الآية الثانية: قوله تعالى: {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من اكره وقلبه مطمئن بالإيمان} قال بعضهم: نسخ آخرها وهو الاستثناء أولها وقيل نسختها آية السيف.
قال القاضي رضي الله عنه:
هذه غباوة والاستثناء لا يعد نسخا بإجماع من العقلاء وإنما هو نوع من التخصيص وقد بينا ذلك في موضعه والله أعلم.
ومن قال نسختها آية السيف، فقد أبعد المقال عن الصواب جدًا، لأن الآية لم تأت لبيان حكم فيدخلها النسخ، وإنما تهديد بعذاب الآخرة ووعيد بعقاب القيامة على ذنب هو الكفر، وذلك محتوم قطعا قال الله تعالى: {فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم}.
الآية الثالثة قوله تعالى: {واصبر وما صبرك إلا بالله} قالوا نسختها آية السيف.
قال القاضي محمد بن العربي رضي الله عنه:
هذا وهم، ليس من باب الصبر على إذاية المشركين قبل الأمر بالإنتصار وإنما هو من باب الصبر على المصائب التي تنزل بالمرء، والأصل في ذلك أن القتال نزل
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 282)
بمكة بإجماع وهؤلاء الآيات مما نزل بالمدينة بإجماع، في غزوة أحد حين أصيب من الأنصار أربعة وستون ومن المهاجرين ستة فمنهم حمزة، فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يوما لنربين عليهم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم، لأمثلن بسبعين منهم، فنزل. والنبي واقف. في أصح الروايات، جبريل عليه السلام بخواتم النحل، فصبر النبي عليه السلام وكفر عن يمينه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 283)
سورة بني إسرائيل
فيها آية واحدة من النسخ، وهي قوله تعالى: {ربك أعلم بك إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم، وما أرسلناك عليهم وكيلا} وقد تقدم معناها في الأنعام وغيرها.
ذكر ما فيها من التخصيص: وهي ست آيات:
الآية الأولى قوله تعالى: {وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا} قال بعضهم هذا منسوخ في الكفار، والصواب أنه مخصوص فيمن كفر مأمور به فيمن آمن حسب ما سبق بيانه في سورة براءة وغيرها.
الآية الثانية: قوله تعالى: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} تقدمت.
الآية الثالثة: قوله تعالى: {وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا} يعني في قول السدي يسأل عن العهد ثم يدخل الجنة، حتى نسخها قوله تعالى: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة} الآية.
قال القاضي محمد بن العربي:
هذا باطل من وجهين: إحدهما أن قوله تعالى: {إن العهد كان مسؤولا} عنه لا يمنع إذا سئل عنه أن يعفي أو يعاقب، ثم جاء العقاب فكان بيانا لمسكوت عنه.
الثاني: أن قوله: (يسأل عن العهد ثم يدخل الجنة، كذلك يقال بعد نزول الوعيد) لا يكلمه الله ولا ينظر إليه وله عذاب أليم ثم يدخل الجنة. وهذا واضح لمن تأمله والله أعلم.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 284)
الآية الرابعة: قوله تعالى: {وزنوا بالقسطاس المستقم ذلك خير وأحسن تأويلا} قال السدي: نسخ ذلك، بقوله: {ويل للمطففين} الآية.
قال القاضي ابن العربي:
وهذا فاسد بالمعنى المتقدم حرفا بحرف فإن قول القائل الإيمان خير من الكفر والطاعة أفضل من المعصية والوفاء في الكيل خير من البخس، لا يمنع من توجه العقاب عليه من بعد وهذا واضح أيضا والله أعلم.
الآية الخامسة: قوله تعالى: {ومن الليل فتهجد به نافلة لك} ذكر بعضهم أنه ناسخ لفرض قيام الليل في سورة المزمل.
قال القاضي محمد بن العربي رحمه الله:
اختلف الناس في دخول النبي عليه السلام في خطاب التكليف فمن لم يدخله فيه لم يتصور أن ينسخ ما في سورة المزمل من قوله: {فتاب عليكم} كما قوله له عليه السلام: (ومن الليل فتهجد به نافلة لك) ومن قال: إنه يدخل وهو الصحيح كما بيناه في الأصول قال إن قوله تعالى: {ومن الليل فتهجد به نافلة} معناه زيادة لك في فعلك، لتنال به المقام المحمود عند ربك، إذ لا يصادف ذلك ذنبا يكفر ولا سيئة تغفر، لأن المغفرة قد سبقت وذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم على ما بيناه في سورة الأحزاب.
الآية السادسة: قوله تعالى: {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها} قالوا: نسختها الآية التي في الأعراف وهي قوله تعالى: {واذكر ربك في نفسك
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 285)
تضرعا وخيفة، قال القاضي محمد بن العربي: قد بينا أن من شروط النسخ معرفة التاريخ والمعارضة، ولسنا نعلم ها هنا للآيتين تاريخا فنحكم فيها بالنسخ، ولا تعارض فإن الكلام على قسمين في النفس وهو الكلام حقيقة، وقسم باللسان وهو على ثلاثة أقسام: قسم خفي، وهو ما يسمع به المرء نفسه وهو السر، وقسم آخر يسمع به من يليه، وقسم عال وهو الجهر. والعالي من هذه الثلاثة هو المذكور في سورة بني إسرائيل هذه وقسم النفس هو المذكور في سورة الأعراف ودون الجهر من القول الذي يسمع به المرء نفسه وهو الثاني المذكور في سورة بني إسرائيل والآيتان واردتان موردًا واحدًا والله أعلم.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 286)
سورة الكهف
مكية بإجماع محكمة، جهل بعضهم فقال فيها آية واحدة منسوخة وهي قوله تعالى: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} قال بعضهم: الآية عدها تخييرا والجماعة عدتها تهديدا.
قال القاضي محمد بن العربي:
لا خلاف بين العقلاء في أنها تهديد يستحيل التخيير فيها، لأن الله تعالى لا يأمر بالفحشاء شرعا ولا يأمر بالكفر عقلا ولا شرعا، لأن الأمر بالكفر محال إذ الأمر بالشيء يقتضي معرفة الأمر ضرورة والكفر هو الجهل، بالأمر والجمع بينهما محال فيستحيل الأمر بهما. أما أن معناها من التهديد هو الذي رفعه الأمر بالقتال لأن الله تعالى قال لنبيه عليه السلام قل لهم: هذا الحق من ربكم فمن شاء قبله ومن شاء رده، ورده كفر، ثم قال لهم بعد ذلك، هذا الحق فإن لم تقبلوه قاتلتكم ويقاع المهدد به رفع للتهديد.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 287)
سورة كهيعص
مكية فيها من النسخ آية واحدة.
قوله تعالى: {إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا} قد بينا في سورة آل عمران، من هذا القسم وقسم الأحكام أيضا، أن شرع قبلنا شرع لنا، وهذه الآية تدل على أن من قبلنا كان في صومه ترك الكلام ولكن لم يكن ذلك مشروعا عندنا ولا دخل في قوله تعالى: {كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم} وشرع الله لنا الصوم ابتداء بتحريم الجماع والأكل والشرب في ايام الصوم خاصة، وأباح الكلام، فكان ذلك نسخا لشرب من قبلنا في جعل الصمت من جملة أركان الصوم فارتفع عنا ما كان مفروضا على من قبلنا والحمد لله.
وهم: قال قتادة إنما جعل الله ذلك آية لمريم وابنها، ولا يحل لأحد ينذر صمت يوم.
تذكرة: قال القاضي محمد بن العربي، قوله إنه لا يحل لأحد أن ينذر صمت يوم صحيح، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، واللفظ للبخاري عن ابن عباس رضي
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 288)
الله عنه، قال: (بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إذا هو برجل قائم فسأل عنه فقالوا أبو اسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم. فقال النبي عليه السلام فليتكلم، وليستظل وليتم صومه) فأبطل نذر الصمت، وبين أنه ليس ذلك في شرعنا. وقوله: إن جعل ذلك آية لمريم غير صحيح إنما جعل الله ذلك آية لزكرياء في يحيى حسبما تقدم بيانه في سورة آل عمران، فأما مريم فكان فيها نذرا صحيحا وارتفع ذلك كما بيناه آنفا في سورة آل عمران، والأحكام فلينظر هنالك والله أعلم.
ذكر ما فيها من آيات التخصيص، وهي خمس آيات:
الآية الأولى: قوله تعالى: {وأنذرهم يوم الحسرة} قال بعضهم نسخ الإنذار آية السيف.
قال القاضي: الإنذار بالآخرة لا ينسخه الأمر بالقتال، فإنه ينذر ويقاتل وليس التخويف بالآخرة مرفوعا، بشيء، حتى إن الإيمان لا يرفعه والخوف والتخويف من الله لا يرده شيء ولا يرفعه إلى حين لقائه.
الآية الثانية: قوله تعالى: {فسوف يلقون غيا} قال بعضهم: نسخها قوله تعالى: {إلا من تاب} قال ابن العربي: هذا معنى قد بينا فساده من قبل في مواضع فتكراره عي.
الآية الثالثة: قوله تعالى: {وإن منكم إلا واردها} قال بعضهم نسخها قوله تعالى: {ثم ننجي الذين اتقوا} الآية.
قال القاضي محمد بن العربي:
ليست هذه الآية من النسخ في شيء، وإنا هي من مشكل آيات الوعيد وذلك لأنا لو قلنا: إن الخلق كلهم يدخلون النار ثم يخرجون منها المتقون لم يكن ذلك
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 289)
بموجب نسخها لأن النسخ لا يكون إلا في التكليف لا في العذاب، ولو قلنا إن المتقين مستثنون من الواردين، لم يكن ذلك أيضا نسخا، وإنما يكون تخصيصا للعموم المقتضي بظاهره لورد الكل على النار. وبعد هذا فلا بد من الإشارة إليها ببعض كلامنا فيها لئلا يبقى الإيهام في قلوبكم منها.
اختلف الناس في معنى هذه الآية على ثلاثة أقوال:
الأول: قال ابن عباس رضي الله عنه، يدخل الخلق بأجمعهم النار ثم يخرجون منها، قال له نافع بن الأزرق، الم يقل الله {لا يسمعون حسيسها} فغضب ابن عباس وقال له: ويلك يا مجنون أين أنت عن قوله تعالى: {فأوردهم النار} وقال تعالى: {حصب جهنم أنتم لها واردون} وقال تعالى: {يقدم قومه يوم القيام فأوردهم النار} أما أنا وأنت فسند خلها فانظر هل تخرج منها أم لا وما أرى الله بمخرجك منها لتكذيبك، فضحك نافع.
الثاني: قال ابن رواحة وغيره ورودها المرورد عليها.
الثالث: أن المراد بورود الكل لها عموم أخذ الحمى لكل أحد وهي حظه من النار. وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه أن الورود هو المرو عليها وهو الصحيح، فأما الدخول فلا سبيل إليه من جهة الشرع، وقد قال الله تعالى:
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 290)
{أنتم لها واردون} {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون} فخصت الآية الثانية الأولى، وبينت السنة ذلك: ففي الصحيح أن أهل بدر والحديبية لا يدخل أحد منهم النار. وقال فيه صلى الله عليه وسلم يوضع الصراط على متن جهنم أرق من الشعر وأحد من السيف، عليه كلاليب مثل شوك السعدان يخطف الناس بأعمالهم فيمر عليه الخلق كالريح المرسلة وكالبرق الخاطف وكاجاويد الخيل فناج مسلم ومخدوش مرسل، ومكردس في النار وذكر حديث الشفاعة وأنه يخرج منها من قال لا إله إلا الله، وآخر رجل يخرج منها صاحب الشجرة، وقد قال الله العظيم لنبيه عليه السلام: {لتبين للناس ما نزل إليهم} ومن أخذ القرآن دون السنة أو السنة دون القرآن فقد جهل وهما نور على على نور يهدي الله لنوره من يشاء هذا وكلمة ورد إنما تقتضي الوصول إلى المكان لا دخوله وأبعد الوجوه أن الكلمة تقتضي الدخول وهي مجاز في الوصول فإن لم تقتض الدخول فلا حجة فيها وإن اقتضت الدخول كنا بين مسألتين واضحتين إحداهما أن تحمل الكلمة على المجاز بدليل السنة أو تبقى حقيقتها وتخص هذا العموم في المتقين بقوله تعالى: {ثم ننجي الذين اتقوا} وبقوله: {لا يسمعون حسيسها} وبنصوص أحاديث الشفاعة الجلية المفسرة للمشكل. هذا لباب النظر وبالله التوفيق.
الآية الرابعة قوله تعالى: {قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا} قال قوم: نسختها آية السيف.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 291)
قال القاضي محمد بن العربي رضي الله عنه:
ليس يخفي على كل متأمل أن قوله تعالى: {فليمدد له الرحمن مدا} دعاء المعنى من كان في الضلالة فطول الله في طغيانه، ولا خلاف بين الأمة أن الدعاء لا ينسخ بالقتال إنما ينسخ بدعاء يخالفه فإن قيل: فما معنى دعائه بذلك وبمثله قال نوح عليه السلام في زوال الشفاعة عنه يوم القيامة: إني دعوت على قومي فالجواب أن نوحًا عليه السلام لم يدع حتى قال تعالى: {لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن} ومع هذا فإنه حمله الغضب عليهم، بما كانوا تولوا من إذايته واستمروا عليه من الكفر المدد الطويلة أن دعا عليهم ولم يصبر حتى ينفذ حكم الله فيهم، فكأنه استحي من أن يكون عليهم قاسيًا ثم سعود شافعًا، كما استحي عيسى عليه السلام من أن يشفع لهم وقال إني عبدت مندون الله فكره أن يكون شافعا لمن كان على الله مقدما أدبا يليق بمرتبته ويقتضيه شريف منزلته والله أعلم.
الآية الخامسة: قوله تعالى: {فلا تعجل عليهم} قال قوم: نسختها آية السيف.
قال القاضي محمد بن العربي:
ليس في قوله تعالى: {فلا تعجل عليهم} معنى أكثر من أن الله تعالى أمره (بتأخير غرضه من) العذاب فيهم، وأعلمه أنه يعد أنفاسهم كما يعد سنيهم وآجالهم، وهو بعد ذلك آخذهم ومواخذهم يوم يحشر المتقين إليه في كرامة وشرف منزلة. أو
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 292)
أو يتم الكلام عند قوله تعالى: {نعد لهم عدا} فتكون فائدته إخباره أن ما يستعجله فيهم ويريده بهم أولهم، له وقت محدود وأجل معدود، فلا تعجل به قبل وقته. وقد أعرف النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك نفسه بأمر ربه فقال: (ما عندي ما تستعجلون به) لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي بيني وبينكم والله أعلم بالظالمين. وهذا واضح لمتأمله والله أعلم.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 293)
سورة طه
هي مكية عنده بإجماع وفيها من النسخ ثلاث آيات.
الآية الأولى: قوله تعالى: {وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها} قال بعضهم: نسخها فرض الصلاة لأنه كان قبل أن تنزل الفرائض ثم نزلت بعد.
قال القاضي محمد بن العربي:
هذه غباوة وهذا أمر يتعلق بوصفين أحدهما بالتسبيح وهذا لا يجوز نسخه عقلا ولا شرعا، الوصف الثاني: التأقيت فيه وذلك مما يجوز نسخه، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر في رواية جرير هو من آخر من أسلم من الصحابة رضوان الله عليهم قال: كنا جلوسا مع النبي عليه السلام ليلة فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة فقال إنكم سترون ربكم كما ترون هذا لا تضامون في رؤيته (فإن استطعتم أن لا تناموا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا) ثم قرأ وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب، وفيه وقرأ جرير فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، ولعله أراد بالمنسوخ الأر بالصبر وهذا صحيح والله أعلم.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 294)
الآية الثانية: قوله تعالى: {قل كل متربص فتربصوا} قال بعضهم: هي منسوخة بآية السيف.
قال القاضي محمد بن العربي:
هذا المعنى، ومعنى قوله تعالى: {فلا تعجل عليهم} سواء، فإن التربص هو ترك العجلة بعينه ولا وجه لإعادته.
الآية الثالثة: قوله تعالى: {وأقم الصلاة لذكري}.
قال القاضي ابن العربي: هذه آية أولى في الترتيب النظامي الذي سطرنا قبلها ثالثة في الترتيب المعنوي لإشكال النسخ فيها وكونها سنة نسخت قرآنا، وذلك أن الله تعالى أخبر عن قوله لموسى أقم الصلاة لذكري، ومهما اختلفت الناس في أن شرع من قبلنا شرع لنا فلم يختلف أحد في هذه الآية أنها متوجهة إلينا لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح يوم الوادي: من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن الله يقول: {أقم الصلاة لذكري} وهذا نص صريح في الزامنا العمل بها: ثم إنه صلى الله عليه وسلم لما استيقظ وقد طلعت الشمس وخرج وقت صلاة الصبح فلم يبادر إلى الوضوء والصلاة لكنه أمر بالإرتحال ومشى حتى تعالى النهار وابيضت الشمس وذلك تأخير عن وقت الذكر المأمور به في الآية، فقال قوم:
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 295)
ذلك نسخ من الحديث للقرآن، وقال آخرون، لا ينسخ خبر الأحاد القرآن، وقال آخرون إنما آخرها لعذر، واختلفوا في العذر فنهم من قال إنما أخرها للشغل بالرحيل وكانت فائدة الرحيل احتراسا من العدو وخوفا مما أصابه من الناس من نائم لم يستيقظ بعد أو لأن هذا واد به شيطان كما قال في الحديث. وقد بينا في الأحكام أن معنى الآية أقم الصلاة لذكري فيها وذكري لديها، وقال أصحاب أبي حنيفة إن الآية مخصوصة بقوله صلى الله عليه وسلم لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وقال إذا طلع حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى ترتفع. وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغيب وقد بينا فساد ذلك من قولهم في شرح الحديث ومسائل الخلاف. وأما علماؤنا فقالوا إن تأخير النبي عليه السلام الصلاة بعد الذكر نسخ لما في الآية ولا علينا لأي وجه كان التأخير ولا ينتفع به في التعليل لثبوت الحكم يقينا بفساد تأخير الصلاة بعد ذكر، وذلك مشهور مستفيض تلقته الأمة بالقبول حتى صار كالتواتر للإتفاق عليه.
ذكر آيات التخصيص: وهما آيتان:
الآية الأولى: قوله تعالى: {طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقي} قال بعضهم: هذا ناسخ لقيام الليل المفروض عليه في سورة المزمل.
قال القاضي ابن العربي:
وذكر بعد ذلك تخليطا ليس من هذا الباب أعرضنا عن ذكره وهذا جهل، يروى عن مجاهد أن هذا في الصلاة مثل قوله تعالى: {فاقرأوا ما تيسر
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 296)
منه} كانوا يعلقون الحبال لصدورهم في الصلاة. وهذا لو صح أخف من الأول في الخطأ. وأجله قوله قتادة ما جعل الله القرآن شقاء وإنما جعله شفاء ورحمة ونورا ودليلا إلى الجنة. والذي عندنا أنه مثل قوله تعالى: {ما جعل عليكم في الدين من حرج} فالقرآن منزل ليرتفع شقاء الدنيا الذي كان في رهبانية الكفر وشقاء الآخرة، في النار وأما الشقاء بقيام الليل فلا يقال فيه شقاء بحال. وقد كان صلى الله عليه وسلم يقوم حتى تورم قدماه فيقال له أتفعل هذا وقد غفر الله لك ماتقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول: أفلا أكون عبدًا شكورًا. فجعله شكرا ورحمة ولم يجعله شقاء وكلفة.
الآية الثانية: قوله تعالى: {ولا تجعل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه} قال بعضهم هذا محكم وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه وقرأ لهم سورة النجم فانتهت قراءته إلى قوله تعالى: {أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر وله الأنثى} فقال تلك الغرانقة العلى وشفاعتهن ترتجي ثم مضى في قراءته حتى ختم السورة فقالت قريش: قد صبأ إلى ديننا. فسجد وسجدوا حتى لم يبق بمكة إلا ساجد غير الوليد
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 297)
بن المغيرة فإنه أخذ كفا من حصى المسجد فرفعه إلى وجهه تكبرا وأنزل الله جبريل عليه السلام فقال للنبي: ما هكذا أنزلت عليك؟ فقال: كيف أنزلت علي فأخبره بالقرآن على حقيقته. فاغتم صلى الله عليه وسلم وحزن لذلك فأنزل الله تعالى يسليه {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم} بأمره إلى بعيد فينسخ الله ما يلقي الشيطان فيرفعه، ثم يحكم الله آياته، ويبينها ويثبتها والله عليم بأمره حكيم بصنعته وتدبيره. فكان النبي إذا جاء جبريل بالقرآن يسابقه بلفظه ليقرأه على جبريل مرتين فأنزل الله، ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه ونزل {لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه، فإذا قرآناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه} فبقي بين بين، لا يقدر أن يقرآه مع جبريل، ولا يمكن أن يخالف الأمر حتى أنزل الله الأمان الأعلى سنقرئك فلا تنسى فصار هذا ناسخا لما كان قبله فلم ينس شيئا حتى لقي ربه.
قال القاضي محمد بن العربي رحمه الله:
هذا الكلام كله فاسد، منه باطل قطعا وهو مازعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله من مدح الآلهة، ومنه باطل مطلقا، وهو هذا الترتيب في نزول الآيات وأسبابها فليس لشيء منه أصل وقد بينا في كتاب المشكلين وفي رسالة تنبيه الغني على مقدار النبي ما يغني عن كل أحد ولا يجد إليه سبيلا ملحد. والنبي صلى الله عليه وسلم معصوم بإجماع الآمة عن الخطأ في التبليغ والكذب مطلقا لا سيما في القرآن منزه عن التباس الملك
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 298)
بالشيطان، أما إن الذي وقع أن النبي عليه السلام كان يترسل في قراءته كما كان يتمهل في حديثه حتى لو شاء العاد أن يعده لأحصاه، فلما قرأ صلى الله عليه وسلم النجم ألقي الشيطان في تلاوته وحاكاه فافتتن المشركون دون المؤمنين، وظنوا أن ذلك من كلامه عليه السلام فحزن النبي لذلك فسلاه الله تعالى بأن قال: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى} أي تلا القى الشيطان في تلاوته أي زاد على ما يتلوه، وهذا نص في أنه لم يقله ولكن الشيطان ألقاه في كلامه وزاده عليه. فتسلى النبي بذلك حين أتته الحقيقة فيه، وكشف الغطاء عنه، وانقضى الحديث كما وقع من غير زيادة فيه. فأما قوله تعالى: {ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضي إليك وحيه} فليس من هذا في شيء بل معناه: لا تمله على أحد حتى نبينه لك، في قول الطبري وغيره. ولو كان معناه معنى لا تحرك به لسانك، لتجل به" فليس في ذلك معارضة لقوله: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي} في ورد ولا صدر، روى ابن عباس رضي الله عنه في الصحيح كان النبي عليه السلام يقاسي في التنزيل شدة مما يحرك شفتيه، فأنزل الله: {لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه} أي علينا جمعه في صدرك وتقرأه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه أي استمع قراءته ثم علينا بيانه أي نبينه لك، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع إلى جبريل فإذا انطلق قرأه كما وعده الله تعالى فلعل، الله تعالى قال له أيضا: {لا تعجل بالقرآن حتى يتم الملك من قراءته} وأما قوله تعالى: {سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله} فلا يصح أن يكون ناسخا لشيء من ذلك كله، لأنه لم يتقدم أنه نسى فيرفعه
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 299)
أو يدفعه قوله تعالى: {فلا تنسى} وإنما أخبر الله تعالى أنه سيقرئه وأنه لا ينسى إذا قرأه إلا ما شاء الله أن يرفعه من صدره، مما يذكره به بعد ذلك كما روى أنه قال في قاريء استمع إليه: لقد أذكرني كذا وكذا آية نسيتها. وما لا يذكره بعد فيكون رفعا محضا كنسيانه لليلة القدر ونحوها، وهذا إكرام منه له ومنة وتشريف له صلى الله عليه وسلم.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 300)
سورة الأنبياء عليهم السلام
نزلت بمكة، قالوا: ليس فيها ناسخ ولا منسوخ.
قال القاضي محمد بن العربي:
فيها آية منسوخة وهي قوله تعالى: {فإن تولوا فقل آذنتكم على سواء} وهذه مسالمة نسختها الأر بالقتال. وقد أشكل فيها على الضعفاء معنى آيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: {وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما} قال بعضهم: هذا منسوخ بقوله صلى الله عليه وسلم جرح العجماء جبار.
قال القاضي محمد بن العربي رضي الله عنه:
هذا نبأ على معرفة حكم سليمان وداوود عليهما السلام في النازلة ولا سبيل إلى معرفته إلا بطريق صحيحة، وإذا لم يصح الطريق فلا وجه للقول فيه بحال، ثم نقول: لو صح لنا أن حديث ابن عباس رضي الله عنه ثابت وهو أن الغنم أفسدت الكرم فقضي داوود عليه السلام، بالغنم لصاحب الكرم، لقرب ثمنها مما أفسد، فقال سليمان عليه السلام غير هذا أرفق، وهو أن تكون الغنم بيد صاحب الكرم يستغلها ويأخذ صاحب الغنم الكرم فيقوم عليها حتى يعود إلى حاله ويرجع إلى كل أحد ماله، لم يعترض عليه قول محمد صلى الله عليه وسلم جرح العجماء جبار لإجماع الأمة على أن جرحها لا يكون جبارا مع كون صاحبها معها، راكبا أو قائدا أو سائق. وإنما يكون جبارا مع انفرادها على وجه الإنفراد دون أن ينفرد على وجه التعدي
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 301)