهذا كله إذا عرفتم الحقيقة فيه مما لم ينسخ ولا نسخ فإنها مشيئة، نافذة وحكمة بالغة أخبر الله تعالى عنها وأنفذ حكمه بها.
الآية الثانية: قوله تعالى: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} قال بعضهم: العفو الفضل من أموالهم، نسخ ذلك من الزكاة، وهذه الآية من غريب المنسوخ لأن أولها وآخرها منسوخان ووسطها محكم. آخرها (وأعرض عن الجاهلين) وهو أيضا منسوخ.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 221)
قال القاضي محمد بن العربي رحمه الله:
قد تقدم تفسيرنا لهذه الآية وسردنا أقوال العلماء فيها وما يؤثر من النسخ عنها وبينا أن العفو على أقسام كثيرة وأن المراد به ها هنا الفضل من أموالهم، وما خف عليهم. وهو الزكاة التي بين الله حكمها وأوجب فعلها فالآية محكمة وأما الإعراض عن الجاهلين فإنه مخصوص في الكفار الذين أمر بقتالهم، باق فيمن عداهم. ثبت في الصحيح واللفظ للبخاري عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قدم عيينة بن حصن بن حذيفة، فنزل على ابن أخيه الحر بن قسيس وكان من النفر الذين يدنيهم عمرو وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته كهولا كانوا أو شبانا، فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي، لك وجه عند هذا الأمير فاستأذن لي عليه. قال: سأستأذن لك عليه. قال ابن عباس فاستأذن الحر لعيينة فأذن له عمر قال: قال فلما دخل قال: هي يا ابن الخطاب، فهو الله ما تعطينا الجزل ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى هم أن يوقع به، فقال له الحر: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه، {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه وكان وقافا عند كتاب الله رضوان الله عليه. وروى جابر بن سليم، رضي الله عنه قال: ركبت
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 222)
قعودي ثم أتيت إلى مكة فطلبت رسول الله عله السلام فأنخت قعودي بباب المسجد فدلوني على رسول الله صلوات الله عليه فإذا هو جالس، عليه برد من صوف فيه طرائق حمر فقلت: السلام عليك يا رسول الله فقال: عليك السلام، فقلت: إنا معشر البادية قوم فينا الجفاء، فعلمني كلمات ينفعني الله بها قال: أذن منى فدنوت فقال: أعد علي فأعدت: قال اتق الله ولا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه منبسط، وأن تفرغ من دلوك، في إناء أخيك، وإن امرؤ سبك بما يعلم فيك فلا تسبه بما تعلم فيه. فإن الله جاعل لك أجرًا وعليه وزرا، ولا تبن شيئا مما خولك الله. فو الذي نفسي بيده ما سببت بعده ولا شاة لا بعيرا.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 223)
سورة الأنفال
فيها من النسخ ثلاث آيات:
الآية الأولى: قوله تعالى: {يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول} قال بعضهم: روى عن ابن عباس وغيره، أن هذا منسوخ بقوله تعالى: {واعلموا أن ما غنمتم من شيء فأن لله خمسة} وقال الأكثر: إنها محكمة على تفصيل طويل فات فيه التحصيل.
قال القاضي محمد بن العربي رحمه الله:
قد قيل إن سورة الأنفال مدينة إلا قوله تعالى: {وإذ يمكر بك الذين كفروا} وقوله تعالى: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} فإنها مكيتان. فإن كان هذا بنقل صحيح فبها ونعمت. وإن كان بحكم الظن فإن هاتين الآيتين جرت قصتهما بمكة فلا يصح هذا. لأن القصة قد تجري بمكة وتذكر بالمدينة. على أن هذا لا يحتاج إليه لأنه ليس في الآيتين حكم يفتقر إلى العمل به فيقال هذا فيه أولا. وإنما الذي نزل بمكة في الصحيح قوله تعالى: {يا أيها النبي حسبك الله} والأصل في هذه الاية ما رواه مصعب بن سعد، عن أبه رضي الله عنهما أنه قال: لما كان يوم بدر جئت بسيف، فقلت:
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 224)
يا رسول الله إن الله قد شفى صدري من المشركين، أو نحو هذا – هب لي هذا السيف. فقال: هذه ليست لك ولا لي. فقلت: عسى أن يعطي هذا من لا يبلى بلائي. فجاءني الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: إنك سألتني وليست لي، وقد صارت لي وهو لك، فنزلت: {يسألونك عن الأنفال} - الآية، رواه الترمذي وصححه وجاء من طرق عديدة.
والصحيح أن هذه الآية ناسخة لما سبق من حكم الله، في تحريم الغنائم على الخلق، فأحلها الله على هذه الأمة لما رأي من ضعفها وعجزها. وفي الصحيح عن جابر بن عبد الله وغيره: أحلت لي الغنائم. وثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم من طرق عديدة، واللفظ للبخاري، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه: لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبنى بها ولما بين بها، ولا أحد بني بيوتا ولما يرفع سقوفها ولا أحد اشترى غنما أو خلفات، وهو ينتظر ولادها. فغزا، فدنا من القرية صلاة العصر أو قريبًا من ذلك، فقال للشمس: إنك مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علينا. فحبست حتى فتح الله عليه فجمع الغنائم فجاءت – يعني النار – لتأكلها فلم تطعمها، فقال: إن فيكم غلولا، فليبايعني من كل قبيلة رجل، فلزقت يد رجل بيده فقال: فيكم الغلول فلتبايعني قبيلتك. فلزقت يد رجلين أو ثلاثة بيده، فقال: فيكم الغلول، فجاؤوا برأس مثل رأس بقرة من الذهب فوضعوها، فجاءت النار فأكلت ثم أحل الله لنا الغنائم، رأي ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا، وهذا صحيح لا طعن فيه، وبين لا غبار عليه، وقوله تعالى: {قل الأنفال لله والرسول} هو قوله: {واعلموا إنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول} لأن المعنى: فإن الحكم لله وحده وللرسول يحكم فيه تبارك وتعالى وبحكمه عند الرسول صلى الله عليه وسلم بما تبين له.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 225)
قوقع فيه القول في أول السورة بمطلق، الحكم لله ولرسوله ووقع البيان في الآية الثانية بوجه الحكم للخمس، وأربع الأخماس: فقال الرسول صلى الله عليه وسلم في الصحيح: (مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود فيكم) إشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم لم يجعل له في الخمس ملك، وإنما جعل إليه فيه النظر، ويحتمل أنه جعل له عليه السلام ملكا، ثم صرفه على الناس فضلا. وطرد ذلط وشرحه وتحقيقه ذلك كله في الأحكام.
تتميم: النفل في اللغة هو الزيادة، والغنيمة نفل لأنها زيادة في الحلال. وأما الغنيمة فهي ما أخذ بقهر وغلبة، والفيء ما عاد إلى المسلمين بغير مؤنة إلا بمجرد الرعب. ويصح أن يكون المراد بالنفل جميعه ثم بين بعد ذلك كل حكم، وخص كل واحد باسم، والمعنى واحد في الكل، واسم النفل واقع على الجميع، فأخبر الله أنها لله والرسول، ثم بين كل حكم كما قدمنا لكل اسم كما شرحنا. وخص الغنيمة بالبيان في هذه السورة فقال: فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا. فكان هذا أيضا رافعا لما كان قبل ثابتا وهي الآية الثانية.
ألاية الثالثة: قوله تعالى: {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن تكن منكم مائة يغلبوا ألفا} قال ابن عباس رضي الله عنه: لما نزلت {يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال} الآية، كتب عليهم ألا يفر واحد من عشرة، ولا عشرون من مائتين. ثم نزلت {الآن خفف الله عنكم} فكتب عليهم ألا يفر مائة من مائتين قال البخاري في حديثه
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 226)
وزاد: قال ابن شبرمة: وأرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل ذلك، هذا أبين ما يكون من النسخ، فأما قول ابن شبرمة: وأرى المعروف والمنكر مثله، فإنه قياس المعاصي) على الكفر، ويعتضد هذا بالحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من رأي منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه. وذلك أضعف الإيمان. فمقامات تغيير المنكر ثلاثة:
الأول باللسان، وذلك في ثلاثة وجوه: الوعظ والتخويف، والسب على الترتيب الذي ذكرنا.
المقام الثاني: اليد، وذلك بكسر آنية الخمر مثلا والدفع أو الضرب، فهذان وجهان أيضا فإن احتاج إلى تغييره بالسلاح فله أن يظهرها وذلك في تخليص امرأة مثلا أو رجل من قتل أو مال عن نهب إن كان كثيرا بلا خلاف، وإن كان نزرا يسيرا فلا فإن احتاج إلى من يعينه في استنقاذ المال والفرج والدم فليبادر إليه أعوانه، وإن كان مع فاعل المنكر أعوان، وإن أدي إلى أن يتقاتل الصفان، فقد اختلف العلماء في ذلك: فمنهم من قال: لابد من إذن الإمام لأنه ربما آل ذلك إلى استبحار الفتنة، وقال آخرون: لا يحتاج إلى إذن الإمام، وهو اختيار الطوسي، وهو الصحيح عندي إذا كان استئذان الإمام يؤول إلى فوت التغيير، وهذا ما كان المنكر من آحاد الناس. فأما إن كان من الوالي فلا يجوز
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 227)
تغيير عليه بالقتال والخروج. والصبر عليه جائز. وما جرى لابن الأشعث والقول في جهة الحجاج خطأ ظاهر. وقد علمتم مآله وسمعتم على ألسنة الرواة حالة، وقد كان القراء دعوا الحسن ابن أبي الحسن البصري إلى الخروج معهم على الحجاج فقال لهم الحسن: إن الحجاج عقوبة الله في أرضه، وعقوبة الله لا تقابل بالسيف، وإنما تقابل بالتوبة، فهذا ما أراد ابن شبرمة والله أعلم.
المقام الثالث التغيير بالقلب وقد بيناه في موضعه.
ذكر آيات الخصوص
وهي ستة:
الآية الأولى: قوله تعالى: {ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة} الآية: قال " عطاء" هي منسوخة بقوله: {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} ثم نسخ أيضا هذا بقوله تعالى: {فإن تكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين}.
قال بعضهم: والنسخ في هذا لا يجوز لأنه وعيد والوعيد لا ينسخ لأنه خبر.
قال القاضي محمد بن العربي رحمه الله:
اختلف الناس في المراد بهذه الآية على قولين أحدها، أنها في يوم خاصة، وهو اختيار الحسن وروى عن ابن عباس رحمه الله، وقيل هي عامة في
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 228)
الآزمة مخصوصة في العدد، لقوله تعالى: {فإن تكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله} والصحيح عمومها لوجهين: أحدهما: أنه ظاهر القرآن قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا فلا تولوهم الأدبار. ومن يولهم يومئذ دبره. يعني به يوم الزحف. وثبت عن النبي عليه السلام، أنه عد الكبائر فقال: والفرار من الزحف وهذا نص لا غبار عليه.
الاية الثانية قوله تعالى: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم، وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} قال الحسن: قوله تعالى: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم، وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} ثم نزلت بعدها آية نسختها، وهي قوله تعالى: {وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام}.
قال القاضي محمد بن العربي رضي الله عنه:
هذا وهم في النقل عنه والقول منه. روى البخاري عن أنس بن مالك رحمه الله قال: قال أبو جهل لعنه الله: {اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ايتنا بعذاب أليم} فنزلت: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون. ومالهم ألا يعذبهم الله} الآية. فأخبر أنس أن الايتين نزلتا معا وما نزل في فور واحد لا يصح النسخ من بعضه إلى بعض، وقد روى المفسرون أن النضر بن
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 229)
الحارث قال هذا، فنزلت: {سأل سائل بعذاب واقع. للكافرين} الآية. والأول أصح. ورووا عن ابن عباس أنه قال: معنى الآية (وما كان الله ليعذبهم) يعني جميع الكفار وقد علم أن فيهم من يسلم، وما لهم ألا يعذبهم الله إذا أسلم من يسر له الإسلام، وقيل معناها (وما كان الله ليعذبهم) في الدنيا (وهم يستغفرون) لأنهم كانوا يقولون غفرانك. (وما لهم ألا يعذبهم الله) يعني في الآخرة. وقال الضحاك معناه (وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون) يعني المسلمين، (وما لهم ألا يعذبهم الله) يعني الكفار، فجعل الضمير لمضمرين مختلفين.
قال القاضي محمد بن العربي:
الذي أوجب هذا الاختلاف في التفسير عدم فهم الآية، ومعناها على التحقيق (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم) (بتمنيهم العذاب) كما فعل (في سائر) الأمم قبلهم، مراعاة لك. فإنا أرسلناك رحمة للعالمين. فرفع العذاب عن كفار هذه الأمة في سؤالها إياه لحرمة محمد صلى الله عليه وسلم ثم قال: وإذا راعيناهم في حرمتك فإنا نراعيهم في استغفارهم. فإذا استغفروا لم يعذبهم، يريد به الاستغفار الصحيح الصادر عن الاعتقاد الصريح، فإنه الذي ينتفع به المستغفر، أنشدني بعض علمائنا:
أستغفر الله من أستغفر الله … لفظة صدرت خالفت معناها
وكيف أرجو إجابات الدعاء وقد … سددت بالذنب عند الله مجراها
وقد سمع الربيع بن خيثم، رجلا يقول: أستغفر الله، فقال: هذه كذبة، وهذه لأنه خفي عليه لسان العرب فإن استفعل في لسان العرب ينطلق على
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 230)
معاني منها استفعلت بمعنى سألت الفعل كقولك استقيت ماء أي سألت السقيا، وكذلك استغفرت سألت المغفرة، وقد بينا ذلك في كتاب الأحكام، في سورة هود بيانا شافيا، إن شاء الله، قد روى عن أبي موسى الأشعري نحو من هذا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنزل الله علي أمانين لأمتي: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار إلى يوم القيامة. وهذا معنى صحيح في سند ضعيف يحققه الحديث الصحيح لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم) فوعده بالمغفرة مع الاستغفار. ومن غفر له لم يعاقب. ثم قال تعالى: {وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام} المعنى أنهم مستحقون العذاب لصدهم عن المسجد الحرام ولكن صرفناه عنهم لكونك فيهم، فعندهم سبب موجب للعذاب وهو صدهم عن المسجد الحرام، ولهم وسيلة مقتضية لصرفه وهي كونك فيهم. وهذا يدل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، لأن الصد عن المسجد الحرام معصية، فبين تعالى أن الكفار معاقبون على المعاصي وهذا نص.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 231)
الآية الثالثة: قوله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه} قال قتادة: هذا ناسخ لقوله تعالى: {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى} فإن الغنيمة في صدر الإسلام كانت تعطي في الأصناف الذين في سورة الحشر ثم نزلت: {واعلموا أنما غنمتم من شيء} فقسمها الله على الوجه المذكور فيها، وهذا فاسد قد بينا أن الفيء نوع والغنيمة نوع وأنهما مالآن مأخوذان بشيئين مختلفين جعل الله لهما اسمين مختلفين: فالغنيمة ما أخذ بقهر وهو لمن سمى الله، والفيء ما أخذ بغير قتال وهو للنبي صلى الله عليه وسلم. ثم قال تعالى: {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى} وهي آية معضلة خفيت على العلماء وتباينت فيها الأقوال بين المحدثين والقدماء. وقد حققنا القول في معناها في الأحكام. وذلك أنها ثلاث آيات: قوله تعالى: {وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب} فهذه بنو النضير وما جرى مجراها فهي لرسول الله خالصة، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الحديث الصحيح والآية الثانية قوله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه} فهذه آية القتال الذي يؤخذ بالقهر والاستعلاء والغلبة بالمدافعة والمحاربة فالخمس منها لمن ذكر الله تعالى والأربعة الأخماس لمن تناول ذلك فيها، على تفصيل بيانه في كتاب الأحكام ومسائل الفقه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 232)
قوله تعالى: {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى} وفيها ثلاثة أقوال: الأول أنها ملحقة بآية بني النضير، والثاني أنها ملحقة بآية الأنفال، الثالث أنها منفردة بنفسها. والذي يقول إنها ملحقة بالأولى يسمى السورة سورة بني النضير، وقد ترددت فيها مرارا وتفاوضت فيها مع النظار والافتكار سرا وجهارا، والإشكال يجذبها حينا والبيان يجلوها حينا.
وقد اختلف فيها قول إمام العلماء مالك بن أنس، فروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك: أن الأولى من سورة الحشر في بني النضير، والثانية في بني قريظة وكانت قريظة والخندق في يوم واحد، وهي آية ثانية، ومعنى ثان غير الأول لمستحق غير الأول، معقبة بالناس إلى يوم القيامة، يشترك فيها من حضر ومن غاب، مملوكة لمن وجد وعدم، ولأجل هذا قال كثير من العلماء: (إن الأرض لا تقسم) وقال مالك تارة: تقسم. وهي محل الاجتهاد والله بمنه يوافق فيها للسداد.
الآية الرابعة: قوله تعالى: {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها} قيل نسختها آيات القتال، وروى عن ابن عباس رضي الله عنه، أنه قال: ينسخها قوله تعالى: {فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم}.
قال ابن العربي: قد بينا في غير موضع أن من شروط النسخ التعارض وهو الأول من شروط، والأولى، وليس بين هاتين الآيتين تعارض لأن تقدير الكلام فيها يجيء على صورة صحيحة لا تعارض معها، وهو بأن يقال: قاتلوهم (ولا تهنوا بدعائهم) إلى الصلح فإن طلبوا هم ذلك فأجبهم. وبعد ذلك اختلف العلماء
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 233)
في العقد للصلح على أقوال بيانها في أصول الفقه مجتمعة. وتحقيقه عندنا أن السلمين إذا احتاجوا إلى الصلح جاز لهم عقده حتى على مال يبذلونه كما بذله النبي عليه السلام يوم الخندق حين قال لعيينة يوم الأحزاب أعطيك نصف ثمار المدينة على أن تتخلي عن قريش. وإن كانت يد المسلمين عالية ونجدتهم ظاهرة فليس للصلح وجه. فإنه إنما يعقد لحاجة. إذ المقصود عموم الدعوة وإعلاء كلمة الإسلام إلا بعارض وبيان ذلك في كتب الفقه.
الآية الخامسة: قوله تعالى: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض} قال بعضهم نسخها قوله تعالى: {فإما منا بعد وإما فداء}.
قال القاضي محمد العربي:
وهذا قول من لم يفهم كلام من تقدم. روى عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال في قوله تعالى: {حتى يثخن في الأرض} ذلك يوم بدر والمسلمون قليلون فلما كثروا قال الله: {فإما منا بعد وإما فداء} فخيرهم تعالى، ولو صح هذا لما كان فيه جلاء للمراد الذي حاولوه من النسخ. والذي جرى من الأمر أنه لما
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 234)
كان يوم بدر وجيء بالأسرى فقال رسول الله عليه السلام: (ما يقولون فيهم؟ فقال أبو بكر رضي الله عنه: قومك فاستبقهم لعل الله أن يتوب عليهم. قال عمر رضي الله عنه: كذبوك وأخرجوك قربهم واضرب أعناقهم. وقال عبد الله بن رواحة رضي الله عنه: يا رسول الله، انظر واديا كثير الحطب فاجعلهم فيه ثم أضرمه عليهم نارا. قال له العباس رضي الله عنه: قطعت رحمك. فدخل رسول الله ولم يجبهم، فقال الناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال آخرون: يأخذ بقول عمر، وقال ناس يأخذ بقول ابن رواحة، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (إن الله ليلين قلوب قوم حتى تكون ألين من اللين ويشد قلوب قوم حتى تكون أشد من الحجارة. وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم إذ قال: (فمن تبعني فإنه منى ومن عصاني فإنك غفور رحيم) ومثل عيسى حين قال: (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) ومثلك يا عمر مثل نوح إذ قال: (رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا) ومثل موسى إذ قال: (ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم) ثم قال النبي عليه السلام: أنتم اليوم عالة فلا يفلتن رجل منهم إلا بفداء أو ضربة عنق، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: فقلت يا رسول الله إلا سهيل بن بيضاء فإني سمعته يذكر الإسلام. قال فسكت رسول الله عليه
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 235)
السلام قال: فما رأيتني في يوم أخوف أن تقع على حجارة (من السماء من ذلك اليوم) حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إلا سهيل بن بيضاء. قال: ونزل القرآن بقول عمر: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض، تريدون عرض الدنيا، والله يريد الآخرة، والله عزيز حكيم. لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم، فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا، واتقوا الله إن الله غفور رحيم) وهذا ينفي النسخ لصورة القصة ونزوله جملة.
الآية السادسة: قوله تعالى: {والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكممن ولايتهم من شيء حتى يهاجروا} الآية، قال بعضهم هي منسوخة بقوله تعالى: {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض}.
قال القاضي محمد بن العربي رضي الله عنه:
(لا خلاف ولا إشكال في) أن الميراث كان في صدر الإسلام بالولاية ثم صار في آخره بالقرابة، إلا أن هذه الآية محتملة أن يكون المراد بنفي الولاية نفي النصرة ويحتمل أن يكون المراد بها نفي الميراث، فتكون منسوخة والأول أظهر لقوله فيها: {والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض} فمزج الهجرة والنصرة بالولاية، فهي ولاية. ذلك في الظاهر
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 238)
فلا تبالوا أي ذلك كان، لأن من كان مهاجرًا وكان مقيما بمكة لم يكن ذلك معتدا له به ولا مثابا عليه، حتى نسخ الله ذلك بالفتح فجرت الأحكام في ذلك بما هي اليوم عليه وبين ذلك قوله في آخر الآية: {والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم} يعني في الولاية والوفادة والنصرة وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في الميراث والله أعلم.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 239)
سورة براءة
مدنية فيها من النسخ تسع آيات:
قوله تعالى: {براءة من الله ورسوله} قال بعضهم: هذه السورة من آخر ما نزل، فقوله تعالى: {فسيحوا في الأرض أبعة أشهر} هذه الآية والتي تليها نزلت فيمن كان بينه وبينهم موادعة، جعل الله مودتهم من يوم النحر إلى عشرين من ربيع الآخر وجعل مودة من لم يكن له عهد خمسين يوما من يوم النحر إلى آخر المحرم، وهو تفسير قوله تعالى: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم} يعني المحرم. ثم صار ذلك منسوخًا بقوله تعالى: {فاقتلوا المشركين حين وجدتموهم}.
الآية الثالثة وهي ناسخة لمائة وأربع وعشرين آية، ثم صار آخرها ناسخا لأولها وهي قوله تعالى: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة}.
الآية الرابعة: قوله تعالى: {إلا الذين عاهدتهم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم} ثم نسخت بقوله: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 240)
قال القاضي محمد بن العربي رضي الله عنه:
لم يبق أحد من أرباب التأليف ممن جمع في هذا الفن إلا وقد حطب ليلا وجر على العلم ذيلا واستوجب ويحا أو قل ويلا. ونحن بتوفيق الله تعالى نتتبع بالبيان جميع الآيات ونظهر في أثناء ذلك ما أتى به هؤلاء القوم من الغفلات فنقول: قد بينا في كتاب قانون التأويل، وجوب تنزيل الألفاظ على معانيها الظاهرة فيها اللائقة بها فإن، جاء من الحديث الصحيح ما يبين المراد منها فهي السبيل المهيع والمراد الأنجع فننظر إلى الآيات ونركب علىها أظهر المعاني المحتملات. قال الله تعالى: {براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين} وهذا يقتضي ألا يبقى مشرك له عهد إلا وقد بريء الله منه بالعموم الظاهر التعميم ولا يدخل في هذا العموم اليهود لما بيناه في أصول الفقه فإن الله تعالى إنما بريء من العهد الذي كان على موادعة في الحرب وكف عن القتال وهو عهد المشركين من العرب. فأما عهد اليهود فإنما كان عهد قهر وغلبة وصغار وذلة حين رأيت من كان حليفا لها قد صار عدوا لها واليا مع النبي صلى الله عليه وسلم عليها. ثم قال تعالى: {فسيحوا في الأرض أربعة أشهر} فسحة لهم في المهل وإرخاء في الطول ونبذ على سواء حسبما وقع الأمر من الله له به، وهي غاية الآجال عند العلماء في استيفاء الحقوق. ثم قال وهذا الأذان من الله ورسوله إلى الناس يكون يوم الحج الأكبر، يريد: يوم النحر عند اجتماعهم بمنى لتقوم الحجة عليهم بالسماع ويقوم العذر في الإبلاغ. ثم قال: {إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم}.
فأخبر الله تعالى في الآية الأولى أنه بريء من المشركين ثم قال في الآية التي بعدها {إلا الذين عاهدتم من المشركين} فلو وقف ها هنا بالكلام لدفع
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 241)