فقال: بلْ خلِيفَةُ مُحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وأنا أرْضَى بهِ" (1).
• بيان الاستدراك:
استدرك أبو بكر رضي الله عنه على مَنْ فهم أنه خليفة الله، وبين له أن الصواب أنه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
سبب الاستدراك: خطأ المستدرك عليه.
نوع الاستدراك: استدراك تصحيح على الفهم.
• المثال الثاني:
روي أن امرأة ذكرت عند عمر بالزنا، فبعث إليها، ففزعت، فألقت ما في بطنها، فاستشار الصحابة في ذلك، فقال له عبدالرحمن بن عوف وغيره: إنما أنت مؤدب، ولا شيء عليك. فقال لعلي: ما تقول؟ فقال: إن كان اجتهدوا فقد أخطؤوا، عليك الدية (2). (3)
• بيان الاستدراك:
استدراك علي على مَنْ أفتى عمر أنه لاشيء عليه؛ لأنه بمثابة المؤدب، وبين أنهم إن قالوا ذلك اجتهادًا فقد أخطؤوا، والصواب: أن عليه الدية، وقد نزل عمر على اجتهاد علي رضي الله عنهم.
سبب الاستدراك: خطأ المستدرَك عليهما.
نوع الاستدراك: تصحيح خطأ المستدرك عليه في الاجتهاد.--------------------------------------------
(1) يُنظر: مسند أحمد (1/ 11).
(2) يُنظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (8/ 261).
(3) ويُنظر الأثر في سنن البيهقي الكبرى، ك: الإجارة، ب: الإمام يضمن والمعلم يغرم من صار مقتولاً بتعزير الإمام وتأديب المعلم، (6/ 123/ح: 11452).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 480)
• المثال الثالث:
عن عروة بن الزبير (1) أن مروان بن الحكم (2) حدّثه أن عمر رضي الله عنه حين طُعن قال: إني رأيت في الْجَدِّ رأيًا، فإن رأيتم أن تتبعوه. فقال عثمان: إن نتبع رأيك فهو رشد، وإن نتبع رأي الشيخ قبلك (3) فنعم ذو الرأي كان! " (4).
• بيان الاستدراك:
استدرك عثمان على عمر في رأيه في ميراث الجد.
سبب الاستدراك: تكميل الفائدة.
نوع الاستدراك: استدراك الأولى.--------------------------------------------
(1) هو: أبو عبدالله، عروة بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي المدني، أخو عبدالله بن الزبير، أمهما أسماء بنت أبى بكر الصديق، من فقهاء المدينة، وأفاضل التابعين، وعباد قريش، كان يقرأ كل يوم ربع القرآن، كان فقيهًا عالماً حافظًا ثبتًا حجة، عالماً بالسير، وهو أول من صنف المغازي، (ت: 94 هـ) على المشهور.
تُنظر ترجمته في: مشاهير الأمصار (1/ 64)؛ صفة الصفوة (2/ 85)؛ البداية والنهاية (9/ 101).
(2) هو: أبو عبدالملك، وقيل: أبو القاسم، وقيل: أبو الحكم، مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، القرشي الأموي، يقال: ولد بعد الهجرة بسنتين، وقيل: بأربع، وقيل: مات النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمان سنين، كان كاتب ابن عمه عثمان بن عفان، سار مع طلحة والزبير للطلب بدم عثمان، شهد الجمل مع عائشة، ثم صفين مع معاوية، ثم ولي إمرة المدينة لمعاوية، ثم لم يزل بها إلى أن أخرجهم ابن الزبير في أوائل إمرة يزيد بن معاوية، وبقي بالشام إلى أن مات معاوية بن يزيد بن معاوية، فبايعه بعض أهل الشام، واستوثق له ملك الشام، ثم توجه إلى مصر فاستولى عليها، ثم بغته الموت، فكانت مدته في الخلافة قدر نصف سنة، (ت: 65 هـ) في رمضان.
تُنظر ترجمته في: الطبقات الكبرى (5/ 35)؛ سير أعلام النبلاء (3/ 476)؛ الإصابة (6/ 257).
(3) يعنى أبا بكر رضي الله عنه.
(4) يُنظر: المستدرك على الصحيحين، ك: الفرائض، (4/ 377/ح: 7983)، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 481)
• المثال الرابع:
" عن عبيد بن عُميْرٍ (1) قال: بلَغَ عائِشَةَ أنَّ عبْدَاللهِ بن عمْرٍو (2) يأْمُرُ النِّساءَ إذا اغْتسَلْنَ أنْ ينْقُضْنَ رُؤُوسهُنَّ. فقالت: يا عجَبًا لابن عمْرٍو هذا؛ يأْمُرُ النِّساءَ إذا اغْتسَلْنَ أنْ ينْقُضْنَ رؤوسهن، أفَلَا يأْمُرُهُنَّ أنْ يحْلِقْنَ رؤوسهن (3)؟ ! لقد كنت أغْتَسِلُ أنا ورَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم من إِناءٍ وَاحدٍ ولا أَزيدُ على أنْ أفْرِغَ على رَأْسي ثلَاثَ إفْرَاغَاتٍ" (4).
• بيان الاستدراك:
استدركت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها على عبدالله بن عمرو في فتواه: بوجوب نقض المرأة شعرها عند الغسل، واستدلت في استدراكها هذا بحالها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.--------------------------------------------
(1) هو: أبو عاصم، عبيد بن عمير بن قتادة الليثي الجندعي المكي، الواعظ المفسر، ولد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو معدود فى كبار التابعين، له رواية عن عمر وعلي وأبي ذر وأبي بن كعب وأبي موسى وعائشة وابن عمر وغيرهم، (ت: 68 هـ).
تُنظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (4/ 156)؛ الاستيعاب (3/ 1018)؛ الإصابة (5/ 60).
(2) هو: أبو محمد، وقيل: أبو عبدالرحمن، عبدالله بن عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم القرشي السهمي، وكان أصغر من أبيه باثنتي عشرة سنة، أسلم قبل أبيه، كان فاضلاً عالماً، هاجر بعد سنة سبع، وشهد بعض المغازي، كتب الكثير بإذن النبي صلى الله عليه وسلم وترخيصه له بعد كراهيته للصحابة أن يكتبوا عنه سوى القرآن، (ت: 65 هـ).
تُنظر ترجمته في: أسد الغابة (3/ 356)؛ الكاشف للذهبي (1/ 580)؛ سير أعلام النبلاء (3/ 79).
(3) قال النووي في شرحه للحديث: "وأما أمر عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما بنقض النساء رؤوسهن إذا اغتسلن؛ فيحمل على أنه أراد إيجاب ذلك عليهن، ويكون ذلك في شعور لا يصل إليها الماء، أو يكون مذهبًا له أنه يجب النقض بكل حال كما حكيناه عن النخعي ولا يكون بلغه حديث أم سلمة وعائشة. ويحتمل أنه كان يأمرهن على الاستحباب والاحتياط؛ لا للإيجاب، والله تعالى أعلم". شرح النووي على صحيح مسلم (4/ 12 - 13).
(4) يُنظر: صحيح مسلم، ك: الحيض، ب: حكم ضفائر المغتسلة، (1/ 260/ح: 331).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 482)
سبب الاستدراك: خطأ المستدرَك عليه.
نوع الاستدراك: استدراك تصويب خطأ المستدرك عليه في الاجتهاد.
• المثال الخامس:
" عن عطاء (1) عن أم كُرْز (2) وأبي كرز (3) قالا: نذرت امرأة من آل عبدالرحمن بن أبي بكر (4) إن ولدت امرأة عبدالرحمن نحرنا جزورًا. فقالت عائشة رضي الله عنها: لا؛ بل السنة أفضل: عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة، تقطع جدُولاً (5)، ولا يكسر لها عظم، فيأكل ويطعم ويتصدق، وليكن ذاك يوم السابع، فإن لم يكن ففي أربعة عشر، فإن لم يكن ففي إحدى وعشرين". (6).--------------------------------------------
(1) هو: أبو محمد، عطاء بن أبي رباح، واسم ابن أبي رباح: أسلم، القرشي مولاهم، المكي، التابعي، مفتي الحرم، ولد أثناء خلافة عثمان، ونشأ بمكة، وكان ثقة فقيهًا عالماً كثير الحديث، (ت: 115 هـ).
تُنظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (5/ 78)؛ تهذيب التهذيب (7/ 179)؛ طبقات الحفاظ (ص: 45).
(2) هي: أم كرز الكعبية الخزاعية المكية، لها صحبة ورواية، أسلمت يوم الحديبية والنبي صلى الله عليه وسلم يقسم لحوم بدنه، لم تذكر التراجم تاريخ وفاتها؛ إلا أن الذهبي قال: "روى عنها سماع بن ثابت، وطاووس، وعروة، ومجاهد، وعطاء بن أبي رباح. وتأخرت وفاتها".
تُنظر ترجمتها في: تاريخ الإسلام (4/ 342)؛ تقريب التهذيب (1/ 758)؛ الإصابة (8/ 286).
(3) هو: عبدالله بن كرز الليثي، له ذكر في حديث عائشة، وأخبرت عن شعره.
لم تذكر المراجع معلومات عنه غير حديث عائشة عنه وشعره، ويُنظر الحديث وترجمته في المراجع التالية: معرفة الصحابة (4/ 1760)؛ أسد الغابة (3/ 380)؛ الإصابة (4/ 217).
(4) المراد بعبدالرحمن بن أبي بكر: عبدالرحمن بن أبي بكر بن الصديق رضي الله عنهما، شقيق أم المؤمنين عائشة، حضر بدرًا مع المشركين، ثم إنه أسلم وهاجر قبيل الفتح، وكان أسن أولاد الصديق، وكان من الرماة المذكورين والشجعان، قتل يوم اليمامة سبعة من كبارهم، وهو الذي أمره النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع أن يعمر أخته عائشة من التنعيم، (ت: 53 هـ)، وقيل: بعد ذلك.
تُنظر ترجمته في: تهذيب الكمال (16/ 555)؛ سير أعلام النبلاء (2/ 471)؛ الإصابة (4/ 325).
(5) الجدول: جمع جدل -بالكسر والفتح- وهو العضو. يُنظر: النهاية في غريب الأثر (1/ 248).
(6) يُنظر: المستدرك على الصحيحين، ك: الذبائح، (4/ 266/ح: 7595). وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الشيخ الألباني: " … فظاهر الإسناد الصحة؛ ولكن له عندي علتان: الأولى: الإنقطاع بين عطاء وأم كرز … والأخرى: الشذوذ والإدراج، فقد ثبت الحديث عن عائشة من طريقين … وليس فيهما قوله: (تقطع جدولاً)، فالظاهر أنه مدرج من قول عطاء … ". يُنظر: إرواء الغليل (4/ 395 - 396).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 483)
• بيان الاستدراك:
استدركت عائشة رضي الله عنها على المرأة التي نذرت أن تنحر جزورًا إن ولدت امرأة عبدالرحمن بأن الأفضل لها اتباع ما جاءت به السنة: عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة.
سبب الاستدراك: تكميل الفائدة.
نوع الاستدراك: استدراك صيغة التفضيل (الأفضل).
• ثانيًا: أمثلة لاستدراكات التابعين رضي الله عنهم -.
إذا انتقلنا إلى عصر التابعين؛ فإن مجال الاستدراكات يتسع؛ لكثرة الحوادث، واتساع دائرة التشريع، فإضافة إلى المصادر السابقة زيد مصدر تشريع آخر، وهو فتاوى الصحابة.
وكما ذُكِرَ في تفاوت الصحابة فكذلك التابعون، فقد يخفى على بعضهم سنة قولية أو فعلية، أو فتوى للصحابة.
والملحوظ في استدراكات التابعين أنها لم تكن مقصورة على استدراك بعضهم على بعضهم؛ بل قد يَستدرك التابعي على الصحابي؛ لذلك رأيت أن أقسم استدراكات التابعين إلى قسمين:
القسم الأول: استدراكات التابعين على الصحابة.
القسم الثاني: استدراكات التابعين بعضهم على بعض.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 484)
• القسم الأول: استدراكات التابعين على الصحابة.
وأقرر ذلك بالأمثلة التالية:
• المثال الأول:
عن الشعبي (1) قال: جاءت امرأة إلى عمر فقالت: زوجي خير الناس؛ يقوم الليل، ويصوم النهار. فقال عمر: لقد أحسنت الثناء على زوجك. فقال كعب بن سور (2): لقد اشتكت فأعرضت الشكية. فقال عمر: اخرج مما قلت. قال: أرى أن تنزله بمنزلة رجل له أربع نسوة، له ثلاثة أيام ولياليهن، ولها يوم وليلة" (3).
• بيان الاستدراك:
استدرك كعب بن سور على فهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه كلام المرأة، وذكر له أنها أتت شاكية، وذُكِرَ في بعض ألفاظ الأثر: "فقال عمر: علي بها، فجاءت، فقال لها عمر: اصدقيني فلا بأس بالحق. فقالت: والله يا أمير المؤمنين إني لامرأة، وإني لأشتهي كما يشتهي النساء. فقال: يا كعب، اقض بينهما؛ فإنك قد فهمت من أمرهما ما لم أفهم.--------------------------------------------
(1) هو: أبو عمرو، عامر بن شراحيل الشعبي، من الفقهاء في الدين وجلة التابعين، علّامة أهل الكوفة، كان إمامًا حافظًا ذا فنون، وقد أدرك خمسين ومئة من الصحابة، وروى عنهم وعن جماعة من التابعين، (ت: 105 هـ).
تُنظر ترجمته في: حلية الأولياء (4/ 310)؛ البداية والنهاية (9/ 230)؛ مشاهير الأمصار (1/ 101).
(2) هو: كعب بن سور بن بكر بن عبيد بن ثعلبة بن سليم بن ذهل بن الأزد الأودي، كان مسلمًا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يلقه، معدود في كبار التابعين، بعثه عمر بن الخطاب رضي الله عنه قاضيًا على البصرة لخبره المذكور في المرأة التي اشتكت زوجها، فلم يزل قاضيا بالبصرة حتى كان يوم الجمل، فلما اجتمع الناس واصطفوا للقتال؛ خرج وبيده المصحف فنشره وشهره رجال بين الصفين يناشد الناس الله في دمائهم، فقتل على تلك الحال أتاه سهم في عينه.
تُنظر ترجمته في: أخبار القضاة (1/ 274)؛ الطبقات الكبرى (7/ 91)؛ الاستيعاب (3/ 1319).
(3) يُنظر: مصنف عبدالرزاق، ك: الطلاق، ب: حق المرأة على زوجها وفي كم تشتاق؟ (7/ 148 - 149/ح: 12586 - 12587).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 485)
فقال: يا أمير المؤمنين، تحل له من النساء أربع، فله ثلاثة أيام وثلاث ليال يتعبد فيهن ما شاء، ولها يوم وليلتها. فقال عمر: ما الحق إلا هذا، اذهب فأنت قاضٍ على أهل البصرة" (1).
• المثال الثاني:
عن عبيدة السلماني (2) قال: سمعت عليًا يقول: اجتمع رأيي ورأي عمر في أمهات الأولاد (3) أن لا يبعن. قال: ثم رأيت بعد أن يبعن. قال عبيدة: فقلت له: فرأيك ورأي عمر في الجماعة أحب إلي من رأيك وحدك في الفرقة - أو قال في الفتنة - قال: فضحك علي" (4).
وهذا يؤكد ما ذكرته سابقًا (5) أنه لا يشترط في الاستدراك أن يكون المستدرِك أعلم أو أفضل من المستدرَك عليه.--------------------------------------------
(1) يُنظر: الجليس الصالح والأنيس الناصح (2/ 378).
(2) اختلف في كنيته واسمه؛ فقيل: هو: أبو مسلم، وقيل: أبو عمرو، عبيدة السلماني المرادي الهمداني، وقيل: إنه عبادة بن قيس، وقيل: عبيدة بن عمرو، وقيل: عبيدة بن قيس بن عمرو، كوفي، تابعي ثقة، أسلم قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين ولم ير النبي صلى الله عليه وسلم، سمع عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبدالله بن مسعود وعبدالله بن الزير، وقيل عنه: كان يوازي شريحًا في العلم والقضاء، (ت: 72 هـ)، وقيل: (73 هـ).
تُنظر ترجمته في: تاريخ بغداد (11/ 117)؛ المنتظم (6/ 122)؛ الكاشف للذهبي (1/ 694).
(3) أم الولد: هي الأمة بعد الاستيلاد. يُنظر: قواعد الفقه (ص: 176).
(4) يُنظر: مصنف عبد الرزاق، ك: الطلاق، ب: بيع أمهات الأولاد، (7/ 291/ح: 13224).
(5) يُنظر: (ص: 263) من البحث.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 486)
• القسم الثاني: استدراك التابعين بعضهم على بعض (1):
وأقرره بالأمثلة التالية:
• المثال الأول:
" قال عمران القطان (2): سمعت الحسن (3) يقول في قوله: {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ} [الصافات: 143] قال: والله ما كان إلا صلاة أحدثها في بطن الحوت. قال عمران: فذكرت ذلك لقَتَادَةَ (4)، فأنكر ذلك، وقال: كان والله يُكثر الصلاة في الرخاء" (5).--------------------------------------------
(1) للاستزادة من استدراكات التابعين بعضهم على بعض يُنظر: استدراكات السلف في التفسير في القرون الثلاثة الأولى (ص: 307 - 386).
(2) هو: أبو العوام، عمران بن داور العمي البصري القطان، حدث عن الحسن وابن سيرين وقتادة، قيل عنه: إنه كان حروريًّا وكان يرى السيف على أهل القبلة. وقال الإمام أحمد: أرجو أن يكون صالح الحديث، (ت: في حدود 160 هـ).
تُنظر ترجمته في: تهذيب الكمال (22/ 329)؛ سير أعلام النبلاء (7/ 280)، ميزان الاعتدال في نقد الرجال (5/ 287).
(3) أبو سعيد، الحسن بن أبي الحسن يسار البصري، من سادات التابعين وكبرائهم، الفقيه القارئ العالم العابد الزاهد الورع، ولد بالمدينة في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أبوه مولى لزيد بن ثابت، ، (ت: 110 هـ) بالبصرة.
تُنظر ترجمته في: وفيات الأعيان (2/ 69)؛ الوافي بالوفيات (12/ 190)؛ البداية والنهاية (9/ 283 - 288).
(4) هو: أبو الخطاب، قَتَادَة بن دِعَامة بن عزيز بن عمرو بن ربيعة السَّدوسِي البصري، إمام أهل البصرة في التفسير والحديث والفقه، قيل: إنه أحفظ الناس في الحديث، روى عن أنس بن مالك رضي الله عنه، (ت: 117 هـ).
تُنظر ترجمته في: صفة الصفوة (3/ 259)؛ تهذيب الكمال (23/ 498)؛ تاريخ الإسلام (7/ 453).
(5) يُنظر: تفسير الطبري (22/ 101)؛ روح المعاني (23/ 144).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 487)
• المثال الثاني:
" عن منصور بن المعتمر (1) عن مجاهد (2) في قوله تعالى: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ} [الفتح: 29] قال: هو الخشوع. قلت: ما كنت أرى إلا هذا الأثر في الوجه. فقال: رُبَّما كان بين عيني من هو أقسى قلبًا من فرعون" (3).
• بيان الاستدراك:
ذهب منصور إلى أن المراد بالسِّيمَا في الآية: أثر السجود المحسوس في الوجه. فاستدرك عليه مجَاهد بأن ما ذكره في معنى السيما قد يوجد في قساة القلوب، فالمراد من السِّيمَا في الآية: الخشوع.
• المثال الثالث:
" عن أبي المِنْهَالِ (4)
قال: كنت عند أبي العَالِيَةِ (5) يومًا فتوضأ وتوضأ، فقلت:--------------------------------------------
(1) هو: أبو عتاب، منصور بن المعتمر بن عبدالله السلمي الكوفي، كان من أوعية العلم وعباد أهل الكوفة وقرائهم، وزهاد مشايخها وفقهائهم، قيل: إنه عمش من البكاء، (ت: 132 هـ).
تُنظر ترجمته في: الطبقات الكبرى (6/ 337)؛ مشاهير الأمصار (1/ 166)؛ سير أعلام النبلاء (5/ 402).
(2) هو: أبو الحجاج، مجاهد بن جبر المخزومي مولاهم، المكي، التابعي، المتفق على جلالته وإمامته، وقال عن نفسه: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة. وقال عنه قتادة: أعلم من بقي بالتفسير مجاهد. وقال أبو نُعيم: مات مجاهد وهو ساجد سنة (102 هـ).
تُنظر ترجمته في: حلية الأولياء (3/ 279)؛ سير أعلام النبلاء (4/ 449)؛ تقريب التهذيب (1/ 520).
(3) يُنظر: تفسير السمرقندي (3/ 305)؛ تفسير ابن كثير (4/ 205)؛ فتح الباري (8/ 582).
(4) هو: أبوالمنهال، سيَّار بن سلامة الرياحي المصري، ثقة، من الرابعة، (ت: 129 هـ).
تُنظر ترجمته في: الثقات (4/ 335)؛ الأنساب (4/ 89)؛ تقريب التهذيب (1/ 261).
(5) هو: أبو العالية، رُفَيْع بن مِهْرَان الرِّياحي البصري، تابعي، كان مولى لامرأة من بني رياح، أدرك زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأسلم بعد موته بسنتين، أحد الأئمة الأعلام، حفظ القرآن الكريم وقرأه على أُبي بن كعب، وقيل: ليس أحد أعلم بالقرآن بعد الصحابة منه، واُخْتُلِفَ في تاريخ وفاته؛ فقيل: سنة 92 هـ، وقيل: 106 هـ، وقيل غير ذلك.
تُنظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (4/ 207)؛ معرفة القراء الكبار (1/ 60)؛ الإصابة (2/ 514).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 488)
{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222]، فقال: إن الطهور بالماء لَحَسن؛ ولكنهم المتطهرون من الذنوب" (1).--------------------------------------------
(1) يُنظر: مصنف ابن أبي شيبة (1/ 13/ح: 23).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 489)
• المبحث الثاني
تاريخ الاستدراك الأصولي.
وفيه تمهيد، وخمسة مطالب:
- المطلب الأول: مرحلة الاستدراك التأسيسي.
- المطلب الثاني: مرحلة الاستدراك التقعيدي.
- المطلب الثالث: مرحلة الاستدراك التنقيحي.
- المطلب الرابع: مرحلة الاستدراك الموسوعي.
- المطلب الخامس: مرحلة الاستدراك المقصدي.
* * … * ** * … * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 490)
تمهيد
في بيان وجه تقسيم تاريخ الاستدراك الأصولي
ليس من السهل في أمثال هذه الدراسات تحديد التطور بفترة زمنية معينة؛ لذلك اعتبرت في التقسيم طريقة التصنيف دون النظر للحقبة الزمنية؛ وذلك لأن الفترة الزمنية قد تضم عددًا من طرق التصنيف المختلفة، وهذا يصعب حصر المراحل والفصل بينها.
كما راعيت في التقسيم أهم المؤلفات والمدونات في علم الأصول.
فعلم أصول الفقه شهد مراحل، كان للعمل الاستدراكي فيها أثر بالغ في صياغته وبنائه، ومما زاد من شدة هذا التأثير ظهور المدارس الأصولية المختلفة المناهج؛ لذلك رأيت تقسيمه على مراحل تتضح في المطالب التالية:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 491)
•المطلب الأول
مرحلة الاستدراك التأسيسي
شرعت حركة التأليف في العلوم الشرعية في منتصف القرن الثاني للهجرة، وأما قبل ذلك فكان الأئمة يتكلمون من حفظهم، أو يروون العلم في صُحُفٍ صحيحة غير مرتبة (1).
فكان علم أصول الفقه قبل الإمام الشافعي في القرنين الأول والثاني يعتمد على استدراكات مباشرة؛ كما مر معنا في استدراكات الصحابة والتابعين، أو مراسلات علمية؛ كالتي دارت بين الإمام مالك والليث بن سعد (2). (3)
ونجد أن مناهج الاستنباط في هذا العصر تنوعت، وظهرت مدرستا: الحديث في الحجاز، والرأي في الكوفة، وكان النزاع محتدمًا بين هاتين المدرستين، فاستدرك كل فريق على الآخر، وأخذ كل فريق ينتصر لطريقة شيخه، فصارت الحاجة ماسة إلى تدوين قواعد يحتكم إليها عند الخلاف.
وقد تنازع أرباب المذاهب المختلفة أولية التأليف في أصول الفقه على الرغم من ادعاء البعض الإجماع عليه (4). (5)--------------------------------------------
(1) يُنظر: تاريخ الإسلام (9/ 13).
(2) أبو الحارث، الليث بن سعد الفهمي، مولى فهم بن قيس عيلان، كان أحد الأئمة في الدنيا فقهًا وورعًا وفضلا وعلمًا ونجدة وسخاء، لا يختلف إليه أحد إلا أدخله في جملة عياله، ينفق عليهم كما ينفق على خاصة عياله، فإذا أرادوا الخروج من عنده زودهم ما يبلغهم إلى أوطانهم، وقد استقل بالفتوى في زمانه بمصر، (ت: 175 هـ) في يوم الجمعة.
تُنظر ترجمته في: الطبقات الكبرى (7/ 517)؛ مشاهير الأمصار (1/ 191)؛ تذكرة الحفاظ (1/ 224).
(3) وسيأتي ذكر نص رسالة الإمام مالك يستدرك فيها على الليث تركه العمل بإجماع أهل المدينة (ص: 796).
(4) حكى الإسنوي في التمهيد الإجماع على أن الإمام الشافعي هو أول من ألف في أصول الفقه. يُنظر: التمهيد في تخريج الفروع على الأصول للإسنوي (ص: 38).
(5) يُنظر الاختلاف في تدوين أصول الفقه في: الفكر الأصولي (ص: 60).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 492)
والتحقيق في هذه المسألة: أن أول من أفرد علم أصول الفقه بتصنيف مستقل بمنهجه وموضوعاته ومسائله هو الإمام محمد بن إدريس الشافعي (ت: 204 هـ) في كتابه: الرسالة (1).
وإذا استعرضنا عناوين المصنفات قبل الرسالة نجد أنها تعالج موضوعات مفردة هي مثار نزاع وخصومة بين الفقهاء في ذلك العصر، وكثيرًا ما كان يدمج الفقه بالأصول في التصنيف (2).
فالمنهج الأصولي في تلك المرحلة كان جزئيًا لا شموليًا؛ بل إن مصنف الرسالة نفسه يمثل مجموعة المشكلات الأصولية التي شغلت الفقهاء في ذلك العصر، وظهرت في اختلاف منهج الاستدلال بين المدرستين السابق ذكرهما، فدفعت بعبدالرحمن بن مهدي (3) (ت: 198 هـ) إلى أن يكتب للشافعي أن يضع له كتابًا--------------------------------------------
(1) لم تذكر المراجع السنة التي صنف فيها الإمام الشافعي الرسالة؛ إلا أنه ذكر أنه صنف الرسالة مرتين، المرة الأولى في بغداد، وقيل: في مكة، وأطلق عليها اسم " الرسالة القديمة". والمرة الثانية في مصر والتي أطلق عليها " الرسالة الجديدة"، وهي الرسالة الموجودة الآن بين أيدي الناس. يُنظر: مقدمة الشيخ أحمد شاكر في تحقيقه للرسالة (ص: 9 - 10).
وأشارت المراجع إلى أن الإمام الشافعي ارتحل إلى مصر سنة مائتين، وبقي بها أربع سنين حتى توفي. يُنظر: مناقب الشافعي للبيهقي (1/ 239). قال ابن حاتم: حدثنا بحر بن نصر الخولاني المصري قال: "قدم الشافعي من الحجاز فبقي بمصر أربع سنين، ووضع هذه الكتب في أربع سنين، ثم مات". يُنظر: آداب الشافعي ومناقبه (ص: 70).
وذكر الشيخ أحمد شاكر في مقدمته: "والظاهر عندي أنه أعاد تأليف الرسالة بعد تأليف أكثر كتبه التي في "الأم"؛ لأنه يشير كثيرًا في الرسالة إلى مواضع مما كتب هناك". يُنظر: مقدمة الشيخ أحمد شاكر في تحقيقه للرسالة (ص: 10).
فترجح عندي مما سبق أن تصنيف الرسالة كان بعد سنة مائتين، فكانت من حدود دراستي.
(2) وهذا الذي دعا الكثيرين من فقهاء المذاهب نسبة أولية علم الأصول إلى أئمتهم. يُنظر: الفكر الأصولي (ص: 102).
(3) هو: أبو سعيد، عبدالرحمن بن مهدي بن حسان بن عبدالرحمن العنبري اللؤلؤي، البصري، الحافظ، الإمام، الحجة، أحد أركان الحديث بالعراق، برع في معرفة الأثر، وطرق الروايات، وأحوال الشيوخ، قال عنه الشافعي: لا أعرف له نظيرًا في هذا الشأن، (ت: 198 هـ).
تُنظر ترجمته في: حلية الأولياء (9/ 3)؛ تاريخ بغداد (10/ 240)؛ طبقات الفقهاء للشيرازي (ص: 543).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 493)
يُبين فيه جملة من أوجه الاستدلال.
فمصنف الرسالة لم يكن شاملاً لجميع موضوعات الأصول التي استقرت عند المتأخرين؛ وذلك لعدم الباعث لمزيد من الاستقصاء، فموضوعات الرسالة جاءت على قدر الحاجة في تلك المرحلة.
والناظر في كتاب الرسالة يجد الإمام الشافعي لم يكن يعرض الموضوعات الأصولية عرضًا مسترسلاً؛ بل كان مزيجًا من الحوار والمناقشة، فهو يفترض وجود مناظر يُناظره ويورد عليه الأسئلة، فيجيب عليه (1)، فنجد كثيرًا في رسالته: (قال، وقلت) (2)، (فقال لي قائل، قلت) (3) (فإن قال قائل، قلت) (4).
وهذا الأسلوب الذي اتخذه الإمام الشافعي هو من قبيل الاستدراك التقديري، وهو أسلوب مفيد في باب التعليم؛ لطرد الملل، والتنبيه على موضوعات ذات أهمية.
والمتأمل في أسلوب "الفنقلة" في رسالة الشافعي يجد أنها تتحدد في ثلاث صور:
الصورة الأولى: الفنقلة البيانية التعليمية.
وهي أسلوب استفساري أُدرج في الرسالة على سبيل البيان والتعليم. (5)--------------------------------------------
(1) ذكر مثال للاستدراك التقديري الذي استخدمه الشافعي رضي الله عنه في (ص: 130) من البحث.
(2) يُنظر: الرسالة (ص: 273، 275، 276 … ).
(3) الرسالة (ص: 274، 310، 323 … ).
(4) يُنظر: المرجع السابق (ص: 336، 346، 440 … ).
(5) يُنظر: نظرية النقد الأصولي - دراسة في منهج النقد عند الإمام الشاطبي - (ص: 111).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 494)
والمقصود به الجواب لا السؤال، ولا نلمس فيه أثر الجدل أو الحِجاج العقيم. كما أن موضوعه لم يعرف اختلافًا كبيرًا في الرؤى؛ لأنه واضح وَبيِّن؛ وإنما جيء به في سياق التعليم. (1)
ومن هذا النوع حديثه عن دليل القياس؛ إذ قال: "فإن قال قائل: فاذكر من الأخبار التي يقيس عليها، وكيف نقيس؟ قيل له: إن شاء الله، كل حكم لله أو لرسوله وُجِدت عليه دلالة فيه أو في غيره من أحكام الله أو رسوله بأنه حكم به لمعنى من المعاني، فنزلت نازلة ليس فيها نص حكمٍ؛ حكم فيها حكم النازلة المحكوم فيها، إذا كانت في معناها .... فإن قال: فاذكر من كل واحد من هذا شيئًا يبين لنا ما في معناه؟
قلت: قال رسول الله: «إن الله حرم من المؤمن دمه، وماله، وأن يُظن به إلا خيرًا» (2)، فإذا حرم أن يُظن به ظنًّا مخالفًا للخير يُظهِره؛ كان ما هو أكثر من الظن المُظْهَرِ ظنَّا من التصريح له بقول غير الحق أولى أن يُحرم، ثم كيفما زيد في ذلك كان أحْرَمَ" (3).--------------------------------------------
(1) نظرية النقد الأصولي - دراسة في منهج النقد عند الإمام الشاطبي - (ص: 111).
(2) جاء في المغني عن حمل الأسفار: "قال الحاكم في التاريخ: من حديث ابن عباس دون قوله: (وعرضه)، ورجاله ثقات؛ إلا أن أبا علي النيسابوري قال: ليس هذا عندي من كلام النبي؛ إنما هو عندي من كلام ابن عباس. ولابن ماجه نحوه من حديث ابن عمر، ولمسلم من حديث أبي هريرة: «كلُّ الْمسْلِمِ على الْمسْلِمِ حرَامٌ دَمهُ، وَمَالهُ، وَعِرْضهُ». يُنظر: المغني عن حمل الأسفار (1/ 475).
يُنظر: صحيح مسلم، ك: البر والصلة والآداب، ب: تحريم ظلم المسلم وخَذْلِهِ واحْتِقَارِهِ ودمه وعرضه وماله، (4/ 1986/ح: 2564). ويُنظر: سنن ابن ماجه، ك: الفتن، ب: حرمة المؤمن وماله، (2/ 1297/ح: 3932).
(3) يُنظر: الرسالة (ص: 500 - 502).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 495)
الصورة الثانية: الفنقلة الحوارية التناظرية.
وهي أسلوب تحاوري أُدرج في الرسالة لبسط المعرفة الأصولية. (1)
وهذه أكثر الصور استعمالاً، وخير مثال عليها ما ساقه في باب خبر الواحد الذي استهله بقوله: "فقال لي قائل: احْدُدْ لي أقلَّ ما تقوم به الحجة على أهل العلم حتى يثبت عليهم خبر الخاصة؟
فقلت: خبر الواحد عن الواحد حتى ينتهي به إلى النبي، أو من انتهى به إليه دونه" (2).
واستمر الحوار في هذه المسألة نحو ثلاثين صفحة يحقق فيها الشافعي رأيه في المسألة، ويكشف خطأ المحاور. (3)
الصورة الثالثة: الفنقلة التحقيقية الاستدلالية.
وهي أسلوب استدلالي أُدرج في الرسالة لتحقيق المسائل الأصولية والاستدلال عليها. (4)
وقد غطت هذه الصورة مساحة مهمة من كتاب الرسالة؛ لكونها محاولة تأسيسية للمعرفة الأصولية تستوجب تدقيق النظر، وتحقيق الآراء.
ومن الأمثلة على هذا الأسلوب: ما عرضه الشافعي في عربية القرآن حيث قال: "فقال منهم قائل: إن في القرآن عربيًا وأعجميًا، والقرآن يدل على أن ليس من كتاب--------------------------------------------
(1) صغت هذا التعريف من فهمي لكلام الدكتور الحسان شهيد. يُنظر: نظرية النقد الأصولي - دراسة في منهج النقد عند الإمام الشاطبي - (ص: 112).
(2) يُنظر: الرسالة (ص: 391).
(3) يُنظر: المرجع السابق.
(4) صغت هذا التعريف من فهمي لكلام الدكتور الحسان شهيد. يُنظر: نظرية النقد الأصولي - دراسة في منهج النقد عند الإمام الشاطبي - (ص: 113).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 496)
الله شيء إلا بلسان العرب، ووجد قائل هذا القول من قبل ذلك منه تقليدًا له، وتركًا للمسألة عن حجته، ومسألة غيره ممن خالفه، وبالتقليد أغفل من أغفل منهم والله يغفر لنا ولهم، ولعل من قال: إن في القرآن غير لسان العرب، وقُبِلَ ذلك منه؛ ذهب إلى أن من القرآن خاصًّا يجهل بعضه بعض العرب، ولسان العرب أوسع الألسنة مذهبًا، وأكثرها ألفاظًا، ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسان غير نبي؛ ولكنه لا يذهب منه شيء على عامتها؛ حتى لا يكون موجودًا فيها من يعرفه، والعلم به عند العرب كالعلم بالسنة عند أهل الفقه، لا نعلم رجلاً جمع السنن فلم يذهب منها عليه شيء، فإذا جمع علم عامة أهل العلم بها أتى على السنن، وإذا فرق علم كل واحد منهم ذهب عليه الشيء منها، ثم ما كان ذهب عليه منها موجودًا عند غيره" (1).
كما أن الإمام الشافعي كان يعرض أقوال المخالفين له في الرأي مؤيدة بأدلتهم، ثم يستدرك عليها بالنقض في أسلوب العلماء، ولهجة الحكماء (2). فكانت استدراكاته ومناظراته بيانًا للحق، ونصحًا للخلق، وظهر ذلك جليًا في موضوع إثبات خبر الواحد، ورد كل أصل يخالفه.
ومما سبق أستطيع القول بأن نشأة الاستدراكات الأصولية كانت مع أول نشأة الأصول، فكان الاستدراك طريقةً معتبرةً في تقرير القواعد، وبيان المعاني الأصولية وإيضاحها.--------------------------------------------
(1) يُنظر: الرسالة (ص: 128).
(2) يُنظر: المرجع السابق (ص: 85).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 497)
•المطلب الثاني
مرحلة الاستدراك التقعيدي
بعد أن دون الإمام الشافعي رسالته في علم الأصول سلك هذا العلم مسالك متشعبة، فكتب كثير من الأئمة في هذا العلم على اختلاف مذاهبهم، فظهرت اتجاهات مختلفة في تدوين علم أصول الفقه، فكانت هذه المرحلة تدوين وتقعيد أصول كل مذهب.
وكان نتاج الفكر الأصولي في هذه المرحلة يمثل قمة الاجتهاد الأصولي، وأكثر ما جاء بعده ما هو إلا دائر في فلكه.
قال الزركشي: "وجاء من بعده (1) فبَيَّنُوا وأوضحوا وبسطوا وشرحوا؛ حتى جاء القاضيان: قاضي السُّنة أبو بكر بن الطيب، وقاضي المعتزلة عبدالجبار، فوسعا العبارات، وفكا الإشارات، وبَيَّنَا الإجمال، ورفعا الإشكال، واقتفى الناس بآثارهم، وساروا على لَاحِبِ (2) نارهم، فحرَّروا، وقرَّروا، وصوَّروا، فجزاهم الله خير الجزاء، ومنحهم بكلِّ مسَرَّةٍ وهناءٍ" (3).
ويمكن تصنيف الاستدراكات الأصولية في هذه المرحلة إلى مجموعتين:
المجموعة الأولى: استدراكات أصولية على المخالف في الاعتقاد في مرحلة التقعيد.
المجموعة الثانية: استدراكات أصولية على المخالف في المذهب الفقهي في مرحلة التقعيد.--------------------------------------------
(1) أي بعد الإمام الشافعي.
(2) اللاحِبُ: الطريق الواضح. يُنظر: الصحاح (ص: 939)؛ لسان العرب (13/ 174) مادة: (لحب).
(3) يُنظر البحر المحيط (1/ 6).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 498)
وسأكتفي بسرد المصنفات في المجموعتين دون ذكر أمثله لهذه الاستدراكات؛ وذلك لاستفاضتها في هذه المصنفات، علمًا بأن البحث اشتمل على مثال للاستدراك العقدي (1) والفقهي (2).
• المجموعة الأولى: الاستدراكات الأصولية على المخالف في الاعتقاد في مرحلة التقعيد:
الخلاف العقدي فتح مجالاً لكثرة الاستدراكات -كما سبق تقريره-، وظهرت هذه الاستدراكات جلية في استدراكات الأشاعرة على المعتزلة، والعكس بالعكس، واستدراكات أهل السنة عليهما، واستدراكات الماتريدية على الأشاعرة والمعتزلة.
وقد ظهرت هذه الاستدراكات واضحة في مباحث الحكم الشرعي، ومباحث الأمر والعموم.
وفيما يلي سرد لبعض المصنفات الأصولية في المجموعة الأولى التي ضمت بين طياتها عددًا من الاستدراكات على الخصم المخالف في الاعتقاد في مرحلة تقعيد الأصول:
• أولاً: المصنفات التي اشتملت على عدد من استدراكات الأشاعرة على المعتزلة في مرحلة التقعيد؛ ومنها:
• التقريب والإرشاد، للقاضي أبي بكر محمد الباقلاني، (ت: 403 هـ) (3).
• البرهان في أصول الفقه، لإمام الحرمين أبي المعالي عبدالملك الجويني، (ت: 478 هـ).--------------------------------------------
(1) يُنظر: (ص: 231 - 232) من البحث.
(2) يُنظر: (ص: 232 - 237) من البحث.
(3) في الجزء المطبوع من الكتاب أكثر من ستين موضعًا يتتبع فيها الباقلاني آراء المعتزلة نقدًا وردًّا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 499)