الآية الثانية والعشرون: قوله تعالى: {ستجدون آخرين} الآية. قال بعضهم نسختها آية السيف.
قال القاضي محمد بن العربي:
هذه غفلة ظاهرة. كيف يقول الله {ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها، فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم، ويكفوا أيديهم فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم} وهذا نص في القتل إن لم يجيبوا إلى ما طلب منهم من العزلة وإلقاء السلم فأي نسخ ها هنا؟ وهذا حكم جميع الكفار، وإنما يبقى هنا أن دليل الخطاب في هذه الآية يقتضي أن من اعتزل وألقى السلم لم يقاتل. وإنما يحكم بالدليل ما لم يقترن به نطق، وقد زال النطق بهذا الدليل في الآيات كلها فلم يكن لذكر هذا وجه. وقد بينا في أصول الفقه دليل الخطاب ومعناه وحكمه المفيد له. ونظيره الذي يكشف لكم قناعه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: في سائمة الغنم الزكاة، وسكت عن المعلوفة صار الحكم في المعلوفة دليل الخطاب، اختلف الناس فيه، فقال بعضهم: لا زكاة في المعلوفة لتخصيص النبي السائمة بالذكر. وقال آخرون: في المعلوفة الزكاة بما اقتضاه من الأدلة المذكورة في مسائل الخلاف، ولو قال صلى الله عليه وسلم لا زكاة في المعلوفة والزكاة في السائمة، لسقط التعلق بالدليل لوجود النطق به.
الآية الثالثة والعشرون: قوله تعالى: {فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة} قال بعضهم نسخها: {براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين}.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 180)
قال القاضي محمد بن العربي:
هذا حرف فيه إشكال، وذلك أن الله تعالى أخبر أنه من له عهد من الكفار تجب بقتله الدية والكفارة. وهذا حكم دائم إلى القيامة بإجماع من الأمة، فأما العهود التي كانت بين النبي عليه السلام وبين الكفار فقد اسقطتها براءة فسورة براءة أسقطت عهدا معينا وهو الذي عقده النبي صلى الله عليه وسلم للعرب بعموم إسلامها فأما من كان له عقد التزمه الخلفاء والمسلمون، فحكم الآية فيه باق أبدًا على رسم ما بيناه في كتاب الأحكام، القسم الثالث. والله أعلم.
الآية الرابعة والعشرون: قوله تعالى: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه} الآية.
واختلف الناس في هذه الآية على قولين: أحدهما أنها محكمة لم تنسخ: الثاني أنها منسوخة واختلف في ناسخها على قولين:
الأول أن عليا ناظر ابن عباس رضي الله عنهما فيها فقال له علي: من أين لك أنها محكمة؟ قال: لتكاثف الوعيد فيها. وقال علي نسختها آية قبلها وهي قوله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما} وآية بعدها وهي قوله: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله قد ضل ضلالا بعيدا} والثاني: (أن ناسخها آية الفرقان وذلك) قوله تعالى: {إلا من تاب} وذلك أنه روى أن الله أنزل قوله: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون، ومن يفعل ذلك يلق أثاما، يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا} وحبست خاتمتها في السماء سنة
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 181)
وفي رواية شتة أشهر ثم أنزلت: {إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما} ومنهم من قال وروى عن ابن عباس، أن آية الفرقان نزلت بعدها، وقد روى عن الترمذي، وغيره عن ابن عباس، واللفظ للترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يجيء المقتول بالقاتل يوم القيامة وأوداجه تشخب دما، يقول: يارب هذا قتلني. حتى يدنيه من العرش، قال فذكروا لابن عباس التوبة فتلا هذه الآية: {ومن يقتل مؤمنا متعمدًا}، قال: ما نسخت هذه الآية ولا بدلت وآنى له التوبة؟ قال أو عيسى: هذا حسن غريب، ومن الناس من تأولها فقال: معناه، ومن يقتل مؤمنا متعمدا، يعني مستحلا لدمه فيكون بذلك كافرا والكافر لا يغفر. وقال آخرون: تأويلها ظاهرها لأنه قال فجزاؤه، يعني إن جازاه، وروى عن ابن عباس وغيره وروى مسندًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومنهم من قال: لم يقرن بالتخليد التأبيد، فهذا يخففها ويلحق المغفرة بها. وقد روى عن ابن عباس رضي الله عنه أن السائل إذا جاءه فذكر له هذه الآية نظر: فإن كان لم يقتل قال لا توبة للقاتل، وإن كان قتل قال: له توبة، فكان يغلظ على من لم يقتل ليكف، وكان يخفف على من قتل لئلا ييأس. وقال بعضهم ممن نسب نفسه إلى التحقيق إن قوله: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا} وقوله: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} خبر، ولا يصح دخول النسخ في الأخبار كيفما ترددت، وإنما معناه جزاؤه إن جازاه، أو يكون معناه، من قتله مستحلا، أو يكون المراد به رجلا بعينه من الأنصار قتل وارتد في قصة طويلة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 182)
قال القاضي محمد بن العربي رضي الله عنه:
هذا منتهي ما ورد للمفسرين في هذه الآية على الاختصار. وتحقيق القول في هذا الأصل أن الله تعالى غفور ذو انتقام شديد العقاب ذو الطول يعفو وينتقم ويرضى ويغضب، له الصفات العلى والأسماء الحسنى. فالخلق مترددون بين أحكام صفاته وجودًا وعدما رضي وغضبا، عطاء ومنعا، عذابا ونعيما، غني وفقرا، صحة وسقما، جاها وخمولا، خفاء وظهورا، إلى غير ذلك من أصناف الخلق التي ترجع إلى أحكام صفات الخالق، فالوعد والوعيد للرغب والرهب اللذين يتردد بينهما نظام التكليف، ولم يتفطن له إلا أهل الحق، فأما الوعيدية، فقالوا: إن الله لا يغفر ذنبا، وأما المرجئة فقالوا: إن الله تعالى لا يؤاخذ بذنب مع الإيمان. فأبطلت الأولى رسم التوحيد وأبطلت الثانية وجه التكليف وعلطت حكم صفتين عاليتين واسمين حسنين للباري سبحانه، وكأنها لم تقرأ قوله تعالى: {حم تنزل الكتاب من الله العزيز العليم، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير} وكذلك لم تفهم شيئا من أحكام الإرادة العالية والمشيئة النافذة والحجة الدامغة والحكمة البالغة. وقد قصر كثير من العلماء في هذا الباب فقالوا: " إن الله تعالى لا يخلف الميعاد وينجز الوعيد ويعد " أشرف المنزلة عند العرب فقد قال شاعرهم.
وإني إذا أوعدته أو وعدته … لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
وهذا قصور عن معرفة الإله، فإن لكام الباري سبحانه صدق لا يتصور فيه خلف، كيفما ورد من وعد أو وعيد، وأشراف العرب إنما تمدحت بخلف الإيعاد وإنجاز الوعد لما في ذلك من شرف العفو وفضيلة الصفح الذي يغطي على قبح الخلف، وهذا لا يتصور في حق الإله الواجب الصدق. وإنما الآيات وردت مطلقة متشابهات، منها أمهات وبنات: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 183)
ما تشابه منه ابتغاء الفتنة} ولئن جاء قوله تعالى: {ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته} ولقد جاء {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} وقد كشف القناع في ذلك حديث الشفاعة، في كيفية المغفرة للمذنبين ومراتب إخراجهم من النار عموما، وورد في الحديث الصحيح خصوصا، واللفظ لمسلم قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن رجلا ممن كان قبلكم قتل تسعة وتسعين نفسا فسأل عن أعلم أهل الأرض قال فدل على راهب فأتاه فقال له: إنه قتل تسعة وتسعين نفسا فهل من توبة له؟ فقال: لا فقتله، فكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم، فقال إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناسا يعبدون الله فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت فاختصمت ملائكة الرحمة فيه وملائكة العذاب فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبا مقبلا بقلبه إلى الله، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرا قط، فأتوهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد. فقبضته ملائكة الرحمة: وفي رواية له: فكان إلى القرية الصالحة أقرب بشبر فجعل من أهلها" وهذا نص في المسألة، وهو قدر كاف في الإشارة إلى نكتة المسألة، واستيفاؤها، في كتب الأصول والمشكلين.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 184)
تنقيح: فأما ما نسب إلى ابن عباس، رضي الله عنه من أن هذه الآية تكاثف الوعيد فيها فدل ذلك على إحكامها، ففيه قولان أحدهما أن الوعيد لم يتكاثف بل نقص منه التأبيد وهو أكثره. الثاني أن الوعيد وغايته سواء في وجوب الصدق وجواز العفو. وما ينسب من الاحتجاج إلى علي بآيات المغفرة فهو العلم. وآية الفرقان حسن، ولا يضرها إن تأخرت عن آية النساء أو تقدمت عليها فإنها قاضية بقبول التوبة قطعا، وإن قبلت التوبة من الكفر فأحرى أن تقبل من ذنب دونه. أما إنه تبقى ها هنا نكتة: وهي أن الكافر القاتل للمسلم إذا آمن سقط عنه كل ذنب قطعا، والمسلم القاتل للمسلم إذا تاب سقط عنه حق الله قطعا وبقيت قبله حقوق الآدميين يقع القول فيها بين يدي الله في القيامة، وأول ما يتكلم فيه أمر الدماء. بيد أنه من الجائز أن يبقى حق المقتول عنده حتى يطرح عليه من ذنوبه ويعذب عليها، ومن الجائز أن يغفر الله كل ذنب ويرضى عنه غريمه، وعليه يدل حديث مسلم في قبض ملائكة الرحمة لنفس القاتل المائة رجلا، ويحتمل أن يكون قبضته ملائكة الرحمة لأجل الإيمان، ويبقى القول في حق القتل بينه وبين المقتولين، وقول ابن عباس وأنى له التوبة؟ أرد وأنى له بإسقاط التوبة لحق، المقتول: وأما من قال: أراد به مستحلا، فلا معنى له، لأن ذلك يكون كفرا والكفر لا يغفر، واما من قال إن معنى ذلك إن جازاه، فلقد طبق المفصل ولكنه تجاوز حتى ضرب في الأرض وفلل الحديد فإن هذا لا يحتاج إليه، فإن قول القائل جزاء فلان كذا، ليس فيه استيفاؤه وإنما يقتضي ذكر الجزاء مطلقا فإن شاء استوفاه وإن شاء تركه. وأما من قال إنه لم يقرن بالتخليد التأييد فتخففت فلو قرن بها التأييد ما ثقلت مع آيات
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 185)
المغفرة. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح واللفظ لمسلم: من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ، بها في نار جهنم، خالدا فيها مخلدا ابدًا، ومن تحسى سما فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا فيها مخلدا) فهذه أحاديث صحيحة في نظائر لها بالخلود والتأييد على الإطلاق في عموم الآثار ويعارضه في صحيح الآثار جمل من الأحاديث منها من كان آخر كلامه لا إله إلا الله حرمه الله على النار والحكمة في تعارض ذلك تردد القلوب بين الخوف للمعاصي والرجاء للرحمة، وينفذ حكم الله على الكل والعاقبة للمتقين. وهذا كله ليس من الأحكام في شيء، وإنما هو التوحيد. بيد أن المفسرين لما ذكروها في الناسخ والمنسوخ، نسجنا على منوالهم في ذكرها وبينا المراد منها لئلا يغتر مبتديء، أو غافل بها.
الآية الخامسة والعشرون: قوله تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} قال بعضهم قصر النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة في الأمن نسخ لقصرها مع شرط الخوف.
قال القاضي رحمه الله:
قد بينا أن دليل الخطاب لا يقبل نسخا لو أوجب حكما، فكيف ولا يوجب عند أكثر العلماء؟ وذلك أن للصلاة حالين: حال أمن وحال خوف، فلما شرط الله في القصر حال الخوف قال من يرى دليل الخطاب: إن هذا يقتضي وجوب إتمامها مع الأمن، وقال من لا يرى القول بدليل الخطاب إن حالة الأمن مسكوت
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 186)
عليها مطلوب حكمها بالدليل. والذي بيناه في الأحكام مغن عن ذكره ها هنا.
أما أنه يحتمل أن يكون قوله تعالى: {أن تقصروا} عبارة عن قصر العدد أو عن قصر الصفة. فروى مسلم في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة. وغاير النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف وصف الصلاة على وجوه كثيرة قد أتينا على المراد منها في شرح الحديث والأحكام فلينظر هنالك ففيه شفاء الغليل وبرء العليل إن شاء الله عز وجل.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 187)
الآية السادسة والعشرون: قوله تعالى: {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} قال بعضهم نسخها قوله تعالى: {إلا الذين تابوا}.
قال القاضي محمد بن العربي:
قد بينا فساد عد الاستثناء في باب النسخ بما يغني عن إعادته.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 188)
سورة المائدة
فيها آية واحد من النسخ وفيها من التخصيص إحدى عشرة آية.
أما آية النسخ فهي قوله تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا} الآية إلى آخرها.
قال القاضي محمد بن العربي:
قال: قتادة، وابن سيرين: هذه الآية ناسخة لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فعله في أمر العرنيين من التمثل بهم وسمل أعينهم وتركهم في الحرة حتى ماتوا. وقد روى حديث العرنيين جماعة من الأئمة الصحاح وغيرهم ومنه عن أبي قلابة عن أنس رضي الله عنه أن نفرا من عُكل قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم فأسلوا فاجتووا المدينة فأمرهم النبي عليه السلام أن يخرجوا إلى إبل الصدقة فيشربوا من ألبانها وأبوالها ففعلوا فقتلوا راعيها واستاقوها، فببعث النبي عليه السلام في
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 189)
آثارهم قافة فجيء بهم فقطع أيديهم وأرجلهم ولم يحسمهم وسمل أعينهم وألقوا في الحرة، حتى ماتوا فأنزل الله تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا} الآية. ومن صحيح حديث سليمان التيمي عن أنس أن النبي عليه السلام إنما سمل أعينهم لأنهم سملوا أعين الرعاء. والحديث متفق عليه من الأئمة. إلا ذكر نزول الآية عليه فلم يخرج في الصحيحين.
قال القاضي ابن العربي رحمه الله:
لا خلاف في صحة الحديث بجميع ألفاظه من طريقه، ولم تتفق الرواة على آية الحرابة نزلت لأجل هذا (وإنما الثابت) أن النبي عليه السلام فعل هذا بالعرنيين فأنزل الله تعالى آية الحرابة. وقد ثبت من هذا الطريق أن الآية نزلت بعد الفعل فيكون الحد فيه، ناسخًا لما فعله النبي عليه السلام بالرعاء. وقد اختار الطبري أن هذه الاية إنما نزلت في اليهود وكانوا أهل موادعة لرسول الله عليه السلام فنقضوا العهد وأفسدوا في الأرض فأخبر الله نبيه بالحكم فيهم وعرفه ذلك وهذا مما لم يصح، والصحيح حديث أنس رضي الله عنه. وقد قال بعضهم: إنها نزلت في المشركين وهو أولى من قول الطبري لأن هؤلاء النفر الذين قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم واجتووا المدينة لما خرجوا إلى الإبل وشربوا من ألبانها وأبوالها وصحوا ارتدوا وقتلوا الرعاء واحتربوا الإبل ومثلوا برعاتها. ولكن الاحتمال يتطرق إلى قول
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 190)
الراوي أنهم ارتدوا وذلك أن الكفرة لا يلزم صلبهم ولا تقطع أيديهم وأرجلهم ولا ينفون، وإن تابوا قبل القدرة بالإسلام سقط عنهم القتل، بخلاف المحارب في ذلك كله. ولعله رآهم قد فعلوا هذا كله فحكم بالردة، لما رأى من قبيح الفعل الذي لا يرضى به مسلم وإنما هو فعل الكفار. فإن قيل فقد قال تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله} وذلك حال الكافرين، فأما المؤمنون فليسوا لله بمحاربين.
فالجواب أن الحرابة تكون بالعقيدة الفاسدة بالكفر، وتكون بالفعل الفاسد بالمعصية، وقد قال الله تعالى في أكلة الربا: {فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله} ومحاربة المربي جائزة إذا فعله وإن لم يعتقد جوازه، وإذا كانوا سملوا أعين الرعاء فيكون سمل أعينهم قصاصا، وكذلك لو كانوا قطعوا ايدي الرعاء وأرجلهم لكان ذلك أيضا قصاصا فيهم، وكذلك تركهم في الحرة حتى ماتوا عطشا مما يجوز أن يكون قصاصا لعلهم فعلوا كذلك بالرعاء، فإن من قتل بالغرق أو بالحرق أو بالعطش قتل بمثله وهي مسألة بديعة في رزمة الجراح قد بيناه في مسائل الخلاف والأحكام: ولهذا متى حارب أحد وفعل من القتل والقطع ما فعل امتثل فيه مثل ذلك وصلب آخرا والله أعلم.
ذكر آيات التخصيص وهي إحدى عشرة آية
الآية الأولى: قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام} الآية قال الشعبي وقتادة: لم تنسخ من المائدة إلا هذه الآية: {لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد} زاد قتادة: كان الرجل في الجاهلية إذا خرج من بيته يريد الحج تقلد من
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 191)
السمر فلم يعرض له فإذا رجع تقلد قلادة شعر فلا يعرض له وكان المشركين يومئذ لا يصد عن البيت وأمروا ألا يقاتلوا في الشهر الحرام ولا عند البيت فنسخها: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} (وقيل لم ينسخ) منذلك إلا القلائد التي كان يتقلد أهل الجاهلية من السمر. قال الطبري: والصحيح أن المنسوخ ولا الشهر الحرام ولا الهدى ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام، لإجماع جميعهم على أن قتال أهل الشرك في الأشهر الحرم وغيرها جائز، وكذلك المشرك لو تقلد ما تقلد ولم تكن له ذمة، مأمور بقتله في قوله تعالى: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}.
قال القاضي محمد بن العربي رحمه الله:
اختلف الناس في المائدة وبراءة أي السورتين نزلت قبل صاحبتها فعلى هذا إذا جهلنا التاريح أو لم نقطع به، لم يصح الكلام في النسخ، ويبقى القول في معنى الآية وقد بيناه في الأحكام، ومختصره أن شعائر الله معالمه وحدوده في الحج وغيره فهذه مما لا يستحل بحال ما احترم الله منها وقوله تعالى: {ولا الشهر الحرام} لا خلاف في جواز القتال وأنه صار حلالا بعد أن كان حراما. لكن بقيت حرمة
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 192)
الشهر في نفسه محترمة معظمة، وكذلك حرمة الهدى والقلائد باقية إلى يوم القيامة، لكنها لا تعصم أحدا ممن وجب عليه حد أو قتل. وقوله تعالى: {ولا أمين البيت الحرام} خص منه المشركون الذين كانوا يخرجون باسم الحج فلا يعرض لهم، وبقيت حرمة كل قاصد للبيت معظمة زيادة على حرمة إيمانه، ووجب قتل المشرك، كان آما للبيت أو غير أم أو جاز على حسب حاله. فإن قيل وكيف يدخل الكفار في هذه الآية مع قوله تعالى في آخرها: {يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا} والكافر لا يبتغي فضل الله ولا رضوانه؟
قلنا أما فضل الله فهي التجارة ها هنا، وقد روى عن ابن عمر رضي الله عنهما في الرجل يحج ويحمل معه متاعا، قال لا بأس وتلا هذه الآية: {يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا} وأبين من هذا قوله تعالى: {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم} فأما قوله ورضوانا فإن كل أمة فيما تأتيه تعتقد أنه رضي الله وطاعته، فخرج الكلام على المقاصد والباري تعالى، يمييز الخبيث من الطيب ويفصل الحق من الباطل ويقضي بينهم بحكمه وهو العزيز العليم.
الآية الثانية: قوله تعالى: {ولا يجرمنكم شنئان قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام} الآية قال ابن زيد، هذا منسوخ بآية القتال، وقتلهم وجهادهم من اعظم الاعتداء وهو مأمور به فيهم. وقال مجاهد وغره: الآية مخصوص محكمة، نزلت في مطالبة المسلمين للمشركين بدخول الجاهلة لأجل أن صدوهم عن المسجد الحرام أن تطالبوهم بما مضى في الجاهلية. وقد قال النبي عليه السلام: (لعن الله من قتل بذحل كان في الجاهلية) وهذا القول بالآية أولى.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 193)
قال القاضي محمد بن العربي رضي الله عنه:
قوله تعالى: {ولا يجرمنكم شنئان قوم} آية نزلت على سبب بيناه في كتاب الأحكام، من أن قوما من الصحابة رضي الله عنهم هموا بأن يغيروا على قوم بسبب آخرين جنوا عليهم، فمنعهم الله من ذلك، وهذا مما لا يتطرق إليه نسخ بحال لأنه حكم اقتضته الحكمة واتفقت عليه الملل، فلا يأمر الله بغيره لأنه من الفحشاء، والله لا يأمر بالفحشاء إنما فيه نكتة لطيفة: وهي أن غارة الصحابة على القوم الذين أرادوا أن يغيروا علهم بسبب الغير الذي اعتدى عليهم، كانت محرمة في ذلك الوقت ثم انتسخها إحلال القتال في الشهر الحرام فصار من معنى الآية وجه منسوخ بتضمين لا يقصد تعد به في ذلك القسم وليس قول مجاهد بصحيح، لأن المطالبة بذحول الجاهلية ليس مما ينسخ لأنه لم يكن حكما فيرتفع بغيره.
الآية الثالثة: قوله تعالى: {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} قال بعضهم روى عن أبي الدرداء وعبادة بن الصامت، رضي الله عنهما، أنهما قالا: هذا ناسخ لقوله تعالى: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه}.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 194)
قال القاضي محمد بن العربي:
هذه الآية محكمة في قسم الأحكام، فلتنظر هنالك ففيها غاية الإعلام ونخبة القول ها هنا: إن قلنا إن طعام أهل الكتاب يؤكل وإن ذكر عليه غير الله فهو مخصوص من آية الأنعام، وإن قلنا لا يوكل إلا ما سمى أهل الكتاب عليه الله، فالآية التي في الأنعام على عمومها، ويكون فائدة تخصيص أهل الكتاب بالذكر في أكل طعامهم الرخصة في ذلك مع عدم توقيهم لنجاسات الدم ونحوه مما يرونه في ديهم حلالا، فأذن لنا فيه منهم ومعهم، وحرم علينا مفردًا عنهم، وهذه نكتة الآية والله أعلم.
الآية الرابعة: قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة} من الناس من قال: إنها ناسخة لقوله تعالى: لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} ومنهم من قال: إنها ناسخة لما كانوا عليه، لأن النبي عله السلام إذا أحدث لم يكن أحدا حتى يتوضأ وضوءه للصلاة فنسخ هذا وأمرنا بالطهارة عند القيام إلى الصلاة، ومنهم من قال: هي منسوخة لأنه لو لم تنسخ لوجب على كل قائم إلى الصلاة الطهارة وإن لم يكن محدثا، ومنهم من قال: كتب على كل قائم إلى الصلاة أن يتوضأ، كان محدثا أو طاهرا، يروى هذا عن علي وعكرمة، وابن سيرين ومنهم من قال: الآية مخصوصة بمن قام من النوم. ومنهم من قال: ذلك محمول على الندب، ومنهم من قال: المراد بالآية المحدثون.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 195)
قال القاضي محمد بن العربي:
أما من روى أو قال بأنها ناسخة لقوله تعالى: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} فقد بينا فساده فيما تقدم، وحققنا أن من وكيد شروط النسخ أولادها التاريخ والمعارضة، ولا تاريخ يعلم ها هنا، ولا معارضة بينها، فدعوى النسخ لا معنى لها.
وأما من قال إنها ناسخة لما كانوا عليه من ترك الكلام إلا على وضوء، فهذا مما لم يكن قط ولا روي، إنما الذي ثبت في الصحيح، واللفظ للبخاري قال أبو جهيم، أقبل النبي عليه السلام من نحو بئر جمل فلقيه رجل فسلم عليه فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم حتى أقبل على الجدار فمسح وجهه ويديه ثم رد عليه السلام.
قال القاضي رحمه الله:
وهذا من باب أن لا يذكر الله إلا على طهارة لا من باب أن لا يتكلم إلا على طهارة، وفي صحيح مسلم أن ابن عامر قال لابن عمر رضي الله عنه: ألا تدعولي؟ فقال له ابن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول. وفي الصحيح واللفظ للبخاري أن أبا موسى
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 196)
الأشعري رضي الله عنه قال: قال يعني أبا عامر الأشعري حين قتل يوم اوطاس: يا ابن أخي، اقرأ على النبي عليه السلام وقل له استغفر لي. قال فجئت النبي فأخبرته فدعا بماء فتوضأ ثم رفع يديه وقال: اللهم اغفر لعبيد أبي عامر. الحديث. أما أنه روى عن علقمة بن الفغواء قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد البول نكلمه فلا يكلمنا ونسلم عليه فلا يسلم علينا حتى يأتي منزله فيتوضأ كوضوئه للصلاة، حتى نزلت: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة} والمعنى فيه مبادرة النبي عليه السلام إلى العبادة، فأما كلامه على غير طهارة، فقد كان كثيرا في كل وقت. وأما من قال إنها منسوخة عن كل قائم إلى الصلاة إلا المحدث، فإن قلنا المراد به المحدثون لم يصح ذلك. وقد ذكرناه في الأحكام وإن قلنا إنها عامة في كل قائم. فلا يقال، إن خروج المتطهرين عنها أنه نسخ، إنما هو تخصيص، وأما من قال إنه يجب الوضوء على كل قائم إلى الصلاة محدثا كان أو طاهرا فلم يصح ذلك عن علي، رضي الله عنه وقد سقط بإجماع الأمة. وأما من قال إنه محمول على الندب فصحيح فإن الوضوء على الوضوء نور على نور، ولكن إذا توضأ وصلى به نفلا أو فرضا، ولو لم يصل بالوضوء لكان تحديده بدعة، والله أعلم.
الآية الخامسة: قوله تعالى: {وأرجلكم إلى الكعبين} قال بعضهم: زعم قوم أن هذا نسخ للمسح على الخفين. وقال قوم في قراءة الخفض: إنها منسوخة بفعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 197)
قال القاضي محمد بن العربي رحمه الله:
هذا الحرف بعض آية ولكن عظم قدره فأفرد بآية، وبعض الآية آية، وقد جمعنا فيها جزءا، وإنما كان كذلك لأني ابتليت بها كثيرا سافرت في النيل ومعنا بعض الشيعة فكان يتوضأ فيمسح رجليه ويديه بواحدة، فرأيت أمرا ما كنت عهدته فأعظمته ثم تافنت الناس وقرأت مع العلماء فعقرني حين رأيت الطبري يسوي بين المسح والغسل ويخير بينهما، على عظم قدره في العلم وسعة روايته في الحديث. وما كان ينبغي لو شاء الله أن يخفى عليه فساد مثل هذه البدعة، وربكم أبى أن يعطي الكمال لأحد، وفي هذه الآية ثلاث قراءات: وأرجلكم برفع اللام، قرأناها لنافع. وأرجلِكم بالخفض: قرأنها لأنس وأبي جعفر وعاصم والأعمش وحمزة، ورويناها لابن عامر، وأرجلك بنصب اللام مشهور قراءة ورواية، ولا يعد ذلك في شيء من النسخ ولا له إليه
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 198)
طريق، إنما هو من باب التأويل للمعاني المشكلة. فأما من قرأها بالرفع فقد قطعها عن جميع ما تقدم وأبقاها للبيان. فقد بين الشارع صلوات الله عليه فيها الغسل. وأما من قرأها بالنصب فقد عطفها على الوجه واليدين وحمل الرأس بينهما لفظا لدخوله بينهما عملا، فجاء بالترتيب ذكر للترتيب عملا ولكل عضو سنته، وأما من قرأها بالخفض فهي بحر إشكال: قال الطبري رحمه الله: القراءتان كالخبرين يعمل بهما جميعا. وهذا إنما يصح إذا تساوتا، وقراءة الخفض محتملة وأحاديث النبي عليه السلام نص في تحريم المسح وإيجاب الغسل، إذ رأي قومًا توضأوا وعراقيبهم تلوح فقال: (ويل للعراقيب من النار) ويحتمل من قرأ بالخفض أن يريد به حالة للرجلين وهي كونهما في الخفين، فيكون ذلك معنى الآية لا ناسخًا لها ولا منسوخًا ويحتمل أن يعطفها لفظا ويخرجها معنى كماجاء في لغة العرب قال الشاعر:
أعلفتها تبنا وماء باردا
وشراب ألبان وتمر وأقط
ورأيت زوجك في الوغا متقلدا سيفا ورمحا
وأطفلت بالجهلتين ظباؤها ونعامها
والماء لا يعلف، والأقط لا يشرب، والرمح لا يتقلد، والنعام تفرخ لا تطفل، ولكنه حمل الثاني على الأول لفظا، اتكالا على المعنى المفهوم، وها هنا يعطف عليه تعويلا على بيان المبلغ، ولقد بين وأوعد ووعد صلوات الله عليه وسلامه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 199)