الجديدة وتخرصوه ذكره الألوسي عنهم. وهؤلاء كما قال الله تعالى في أشباههم (وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغن من الحق شيئاً. فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا. ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى) وقال تعالى (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون. إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين).
وقد تقدم أن هذا القول ينافي ما أخبر الله به من جريان الشمس في الفلك ودؤبها في السير فيه.
وأهل الهيئة الجديدة هم سلف الصواف وأشباهه من العصريين وعلى أقوالهم الباطلة بنى الصواف تعقيبه على الشيخ ابن باز وبها يجادل ليدحض الحق. وقد قال الله تعالى (والعاقبة للمتقين) وقال تعالى (والعاقبة للتقوى) وقال تعالى (وإن جندنا لهم الغالبون) وقال تعالى (ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز).
وروى الإمام أحمد وأبو داود والطبراني والحاكم عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «من خاصم في باطل وهو يعلمه لم يزل في سخط الله حتى ينزع».
الوجه الثالث أن الحق في هذا هو ما دل عليه الكتاب والسنة وإجماع المسلمين من جريان الشمس في الفلك بقدرة الله تعالى وثبات الأرض واستقرارها بأمر الله تعالى. لا ما زعمه الصواف مما هو قلب للحقيقة.
الوجه الرابع من أوابد الصواف وعظيم جراءته زعمه أن النصوص الدالة على جريان الشمس ظنية وليست قطعية الدلالة.
والجواب عن هذا الإفك المبين أن نقول. سبحانك هذا بهتان عظيم.
وفي هذا القول الوخيم دليل على فساد تصور قائله.
وكيف لا يكون كذلك وهو يرى أن نصوص الكتاب والسنة على إثبات جريان الشمس ظنية وليست قطعية الدلالة. وأن الحق فيما تخيله كوبرنيك البولوني وهرشل الإنكليزي وأتباعهم من أهل الهيئة الجديدة وما تخرصوه من ثبات الشمس واستقرارها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)
وأن هذا من المسلمات العلمية التي لا يجادل فيها اثنان.
يا سبحان الله العظيم، أيكون وحي الرحمن إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ظنياً وليس قطعي الدلالة، ويكون وحي الشيطان إلى أوليائه من المسلمات العلمية التي لا يجادل فيها اثنان. هذا قول باطل ورعونة وسفه لا يقوله إلا من هو مصاب في دينه وعقله، وقد قيل.
يقضي على المرء في أيام محنته … حتى يرى حسناً ما ليس بالحسن
وأبلغ من هذا قول الله تعالى (ومن يعشُ عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين. وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون) وقوله تعالى (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون) وقوله تعالى (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون) وقوله تعالى (ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم).
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في بدائع الفوائد. حذار حذار من أمرين لهما عواقب سوء. أحدهما رد الحق لمخالفته هواك فإنك تعاقب بتقليب القلب ورد ما يرد عليك من الحق رأساً ولا تقبله إلا إذا برز في قالب هواك قال تعالى (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة) فعاقبهم على رد الحق أول مرة بأن قلب أفئدتهم وأبصارهم بعد ذلك.
والثاني التهاون بالأمر إذا حضر وقته فإنك إن تهاونت به ثبطك الله وأقعدك عن مراضيه وأوامره عقوبة لك. قال تعالى (فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبداً ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين) فمن سلم من هاتين الآفتين والبليتين العظيمتين فلتهنه السلامة انتهى.
الوجه الخامس أن الله تعالى قرن بين الشمس والقمر في مواضع كثيرة من القرآن وذكر عن القمر من الجري والسبح في الفلك والبزوغ والأفول نظير ما ذكره عن الشمس فهل يقول الصواف بثبات القمر حول محوره وحركته حول نفسه وأن الأدلة على جريه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)
ظنية وليست قطعية الدلالة كما قد قال بذلك في الشمس أم لا. وإن لم يقل بذلك فإنا نطالبه بإبراز نص عن الله تعالى أو عن رسوله صلى الله عليه وسلم يثبت للقمر الجري والسبح في الفلك والبزوغ والأفول دون الشمس ولن يجد إلى ذلك سبيلا البتة.
ومن أثبت الجري والسبح في الفلك والبزوغ والأفول للقمر لزمه أن يثبت ذلك للشمس وإن يفعل فقد فرق بين متماثلين وآمن ببعض الكتاب وكفر ببعض.
الوجه السادس أن التوقف إنما يكون في الأمور التي لم يتبين وجهها. وكذلك التفويض إنما يكون في الأمور التي لا تعلم كيفيتها وجريان الشمس في الفلك ودؤبها في السير ليس من هذا الباب لأن الله تعالى قد نص على جريانها في عدة آيات من كتابه. ونص أيضاً على أنها تسبح في الفلك. ونص أيضاً على أنها بحسبان. ونص أيضاً على دؤبها في السير.
ونص أيضاً على أنه يأتي بها من المشرق. ونص أيضاً على طلوعها ودلوكها وغروبها.
ونص على ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في عدة أحاديث صحيحة فيجب على المسلم أن يعتقد ما جاء في كتاب الله تعالى وما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ولا يتوقف فيه.
ويجب على العلماء أن يبينوا للناس ما خفي عليهم من ذلك ويبينوا حكم من رد النصوص الثابتة في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولا يتوقفوا عن البيان فيلحقهم الوعيد على الكتمان.
والمبادرة إلى البيان أسلم للعلماء وأحكم؛ وتأخير البيان إنما يكون من تثبيط الشيطان وصده عن إظهار الحق.
الوجه السابع أن الصواف قد عاب على الشيخ ابن باز لما بادر إلى بيان الحق الذي يجب عليه وعلى أمثاله أن يبينوه ولا يكتموه. ولم ير هو عيب نفسه في مبادرته إلى نشر الباطل والذب عنه والمجادلة به لإدحاض الحق ولو أنه اشتغل بإصلاح عيبه ولم يشتغل بلوم علماء المسلمين لكان خيراً له.
أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم … من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا
الوجه الثامن أن قول الصواف ولكن هل من قال بحركة الأرض إلى آخره. وتوقفه فيما توقف فيه وزعمه أن الأدلة على حركة الشمس وسيرها ظنية وليست قطعية الدلالة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)
كل ذلك يدل دلالة واضحة على كثافة جهله بما أخبر الله به في كتابه وما أخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم وما أجمع عليه المسلمون فيما يتعلق بجريان الشمس وثبات الأرض وإذا كان الصواف بهذه المثابة من الجهل فالأولى له السكوت وعدم الخوض فيما لا علم له به وترك الاعتراض على علماء المسلمين. ولكن حب الشهرة حمل الرجل على أن يهرف بما لا يعرف وأن يخالف من هو أعلم منه فكان الأمر فيه كما قيل.
خلافاً لقولي من فيالة رأيه … كما قيل قبل اليوم خالف لتذكرا
فصل
قال الصواف ومع هذا فإني أود أن أقول لسماحتكم إن هذا القول (حركة الأرض وثبوت الشمس) لم يقل به كفار الغرب من الأمريكان وملحدو الشرق من الروس فقط. بل الذي سبق إليه علماء مسلمون لهم قدرهم ووزنهم في تاريخ الحضارة الإسلامية فهل نحكم بكفرهم وردتهم ونجردهم من الإسلام وهم قد أفضوا إلى ما قدموا وقالوا في السماء والأفلاك ما لم يصل إليه حتى الآن علماء الغرب ولا الشرق وقالوا عن سطح القمر والجبال التي فيه قبل مئات السنين ما لم تقله لوناً (9) التي قيل إنها حطت على سطح القمر وأرسلت صورا تلفزيونية إلى الكوكب الأرضي. ولقد دهشت حقاً وأنا أنظر إلى هذه الصور في الصحف وأقرأ ما قاله علماؤنا الأجلاء قبل ما يقارب الألف عام كيف وصل علماؤنا إلى ذلك كله مع قلة الوسائل وحداثة العلم الذي اشتغلوا فيه ونبغوا فيه نبوغاً حير الألباب واستخرج حتى من أعدائهم الإعجاب. إن العلماء المسلمين أول من اشتغل بعلم الفلك بعد اليونانيين الأقدمين وأول من ألف فيه الكتب والمصنفات وأول من أنشأ المراصد الفلكية في العالم وخصص لها المخصصات الطائلة من بيت مال المسلمين. ولقد أدت مراصد بغداد الفلكية في عهد هارون الرشيد وعهد المأمون في العصر العباسي الأول خدمات لعلم الفلك ذكرها وشكرها كثير من العلماء الفلكيين في القديم والحديث. وكذلك فعلت مراصد دمشق والقاهرة والرقة وسنجار ومراغة وسمرقند وطليطلة وقرطبة. بل إن هذه المراصد أضافت إلى علم الفلك إضافات مهمة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)
بعد أن أدمجت فيها مجموعة ما رصد في هذه المراصد إذ عينت انحراف سمت الشمس بثلاث وعشرين دقيقة واثنتين وخمسين ثانية وهو ما يعادل الرقم الحاضر اليوم ثم رصد الاعتدال الشمسي فمكنهم من تعيين السنة بالضبط.
قال ابن قتيبة عن علماء الفلك المسلمين الأقدمين إنهم أعلم الأمم بالكواكب ومطالعها ومساقطها. وفي عصر المأمون العباسي وضع أبناء شاكر قياساً للدرجة على الأرض ووضعوا التقاويم للأمكنة وقاسوا عرض بغداد وكان مقداره ثلاثاً وثلاثين درجة وعشرين دقيقة.
لقد مكث العالم المسلم محمد بن جابر بن سنان واحداً وأربعين سنة يرصد النجوم والكواكب في مرصد الرقة في أرض الشام حتى تمكن من تصحيح بعض نتائج بطليموس اليوناني وجاءت نتائج أرصاد هذا العالم المسلم غاية في الدقة والضبط والإحكام والإتقان.
وأبو الحسن المراكشي وهو من علماء القرن الثامن الهجري قام بجهود كبيرة في خدمة علم الفلك ولقد عني بضبط خطوط الطول والعرض لإحدى وأربعين مدينة إفريقية واقعة ما بين مراكش والقاهرة.
وسجل العالم البتاني وهو أحد عشرين عالماً فلكياً سبقاً لم يتقدمه أحد إليه حتى قال المسعودي عنه إنه أول من كشف السمت والنظير وحدد نقطتيهما من السماء. لا أريد أن أتوسع في بيان ما صنعه علماء الإسلام من عجائب وغرائب في علم الفلك وهي كثيرة لا تحصى إذ أنني أريد أن أنتقل إلى صلب الموضوع وهو حركة الأرض والشمس.
والجواب أن يقال لو توسع الصواف فيما ذكره عن الفلكيين وأطال الكلام بما لا فائدة فيه وما هو خارج عن الموضوع الذي قرره الشيخ ابن باز فكلامه ههنا في واد وكلام الشيخ في واد آخر.
والكلام على ما تضمنه كلام الصواف من الأخطاء من وجوه: أحدها أن ما زعمه من سبق العلماء إلى القول بحركة الأرض وثبات الشمس ليس بصحيح. وإنما كان السابق إلى ذلك فيثاغورس اليوناني فهو أول من قال بحركة الأرض وثبات الشمس وكان زمانه قبل زمان المسيح بنحو خمسمائة سنة وقيل ستمائة سنة. وقد خالفه أهل الهيئة القديمة وكان قوله مهجوراً عندهم إلى أن جاء فلاسفة الإفرنج المتأخرون ومنهم كوبرنيك
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)
البولوني في القرن العاشر من الهجرة. ومنهم أيضاً هرشل الإنكليزي وأتباعه أصحاب الرصد والزيج الجديد وكانوا في القرن الثاني عشر والقرن الثالث عشر من الهجرة فنصروا قول فيثاغورس وردوا ما خالفه وسموا ما ذهبوا إليه الهيئة الجديدة. وكان ابتداء هذه الهيئة الجديدة من نحو أربعمائة سنة. وإنما شاعت بين الناس منذ زمن قريب.
قال محمود شكري الألوسي في صفحة (3) من كتابه الذي سماه (ما دل عليه القرآن مما يعضد الهيئة الجديدة) قد شاع في عصرنا قول فيثاغورس الفيلسوف الشهير في هيئة الأفلاك ونصره الفلاسفة المتأخرون بعد أن كان عاطلا مهجوراً وهو القول بحركة الأرض اليومية والسنوية على الشمس وأنها مركز نظامها وأن الأرض إحدى الكواكب السيارة وأنها سابحة في الجو معلقة بسلاسل الجاذبية وقائمة بها كسائر الكواكب لا أنها كما ذهب إليه بطليموس في الأفلاك كالمسامير في الباب ..
قال وقد سماها الفلاسفة المتأخرون الهيئة الجديدة لكونها شاعت في العصر المتأخر وإلا فالقول بها متقدم جداً.
وذكر الألوسي أيضاً في صفحة 23 أن المتأخرين ممن انتظم في سلك الفلاسفة كهرشل وأتباعه أصحاب الرصد والزيج الجديد تخيلوا خلاف ما ذهب إليه الأولون في أمر الهيئة وقالوا بأن الشمس مركز الأرض وكذا النجوم دائرة حولها.
وذكر الألوسي أيضاً في صفحة 29 ما ذهب إليه أصحاب الزيج الجدد من أن الشمس ساكنة لا تتحرك أصلا وأنها مركز العالم وأن الأرض وكذا سائر السيارات والثوابت تتحرك عليها.
وقال أيضاً في صفحة 33 ما ملخصه، والمنجمون يقسمون النجوم إلى ثوابت وسيارات والسيارات عند المتقدمين سبع بإجماعهم وعند المنجمين اليوم وهم أهل الهيئة الجديدة أن الشمس في وسط الكواكب التي تدور حولها وأن لها حركة على نفسها وجزموا بأن ليس لها حركة حول الأرض بل للأرض حركة حولها وأن الأرض إحدى السيارات وهي عندهم عطارد والزهرة والأرض والمريخ ووسنة وقد كشفها رجل منهم يقال له «أولبوس» في حدود سنة ثلاث وعشرين ومائتين وألف للهجرة (ونبتون) وقد كشفها رجل منهم يقال له «هاردنق» في حدود سنة عشرين ومائتين وألف للهجرة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)
(وسيرس) وقد كشفها رجل منهم يقال له «بياظي» في حدود سنة ست عشرة ومائتين وألف للهجرة (وبلاس) وقد كشفها «أولبوس» أيضاً في حدود سنة سبع عشرة ومائتين وألف. والمشتري وزحل (وأورانوس) وقد كشفها رجل منهم يقال له «هرشل» في حدود سنة سبع وتسعين ومائة وألف للهجرة.
وذكر الألوسي أيضاً في هامش صفحة 46 أن المتأخرين من الفلاسفة الإفرنج ذهبوا إلى أن الكواكب تتحرك بأنفسها من غير أن تكون مركوزة في جسم آخر.
وقال أيضاً في صفحة 59 ما نصه: ثم قال تعالى (إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السموات والأرض لآيات لقوم يتقون) في هذه الآية تنبيه إجمالي على قدرة الله تعالى. أي في تعاقب الليل والنهار وكون كل منها خلفة للآخر بحسب طلوع الشمس وغروبها التابعين عند أكثر الفلاسفة لحركة الفلك الأعظم حول مركزه على خلاف التوالي فإنه يلزمها حركة سائر الأفلاك وما فيها من الكواكب مع سكون الأرض على ما زعموا. وهذا في أكثر المواضع، وأما في عرض تسعين فلا يطلع شيء ولا يغرب بتلك الحركة أصلا بل بحركات أخرى وكذا فيما يقرب منه قد يقع طلوع وغروب بغير ذلك وتسمى تلك الحركة «الحركة اليومية» وجعلها بعضهم وهم فلاسفة الإفرنج بتمامها للأرض وجعل آخرون بعضها للأرض وبعضها للفلك الأعظم. والقرآن العظيم ساكت عن المذهبين وذلك من براهين إعجازه.
قلت ليس الأمر كما زعمه الألوسي فإن الله تعالى قد نص على جريان الشمس في عدة آيات من القرآن. ونص أيضاً على أنها تسبح في الفلك والسبح المر السريع، ونص أيضاً على أنها بحسبان. ونص أيضاً على دؤبها في السير، ونص أيضاً على إتيانها من المشرق وعلى طلوعها وغروبها ودلوكها أي زوالها، وجاء في القرآن عدة آيات تدل على سكون الأرض واستقرارها. فكيف يقال إن القرآن ساكت عن المذهبين وهو قد أيد قول من قال بجريان الشمس وسكون الأرض ورد قول من قال بخلاف ذلك.
وقال الألوسي أيضاً في صفحة 67 و 68 ما ملخصه قال أهل الهيئة الجديدة الأرض جرم من الأجرام السماوية. يعني أنها جرم من الأجرام التابعة للشمس وهي السيارات الدائرة حولها على أبعاد متفاوتة وسميت (النظام الشمسي) وشكلوا لذلك شكلا في وسطه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)
الشمس ثم عطارد وهو أقرب إلى الشمس من سائر السيارات المعروفة وبعده الزهرة ثم الأرض ثم قمرها ثم المريخ ثم فسحة واسعة فيها مئتان واثنان وسبعون جرماً صغيراً تسمى النجميات أو الشبيهة بالسيارات ثم المشتري ثم زحل ثم أورانوس ثم نبتون - إلى أن قال - وقالوا في شأن الأرض وحركتها. السيار التابع للنظام الشمسي الذي نحن ساكنون عليه هو الأرض وأنها كروية الشكل - إلى أن قال - وذهبوا إلى أن حركتها وكذا سائر الأجرام السماوية من الغرب إلى الشرق وذهبوا إلى أن لها حركة أخرى غير الحركة اليومية وهي الحركة السنوية فللأرض عندهم حركتان حركة يومية وهي دورانها على محورها مرة من الغرب إلى الشرق ومنها اختلاف الليل والنهار وحركة من الغرب إلى الشرق حول الشمس مرة واحدة كل سنة. هذا ما ذكره علماء الهيئة الجديدة في شأن الأرض. وقد تصفحت القرآن العظيم الشأن فوجدت عدة آيات نطقت بما يتعلق بالأرض من جهة الاستدلال بها على وجود خالقها وعظمة باريها ولم يذكر فيها شيء مما يخالف ما عليه أهل الهيئة اليوم.
قلت ليس الأمر على ما قاله الألوسي بل في القرآن آيات كثيرة تدل على سكون الأرض واستقرارها. وفيه نصوص كثيرة تدل على جريان الشمس ودؤبها في السير وقد ذكرت ذلك مستقصى في أول الكتاب فليراجع.
وقال الألوسي أيضاً في صفحة 95 وأما قوله (وكل في فلك يسبحون) فالفلك في الأصل كل شيء دائر ومنه فلكة المغزل والمراد به هنا على قول كثير هو موج مكفوف تحت السماء تجري فيه الشمس والقمر. وعن الضحاك هو ليس بجسم وإنما هو مدار هذه النجوم. وفيه القول باستدارة السماء. قال وغاية ما نقول أن الفلاسفة اليوم من الإفرنج وأهل الأرصاد القلبية والمعارج المعنوية خالفوا قول بعض الفلاسفة المتقدمين المخالف لقولهم انتهى المقصود مما ذكره الألوسي. وفيه رد لما زعمه الصواف من سبق العلماء المسلمين إلى القول بحركة الأرض وسكون الشمس. وبيان أن أول من تخيل حركة الأرض وثبات الشمس بعد فيثاغورس وأصحابه هم فلاسفة الإفرنج المتأخرون مثل كوبرنيك البولوني وهرشل الإنكليزي وأتباعهما أصحاب الرصد والزيج الجديد وقد تلقى ذلك عنهم كثير من ضعفاء البصيرة من المسلمين ولاسيما في هذا القرن وهو
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)
القرن الرابع عشر من الهجرة.
وقبل ظهور أهل الهيئة الجديدة من الإفرنج لا نعلم عن أحد من المسلمين خلافاً في سكون الأرض وجريان الشمس.
وقد تقدم ما حكاه الشيخ عبد القاهر بن طاهر البغدادي من إجماع أهل السنة على وقوف الأرض وسكونها وأن حركتها إنما تكون بعارض يعرض لها من زلزلة ونحوها.
وتقدم أيضاً ما حكاه القرطبي من إجماع المسلمين وأهل الكتاب على ذلك.
وتقدم أيضاً ذكر النصوص من الكتاب والسنة على جريان الشمس ودؤبها في السير وذلك ما لا خلاف فيه بين المسلمين منذ زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن ظهر المقلدون لكوبرنيك البولوني وهرشل الإنكليزي وأتباعهما من أهل الهيئة الجديدة منذ زمن قريب فأحدثوا بين المسلمين خلافاً لم يكن معروفاً بينهم من قبل.
ولا عبرة بخلاف هؤلاء المخدوعين بزخارف أعداء الله تعالى وتخرصاتهم الكاذبة.
وقد ذكرنا فيما تقدم أنهم محجوجون بنصوص الكتاب والسنة وإجماع المسلمين على خلاف ما ذهبوا إليه.
الوجه الثاني أن يقال من هم العلماء المسلمون الذين لهم قدرهم ووزنهم في تاريخ الحضارة الإسلامية وقد قالوا بحركة الأرض وثبات الشمس وقالوا عن سطح القمر والجبال التي فيه ما لم يقله أهل هذه الأزمان. إننا نتحدى الصواف أن يسمي علماء المسلمين الأجلاء الذين قالوا هذه الأقوال قبل ما يقارب الألف عام وأن يذكر كتبهم التي أثبتوا فيها ذلك إن كان صادقاً. وما أبعده من الصدق.
الوجه الثالث أن يقال إن أعظم هذه الأمة قدراً وأرجحهم وزناً في تاريخ الحضارة الإسلامية هم الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ولم يقل أحد منهم بحركة الأرض وثبات الشمس بل المأثور عنهم خلاف ذلك. وكذلك لم يتهجموا على الغيب ويرجموا بالظن عن سطح القمر وما فيه.
ثم التابعون وتابعوهم بإحسان وأئمة العلم والهدى من بعدهم ولاسيما الأئمة الأربعة وأقرانهم من أكابر العلماء وكذلك من كان بعدهم من الأئمة الأعلام فكل هؤلاء لم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 112)
يقل أحد منهم بحركة الأرض وثبات الشمس ولم يتهجموا على الغيب ويرجموا بالظن عن سطح القمر وما فيه.
فمن حاد عن منهاج الصحابة والتابعين وأئمة العلم والهدى من بعدهم وقال بخلاف قولهم فقوله مردود عليه.
وقد قال الله تعالى (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً).
الوجه الرابع أن يقال إن كوبرنيك البولوني وأتباعه في آخر القرن العاشر من الهجرة والقرن الحادي عشر وكذلك هرشل الإنكليزي وأتباعه من الإفرنج مثل أولبوس وهاردنق وبياظي وغيرهم من فلاسفة الإفرنج في آخر القرن الثاني عشر من الهجرة وأول القرن الثالث عشر هم الذين سبقوا إلى القول بحركة الأرض وثبات الشمس وقد كان القول به مهجوراً منذ ذهب فيثاغورس اليوناني وأصحابه إلى أن جاء هؤلاء الإفرنج أصحاب الهيئة الجديدة فنصروه وردوا ما خالفه. فهل يقول الصواف إن هؤلاء علماء مسلمون لهم قدرهم ووزنهم في تاريخ الحضارة الإسلامية.
الوجه الخامس لو فرضنا صحة ما زعمه الصواف من سبق بعض علماء المسلمين إلى القول بحركة الأرض وثبات الشمس فهو قول باطل مردود لمخالفته للأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة ومخالفته أيضاً لأقوال الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان وأئمة العلم والهدى من بعدهم. ومخالفته أيضاً لإجماع المسلمين على ثبات الأرض ووقوفها.
وكل قول خالف نصاً من كتاب الله تعالى أو من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم أو خالف إجماع المسلمين فمضروب به عرض الحائط ومردود على قائله كائناً من كان.
وقد ذكرت آنفاً أن الذين سبقوا إلى القول بحركة الأرض وثبات الشمس هم فيثاغورس اليوناني وأصحابه وبعدهم أهل الهيئة الجديدة من فلاسفة الإفرنج. وكان ابتداء الهيئة الجديدة من نحو أربعمائة سنة. ولا يعرف عن أحد من علماء المسلمين قبل ظهور الهيئة الجديدة أنه قال بحركة الأرض وثبات الشمس .... بعد ظهور الهيئة الجديدة فقد كان بعض المنتسبين إلى العلم يقلدون أهلها ويحسنون الظن بهم.
وكما أنه لا يعتد بأقوال أعداء الله تعالى في شيء من المسائل العلمية فكذلك لا يعتد بأقوال مقلديهم بطريق الأولى والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)
الوجه السادس أن ما زعمه أعداء الله تعالى من وصول لونا (9) إلى القمر ورسوها على سطحه وإرسالها الصور التلفزيونية إلى الأرض كله كذب وتمويه على الأغبياء، والأمر في هؤلاء الكذابين كما قيل في أسلافهم:
سلاحهم في وجوه الخصم مكرهمُ … وخير جندهمُ التدليس والكذب
ومن أين لأعداء الله تعالى أن يصلوا إلى القمر أو تصل مصنوعاتهم إليه وهو في السماء بنص القرآن. وبين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام كما دلت على ذلك النصوص الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقدرة البشر تعجز عن الوصول إلى السماء والصعود في الجو مسيرة خمسمائة سنة.
ولعل أعداء الله تعالى إذا سقطت لهم سفينة فضائية في البحر أو في مكان مجهول من البر ولم يدروا أين ذهبت قالوا إنها ذهبت إلى القمر ورست على سطحه. وقد وجد لهم غير ما سفينة فضائية ساقطة.
والصور التي يزعمون أنها أرسلت إليهم من القمر لا شك أنها من مخرقتهم وصنع أيديهم فإنهم معروفون بالمخرقة والتدجيل قديماً وحديثاً. وقد ذكر العلماء عنهم من ذلك شيئاً كثيراً. ولا يغتر بأباطيل أعداء الله تعالى ويصدق بها ويندهش لمخرقتهم وتدجيلهم إلا من هو ناقص العقل.
ومن أين للصور التلفزيونية أن تصل إلى الأرض من مسيرة خمسمائة سنة وهي لا تتجاوز في الأرض مسيرة عشرة أيام أو نحوها إذا كانت قوية. فوصولها من القمر محال.
ومن زعم وصولها منه فهو من أكذب الكاذبين.
ومن مخرقة أعداء الله تعالى وتدجيلهم فيما يتعلق بالقمر زعمهم أن فيه أرضاً صالحة للنبات والسكنى فهم لذلك يرومون الانتقال إليه والبناء فيه والسكنى. وكثير من الجهال يصدقونهم في هذه المزاعم الكاذبة.
وليس لأعداء الله تعالى ذهاب ولا محيص عن هذه الأرض التي خلقوا منها ولو بلغوا في قوة الصناعة ما بلغوا فمردهم إلى الأرض لا محالة. قال الله تعالى (قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون). وقال تعالى (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى) وقال تعالى مخبراً عن نوح عليه السلام أنه قال لقومه (والله أنبتكم من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 114)
الأرض نباتاً. ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجاً).
وفي هذه الآيات رد على من زعم أن السكنى في القمر أو في غيره من الأجرام العلوية ممكنة لبني آدم.
وأيضاً فإن الله تعالى قد حرس السماء من الشياطين كما جاء ذلك في آيات كثيرة من القرآن.
والقمر في السماء بنص القرآن فهو محروس من وصول الشياطين إليه والاستقرار على سطحه، وسواء في ذلك شياطين الجن وشياطين الإنس. بل إن شياطين الإنس شر من شياطين الجن كما جاء ذلك فيما رواه ابن جرير عن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «يا أبا ذر هل تعوذت بالله من شر شياطين الجن والإنس قال قلت وهل للإنس من شياطين قال نعم هم شر من شياطين الجن».
فإن قيل إن الشياطين إنما منعوا من استراق السمع وليس ذلك مراد الذين يرومون الوصول إلى القمر.
فالجواب أن يقال إن المنع من استراق السمع يدل على المنع مما هو أعظم منه كالبناء والسكنى والمجاورة لأهل الملأ الأعلى. فالذين يرومون هذه الأمور من شياطين الإنس أولى بالطرد والإبعاد من الذين يسترقون السمع فقط.
وقد نشرت جريدة المدينة في عددها 587 الصادر بتاريخ 21 - 11 - 1385 هـ كلاماً لبعض علماء الأمريكان وهو «برنارد لوفيل. مدير مرصد جدويل بانك» يندد فيه بالأمريكان والروس على السواء لتنافسهم في السباق إلى القمر. وقال إن التنافس نابع من صميم غباوة الإنسان. ومضى يقول إن الطبيعة الإنسانية تواجه فشلا كبيراً إذ تعالج هذه المهمة ليس فقط بصورة منفصلة بنفقات باهظة. بل وبإخفاق الشعبين اللذين يقومان بها في تبادل المعلومات وعلى الأخص في وجه المشكلات الفنية الهندسية والعلمية والإنسانية التي تجابهها حضارة العالم.
هذه خلاصة كلامه الذي توخى فيه بيان الأمر على الحقيقة وهذا الكاتب وإن كان غير مسلم فهو في الحقيقة أعقل من أغبياء المسلمين الذين يصدقون أعداء الله في كل ما قالوه ويندهشون لمخرقتهم وتدجيلهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)
الوجه السابع أن إطلاق اسم الكوكب على الأرض خطأ وضلال. والذين أطلقوا عليها اسم الكوكب هم الذين زعموا أنها تسير كما تسير الكواكب وتدور على الشمس وهم أهل الهيئة الجديدة من الإفرنج ومن يقلدهم ويحذو حذوهم من جهال المسلمين.
وهذا خلاف ما سماها الله بها في كتابه وما سماها به رسول الله صلى الله عليه وسلم وجميع المسلمين سوى الأغبياء المقلدين لأهل الهيئة الجديدة.
ولازم هذا القول أن تكون الأرض من جملة الزينة التي زين الله بها السماء الدنيا وجعلها رجوماً للشياطين. لأن الله تعالى قال في كتابه العزيز (إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب. وحفظاً من كل شيطان مارد) وقال تعالى (ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوماً للشياطين) وقال تعالى (وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم).
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة سنة» وقد تقدم ذكر هذه الأحاديث.
وإذا كان بين السماء والأرض هذا البعد الشاسع فكيف يقال إن الأرض كوكب من جملة الكواكب التي جعلها الله زينة للسماء الدنيا. هذا من أبطل الباطل ولا يقوله من له أدنى مسكة من العقل.
وأيضاً فقد أخبر الله تعالى في كتابه العزيز أنه جعل الأرض فراشاً والسماء بناء. وأخبر في آية أخرى أنه جعل السماء سقفاً محفوظاً. وقال تعالى في آية أخرى (والسقف المرفوع) فدل القرآن على أن الأرض هي أسفل البناء والسماء سقفه.
وما كان أساس البناء وأسفله كيف يقال إنه كوكب من جملة زينة سقفه المرفوع. هذا تخبيط لا يقوله من يعلم ما يقول.
وقد قال الراغب الأصفهاني الأرض الجرم المقابل للسماء ويعبر بها عن أسفل الشيء كما يعبر بالسماء عن أعلاه.
وقال أبو الفرج ابن الجوزي في تفسيره إنما سميت الأرض أرضاً لسعتها. وقيل لانحطاطها عن السماء وكل ما سفل فهو أرض وسميت السماء سماء لعلوها.
وقال القرطبي في تفسيره السماء للأرض كالسقف للبناء. ولهذا قال تعالى وقوله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 116)
الحق (وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً) وكل ما علا وأظل قيل سماء.
وقيل أيضاً والسماء ما علا والأرض ما سفل.
وقال الجوهري وغيره من أئمة اللغة كل ما سفل فهو أرض.
وروى ابن جرير في تفسيره من طريق السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم (والسماء بناء) فبناء السماء على الأرض كهيئة القبة وهي سقف على الأرض وإذا كانت الأرض سافلة والسماء عالية عليها وسقفاً فوقها فلا يقول إن الأرض كوكب من جملة الكواكب التي قد جعلت زينة للسماء إلا من هو من أجهل الناس.
وبعد تحرير هذا الموضع وقفت على كلام للشيخ محمد بن يوسف الكافي التونسي رد به على من زعم أن الأرض كوكب من جملة الكواكب التي تدور حول الشمس، وقد رأيت أن أسوقه ههنا لما فيه من تحقيق الحق وإبطال الباطل.
قال في كتابه «المسائل الكافية، في بيان وجوب صدق خبر رب البرية» ما نصه:
(المسألة التاسعة والتسعون) في الجزء المذكور يعني الجزء الرابع عشر من مجموعة مجلة المنار - صفحة 578 قال بعض أشياع محمد عبده مع مشاركة الشيخ رشيد رضا في بعض كلامه. ما هذه الأرض التي نعيش عليها. هي كوكب من الكواكب التي تدور بمركز الشمس وتسمى بالسيارات.
قال الشيخ الكافي في الرد عليه.
(قوله) هي كوكب. كذَب وافترى على الله تعالى من سماها كوكباً لأن الله تعالى الذي خلقها سماها أرضاً.
والكوكب هو النجم ومحله العلو.
والكوكب من وصفه الإضاءة والإشراق والطلوع والأفول والأرض بخلاف ذلك.
وقوله من الكواكب التي تدور بمركز الشمس ممنوع لأنه تقدم أن الأرض ساكنة لا متحركة فارجع إليه إن شئت انتهى.
وكلامه الذي أشار إليه هنا وأنه قد تقدم قد ذكرته مستوفي مع الكلام على تكفير من يقول بحركة الأرض وسرها فليراجع هناك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 117)
الوجه الثامن أن علماء المسلمين الذين هم ورثة النبي صلى الله عليه وسلم كالخلفاء الراشدين وسائر علماء الصحابة والتابعين وتابعيهم وأئمة العلم والهدى من بعدهم لم يكن أحد منهم يشتغل بعلم الفلك ولم يؤلفوا فيه شيئاً ولم ينشئوا شيئاً من المراصد الفلكية كما قد يوهمه قول الصواف إن العلماء المسلمين أول من اشتغل بعلم الفلك إلى آخره.
وإنما الذين كانوا يشتغلون بعلم الفلك والتأليف فيه وإنشاء المراصد الفلكية صنفان من الناس وهم الفلاسفة والمنجمون. وكثير من المنتسبين منهم إلى الإسلام كانوا متهمين في دينهم. بل منهم من هو شر على الإسلام والمسلمين من اليهود والنصارى وسائر المشركين مثل نصير الكفر الطوسي وابن سينا القرمطي الباطني وغيرهم من الفلاسفة الذين كانوا ينتسبون إلى الإسلام وهم في غاية البعد منه بل هم الأعداء الألداء للإسلام وأهله على الحقيقة.
ثم لو سلمنا تسليماً جدلياً أن أحدا من علماء المسلمين اشتغل بعلم الفلك وألف فيه شيئاً من المؤلفات فهم لم يقولوا بثبات الشمس وحركة الأرض ودورانها على الشمس.
الوجه التاسع أن إنشاء المراصد الفلكية عند المسلمين إنما كان في زمن المأمون حين عربت كتب الأوائل ومنطق اليونان. قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي في تذكرة الحفاظ في ترجمة شجاع بن الوليد بن قيس. لما قتل الأمين واستخلف المأمون على رأس المائتين نجم التشيع وأبدى صفحته وبزغ فجر الكلام وعربت كتب الأوائل ومنطق اليونان وعمل رصد الكواكب ونشأ للناس علم جديد مرد مهلك لا يلائم علم النبوة ولا يوافق توحيد المؤمنين قد كانت الأمة منه في عافية - إلى أن قال - إن من البلاء أن تعرف ما كنت تنكر وتنكر ما كنت تعرف وتقدم عقول الفلاسفة ويعزل منقول أتباع الرسل ويماري في القرآن ويتبرم بالسنن والآثار وتقع في الحيرة. فالقرار قبل حلول الدمار.
وإياك ومضلات الأهواء ومحارات العقول. ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم انتهى كلامه رحمه الله تعالى. فذكر أنه بسبب تعريب كتب الأوائل ومنطق اليونان وإنشاء المراصد الفلكية نشأ للناس علم جديد مرد مهلك لا يلائم علم النبوة ولا يوافق توحيد المؤمنين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 118)
وهذا العلم المردي المهلك هو الذي نجم عنه القول بسكون الشمس ودوران الأرض والكلام في السموات والأجرام العلوية بمجرد الآراء والظنون الكاذبة.
وقد كان الصحابة والتابعون وتابعوهم بإحسان في عافية من هذا العلم المردي المهلك وإنما شغف به المتأخرون في زماننا لبعدهم عن منهاج الصحابة والتابعين وشدة ميلهم إلى أقوال الإفرنج وتمسكهم بآرائهم وتخرصاتهم وظنونهم الكاذبة فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
الوجه العاشر أن الظاهر من صنيع الصواف حيث ذكر الفلكيين ههنا وأطنب في ذكرهم وذكر مراصدهم والثناء عليهم مع أن ذلك خارج عن موضوع البحث الذي هو بصدده أنه أراد إيهام من لا علم عنده أنهم كانوا يقولون بحركة الأرض وثبات الشمس. وليس الأمر كذلك فإن الفلكيين الذين ينتسبون إلى الإسلام من قبل ظهور أهل الهيئة الجديدة كانوا على مذهب أهل الهيئة القديمة في القول بجريان الشمس وثبات الأرض، وإذاً فأي فائدة في ذكرهم ههنا وذكر مراصدهم لولا قصد الإيهام الذي أشرنا إليه.
الوجه الحادي عشر أن الصواف صرح أن محمد بن جابر مسلم ثم ذكر بعده البتاني وجعله من جملة علماء المسلمين الذين أثنى عليهم. ويظهر من كلامه أنه يرى أن البتاني غير محمد بن جابر. وهذا بخلاف ما ذكره محمد فريد وجدي في كتابه دائرة المعارف فإنه ذكر أن محمد بن جابر هو البتاني وأنه ليس بمسلم وإنما هو من الصابئين وذكر عنه أنه رصد النجوم نحواً من إحدى وأربعين سنة. وأنه كان يرصد في الرقة وفي أنطاكية ومحمد فريد وجدي أعلم بالفلكيين من الصواف فكلامه ههنا هو المعتمد لا ما توهمه الصواف.
فصل
قال الصواف (حركة الأرض) يؤسفني أنه ليس لدي الآن من المصادر الإسلامية الكثيرة لعلم الفلك سوى كتاب واحد وفيه البركة بإذن الله وفيه ما يغني ويسد في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)
موضوعنا هذا.
والكتاب لمؤلفه السيد (محمود شكري الألوسي) العالم العراقي السلفي المعروف. وقد فرغ من تأليفه في 24 شوال سنة 1339 أي قبل سبعة وأربعين سنة. واسم الكتاب (ما دل عليه القرآن الكريم مما يعضد الهيئة الجديدة القويمة البرهان) وأود هنا أن أنقل ما قاله هذا العالم السلفي قبل ما يقرب من خمسين سنة حول حركة الأرض وجريانها وما نقله هو عن علماء الهيئة وهم مسلمون عرف أكثرهم بالتقوى والصلاح. ورأيه هو فيما سأنقله الكفاية فيما أحسب في رد الأمر إلى نصابه وبيان الحق الصراح وصوابه الذي نطق به علماء الإسلام قبل أن يكون للكفار والمشركين علم فلك ولا نظر في النجوم.
فقد قال رحمه الله في صفحة 67 و 68 و 69 من كتابه. ومن آيات سورة الرعد قوله تعالى (وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهاراً ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) هذه الآية متصلة بالآية التي قبلها وهي قوله تعالى (الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش) الآية فإنه سبحانه لما ذكر من الشواهد العلوية ما ذكر أردفها بذكر الدلائل السفلية فقال (وهو الذي مد الأرض) قال علماء الهيئة الجديدة الأرض جرم من الأجرام السماوية يعني أنها جرم من الأجرام التابعة للشمس وهي السيارات الدائرة حولها على أبعاد متفاوتة وسميت (النظام الشمسي) وشكلوا لذلك شكلا في وسطه الشمس ثم عطارد وهو أقرب إلى الشمس من سائر السيارات المعروفة وبعده الزهرة ثم الأرض ثم قمرها ثم المريخ ثم فسحة واسعة فيها مئتان واثنان وسبعون جرماً صغيراً تسمى النجيمات أو الشبيهة بالسيارات ثم المشتري ثم زحل ثم أورانوس ثم نبتون ثم بُعد مهول وخلاء مجهول حتى ينتهي إلى أقرب النجوم الثوابت التي يعد كل واحد منها شمساً لا يرى توابعها للبعد الشاسع والنظام الشمسي ينتهي عند نبتون أعني لا يعرف سيار أبعد من نبتون.
بل إنه إلى الآن لم يكشف عن وجود جرم تابع للنظام الشمسي أبعد من المذكور، والنجوم الثوابت ليست من النظام الشمسي بل هي أنظمة مستقلة ترى منها شمسنا كما ترى هي من عندنا أي نقطاً لامعة نيرة في الطبقة الزرقاء، ثم قال الألوسي رحمه الله: وقالوا أي علماء الهيئة في شأن الأرض أيضاً وحركتها: السيار التابع للنظام الشمسي الذي نحن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 120)
ساكنون عليه هو الأرض وإنها كروية الشكل وأقاموا على ذلك دلائلهم المعلومة في كتبهم (وممن قال بكرويتها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وأنها أي الأرض على عظمها سابحة في الفضاء وليست لها حافة ينتهي إليها من يجوب سطحها كما إذا مشت ذبابة على بطيخة معلقة فهي لا تنتهي إلى حافة كذلك الأرض الكروية الشكل السابحة في الفضاء ليس لها حافة ينتهي إليها من يجوب سطحها وهي عائمة في الفضاء، وذهبوا إلى أن حركتها وكذا سائر الأجرام السماوية من الغرب إلى الشرق لا كما يتراءى أن حركة هذه الأجرام من الشرق إلى الغرب (وهذا ما يقوله علماء الفلك اليوم) وذهبوا إلى أن لها أي الأرض حركة أخرى غير الحركة اليومية وهي الحركة السنوية، فللأرض عندهم حركتان حركة يومية وهي دورانها على محورها مرة من الغرب إلى الشرق ومنها اختلاف الليل والنهار وحركة من الغرب إلى الشرق حول الشمس مرة واحدة كل سنة. ثم قال الألوسي العالم السلفي المنصف رحمه الله: هذا ما ذكره علماء الهيئة الجديدة في شأن الأرض.
وقد تصفحت القرآن، العظيم الشأن فوجدت عدة آيات نطقت بما يتعلق بالأرض من جهة الاستدلال بها على وجود خالقها وعظمة باريها ولم يذكر فيها شيء مما يخالف ما عليه علماء أهل الهيئة اليوم ولا ينافي كرويتها ما يدل ظاهرها على المد والبسط والفرش فإن هذا كله لا ينافي الكروية لأن المراد من بسطها وتوسعتها ومدها ما يحصل به الانتفاع لمن حلها ولا يلزم من ذلك نفي كرويتها كما أن الكرة العظيمة لعظمها ترى كالسطح المستوي وكان كل قطعة منها سطح مفروش يصح القعود والنوم عليه، والكرة كلما عظمت قربت أقواس سطحها إلى الخط المستقيم. وفي الشريعة دلائل كثيرة تدل على كروية الأرض والسماء منها اعتراف الأئمة باختلاف المطالع فإن الصبح في بعض البلاد يوافق المساء في بلاد أخرى. وطلوع الهلال في بعض الآفاق يوافق غيبوبته في بلاد أخرى. وهكذا الشمس وسائر الكواكب ففي بعض الآفاق يرى القطب الشمالي فوق رءوس أهله والقطب الجنوبي لا يرى أصلا. وسكنة خط الاستواء يرون القطبين على الأفق. وفي بعض البلاد تكون الحركة فيه دولابية وفي البعض حمائلية وفي البعض رحوية كل ذلك مبني على كروية الأرض ولولاها لما كان شيء من ذلك.
وقوله تعالى (وهو الذي مد الأرض) لا ينافي الكروية وما على الأرض من الجبال والأودية والبحار لا يخرج الأرض عن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 121)
الكروية فإن أعظم جبل بالنسبة إليها كنسبة سبع عرض شعيرة إلى كرة قطرها ذراع وقوله تعالى (وجعل فيها رواسي) معناه جعل فيها جبالا ثوابت في احيازها من الرسو وهو ثبات الأجسام الثقيلة، وفي الخبر «لما خلق الله تعالى الأرض جعلت تميد فخلق الله الجبال عليها فاستقرت فقالت الملائكة ربنا خلقت خلقاً أعظم من الجبال قال نعم الحديد فقالوا ربنا خلقت خلقا أعظم من الحديد قال نعم النار فقالوا ربنا خلقت خلقا أعظم من النار قال نعم الماء فقالوا ربنا خلقت أعظم من الماء قال نعم الهواء فقالوا ربنا خلقت خلقاً أعظم من الهواء قال نعم ابن آدم يتصدق الصدقة بيمينه فيخفيها عن شماله» فقال الألوسي رحمه الله بعد هذا. وهذا أيضاً لا ينافي حركة الأرض اليومية والسنوية التي قال بها أهل الهيئة فإن الله تعالى لو لم يخلق في الأرض الجبال لمادت أي اضطربت والميد اضطراب الشيء العظيم. فلما ألقى فيها الرواسي وهي الجبال الثوابت انتفى ذلك ووجه كون الإلقاء مانعاً من اضطراب الأرض أنها كسفينة على وجه الماء والسفينة إذا لم يكن فيها أجرام ثقيلة تضطرب وتميل من جانب إلى جانب بأدنى حركة شيء وإن وضعت فيها أجرام ثقيلة تستقر فكذا الأرض لو لم يكن عليها هذه الجبال لاضطربت فالجبال بالنسبة إليها كالأجرام الثقيلة الموضوعة في السفينة بالنسبة إليها، والمقصود أن جعل الرواسي فيها لا يعارض حركتها بوجه من الوجوه كما أن السفينة إذا كان فيها أجرام ثقيلة تمنع اضطرابها وميلها من جانب إلى جانب لا ينافي حركتها. وسنزيد ذلك بياناً فيما يناسب من الآيات الآتية إن شاء الله تعالى انتهى كلام الألوسي.
فهل رأيتم كلاماً أصرح من هذا الكلام في كروية الأرض وحركتها أليس هذا من مفاخر علمائنا وتوفيق الله لهم في معرفة العلوم الكونية، إن هذا الكتاب (ما دل عليه القرآن مما يعضد الهيئة الجديدة القويمة البرهان) انتهى صاحبه من تأليفه كما قلت منذ قرابة خمسين عاماً ومع هذا ففيه من الكلام الواضح الذي يدل على ما بلغوه من الدرجات العليا في العلوم الكونية وحركات الأفلاك رحمهم الله وجزاهم عن الإسلام خير الجزاء.
والجواب عما في هذا الفصل يتلخص في عشرة أمور:
الأول منها مدحه لكتاب الألوسي المسمى (ما دل عليه القرآن مما يعضد الهيئة الجديدة) وزعمه أن فيه البركة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)
والجواب أن نقول إن البركة في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وما خالفهما أو لم يكن له مستند منهما فهو قليل البركة أو عديمها.
وكتاب الألوسي فيه أشياء كثيرة ليس لها مستند صحيح وفيها ما هو مخالف للكتاب والسنة فلهذا لا خير فيه ولا يستحق المدح. والأمثلة على ذلك كثيرة.
وأقول قبل ذكر الأمثلة إن في نفسي شكاً من صحة نسبة الكتاب إلى محمود الألوسي لأمرين، أحدهما ما عرف عنه من حسن العقيدة والرد على عباد القبور وأهل البدع ولاسيما في كتابه «غاية الأماني في الرد على النبهاني» ومن كان هكذا فبعيد أن يصدر منه الكتاب المسمى (ما دل عليه القرآن مما يعضد الهيئة الجديدة).
والثاني أن الذي أبرز هذا الكتاب من أهل العراق قد قيل عنه ما قيل مما يقدح في عقيدته. وعلى هذا فلا يؤمن أن يكون قد نسب الكتاب إلى الألوسي وهو لم يتحقق نسبته إليه والله أعلم وقد نسبت النقل من الكتاب إلى الألوسي جرياً على نسبة الكتاب إليه، والمقصود من ذلك رد الكلام الباطل سواء كان للألوسي أو مفترى عليه.
فمن الأمثلة على نقصان الكتاب المشار إليه وقلة بركته أن المصنف قرر في صفحة 15 و 16 أن خلق السماء مقدم على خلق الأرض وتعسف في توجيه ذلك بما لا حاصل تحته وأجاب عن قول الله تعالى (قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين) بأن الخلق في الآية الكريمة بمعنى التقدير لا الإيجاد. أو على تقدير الإرادة والمعنى أراد خلق الأرض، وكذا قوله تعالى (وجعل فيها رواسي) الآية معناه أراد أن يجعل.
وكذا قوله تعالى (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً) معناه قدره أو أراد إيجاده أو أوجد مواده.
وكل هذا تخبيط مخالف لنص الآية من سورة البقرة ولنصوص الآيات من سورة حم السجدة وهو مردود لأنه من تحريف الكلم عن مواضعه.
وقد تقدم قول شيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى من فسر القرآن والحديث وتأوله على غير التفسير المعروف عن الصحابة والتابعين فهو مفتر على الله ملحد في آيات الله محرف للكلم عن مواضعه.
وقد قرر ابن كثير وغيره من المفسرين أن الأرض خلقت قبل السماء. وذكر ابن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)