لا يقال من قبل الرأي وإنما يقال عن توقيف وهذه الأحاديث السبعة وإن كانت من أخبار يوم القيامة ففيها دليل على أن الأرض قارة ثابتة لا تفارق موضعها. ولو كانت الشمس هي القارة الثابتة لكانت الأرض هي التي تدنى منها وهذا خلاف نصوص هذه الأحاديث والله أعلم.
فهذا ما يسره الله تعالى من الآيات والأحاديث الدالة على أن الشمس تسير وتدور على الأرض وإن الأرض قارة ثابتة بخلاف ما يزعمه أهل الهيئة الجديدة من أن الشمس قارة ثابتة وأن الأرض تدور عليها. وحقيقة قولهم تكذيب الآيات والأحاديث التي ذكرنا واطراحها بالكلية وذلك هو الضلال البعيد. وقد قال الله تعالى (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين).
وقول أهل الهيئة الجديدة في الشمس والأرض دائر بين افتراء الكذب والتكذيب بالحق. ومن أعجب العجب أنه قد جعل في زماننا من الفنون المهمة التي تدرس في كثير من المدارس ويعتنى بها في كثير من الأقطار الإسلامية أكثر مما يعتنى بالعلوم الشرعية. وهذا مصداق ما جاء في الحديث الصحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويثبت الجهل» الحديث متفق عليه.
وفي رواية «من أشراط الساعة أن يقل العلم ويظهر الجهل». ولهما عن عبد الله بن مسعود وأبي موسى رضي الله عنهما قالا قال النبي صلى الله عليه وسلم «إن بين يدي الساعة لأياماً ينزل فيها الجهل ويرفع فيها العلم» الحديث.
وقال الشعبي لا تقوم الساعة حتى يصير العلم جهلا والجهل علماً. رواه ابن أبي شيبة وله حكم المرفوع لأنه إخبار عن أمر غيبي ومثله لا يقال من قبل الرأي وإنما يقال عن توقيف ومن أقبح الجهل وأظلم الظلم تكذيب الله تعالى وتكذيب رسوله صلى الله عليه وسلم ومعارضة الآيات والأحاديث الصحيحة بأقوال أعداء الله تعالى وتخرصاتهم الكاذبة وآرائهم الفاسدة وتوهماتهم الخاطئة وتعلم ذلك وتعليمه.
وقد أخبرني غير واحد من الطلبة في بعض المعاهد أن بعض معلميهم من ذوي الجهل المركب صرح عنده بما يعتقده من استقرار الشمس ودوران الأرض حولها. فقال
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
له الطلبة ما تقول في قول الله تعالى (والشمس تجري لمستقر لها) وقوله تعالى (وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى) وأمثال هذه الآيات. فقال القرآن حق. فقالوا له يلزمك على هذا أن تعتقد جريان الشمس فأبى فطالبوه بالدليل على قوله فقال هكذا تلقينا من علمائنا.
فانظر يا من نور الله قلبه بنور العلم والإيمان إلى جواب هذا المخدوع المغرور بزخارف أعداء الله وشبهاتهم. واحمد الله الذي عافاك مما ابتلى به المنحرفين المكذبين لنصوص القرآن والأحاديث الصحيحة تقليداً منهم لأعداء الله تعالى من الكفار والمنافقين الذين أسسوا بنيانهم على شفا جرف هارٍ ينهار بمن تمسك به في نار جهنم.
وما أشبه هذا الذي ذكرنا جوابه ومن جرى مجراه بالذين قال الله تعالى فيهم (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا. أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيراً).
فاحذروا أيها المسلمون من الإصغاء إلى دسائس أعداء الله تعالى والاغترار بزخارفهم وشبهاتهم فإنهم لا يألونكم خبالا وودوا لو تكفرون بما جاء به نبيكم صلى الله عليه وسلم من الكتاب والحكمة قال الله تعالى (ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء) الآية. وقال تعالى (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق) وقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين. وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم) وقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين). ففي هذه الآيات أبلغ تحذير للمسلمين من طاعة الكفار والمنافقين وقبول آرائهم وظنونهم وتخرصاتهم فإنهم لا يألون المسلمين خبالا وودوا ما عنتهم وأضلهم عن الصراط السوي والهدي.
وقد جعل الله سبحانه وتعالى للمسلمين في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم كفاية وغنية عما سواهما من أقوال الناس وآرائهم وتخرصاتهم قال الله تعالى (أولم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون) وقال تعالى (وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله) وقال تعالى (اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون) وقال تعالى (فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى. ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى، قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً. قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى. وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى).
قال ابن عباس رضي الله عنهما «من تعلم كتاب الله ثم اتبع ما فيه هداه الله من الضلالة في الدنيا ووقاه يوم القيامة سوء الحساب» رواه رزين.
وفي رواية قال «من اقتدى بكتاب الله لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة ثم تلا هذه الآية (فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى)» وقد ذكره البغوي في تفسيره بنحوه.
وروى الإمام أحمد ومسلم عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فينا خطيبا بماء يدعى خما بين مكة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر ثم قال «أما بعد ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي».
وفي رواية لمسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «كتاب الله فيه الهدى والنور من استمسك به وأخذ به كان على الهدى ومن أخطأه ضل».
وفي رواية له أخرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «ألا وإني تارك فيكم ثقلين أحدهما كتاب الله عز وجل هو حبل الله من اتبعه كان على الهدى ومن تركه كان على ضلالة».
ورواه الترمذي مختصراً ولفظه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أحدهما أعظم من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
إلى الأرض وعترتي أهل بيتي» الحديث قال الترمذي حديث حسن غريب.
وروى مسلم أيضاً وأبو داود وابن ماجه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في حديثه الطويل في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته يوم عرفة «وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله» ورواه الترمذي بنحوه مختصراً.
وروى مالك في الموطأ بلاغاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة رسوله».
وروى الحاكم في مستدركه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس في حجة الوداع - فذكر الحديث وفيه أنه قال «يا أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً كتاب الله وسنة نبيه» صححه الحاكم ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وروى الحاكم أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنة نبيه ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض». وروى الطبراني في الكبير وابن حبان في صحيحه عن أبي شريح الخزاعي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إن هذا القرآن طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فتمسكوا به فإنكم لن تضلوا ولن تهلكوا بعده أبداً».
قال المنذري إسناد الطبراني جيد. وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح.
وروى الطبراني أيضاً في الكبير والصغير والبزار من حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه.
وروى أبو عبيد القاسم بن سلام وابن مردويه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن هذا القرآن هو حبل الله المتين وهو النور المبين وهو الشفاء النافع عصمة لمن تمسك به ونجاة لمن اتبعه» ورواه الطبراني والبغوي بنحوه موقوفاً.
وروى الترمذي عن علي رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «ألا إنها ستكون فتنة فقلت ما المخرج منها يا رسول الله قال كتاب الله فيه نبأ ما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم وهو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله وهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم» الحديث. قال الترمذي غريب.
وقد رواه الإمام أحمد بإسناد ضعيف ولفظه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «أتاني جبريل عليه السلام فقال يا محمد إن أمتك مختلفة بعدك قال فقلت فأين المخرج يا جبريل قال فقال كتاب الله تعالى به يقصم الله كل جبار من اعتصم به نجا ومن تركه هلك مرتين قول فصل وليس بالهزل لا تختلقه الألسن ولا تفنى أعاجيبه فيه نبأ ما قبلكم وفصل ما بينكم وخبر ما هو كائن بعدكم».
وروى الطبراني من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو رواية الترمذي وإسناده ضعيف.
وروى ابن ماجه عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «وايم الله لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء» قال أبو الدرداء صدق والله رسول الله صلى الله عليه وسلم تركنا والله على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء.
وروى الإمام أحمد وابن ماجه والحاكم في مستدركه عن العرباض بن سارية رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» ورواه ابن أبي عاصم في كتاب السنة بنحوه قال المنذري وإسناده حسن.
وإذا علم ما ذكرنا من الآيات والأحاديث في الحث على الاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وما فيها من النص على أن من تمسك بهما كان على الهدى ومن تركهما كان على الضلالة. فماذا يقال في الذين يعرضون عن أدلة الكتاب والسنة على جريان الشمس وثبات الأرض واستقرارها ويتمسكون بأقوال أهل الهيئة الجديدة من فلاسفة الإفرنج ومن يقلدهم ويحذو حذوهم من ضعفاء البصيرة ويقدمونها على نصوص الكتاب والسنة.
الجواب أن يقال: لا شك أن هذا ضلال عن الصراط المستقيم وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن سؤال أهل الكتاب كما سيأتي إيراده إن شاء الله تعالى. وغضب صلوات
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)
الله وسلامه عليه على عمر رضي الله عنه غضباً شديداً لما رأى معه كتاباً استنسخه من بعض أهل الكتاب وكان فيه جوامع من التوراة. وكان عمر رضي الله عنه في خلافته يعاقب من يكتب مما عند أهل الكتاب أشد العقوبة.
قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى حدثنا سريج بن النعمان أخبرنا هشيم أنبأنا مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه على النبي صلى الله عليه وسلم قال فغضب وقال «أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبونه أو بباطل فتصدقونه والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني».
فيه مجالد ضعفه ابن معين ويحيى بن سعيد والدارقطني وغيرهم ووثقه النسائي وغيره وروى له مسلم مقروناً بغيره وبقية رجاله رجال الصحيح.
وروى البزار عن جابر رضي الله عنه قال نسخ عمر رضي الله عنه كتاباً من التوراة بالعربية فجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يقرأ ووجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتغير فقال رجل من الأنصار ويحك يا ابن الخطاب ألا ترى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا وإنكم إما أن تكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل والله لو كان موسى بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني».
فيه جابر الجعفي تركه يحيى القطان وقال النسائي متروك ووثقه شعبة وسفيان الثوري وقال وكيع ما شككتم في شيء فلا تشكوا أن جابر الجعفي ثقة.
وروى الطبراني في الكبير عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال جاء عمر بجوامع من التوراة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله جوامع من التوراة أخذتها من أخ لي من بني زريق فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عبد الله بن زيد الذي أري الأذان أمسخ الله عقلك ألا ترى الذي بوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً وبالقرآن إماماً فسري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال «والذي نفس محمد بيده لو كان موسى بين أظهركم ثم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
اتبعتموه وتركتموني لضللتم ضلالاً بعيداً أنتم حظي من الأمم وأنا حظكم من النبيين» قال الهيثمي فيه أبو عامر القاسم بن محمد الأسدي ولم أر من ترجمه وبقية رجاله موثقون.
وروى الإمام أحمد والطبراني عن عبد الله بن ثابت رضي الله عنه قال جاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني مررت بأخ لي من بني قريظة فكتب لي جوامع من التوراة ألا أعرضها عليك قال فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عبد الله يعني ابن ثابت فقلت ألا ترى ما بوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا قال فسري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال «والذي نفس محمد بيده لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم إنكم حظي من الأمم وأنا حظكم من النبيين».
قال الهيثمي رجاله رجال الصحيح إلا أن فيه جابر الجعفي وهو ضعيف.
قلت قد تقدم عن شعبة والثوري ووكيع أنهم وثقوه.
وروى البزار عن عبد الله بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه أن عمر رضي الله عنه نسخ صحيفة من التوراة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء» قال الهيثمي رجاله رجال الصحيح إلا جابر الجعفي.
وروى الحافظ أبو يعلى الموصلي عن خالد بن عرفطة قال كنت جالساً عند عمر رضي الله عنه إذ أتي برجل من عبد القيس مسكنه بالسوس فقال له عمر أنت فلان بن فلان العبدي قال نعم قال وأنت النازل بالسوس قال نعم فضربه بقناة معه قال فقال الرجل مالي يا أمير المؤمنين فقال له عمر اجلس فجلس فقرأ عليه (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. ألر تلك آيات الكتاب المبين. إنا أنزلناه قرآنا عربياً لعلكم تعقلون. نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين) فقرأها عليه ثلاثاً وضربه ثلاثاً فقال له الرجل ما لي يا أمير المؤمنين فقال أنت الذي نسخت كتاب دانيال قال مرني بأمرك أتبعه قال انطلق فامحه بالحميم والصوف الأبيض ثم لا تقرأه ولا تقرئه أحداً من الناس فلئن بلغني عنك أنك قرأته أو أقرأته أحداً من الناس لأنهكنك عقوبة ثم قال اجلس فجلس بين يديه فقال انطلقت فانتسخت كتاباً من أهل الكتاب ثم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)
جئت به في أديم فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما هذا في يدك يا عمر» قلت يا رسول الله كتاب نسخته لنزداد به علماً إلى علمنا فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى احمرت وجنتاه ثم نودي بالصلاة جامعة فقالت الأنصار اغضب نبيكم صلى الله عليه وسلم السلاح السلاح فجاءوا حتى أحدقوا بمنبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال «يا أيها الناس إني قد أوتيت جوامع الكلم وخواتيمه واختصر لي اختصاراً ولقد أتيتكم بها بيضاء نقية فلا تهوكوا ولا يغرنكم المتهوكون» قال عمر رضي الله عنه فقمت فقلت رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبك رسولا ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الهيثمي فيه عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي ضعفه أحمد وجماعة.
قلت وقد روى له شاهد من وجه آخر عن سليم بن عامر أن جبير بن نفير حدثهم أن رجلين تحابا في الله بحمص في خلافة عمر رضي الله عنه وكانا قد اكتتبا من اليهود ملء صفنين فأخذاهما معهما يستفتيان فيهما أمير المؤمنين وكان أرسل إليهما عمر رضي الله عنه فيمن أرسل إليه من أهل حمص فقالا يا أمير المؤمنين إنا بأرض أهل الكتابين وإنا نسمع منهم كلاماً تقشعر منه جلودنا أفنأخذه منهم أم نترك قال لعلكما اكتتبتما منه شيئاً فقالا لا قال سأحدثكما إني انطلقت في حياة النبي صلى الله عليه وسلم حتى أتيت خيبر فوجدت يهودياً يقول قولا أعجبني فقلت هل أنت مكتبي مما تقول قال نعم قال فأتيته بأديم ثنية أو جذعة فأخذ يملي علي حتى كتبت في الأكرع رغبة في قوله فلما رجعت قلت يا رسول الله إني لقيت يهودياً يقول قولا لم أسمع مثله بعدك قال لعلك كتبت منه قلت نعم قال ائتني به فانطلقت ارغب عن المشي رجاء أن أكون جئت نبي الله صلى الله عليه وسلم ببعض ما يحبه فلما أتيت به قال اجلس فاقرأ علي فقرأت ساعة ثم نظرت إلى وجهه فإذا هو يتلون فتحيرت من الفرق فما استطعت أجيز منه حرفاً فلما رأى الذي بي رفعه ثم جعل يتتبعه رسماً رسماً فيمحوه بريقه وهو يقول «لا تتبعوا هؤلاء فإنهم قد هوكو وتهوكوا» حتى محا آخره حرفاً. قال عمر رضي الله عنه فلو أعلم أنكما اكتتبتما منهم شيئاً جعلتكما نكالا لهذه الأمة قالا والله لا نكتب منهم شيئاً أبداً فخرجا بصفنيهما فحفرا لهما من الأرض فلم يألوا أن يعمقا ودفناهما فكان آخر العهد منهما رواه الإسماعيلي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
والطبراني وأبو نعيم في الحلية من طريقه. قال الجوهري الصفن خريطة الراعي فيها طعامه وزناده وكذا ذكر ابن منظور في لسان العرب عن أبي عمرو أنه قال الصفن بالضم خريطة تكون للراعي فيها طعامه وزناده وما يحتاج إليه. قال ابن منظور وقيل هي السفرة التي تجمع بالخيط وتضم صادها وتفتح.
ونقل عن أبي عبيد أنه قال سمعت من يقول الصفن بفتح الصاد والصفنة أيضاً بالتأنيث. وعن ابن الأعرابي الصفنة بفتح الصاد هي السفرة التي تجمع بالخيط ومنه يقال صفن ثيابه في سرجه إذا جمعها. وقال أبو عبيد الصفنة كالعيبة يكون فيها متاع الرجل وأداته فإذا طرحت الهاء ضممت الصاد وقلت صفن.
وأما التهوك فقال الجوهري هو التحير قال والتهوك أيضاً مثل التهور وهو الوقوع في الشيء بقلة مبالاة.
وقال ابن الأثير التهوك كالتهور وهو الوقوع في الأمر بغير روية والمتهوك الذي يقع في كل أمر وقيل هو التحير.
وقال ابن منظور التهوك السقوط في هوة الردى وإنه لمتهوك لما هو فيه أي يركب الذنوب والخطايا والمتهوك الذي يقع في كل أمر.
وروى الإسماعيلي وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال كان ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يكتبون من التوراة فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إن أحمق الحمق وأضل الضلالة قوم رغبوا عما جاء به نبيهم إليهم إلى نبي غير نبيهم وإلى أمة غير أمتهم» ثم أنزل الله تعالى (أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون).
وإذا كان هذا قوله صلى الله عليه وسلم للذين كتبوا جوامع من التوراة مع ما ذكرنا عنه صلى الله عليه وسلم من الغضب على عمر رضي الله عنه لما رأى معه الكتاب الذي استنسخه من بعض أهل الكتاب ليزداد به علماً فكيف لو رأى الذين يرغبون عن نصوص الكتاب والسنة فيما يتعلق بجريان الشمس وفيما يتعلق بغيرها من الأجرام العلوية وبالسموات والأرض ويقدمون عليها أقوال الفلاسفة الدهريين مثل كوبرنيك البولوني وهرشل الإنكليزي وأتباعهما من أهل الهيئة الجديدة الذين لا يعتمدون في أقوالهم على
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
كتاب من الكتب المنزلة من السماء وإنما يعتمدون على أرصادهم وآرائهم وتخرصاتهم التي ما أنزل الله بها من سلطان. وما أكثر الذين يميلون إلى أقوالهم الباطلة في زماننا ويتلقونها بالقبول والتسليم ويرون أنها هي العلم الصحيح وما خالفها فهو عندهم مردود ولو كان من نصوص الكتاب والسنة وكأنهم يرون أن القرآن إنما أنزل لمجرد التلاوة لا للعمل به واعتقاد ما جاء فيه. ولو أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى أمثال هؤلاء لما كان يكتفي في عقوبتهم بالضرب فقط بل كان يقتلهم كما قتل الذي لم يرض بالتحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن أين لنا الآن مثل عمر رضي الله عنه الذي كان لا تأخذه في الله لومة لائم.
وخلاصة القول أنه يجب على المسلم أن يتمسك بكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ويعض عليهما بالنواجذ ويقدمهما على ما سواهما ولا يقدم عليهما شيئاً البتة. وأن يكتفي بهما وبما عند المسلمين من العلوم النافعة المستفادة منهما، ومن لم يكتف بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وما عند المسلمين من العلوم المستفادة منهما بل ذهب يطلب غير ذلك من أقوال الكفار والمنافقين وآرائهم وتخرصاتهم التي ما أنزل الله بها من سلطان فأبعده الله وأسحقه.
فصل
في ذكر الإجماع على وقوف الأرض وسكونها
ذكر الشيخ عبد القاهر بن طاهر بن محمد البغدادي الإسفراييني التميمي - وكان في آخر القرن الرابع من الهجرة وأول القرن الخامس - في آخر كتابه «الفرق بين الفِرق» جملة مما أجمع عليه أهل السنة قال فيها:
وأجمعوا على وقوف الأرض وسكونها وأن حركتها إنما تكون بعارض يعرض لها من زلزلة ونحوها خلاف قول من زعم من الدهرية أن الأرض تهوي أبداً لأن الخفيف لا يلحق ما هو أثقل منه في انحداره.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
وأجمعوا على أن الأرض متناهية الأطراف من الجهات كلها وكذلك السماء متناهية الأقطار من الجهات الست خلاف قول من زعم من الدهرية أنه لا نهاية للأرض من أسفل ولا من اليمين واليسار ولا من خلف ولا من أمام وإنما نهايتها من الجهة التي تلاقي الهواء من فوقها.
وزعموا أن السماء أيضاً متناهية من تحتها ولا نهاية لها من خمس جهات سوى جهة السفل. وبطلان قولهم ظاهر من جهة عود الشمس إلى مشرقها كل يوم وقطعها جرم السماء وما فوق الأرض في يوم وليلة. ولا يصح قطع ما لا نهاية لها من المسافة في الأمكنة في زمان متناه انتهى.
وقال القرطبي في تفسيره عند قول الله تعالى في سورة الرعد (وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهاراً) الآية ما نصه:
والذي عليه المسلمون وأهل الكتاب القول بوقوف الأرض وسكونها ومدها وأن حركتها إنما تكون في العادة بزلزلة تصيبها انتهى.
وهذا صريح في حكاية الإجماع من المسلمين وأهل الكتاب على ثبات الأرض واستقرارها.
وقد قرر ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «مفتاح دار السعادة» أن الأرض واقفة ساكنة. وقرر ذلك غيره من أكابر العلماء. ولا أعلم عن أحد من سلف الأمة وأئمتها خلافاً في ذلك. وإنما خالف في ذلك أهل الهيئة الجديدة من فلاسفة الإفرنج مثل كوبرنيك البولوني وهرشل الإنكليزي وأتباعهم ومن نحا نحوهم من العصريين. فهؤلاء هم المخالفون في ثبوت الأرض واستقرارها من المتأخرين.
وأما المخالفون في ذلك من المتقدمين فهم الدهرية وفيثاغورس وأتباعه من اليونان. ولا عبرة بخلاف هؤلاء الذين أشرنا إليهم من المتقدمين والمتأخرين. ولا ينبغي للمسلم أن يغتر بأقوال أعداء الله ولا يصغي إلى تخرصاتهم وظنونهم الكاذبة ولا يعتد بأقوالهم الفاسدة وتوهماتهم الخاطئة.
ولا ينبغي أيضاً أن يصغي إلى أقوال الذين يقلدونهم ويحذون حذوهم من المسلمين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
فصل
في ذكر أدلة عقلية على ثبات الأرض واستقرارها
فمن ذلك ما هو مشاهد من سير السحاب المسخر بين السماء والأرض فإنا نراه عندنا في البلاد النجدية في فصل الشتاء والربيع وأكثر فصل الخريف يأتي في الغالب من المغرب ويذهب نحو المشرق. وفي بعض الأحيان يأتي من جهة الشمال ويذهب نحو الجنوب ويأتي أيضاً من جهة الجنوب ويذهب نحو الشمال وربما أتى من ناحية المشرق وذهب نحو المغرب. وفي فصل الصيف وهو الذي تسميه العامة القيظ ليس له اتجاه معتاد بل يأتي من المشرق ومن المغرب ومن الجنوب ومن الشمال. وفي نواحي الحجاز يأتي في الغالب من جهة القطب الجنوبي ويذهب نحو القطب الشمالي وربما أتى من جهة المشرق وذهب نحو المغرب وبالعكس وربما أتى من جهة الجنوب وذهب نحو الشمال وبالعكس. وسيره من جميع الجهات متقارب لا يختلف بعضه عن بعض بالسرعة إلا بسبب ريح شديدة تسوقه، ولو كانت الأرض تسير كما يزعمه أهل الهيئة الجديدة لاختلف سير السحاب بسبب سير الأرض ولكان اتجاهه دائماً إلى جهة المغرب بعكس سير الأرض ولم يذهب إلى جهة المشرق أبداً لأن الأرض تفوته بسرعة سيرها. فقد زعم المتأخرون من أهل الهيئة الجديدة أنها تسير في الثانية أكثر من ثلاثين كيلومتراً وأنها تقطع في اليوم الواحد أكثر من خمسمائة ألف فرسخ.
ولما كان سير السحاب من جميع الجهات مقارباً بعضه بعضاً دل ذلك على أن الأرض قارة ساكنة.
ومن ذلك ما يسره الله تعالى في زماننا من وجود المراكب الجوية التي تخترق الهواء في جميع أرجاء الأرض فإن سيرها من المشرق إلى المغرب مثل سيرها من المغرب إلى المشرق وكذلك سيرها من الجنوب إلى الشمال مثل سيرها من الشمال إلى الجنوب كل ذلك لا يختلف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
ولو كان الأمر على ما يزعمه أهل الهيئة الجديدة لكان من في المشرق إذا أراد المغرب رفع طائرته في الهواء ثم أمسكها وقتاً يسيراً حتى تصل إليه أقطار المغرب فينزل فيها.
وأما من في المغرب فلا يمكنه أن يسير إلى المشرق في مركب جوي أبداً لأنه إذا رفع طائرته عن الأرض فاتته الأرض بسرعة سيرها. هذا على حد زعمهم. وكذلك الذين في الجنوب والشمال لا بد أن تفوتهم الأرض بسرعة سيرها فلا يهتدون إلى موضع قصدوه في مراكبهم الجوية.
ولما كانت هذه التقديرات منتفية وكان السير في الجو من الأقطار المتباينة مقارباً بعضه بعضاً دل ذلك على أن الأرض قارة ساكنة.
ومن ذلك ما هو مشاهد من نهوض الطيور من أوكارها أو غيرها مما هي واقعة عليه وطيرانها في الهواء وذهابها يميناً وشمالا ورجوعها إلى أوكارها أو غيرها من الأشجار والمواضع التي تقع عليها كثيراً وهذا يدل على ثبات الأرض واستقرارها ولو كانت تسير كما يزعمه أهل الهيئة الجديدة لما رجعت الطيور إلى أماكنها من الأرض لأن الأرض تفوتها بسرعة سيرها.
ومثل ذلك الطائرات فإنها تطير من المطارات وتذهب نحو المشرق والمغرب والجنوب والشمال وربما عرض لها عارض يمنعها من مواصلة السير إلى المواضع التي يقصدها أهلها فترجع إلى المواضع التي طارت منها بعدما تنأى عنها بمسافة بعيدة، وهذا يدل على ثبات الأرض واستقرارها ولو كانت الأرض تسير كما يزعمه أهل الهيئة الجديدة لما رجعت الطائرات إلى مطاراتها أبداً لأن الأرض تفوتها بسرعة سيرها.
ومن ذلك ما هو مشاهد من رمي الصيد والأهداف وإصابتها ولو كانت الأرض تسير كما يزعمه أهل الهيئة الجديدة لما أصاب الرامي صيداً ولا هدفاً ولاسيما إذا كان الصيد أو الهدف بعيداً عنه لأنه إذا أطلق السهم أو الرصاص فاتته الأرض بسرعة سيرها فلا يصيب السهم والرصاص ما وجهه الرامي نحوه.
ولما كانت إصابة الصيد والأهداف تقع من كثير من الرماة دل ذلك على أن الأرض قارة ساكنة.
فإن قيل إن الهواء تابع للأرض يسير بسيرها فلا تفوت الأرض إذا شيئاً مما يكون في الهواء فوقها.
فالجواب أن يقال هذا من أبطل الباطل لأن الهواء مستقل بنفسه وليس تابعاً للأرض
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
قال الله تعالى في سورة الم تنزيل السجدة (الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش) الآية. وقال تعالى في سورة ق (ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام) الآية. وقال تعالى في سورة الدخان (وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين) وقال تعالى في سورة الأنبياء (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين) وقال تعالى في سورة ص (وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما باطلا) الآية. وقال تعالى في سورة الحجر (وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق) الآية. وقال تعالى في سورة الأحقاف (ما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى) الآية وقال تعالى في سورة ص (أم لهم ملك السموات والأرض وما بينهما) الآية. إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الهواء مستقل بنفسه وليس تابعاً للأرض.
وكما أن كلاً من السماء والأرض مستقلة بنفسها وليست تابعة للأخرى فكذلك الهواء مستقل بنفسه وليس تابعاً للسماء ولا للأرض ولا يتصور أن يكون الهواء تابعاً لغيره إلا فيما يكون محجوزاً بالسقوف والجدر ونحوها كالهواء الذي يكون في داخل الطائرات والسيارات والمراكب ونحوها فإنه يسير بسيرها بخلاف ما يكون فوق سطوحها فإنه لا يكون تابعاً لها ولا يسير بسيرها كما هو معلوم عند كل عاقل. وما على وجه الأرض من الهواء شبيه بما على ظهور الطائرات من الهواء فكما أن ما على ظهور الطائرات من الهواء لا يتبعها ولا يسير بسيرها فكذلك ما على ظهر الأرض من الهواء لا يكون تابعاً لها والله أعلم.
وأيضاً فلو كان الهواء تابعاً للأرض وسائراً بالسرعة الهائلة التي زعموها في سير الأرض كما ذكرنا قولهم في ذلك قريباً فإنه لا يستطيع الطير ولا الطائرات أن تسبح فيه وتذهب شرقاً وغرباً وجنوباً وشمالاً ثم ترجع إلى مواضعها من الأرض. ولما كان الطير يطير إلى حيث شاء من الجهات ثم يرجع إلى موضعه الذي طار منه وكانت الطائرات تسير على خطوط مستقيمة شرقاً وغرباً وجنوباً وشمالاً ثم ترجع إلى المواضع التي طارت منها دل ذلك على أن الهواء ساكن لا يسير ولا يتحرك إلا أن تحركه ريح تهب فيه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
فصل
قال الرازي في تفسيره عند قول الله تعالى في سورة البقرة (الذي جعل لكم الأرض فراشاً) الآية ما نصه:
اعلم أن الله سبحانه وتعالى ذكر ههنا أنه جعل الأرض فراشاً. ونظيره قوله (أم من جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا) وقوله (الذي جعل لكم الأرض مهدا) واعلم أن كون الأرض فراشاً مشروط بأمور، الشرط الأول كونها ساكنة وذلك لأنها لو كانت متحركة لكانت حركتها إما بالاستقامة أو بالاستدارة. فإن كانت بالاستقامة لما كانت فراشاً لنا على الإطلاق لأن من طفر من موضع عال كان يجب أن لا يصل إلى الأرض لأن الأرض هاوية وذلك الإنسان هاوٍ والأرض أثقل من الإنسان والثقيلان إذا نزلا كان أثقلهما أسرعهما والأبطأ لا يلحق الأسرع فكان يجب أن لا يصل الإنسان إلى الأرض فثبت أنها لو كانت هاوية لما كانت فراشاً.
أما لو كانت حركتها بالاستدارة لم يكمل انتفاعنا بها لأن حركة الأرض مثلا إذا كانت إلى المشرق والإنسان يريد أن يتحرك إلى جانب المغرب ولا شك أن حركة الأرض أسرع فكان يجب أن يبقى الإنسان على مكانه وأنه لا يمكنه الوصول إلى حيث يريد. فلما أمكنه ذلك علمنا أن الأرض غير متحركة لا بالاستدارة ولا بالاستقامة فهي ساكنة انتهى.
فصل
وقد ذكر الألوسي عن فيثاغورس وأتباعه أهل الهيئة الجديدة أنهم قالوا إن الأرض سابحة في الجو معلقة بسلاسل الجاذبية وقائمة بها.
ونقول أما قولهم إن الأرض سابحة في الجو فهذا باطل ترده الآيات والأحاديث الدالة على سكون الأرض وثباتها. ويرده أيضاً إجماع المسلمين على ثبات الأرض وسكونها. وقد تقدم كل ذلك فليراجع وأما قولهم إنها معلقة بسلاسل الجاذبية فهذا باطل يرده قول الله تعالى (إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا) وقوله تعالى (ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره) فالسماء قائمة بأمر الله تعالى وإمساكه لها من غير عمد والأرض قائمة بأمر الله تعالى وإمساكه لها من غير سلاسل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)
وقد جعل الله تبارك وتعالى الأرض مركزاً ومستقراً للأثقال من جميع جهاتها. فلو سقط من السماء شيء ثقيل من أي جهة كانت لما استقر إلا في الأرض. وكذلك ما يسقط من الأثقال مما بين السماء والأرض فمقره الأرض. وقانون الجاذبية للأثقال ينتهي إلى المركز في جوف الأرض وهو وسط الأرض السابعة السفلى.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى بعد أن ساق عدة أحاديث في إثبات سبع أرضين قال فهذه الأحاديث كالمتواترة في إثبات سبع أرضين والمراد بذلك أن كل واحدة فوق الأخرى والتي تحتها في وسطها عند أهل الهيئة حتى ينتهي الأمر إلى السابعة وهي صماء لا جوف لها وفي وسطها المركز وهي نقطة مقدرة متوهمة وهو محط الأثقال إليه ينتهي ما يهبط من كل جانب إذا لم يعاوقه مانع.
وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى إذا أهبط شيء إلى جهة الأرض وقف في المركز ولم يصعد إلى الجهة الأخرى. وقال أيضاً ما يهبط من أعلى الأرض إلى أسفلها وهو المركز لا يصعد من هناك إلى ذلك الوجه إلا برافع يرفعه يدافع به ما في قوته من الهبوط إلى المركز.
وقال الشيخ أيضاً أهل الهيئة يقولون لو أن الأرض مخروقة إلى ناحية أرجلنا وألقي في الخرق شيء ثقيل كالحجر ونحوه لكان ينتهي إلى المركز حتى لو ألقي من تلك الناحية حجر آخر لالتقيا جميعاً في المركز ولو قدر أن إنسانين التقيا في المركز بدل الحجرين لالتقت رجلاهما ولم يكن أحدهما تحت صاحبه بل كلاهما فوق المركز انتهى.
والدليل على أن الأرض هي المركز الذي ينتهي إليه ما يهبط من السماء قول الله تعالى (ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه) وقوله تعالى (أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفاً من السماء) وقوله تعالى إخباراً عن مشركي قريش أنهم قالوا (أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً) وقوله تعالى إخباراً عن قوم شعيب أنهم قالوا (فأسقط علينا كسفاً من السماء إن كنت من الصادقين) والكسف القطع. وقوله تعالى (وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم).
وروى الإمام أحمد والترمذي وابن جرير والبيهقي عن عبد الله بن عمرو رضي الله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)
عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لو أن رصاصة مثل هذه وأشار إلى مثل الجمجمة أرسلت من السماء إلى الأرض وهي مسيرة خمسمائة سنة لبلغت الأرض قبل الليل» الحديث. قال الترمذي هذا حديث إسناده حسن صحيح.
وروى الطبراني والأزرقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «البيت المعمور في السماء يقال له الضراح وهو على مثل البيت الحرام بحياله لو سقط سقط عليه» وإذا كانت الأرض مركزاً ومستقراً للأثقال من جميع جهاتها فمفارقتها لموضعها ممتنع فضلا عن دورانها على الشمس لأنها لو كانت تدور على الشمس لكانت تصعد في الجو مع عظم ثقلها وانتفى كونها مركزاً ومستقراً للأثقال. وهذا باطل ترده الآيات التي تقدم ذكرها مع حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.
وترده أيضاً المشاهدة والمحسوس الذي يعرفه كل عاقل من كون الأرض مستقراً للأثقال من جميع نواحيها.
وهذا يدل على أنها قارة ثابتة لا تفارق موضعها والله أعلم.
فصل
وإذا علم ما ذكرنا من الآيات والأحاديث الدالة على جريان الشمس وسكون الأرض واستقرارها وما ذكرنا أيضاً من الإجماع على وقوف الأرض وسكونها فإنا نتحدى الصواف وأشباهه من العصريين المفتونين بأقوال أهل الهيئة الجديدة أن يأتوا بنص واحد من كتاب الله تعالى أو من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم يعارض ما ذكرنا من الأدلة. ولن يجدوا إلى ذلك سبيلا البتة. وغاية ما يعتمدون عليه ما روجه أهل الهيئة الجديدة من تخرصاتهم وظنونهم الكاذبة وأقوالهم الباطلة التي تخالف مدلول الكتاب والسنة وإجماع المسلمين. ومن نبذ الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وإجماع المسلمين وراء ظهره واعتمد على ما خالفها من زخارف أعداء الله تعالى وظنونهم فهو مصاب في دينه وعقله.
العلم قال الله قال رسوله … قال الصحابة هم أولو العرفان
ما العلم نصبك للخلاف سفاهة … بين الرسول وبين رأي فلان
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)
وقد قال الله تعالى (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً) وقال تعالى (إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم وقد أنزلنا آيات بينات وللكافرين عذاب مهين) وقال تعالى (إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين. كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز).
فصل
وقد صرح بعض المحققين بتكفير من يقول بحركة الأرض وسيرها. قال الشيخ محمد بن يوسف الكافي التونسي في كتابه «المسائل الكافية. في بيان وجوب صدق خبر رب البرية» بعد الخطبة ما ملخصه:
أما بعد فيقول أسير ذنبه المفتقر لعفو ربه محمد بن يوسف المعروف بالكافي إنه ضمنا مجلس في منزل الفاضل شيخ القراء الشيخ محمد سليم الحلواني يوم الأضحى من سنة 1351 المنصرمة فسألني بعض الحاضرين عن حكم من يقول بحركة الأرض وسيرها فأجبته بأنه كافر فقال لي وبماذا تكفره فقلت له لتكذيبه الله تعالى في خبره لأن الله سبحانه وتعالى أخبر في عدة آيات بعدم تحركها والله سبحانه وتعالى يستحيل عليه الكذب وما في معناه.
فاستعظم الحاضرون مني ذلك وقالوا التكفير بعيد لأنه يلزم عليه تكفير كثير من الناس.
وكان من جملة الحاضرين شيخ كبير فقال التكفير دونه خرط القتاد. والذي يظهر لي أنه تلفظ بهذه الجملة ولم يفقه معناها فخطر ببالي بعد انصرام المجلس أن أجمع مسائل رأيت بعضها منصوصاً وسمعت البعض الآخر وكلها على خلاف عقائد المسلمين من حيث إن فيها تكذيب خبر رب العالمين تعالى عن ذلك علواً كبيراً. وأن أبين الحق فيها الذي يجب اعتقاده. وذكرت قبل المسائل تتمات يحتاج إليها الناظر في المسائل. ثم قال:
(التتمة الأولى) متعلقة بالقرآن العظيم من حيث إنه قرآن عربي غير ذي عوج فلا يعدل في بيان مفرداته وجمله عما يقتضيه لسان العرب فمن عدل به عن ذلك فقد ألحد في آيات ربه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)
(التتمة الثانية) أن ما أكتبه هو نقل صريح بحت لا دخل للعقل فيه ولا للتخمين أيضاً فمن كان له ساعد قوي وأراد معارضتي في شيء مما أكتبه فليعارضني بنقل صريح من مادة ما أنقله. أعني إذا ذكرت آية أو حديثاً أو قول بعض العلماء. فليعارضني بآية أو حديث أو قول بعض العلماء على سبيل اللف والنشر المرتب.
وأما إذا ذكرت آية أو حديثاً وعارضني بقول أحد العلماء مجرداً عما يعضده من آية أو حديث فمعارضته مردودة عليه لا يصغى إليها ولا ينظر فيها.
(التتمة الثالثة) أن مرادي بما أكتبه هو تنبيه وإيقاظ من يكون في اعتقاده شك أو ريب فيما يعتقده المسلمون. والحال أن أصوله مسلمون ولكن لتربيته على يد غير المسلمين أو لمطالعته كتب غير المسلمين اكتسب هذا الاعتقاد المخرج له عن دائرة الإسلام فلعله إذا اطلع على ما أنقله وأسطره يرجع إلى حوزة الإسلام ويكون فرداً من أفراد المسلمين وما ذلك على الله بعزيز.
(التتمة الرابعة) اتفق العلماء على أن من قال قولا أو اعتقد اعتقاداً يوجب تكذيب الله تعالى في خبره كحركة الأرض وسيرها المخبر الله تعالى بعدم حركتها أو قال أو اعتقد أن السماء جو وفضاء لا بناء المخبر الله تعالى بأنها بناء شديد وسقف محفوظ لا يحكم عليه بالكفر بمجرد ذلك بل يحكم عليه إذا وقف على عقيدة المسلمين في تلك العقيدة أو العقائد وعاند ولم يرجع إلى معتقد المسلمين.
ثم شرع الشيخ الكافي في ذكر المسائل إلى أن قال:
(المسألة الموفية عشرين) الأرض من حيث حركتها وسكونها عقيدة المسلمين الذين لم تشرب قلوبهم حب أهل الكفر أنها ساكنة وثابتة ومرساة بالجبال كإرساء البيت بالأوتاد وكإرساء السفن في مرساها لربطها بالحبال في الأوتاد أو إنزال المخاطيف الهائلة من الحديد فتنزل في الأرض فتكون لها كالأوتاد للبيت أو يجعل فيها الأجرام الثقيلة لتثقل بها حتى لا تميد في مرساها أي لا تتحرك يميناً ولا شمالاً ولا أماماً ولا خلفاً وهذا هو الذي أراد الله تعالى في إرساء الأرض بالجبال بحيث لا تتحرك أصلا أي لا حركة منتظمة ولا غير منتظمة. قال الله تعالى ممتنا على عباده (وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم) ومعلوم أن القرآن نزل بلسان العرب. وتقدم في التتمات أن من أخرج مفرداته وجمله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)
عما يقتضيه لسانهم فقد ألحد في آيات ربه تعالى في مختار الصحاح ماد تحرك ومادت الأغصان تمايلت وماد الرجل تحرك.
وفي القاموس ماد يميد ميداً وميداناً تحرك وزاغ وزكا والسراب اضطرب والرجل تبختر. أ. هـ محل الحاجة منه.
في المختار مار من باب قال تحرك وجاء وذهب ومنه قوله تعالى (يوم تمور السماء موراً) قال الضحاك تموج موجاً. وقال أبو عبيدة والأخفش تكفأ.
في القاموس والمور الموج والاضطراب والجريان على وجه الأرض والتحرك.
في المختار ماج البحر من باب قال اضطربت أمواجه.
في القاموس الموج اضطراب أمواج البحر.
في القاموس واضطرب تحرك وماج.
في المختار رسا الشيء ثبت وبابه عدا ومرسى أيضاً بفتح الميم ورست السفينة وقفت على الانجر وبابه عدا وسما.
قلت قال الأزهري في نجر الأنجر مرساة السفينة وهو اسم عراقي وقوله تعالى (بسم الله مجراها ومرساها) سبق في جرى. والمرساة التي ترسي بها السفينة تسميه الفُرس لنكر. والرواسي من الجبال الثوابت الرواسخ واحدتها راسية.
في القاموس رسا رَسُوا ورُسُوا ثبت كارسي والسفينة وقفت على الانجر وارسيته، وقال والمرساة أنجر السفينة، وقال وألقت السحاب مراسيها استقرت. وقال وقدور راسية لا تبرح مكانها لعظمها أ. هـ.
وقال تعالى (ألم نجعل الأرض مهاداً. والجبال أوتادا) في القاموس الوتد وبالتحريك وككتف ما رز في الأرض أو الحائط من الخشب. وقال وأوتاد الأرض الجبال أ. هـ.
فالسفينة إما جارية وإما راسية ولا واسطة بين الحالتين لها.
وأخرج ابن جرير عن الضحاك في تفسير قوله تعالى (وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها) الآية. قال كان إذا أراد أن ترسى قال بسم الله فأرست وإذا أراد أن تجري قال بسم الله فجرت، في الدر المنثور في تفسير قوله تعالى (يوم تمور السماء موراً) أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)