صحبتي في الغار وخليفتي في أمتي وقد توكل الله لي به فهو معي"(1).
وروي عن العباس قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أبا بكر خليفتي على دين الله اسمعوا له تصلحوا وأطيعوه ترشدوا"(2)، وروي "أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بفرس فركبه ثم قال: يركبه الخليفة من بعدي فركبه أبو بكر"(3).
وروى سفينة "أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بنى مسجده وضع حجرًا ثم قال: لأبي بكر ضع حجرًا إلى جنب حجري، ثم قال لعمر: ضع حجرًا إلى جنب حجر أبي بكر، ثم قال: هؤلاء الخليفتان(4) بعدي"(5).
وروي أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم في شيء فأمرها بالرجوع إليه فقالت: إن رجعت فلم أجدك -تعرض له بالموت- قال: "إيت أبا بكر فإنه خليفتي في أمتي"(6).--------------------------------------------
(1) لم أقف على هذه الرواية بهذا النص وفي الصحيحين الجزء الأول منه من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه مرفوعًا: "لو كنت متخذ خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا ولكنه أخي وصاحبى، وقد اتخذ الله عز وجل صاحبكم خليلًا". خ. فضائل الصحابة (5/ 4)، م. فضائل الصحابة (ب فضائل أبي بكر (4/ 855).
(2) أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات (1/ 315) وقال: هذا حديث لا يصح ومدار الطريقين على عمر بن إبراهيم وهو الكردي قال الدارقطني: كان كذابًا يضع الحديث.
(3) ذكره ابن الجوزي في الموضوعات (1/ 319) وقال حديث موضوع.
(4) هكذا في المخطوط وعند ابن عدي أنه أضاف إليهم عثمان وقال: هؤلاء الخلفاء من بعدي.
(5) أخرجه ابن عدي في الكامل (2/ 846) من طريق حشرج بن نباتة عن سعيد بن جهمان عن سفينة، وذكر ابن عدي أن البخاري أنكر هذا الحديث على حشرج، كما أخرجه ابن عاصم في السنة (2/ 550) وذكر له ابن عدي إسنادًا آخر من طريق محمد بن الفضل بن عطية عن زياد بن علاقة عن قطبة بن مالك"، ومحمد بن الفضل ذكره في التقريب ص (315) وقال: "كذبوه" وعزاه الهيثمي إلى أبي يعلى من رواية العوام بن حوشب عمن حدثه عن عائشة، قال: ورجاله رجال الصحيح غير التابعي فإنه لم يسم، كما ذكره الهيثمي من رواية جرير، وقال: رواه الطبراني وفيه من لم أعرفه مجمع الزوائد (5/ 176 - 178).
(6) أخرج الحديث خ. في فضائل الصحابة (ب لو كنت متخذًا خليلًا .. ) (5/ 5)، م. فضائل =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 89)
وروي أن أعرابيًا قدم المدينة بقلاص فابتاعها النبي صلى الله عليه وسلم منه إلى أجل فقال: يا رسول الله: إن حدث بك حدث فمن يقضنا بعدك قال: "أبو بكر"(1).
وروي: أن بني المصطلق بعثوا رجلًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله من يلي صدقاتهم بعده(2) فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "أبو بكر"(3).
وأيضًا قوله تعالى {وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا} [التحريم آية (3)] أنه قال لحفصة: "الإمام بعدي أبو بكر ثم أبوك"(4).
ووجه من أبطل النص أن قال: الإمامة أمر عظيم فيه تفضيل كبير لا سيما إذا كان خلافة النبوة، فالدواعي تتوفر على ما جرى هذا المجرى فيجب أن يكون مستفيضًا غالبًا على كتمانه، وأن يكون الخبر فيه متواترًا شائعًا يعرفه العوام فضلًا عمن عرف السنن والأخبار، ولو كانت هذه حال النص لاضطرنا إليه، ولامتنع التشاجر والاختلاف، ولأنه لو كان النص عليه لم--------------------------------------------
= الصحابة (ب فضائل أبي بكر (4/ 1856) من حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه بدون قوله "فإنه خليفتي من بعدي" حيث لم أقف عليها.
(1) أخرجه الطبراني في الكبير (17/ 180) عن عصمة بن مالك قال الهيثمي: وفيه الفضل بن المختار وهو ضعيف. مجمع الزوائد (5/ 179) وعزاه الحافظ في الفتح إلى الإسماعيلي في معجمه وقال: إسناده ضعيف. فتح الباري (7/ 24).
(2) في المخطوط كلمة لم أتمكن من قراءاتها.
(3) أخرجه الطبراني في الكبير (17/ 180) من حديث عصمة بن مالك رضي الله عنه إلا أنه قال فيه "قدم رجل من خزاعة .. " وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (5/ 179) وفيه الفضل بن المختار وهو ضعيف جدًا.
(4) أخرجه الطبراني في الكبير (12/ 117) من حديث ابن عباس رضي الله عنه، قال الهيثمي: رواه الطبراني وفيه إسماعيل بن عمرو البجلي وهو ضعيف، وقد وثقه ابن حبان، والضحاك بن مزاحم لم يسمع من ابن عباس رضي الله عنه. مجمع الزوائد (5/ 178).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 90)
يجز أن يقول لعمر: "ابسط يدك أبايعك"(1)، وأيضًا قول عمر: "إن أترك فقد ترك من هو خير مني رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن استخلف فقد استخلف من هو خير مني أبو بكر"(2).
مسألة: في يزيد بن معاوية هل يحكم بفسقه أم لا؟
فنقل مهنا(3) وابن القاسم(4) أنه سأل أحمد عن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان(5) فقال: هو الذي فعل بالمدينة(6) ما فعل، قتل فيها من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم(7) ونهبها(8). قال له: أفنذكر عنه الحديث؟ قال: لا يذكر--------------------------------------------
(1) أخرجه حم (1/ 56) من حديث ابن عباس رضي الله عنه وفيه أن أبا بكر قال للأنصار "وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين أيهما شئتم وأخذ بيدي -يعني عمر بن الخطاب- وبيد أبي عبيدة بن الجراح".
(2) أخرجه م. الإمارة (ب الاستخلاف وتركه (3/ 1454) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(3) مهنا بن يحيى الشامي أبو عبد الله. قال الخلال: من كبار أصحاب أبي عبد الله وكان أبو عبد الله يكرمه ويعرف له حق الصحبة. طبقات الحنابلة (1/ 345).
(4) ابن القاسم لم يتبين لي من هو.
(5) يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الأموي أمير المؤمنين ولد سنة 25 هـ أو بعدها، وتولى الخلافة بعد أبيه معاوية رضي الله عنه بعهد منه في رجب سنة 60 من الهجرة، ومات سنة 64 هـ. البداية والنهاية (8/ 214).
(6) هذا ما يعرف بوقعة الحرة التي وقعت سنة 63 هـ وذلك حين خرج أهل المدينة على يزيد وخلعوا طاعته، وأمروا عليهم عبد الله بن مطيع العدوي وعبد الله بن حنظلة الغسيل، فأرسل إليهم يزيد جيشًا قوامه عشرة آلاف أو اثنا عشر ألفًا بقيادة مسلم بن عقبة فقاتلهم وقتل عددًا كبيرًا منهم. انظر أحداثها في البداية والنهاية (8/ 206 - 210).
(7) ذكر ابن الجوزي في المنتظم (6/ 17) وابن كثير في البداية والنهاية (8/ 209) عن الزهري أنه سئل كم كان القتلى يوم الحرة؟ قال: سبعمائة من وجوه الناس من المهاجرين والأنصار، ووجوه الموالي والأعراب من حر وعبد وغيرهم عشرة آلاف.
(8) روى ابن جرير في تاريخه (5/ 491) من طريق أبي مخنف أن مسلم بن عقبة بعد أن هزم أهل المدينة ودخلها أباحها لجنوده ثلاثة أيام يقتلون الناس ويأخذون الأموال، وأبو مخنف هو لوط بن =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 91)
عنه الحديث(1) ولا ينبغي لأحد أن يذكر عنه حديثا(2). فظاهر هذا أنه حكم عليه بالفسق لأنه منع من سماع حديثه. وأضاف إليه نهب المدينة، وقتل قوم من الصحابة.
ورأيت بخط أبي حفص العكبري(3) على ظهر جزء فيه "فصل" كتب(4) إليَّ أبو القاسم فرج بن السوادي(5) قال: ثنا أبو علي الحسين بن الجندي(6) قال ثنا أبو طالب ......(7) العكبري(8) قال: سمعت أبا بكر محمد بن--------------------------------------------
= يحيى قال الذهبي عنه: إخباري تالف لا يوثق به تركه أبو حاتم وغيره، وقال عنه ابن عدي: شيعي محترق صاحب اخبارهم توفي سنة 170 هـ. ميزان الاعتدال (3/ 420) فهذه الرواية من طريقة فلا يوثق بها وخاصة أنها تطعن في يزيد، وأبو مخنف شيعي، وللشيعة ولع بالكذب على الأمويين وشنآنهم، إلا أن هذا لا يعفي يزيدًا مما وقع، كما أن يزيد كان قد قتل جنوده الحسين بن علي رضي الله عنه وذلك سنة 61 هـ، فهذا كله جعل المسلمين عمومًا يكرهونه ويبغضون ولايته، ولكن ذلك لا يمنع من القول العدل فيه كما لا يبيح الكذب والافتراء عليه.
(1) قال الذهبي في الميزان عن يزيد "روى عن أبيه وعنه ابنه خالد وعبد الملك بن مروان، مقدوح في عدالته ليس بأهل أن يروى عنه، وقال أحمد: لا ينبغي أن يروى عنه". ميزان الاعتدال (4/ 440).
(2) أخرج الرواية الخلال في السنة (1/ 520)، وذكرها ابن أبي يعلى في الطبقات (1/ 347).
(3) هو عمر بن إبراهيم أبو حفص العكبري يعرف بابن مسلم قال ابن أبي يعلى: معرفته بالمذهب المعرفة العالية، توفى سنة 387 هـ. طبقات الحنابلة (2/ 163).
(4) هكا أمكن قراءتها وهي غير ظاهرة.
(5) لعله عبيد الله بن عثمان بن الفرج أبو القاسم المعروف بابن السوادي قال عنه الخطيب: كان أحد المكثرين من الحديث كتابة وسماعًا مع صدق وأمانة توفي سنة 435 هـ تاريخ بغداد (10/ 385).
(6) الحسين بن محمد أبو علي التمار ويعرف بابن الجندي من أهل عكبرا روى عن جماعة. تاريخ. بغداد (8/ 98).
(7) كلمتان مطموستان، لم أتمكن من قراءتهما.
(8) لم يتبين لي من هو.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 92)
العباس(1) قال سمعت صالح بن أحمد بن حنبل(2) يقول: قلت لأبي أن قومًا ينسبونا(3) إلى تولي يزيد. فقال: يا بني وهل(4) يتولي يزيد أحد يؤمن بالله فقلت: ألا تلعنه؟ فقال: ومتى رأيتني ألعن شيئًا(5) لم لا تعلن من لعنه الله في كتابه؟ فقلت: وأين لعن الله يزيدًا في كتابه؟ فقرأ {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} [محمد آية 22، 23]. هل يكون في قطيعة الرحم أعظم من القتل؟! وقد أعدت ذكر هذه الرواية على ظهر الجزء. وهذا يؤكد ما نقله مهنا عنه.
ونقل أبو طالب(6) قال: سألت أحمد عمن قال: لعن الله يزيد بن معاوية؟ قال: لا تكلم في هذا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لعن المؤمن كقتله"(7)، وقال: "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم"(8)، فقد كان يزيد منهم، فأرى--------------------------------------------
(1) لم يتبين لي من هو.
(2) صالح بن الإمام أحمد بن حنبل أبو الفضل قال عنه عبد الرحمن بن أبي حاتم: كتبت عنه بأصفهان وهو صدوق ثقة توفي سنة 266 هـ. طبقات الحنابلة (1/ 173).
(3) عند شيخ الإسلام في الفتاوى "إن قومًا يقولون إنهم يحبون يزيد" ولعل صواب الكلمة "يُنسبون".
(4) في المخطوط "وهو" وتصويبها مما ذكر شيخ الإسلام من الرواية.
(5) ذكر هذه الرواية شيخ الإسلام في منهاج السنة (4/ 565) نقلًا عن كلام الرافضي، وذكرها أيضًا في الفتاوى مختصرة (3/ 421) (4/ 483) وقال عنها: إنها رواية منقطعة غير ثابتة. المنهاج (4/ 573) ونقلها عن القاضي ابن الجوزي في رسالته عن يزيد ورقة 4/ أ.
(6) أحمد بن حميد المشكاني المتخصص بصحبة الإمام أحمد. قال الخلال: كان أحمد يكرمه ويقدمه فكان رجلًا صالحًا صبورًا مات بالقرب من موت الإمام أحمد 244 هـ. طبقات الحنابلة (1/ 39).
(7) أخرجه خ. كتاب الأدب (ب ما ينهي عن السباب). انظر صحيح البخاري مع فتح الباري (10/ 464)، حم (4/ 34) من حديث ثابت بن الضحاك رضي الله عنه.
(8) أخرجه خ. فضائل الصحابة انظر صحيح البخاري مع فتح الباري (7/ 3)، م. فضائل الصحابة (4/ 1962) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 93)
الإمساك أحب إلي"(1).
فظاهر هذا أنه لم يحكم بفسقه لأنه أنكر لعنه، وجعله داخلًا في القرن الذي منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونهى عن الكلام فيه.
وجه الرواية الأولى: ما احتج به أحمد من إرسال يزيد مسلم بن عقبة(2) إلى المدينة ونهبها وقتل بها قومًا من الصحابة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أخاف أهل المدينة فقد أخاف ما بين جنبي"(3)، وروي "من أخاف أهل المدينة فعليه لعنة الله"(4)، ......................--------------------------------------------
(1) أخرجه الخلال في السنة (1/ 521).
(2) مسلم بن عقبة المري الذي يسميه السلف مسرف بن عقبة، وهو قائد جيش يزيد حين توجه إلى المدينة ومات بعد فعله بأهل المدينة ما فعل وهو في طريقه إلى مكة سنة 64 هـ. انظر: البداية والنهاية (8/ 212).
(3) أخرجه حم. (3/ 254، 393) عن زيد بن أسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن أميرًا من أمراء الفتنة قدم المدينة وكان قد ذهب بصر جابر فقيل لجابر: لو تنحيت عنه فخرج يمشي بين أبنية فنكب فقال: تعس من أخاف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ابناه أو أحدهما: يا أبت وكيف أخاف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد مات؟ قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من أخاف أهل المدينة .... " وإسناده صحيح، وقد عزاه ابن كثير إلى الدارقطني من رواية ابني جابر محمد وعبد الرحمن، ثم قال: وقد استدل بهذا الحديث وأمثاله من ذهب إلى الترخيص في لعن يزيد بن معاوية وهو رواية عن أحمد واختارها الخلال وأبو بكر عبد العزيز والقاضي أبو يعلى وابنه، وانتصر لذلك أبو الفرج ابن الجوزي في مصنف مفرد، ومنع من ذلك آخرون وصنفوا فيه أيضًا لئلا يجعل لعنه وسيلة إلى أبيه أو أحد الصحابة، وحملوا ما صدر عنه من سوء تصرفات على أنه تأول وأخطأ، وقالوا إنه كان إمامًا فاسقًا والإمام إذا فسق لا يعزل بمجرد فسقه على أصح قولي العلماء، بل لا يجوز الخروج عليه لما في ذلك من إثارة الفتنة ووقوع الهرج وسفك الدماء الحرام ونهب الأموال وفعل الفواحش مع النساء وغيرهن، وغير ذلك مماكل واحدة فيها من الفساد أضعاف فسقه كما جرى مما تقدم إلى يومنا هذا. البداية والنهاية (8/ 211).
(4) أخرجه حم (4/ 55) من حديث السائب بن خلاد رضي الله عنه وفيه "من أخاف أهل المدينة ظلمًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفًا ولا عدلًا" وإسناده جيد وعزاه ابن كثير في البداية والنهاية (8/ 211) إلى النسائي والحميدي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 94)
وانفاذه بالحصين بن نمير(1) إلى مكة في طلب ابن الزبير، وهدم الكعبة وحرقها(2)، وانفاذه لعبيد الله بن زياد في قتل الحسين بن علي بن أبي طالب(3) مع جماعة كانوا معه من أهله(4)، وحمل الرأس إليه(5) مع من بقى من أهل الحسين في الأقياد(6)، ونقره بالقضيب على ثنيته، فروى ابن أبي الرسافي(7) بإسناده عن زيد بن أرقم قال: كنت عند يزيد بن معاوية فأتي برأس الحسين فجعل يزيد ينقر بالخيزران على شفتيه وهو يقول:--------------------------------------------
(1) الحصين بن نمير السكوني استدعاه مسلم بن عقبة لما حضره الموت وهو متوجه في طريقه إلى مكة لقتال ابن الزبير فقال لحصين: إن أمير المؤمنين عهد إلى إن حدث بي حدث الموت أن أستخلف عليكم حصين بن نمير السكوني، والله لو كان الأمر لي ما فعلت … ، ثم دعا به فقال: انظر يا برذعة الحمار فاحفظ ما أوصيك به، عم الأخبار، ولا ترع سمعك قريشًا أبدًا ولا تردن أهل الشام عن عدوهم ولا تقيمن إلا ثلاثًا حتى تناجز ابن الزبير. تاريخ الطبري (5/ 479).
(2) ذكر ابن كثير في البداية والنهاية (8/ 213) أن الكعبة احترقت سنة 64 هـ قبل موت يزيد بتسع وعشرين ليلة، وقيل إن سبب ذلك شرارة طارت من نار كان يشعلها أناس من أهل مكة حول الكعبة فعلقت الشرارة في بعض أستار الكعبة فاحترقت، وقيل إن ذلك من المنجنيق الذي رماه بها أهل الشام.
(3) انظر ذلك في تاريخ الطبري، أحداث سنة 61 هـ (5/ 400 وما بعدها) البداية والنهاية (8/ 179).
(4) قيل إنه قتل مع الحسين من أهله سبعة عشر رجلًا، وقيل ستة عشر، وقيل ثلاثة وعشرون. البداية والنهاية (8/ 162).
(5) ذكر ابن كثير في هذا قولين: من العلماء من قال: سير عبيد الله بن زياد الرأس إلى يزيد في الشام، ومنهم من قال لم يسيره. قال ابن كثير: والأظهر أنه سيره لكثرة الآثار في ذلك. البداية والنهاية (8/ 181).
(6) الأقياد جمع قيد والذي ذكر: أن الذي قيد هو علي بن الحسين فقط، أما البقية فكن نساءً أركبوهن الرواحل في الهوادج ووكل بهن من يحرسهن حتى قدمن على يزيد بالشام. انظر تاريخ الطبري (5/ 460)، البداية والنهاية (8/ 181).
(7) هكذا أمكن قراءتها ولم يتبين لي من هو.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 95)
يفلقن هامًا من رجال أعزة … علينا وهم كانوا أعق وأظلما
فقلت: ارفع عصاك اشهد أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واضعًا حسينًا على فخذه اليسرى واضعًا يده اليمنى على رأس الحسن واضعًا يده اليسرى على رأس الحسين وهو يقول: "اللهم إني استودعتكهما وصالح المؤمنين" فكيف كان حفظك يا يزيد وديعة رسول الله صلى الله عليه وسلم(1).
وبإسناده قال: وضع رأس الحسين بين يدي يزيد وعنده أبو برزة فجعل يزيد ينكب بالقضيب على فيه ويقول:
يفلقن هاما …
فقال أبو برزة: ارفع قضيبك فوالله لربما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واضعًا فاه على فيه يلثمه(2). وهذا يدل على ....(3).
وروى بإسناده أن الحسين لما أزف القتال قال: ألا تقبلون مني ما كان--------------------------------------------
(1) عزاه ابن الجوزي في كتابه عن يزيد إلى ابن أبي الدنيا ورقة (14/ أ) وانظر 15/ ب.
وقال شيخ الإسلام عن حديث توديع المؤمنين الحسن والحسين: فهذا لا يعرف في شيء من كتب الحديث التي يعتمد عليها. منهاج السنة (4/ 561) وقال أيضًا: والذي ثبت في الصحيح أن الحسين لما قتل حمل رأسه إلى قدام عبيد الله بن زياد، وأنه نكت بالقضيب على ثناياه وكان بالمجلس أنس بن مالك رضي الله عنه وأبو برزة الأسلمي، ففي صحيح البخاري عن محمد بن سيرين عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: أتى عبيد الله بن زياد برأس الحسين فجعل في طست فجعل ينكت، وقال في حسنه شيئًا، فقال أنس: كان أشبههم برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان مخضوبًا بالوسمة، وقال: وقد روي بإسناد مجهول أن هذا كان قدام يزيد وأن الرأس حمل إليه وأنه هو الذي نكت على ثناياه. وهذا مع أنه لم يثبت ففي الحديث ما يدل على أنه كذب، فإن الذين حضروا نكته بالقضيب من الصحابة، لم يكونوا بالشام وإنما كانوا بالعراق. منهاج السنة (4/ 556) وقد روى ابن جرير في تاريخه (5/ 456) عن أبي مخنف أن كلام زيد بن أرقم كان مع عبيد الله بن زياد وليس مع يزيد بن معاوية ولم يذكر حديث توديع الحسن والحسين.
(2) أخرجه ابن جرير بسنده (5/ 465) عن طريق هشام الكلبي عن أبي مخنف وعزاه ابن الجوزي في كتابه عن يزيد إلى ابن أبي الدنيا ورقة (160/ أ).
(3) مقدار كلمتين لم استطع قراءتها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 96)
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبله من المشركين؟ قالوا: وما كان يقبل من المشركين؟ قال: كان إذا جنح(1) أحدهم قبل منه، قالوا: لا، قال: فدعوني أرجع قالوا: لا، قال: فدعوني آتي أمير المؤمنين، فأبوا(2) وأخذ له رجل السلاح وقال: أبشر بالنار، قال: بل (إني إنما أبشر)(3) برحمة ربي وشفاعة نبيي(4).
وهذا يدل على أنه لو كان خروجه طلبًا للأمر وجب (التوقف عن)(5) قتاله لأن الخارج إذا كف وطلب لأمان حرم قتله.
والرواية الثانية: أن خلافته انعقدت بجماعة من الصحابة منهم عبد الله--------------------------------------------
(1) أي جنح للسلم.
(2) ذكر ابن جرير في تاريخه (5/ 416) نحوًا من ذلك وهو أن الحسين قال لهم: اختاروا مني إما أن أرجع إلى المكان الذي أقبلت منه، وإما أن أضع يدي في يد يزيد بن معاوية فيرى فيما بيني وبينه رأيه، وإما أن تسيروني إلى أي ثغر من ثغور المسلمين شئتم، فأكون رجلًا من أهله لي ما لهم وعلي ما عليهم، وذكره ابن كثير في البداية والنهاية (8/ 166).
(3) غير ظاهرة وهكذا أمكن قراءتها.
(4) ذكر المؤرخون هذا عن الحسين رضي الله عنه وفيه دلالة واضحة على أنه رضي الله عنه قد عدل عن الخروج وطلب العافية فأبى عليه الذين واجهوه من جيش عبيد الله بن زياد وخاصة شمر بن ذي جوشن، فقاتل بعدها رضي الله عنه مكرهًا مدافعًا عن نفسه وأهله فقتل مظلومًا، قال شيخ الإسلام في شأن الحسين: صار الناس في قتل الحسين ثلاثة أصناف: طرفين ووسط، أحد الطرفين يقول: إنه قتل بحق فإنه أراد أن يشق عصا المسلمين … وقال بعض هؤلاء: هو أول خارج خرج في الإسلام على الولاة، الطرف الآخر: قالوا بل كان هو الإمام الواجب طاعته الذي لا ينفذ أمرًا من أمور الإيمان إلا به، وأما الوسط فهم أهل السنة الذين لا يقولون هذا ولا هذا بل يقولون قتل مظلومًا شهيدًا، ولم يكن متوليًا لأمر الأمة والحديث المذكور - يعني حديث "من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه" أخرجه م. (3/ 1480) لا يتناوله فإنه لما بلغه ما فعل بابن عمه مسلم بن عقيل -وذلك أنه قتله عبيد الله بن زياد- ترك طلب الأمر وطلب أن يذهب إلى يزيد ابن عمه أو إلى الثغر أو إلى بلده فلم يمكنوه وطلبوا منه أن يستأسر لهم، وهذا لم يكن واجبًا عليه. منهاج السنة (4/ 553).
(5) غير ظاهرة تمامًا وأمكن قراءتها هكذا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)
ابن عمر وعبد الله بن عباس(1) والمسور بن مخرمة وجابر بن عبد الله، وذكر ذلك الواقدي(2) في تاريخه(3).
وامتنع من البيعة الحسين وابن الزبير، ثم خرج الحسين بن علي وعبد الله ابن الزبير، الحسين بالكوفة، وابن الزبير بمكة(4)، وجماعة من أهل المدينة خرجوا عليه فخلعوه، وهذا أعذر له مع ما قد ظهر من إنكاره لقتل الحسين، فذكر الواقدي في تاريخه: أنهم أخرجوا بني أمية من المدينة فقال مروان(5) لابنه عبد الملك(6): "يا بني إن هؤلاء لم يتدبروا ما صنعوا بأمر لم يستخيروا الله فيه، قال ابنه: علي أي وجه؟ قال: حيث لم يقتلونا، ولم يحبسونا" فبعث إليهم يزيد الجنود عليهم مسلم بن عقبة فقاتل أهل المدينة، وفيها قتل عبد الله بن زيد المازني صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم(7) ومعاذ ابن الحارث(8) صاحب النبي صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن حنظلة(9) ومعقل بن سنان الأشجعي(10) صبرًا ومحمد بن أبي الجهم بن حذيفة بن غانم(11) ويزيد بن--------------------------------------------
(1) انظر تاريخ الطبري (5/ 343).
(2) محمد بن عمر بن واقد الأسلمي الواقدي المدني القاضي نزيل بغداد، متروك مع سعة علمه توفي سنة 187 هـ. التقريب ص (313).
(3) التاريخ للواقدي مفقود مع كثير من كتبه، ولم يصل إلينا من كتبه سوى المغازي للرسول صلى الله عليه وسلم انظر د. شاكر مصطفى التاريخ العربي والمؤرخون (1/ 163).
(4) انظر تاريخ الطبري (5/ 341).
(5) مروان بن الحكم بن أبي العاص أبو عبد الملك الأموي المدني ولي الخلافة آخر سنة 64 ومات سنة 65 هـ لا يثبت له صحبة. التقريب ص (332).
(6) عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي الخليفة توفي سنة 86 هـ. التقريب ص (220).
(7) عبد الله بن زيد المازني أبو محمد صحابي شهيرًا استشهد يوم الحرة سنة 63 هـ. التقريب ص 171.
(8) معاذ بن الحارث الأنصاري النجاري القاري أحد من أقامه عمر يصلي التراويح صحابي صغير استشهد يوم الحرة سنة 63 هـ التقريب ص 340.
(9) عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر الراهب الأنصاري له رؤية وأبوه غسيل الملائكة استشهد يوم الحرة وكان أمير الأنصار يومئذ. التقريب ص 171.
(10) معقل بن سنان الأشجعي صحابي استشهد يوم الحرة. التقريب ص 343.
(11) محمد بن أبي الجهم بن حذيفة العدوي ذكره ابن حجر في الإصابة (9/ 310) وقال ولد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وشهد الحرة وقتله مسلم بن عقبة صبرًا سنة 63 هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 98)
عبد الله بن زمعة(1) صبرًا بالسيف، وأنهب المدينة ثلاثًا، وحج بالناس عبد الله بن الزبير قبل أن يبايعه الناس.
وذكر أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوي(2) في تاريخه(3): لما بويع ليزيد أخرج ابن الزبير من …(4) في المدينة وجعل يقول: "إن يزيد قد اشتغل بشرب الخمور واللعب بالقرود"، فسار حتى نزل المدينة فقاتل أهلها وتلك وقعة الحرة فأباحها ثلاثة أيام، وكثر القتل في الأعراب، وأنزل أهل المدينة على أنهم عبيد قن ليزيد وختم أعناقهم(5)، وأن الحسين خرج ولم يكن راضيًا بقتله(6).--------------------------------------------
(1) يزيد بن عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب ممن قتله مسلم صبرًا سنة 63 هـ. الطبقات الكبرى ص (104) الجزء المتمم.
(2) إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوي نفطويه مشهور له تصانيف بقى إلى حدود 320 هـ قال الدارقطني ليس بالقوي وقال الخطيب كان صدوقًا. ميزان الاعتدال (1/ 64).
(3) له كتاب في التاريخ يقع في ثلاثة مجلدات قال الشاكر مصطفى في التاريخ العربي والمؤرخون (1/ 417) "وهو من الكتب التي لم تصل إلينا".
(4) كلمة لم أتمكن من قراءتها.
(5) لا يصح أن مسلم بن عقبة أخذ البيعة من أهل المدينة على أنهم عبيد ليزيد، خاصة وأن في المدينة من كان منكرًا لعمل من خلعوا يزيد مثل ابن عمر وجابر ومحمد بن الحنفية وآل أبي طالب كلهم وبني أمية أيضًا، ولكن الروايات أكثرها على أن مسلمًا قدم من بقي حيًا من رؤوس الناس في تلك الفتنة مثل يزيد بن عبد الله بن زمعة ومحمد بن أبي الجهم ومعقل بن سنان الأشجعي رضي الله عنه وعرض عليهم المبايعة على أنهم عبيد ليزيد يحكم في أنفسهم وأموالهم ما شاء، فقد روى ابن سعد قال: لما دخل مسلم بن عقبة المدينة وأنهبها وقتل من قتل دعا الناس إلى البيعة فكانت بنو أمية أول من بايعه ثم دعا بني أسد بن عبد العزى -وكان عليهم حنقًا- إلى قصره فقال تبايعون لعبد الله يزيد أمير المؤمنين ولمن استخلف بعده على أن أموالكم وأنفسكم خول له يقضي فيها بما يشاء - وقال بعضهم: قال ليزيد بن عبد الله خاصة: بايع على أنك عبد العصا. انظر طبقات ابن سعد الجزء المتمم ص (104)، فيظهر أنه خص بها هؤلاء الناس حتى يزيد في إذلالهم وإهانتهم فيما يرى، انظر مواقف المعارضة في خلافة يزيد، رسالة ماجستير ص 492.
(6) يقصد بذلك يزيد بن معاوية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)
وروى ابن أبي الدنيا(1) بإسناده عن القعنبي قال: قال يزيد حين أتاه قتل الحسين: "قد كنت أرضي من طاعة أهل العراق بدون قتل الحسين رضي الله عنه، رحم الله أبا عبد الله عجل عليه ابن زياد، أما والله لو كنت صاحبه ثم لم أقدر على دفع القتل عنه إلا ببعض عمري لأحببت أن أدفعه عنه"(2).
وبإسناده قال: "لما أتى برأس الحسين فوضع بين يديه فلما نظر إليه بكى ولعن ابن زياد"(3).
وبإسناده عن محمد بن حسن بن علي(4) قال: "أدخلنا على يزيد بن معاوية ونحن اثنا عشر غلامًا مغلغلين في الجوامع وعلينا قمص، فقالت فاطمة بنت الحسين(5): يا يزيد بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا، فبكى حتى كادت نفسه تخرج، وبكى أهل الدار حتى علت أصواتهم، ثم قال: خلوا عنهم فاذهبوا بهم إلى الحمام واغسلوهم اضربوا لهم القباب، وأمر لهم(6) بالطبخ، وكساهم وأخرج لهم جوائز كثيرة"(7) وهذا يدل على أنه لم يأمر بقتله ولم يرض به.
ومن نصر الرواية الأولى يجيب عن هذا ويقول: خروج أهل المدينة والحسين لم يك طلبًا للإمر وإنما كان لأمور ظهرت منه تنافي الإمامة.
يبين صحة هذا أنه كان بالمدينة جماعة من الصحابة علماء أعلم منه--------------------------------------------
(1) هو عبيد الله بن محمد بن عبيد أبو بكر القرشي مولى بني أمية المعروف بابن أبي الدنيا صاحب الكتب المصنفة قال عنه أبو حاتم: بغدادي صدوق توفي سنة 281 هـ. تاريخ بغداد (10/ 8) ولم يتبين لي الكتاب الذي نقل عنه القاضي هنا.
(2) أخرج نحوه ابن جرير في تاريخه (5/ 459).
(3) أخرجه ابن جرير في تاريخه ضمن الرواية السابقة.
(4) لم بتبين لي من هو.
(5) فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمية زوج الحسن بن الحسن بن علي ثقة من الرابعة ماتت بعد المائة وقد أسنت، التقريب ص (417).
(6) في المخطوط غير ظاهرة وما أثبت نقلًا عن قيد الشريد من أخبار يزيد لشمس الدين بن طولون ورقة (16/ أ).
(7) ذكر نحو هذه الرواية ابن طولون في قيد الشريد من أخبار يزيد (15/ ب).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 100)
بالأحكام، وكذلك الحسين فوجب حمل خروجهم وامتناع من امتنع من بيعته على وجه يسوغ فيه التأويل.
ومنه ما قال عبد الله بن الزبير: "إن يزيد قد اشتغل بشرب الخمور واللعب بالقرود"(1).
وروى محمد بن عرفة في تاريخه: "أن الحسن بن علي وعبد الله بن عباس استأذنا على يزيد بن معاوية وهو على شراب ولهو، فأذن للحسن وحجب ابن عباس، فلما دخل الحسن شم الرائحة فقال: ما هذه الرائحة؟ قال: طيب يصنع لنا بالشام، ثم عاد يزيد إلى حالته، فأظهر شرابه ولهوه ثم ندم وانقبض، فقال له الحسن: أيها الرجل خفض عليك، فقال له يزيد: اجلس، فنهض الحسن ليقوم"(2).--------------------------------------------
(1) سبقت الرواية ص 101 ويلاحظ أن ذم يزيد بهذا الأمر وهو شرب الخمر قد ورد في عدة روايات وقد دافع عن يزيد في هذا محمد بن الحنفية فقد ذكر ابن كثير في البداية والنهاية (8/ 220) أن عبد الله بن مطيع وأصحابه جاءوا إلى محمد بن الحنفية فأرادوه على خلع يزيد فأبى عليهم: فقال ابن مطيع: إن يزيد يشرب الخمر ويترك الصلاة ويتعدى حكم الكتاب، فقال لهم: ما رأيت منه ما تذكرون، وقد حضرته وأقمت عنده فرأيته مواظبًا على الصلاة متحريًا للخير يسأل عن الفقه ملازمًا للسنة قالوا: فإن ذلك كان منه تصنعًا لك فقال: وما الذي خاف مني أو رجا حتى يظهر إلي الخشوع؟ أفاطلعكم على ما تذكرون من شرب الخمر؟ فلئن كان أطلعكم فيما يحل لكم أن تشهدوا بما لم تعلموا قالوا: إنه عندنا لحق وإن لم نكن رأيناه فقال لهم: أبى الله ذلك على أهل الشهادة فقال: {إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الزخرف: 86]، في كلام طويل، ومحمد بن الحنفية موتور بلا شك من يزيد لأن قتل الحسين أخيه كان قبل الحرة، فلو ثبت لديه إعلان يزيد بالمنكرات لكان من الطالبين لشنآنه وتنقصه … والله أعلم، وانظر مواقف المعارضة في خلافة يزيد بن معاوية (408 - 433). (رسالة ماجستير).
(2) ذكر نحو هذه الرواية بأطول مما هنا ابن عساكر في تاريخه (18/ ق 396) من رواية عمر بن شبه وقال ابن عساكر: هذه الحكاية منقطعة، عمر بن شبه بينه وبين يزيد زمان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)
وهذا يدل على أنه ظهر منه أمور كرهوها، وعلى أن خروجهم لم يقتض القتل والذبح ونهب الأموال، لأن من ظهر عليه الإمام من البغاة لا يقتله ولا ينهب ماله، وقد فعل ذلك بأهل المدينة فاسترق وجهاء منهم(1) .....(2) ونهبوا المال وقتلوا صبرًا، ولأنا قد بينا ما فعلوا في أهل المدينة ..(3).
فأخرج الطبري(4) في التاريخ بإسناده: أن أهل المدينة لما بايعوا عبد الله ابن حنظلة الغسيل الأنصاري على خلع يزيد بن معاوية وثبوا على عثمان ابن محمد بن أبي سفيان ومن بالمدينة من بني أمية ومواليهم ومن رأى رأيهم من قريش فكانوا نحوًا من ألف رجل، فخرجوا بجماعتهم حتى نزلوا دار مروان بن الحكم، فحاصرهم الناس فيها حصارًا ضعيفًا .....(5) فسار إليهم مسلم بن عقبة، فأباح مسلم المدينة ثلاثًا، يقتلون الناس ويأخذون الأموال، فأفزع ذلك من كان بها من الصحابة، فخرج أبو سعيد الخدري حتى دخل في كهف في الجبل، فبصر به رجل من أهل الشام فجاء حتى اقتحم عليه الغار قال أبو سعيد: فانتضيت سيفي فمشيت إليه لأرعبه لعله ينصرف عني، فأبى إلا الإقدام علي فلما رأيت أن قد جدَّ شممت سيفي وِقلت {لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} [المائدة: 28]، فقال: من أنت لله أبوك؟ قلت: أنا أبو سعيد الخدري، قال: صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: نعم، فانصرف عني.--------------------------------------------
(1) سبق أن ذكرنا ما يتعلق بدعوى الاسترقاق ص 101.
(2) مقدار أربع كلمات لم أتمكن من قراءتها.
(3) مقدار كلمتين لم أتمكن من قراءتهما.
(4) محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب، أبو جعفر الطبري صاحب التفسير والتاريخ قال الخطيب: كان أحد أئمة العلماء يحكم بقوله ويرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله … وأطال في الثناء عليه وعلى كتبه توفي سنة 310 هـ. تاريخ بغداد (2/ 162).
(5) مقدار أربع كلمات غير ظاهرة. ولعلها تتضمن اختصار خبر إرسال بني أمية رجلًا يخبر يزيد بما حل بهم، لأن الطبري أورد ذلك مطولًا في هذا الموضع المنقول عنه الكلام هنا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)
ثم دعا مسلم الناس إلى البيعة، وطلب الأمان لرجلين من قريش ليزيد ابن عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزي، ومحمد بن أبي الجهم بن حذيفة العدوي، ولمعقل بن سنان الأشجعي، فأتى بهم بعد الوقيعة بيوم، فقال: بايعا، فقال القرشيان: بايعنا على كتاب الله وسنة نبيه، قال: لا والله،(1) فضربت أعناقهم فجاء معقل بن سنا، فدعا بشراب فشرب(2) حتى روي ثم قال: والله لا شربت بعده أبدًا إلا الحميم في نار جهنم، فقدمه فضرب عنقه، ثم توجه مسلم بن عقبة إلى مكة يريد ابن الزبير فمات في الطريق، فولى الحصين بن نمير الأمر وقال: إن يزيد قد أمره بذلك، وقدم على ابن الزبير بمكة وقد بايعه أهلها وأهل الحجاز، وقدم من أهل المدينة المنذر بن الزبير فخرج إليهم فقاتلهم فقتل وشدوا عليهم أهل الشام فانكشف أصحابه، وصابرهم ابن الزبير(3) فقاتلهم بقية المحرم وصفر كله حتى إذا مضت ثلاثة أيام من شهر ربيع الأول قذفوا البيت بالمنجنيق(4) وحرقوه وأخذوا يرتجزون.
كيف ترى صنيع أم فروة(5) … تأخذهم بين الصفا والمروة.
وقال آخر:
خطارة مثل الفنيق(6) المزبد … نرمي بها أعواد هذا المسجد.--------------------------------------------
(1) يبدو أنه أراد منهما أن يبايعا مطلقًا بدون قيد ولا شرط أو أنه على ما سبق ذكره ص 101 من أنه أراد منهما المبايعة على أن يكونا عبيدًا ليزيد بن معاوية.
(2) غير ظاهرة في المخطوط وما كتبت يتفق مع سياق الطبري.
(3) يعني عبد الله بن الزبير بن العوام رضي الله عنه.
(4) المنجنيق: آلة قديمة من آلات الحصار كانت ترمى بها الحجارة ثقيلة على الأسوار فتهدمها. المعجم الوسيط ص 855.
(5) أم فروة يقصدون بها المنجنيق ذكر ذلك الطبري في تاريخه (5/ 498).
(6) الفنيق: المراد به الفحل من الإبل. المعجم الوسيط ص 703.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)
قال محمد بن عمر:(1) "احترقت الكعبة يوم السبت قبل أن يأتي نعي يزيد بن معاوية"، وقال رباح بن مسلم(2) عن أبيه: "كانوا يوقدون حول الكعبة، فأقبلت شرارة هبت بها الريح فحرقت ثياب الكعبة واحترق خشب البيت".
وقال عروة بن أذينه:(3) "قدمت مكة يوم احترقت الكعبة فقلت: ما أصاب الكعبة؟ فأشاروا إلى رجل من أصحاب عبد الله بن الزبير قالوا: احترقت بسببه، أخذ قبسًا في رأس رمح له فطيرت الريح به.
[فضربت أستار الكعبة ما بين الركن اليماني والأسود](4)
..........................................
.......................................(5)--------------------------------------------
(1) يعني الواقدي.
(2) لم أقف على ترجمته ولا ترجمه أبيه.
(3) عروة بن أذينة الليثي مدني قال الذهبي: صدوق. انظر الجرح والتعديل (6/ 369) ميزان الاعتدال (3/ 63).
(4) تاريخ الطبري (5/ 482 - 499) وقد اختصر منه المؤلف في مواضع عدة.
(5) مسح في الكتاب مقدار نصف صفحة، ويبدو أن المصنف رحمه الله أنهى مسألة يزيد بن معاوية والموقف منه، وقد ذكر القاضي رحمه الله هنا قولين عن الإمام أحمد في يزيد من معاوية.
ويزيد بن معاوية هو أحد ملوك المسلمين لا شك وله أخطاء من أعظمها عند المسلمين قتل الحسين في عهده وأمره بنهب المدينة، وما فعل قائده مسلم بن عقبة بالمدينة، وهي جرائم لا شك خطيرة لكنها لا تنفي إسلامه ولا تبيح لعنه لأنه لا يجوز لعن المسلم، وقد افترق الناس في يزيد إلى ثلاث فرق:
فرقة تلعنه، وعزا ذلك ابن كثير إلى الخلال وأبو بكر عبد العزيز والقاضي أبي يعلى، وقد صنف ابنه رسالة في جواز ذلك، وكذلك ابن الجوزي صنف في ذلك ومنهم النسفي والكيا الهراس، ومآخذهم عليه هي ما ذكر القاضي رحمه الله هنا من مسألة الحسين وأهل المدينة فيلعنونه على ذلك.
وفرقة أحبته، كالغزالي والدستي لأنه مسلم ولي أمر الأمة على عهد الصحابة وكان متأولًا فيما =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)
عن ابن عمر أنه قال حين حضره الموت: "ما أجد في نفسي من أمر الدنيا إلا أني لم أقاتل الفئة الباغية مع علي"(1)، وفي لفظ آخر رواه بإسناده عن أبي بكر بن الجهم(2) سمعت ابن عمر يقول: "ما آسى على شيء إلا على تركي القتال للفئة الباغية مع علي"(3).--------------------------------------------
= ينكر عليه من أمر الحرة وغيره وهو مجتهد مخطئ، وأما قتل الحسين فلم يأمر به ولم يرض به ولأنه ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أول جيش يغزو القسطنطينية مغفور له" وأول جيش غزاها كان أميره يزيد.
وقرقة لا تلعنه ولا تحبه، قال شيخ الإسلام: وهذا هو المنصوص عن الإمام أحمد وعليه المقتصدون من أصحابه وغيرهم من جميع المسلمين فلا يلعن لما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم "لعن المؤمن كقتله" كما أنه لا يجوز لعن الفاسق المعين، ولا يحب لأنه لم يصدر عنه من الأعمال الصالحة ما يحب عليها وهو من ملوك المسلمين المسلطين، وهذا القول الأخير هو أعدل الأقوال وأحراها بالصواب، والله أعلم.
انظر مجموع الفتاوى (4/ 483 - 186) (3/ 409 - 413) البداية والنهاية لابن كثير (8/ 211) الرد على المتعصب العنيد المانع من ذم يزيد لابن الجوزي (مخطوط) ورقة (3 - 4) الحجة في بيان المحجة لأبي القاسم الأصبهاني (2/ 522) مواقف المعارضة في خلافة يزيد بن معاوية، محمد بن عبد الهادي الشيباني ص (543 - 559) رسالة ماجستير.
(1) ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء (3/ 231) وذكره ابن سعد في الطبقات (4/ 187) بدون أن يذكر قوله: "مع علي".
(2) أبو بكر عبد الله بن أبي الجهم العدوي وقد ينسب إلى جده ثقة من الرابعة، التقريب ص (395)
(3) ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء (3/ 232).
وقد روى ابن سعد في الطبقات بسند صحيح عنه أنه قال: "ما آسى من الدنيا إلا على ثلاث، ضميء الهواجر، ومكابدة الليل، وألا أكون قاتلت هذه الفئة الباغية التي حلت بنا" وكأنه يشير إلى قتال الأمويين مع ابن الزبير وفي رواية أخرى عن الزهري عن حمزة بن عبد الله قال: أقبل ابن عمر علينا فقال ما وجدت في نفسي شيئًا من أمر هذه الأمة ما وجدت في نفسي من أن أقاتل هذه الفئة الباغية كما أمرني الله. قلنا: من ترى الفئة الباغية؟ قال ابن الزبير بغى على هؤلاء القوم فأخرجهم من ديارهم ونكث عهدهم. سير أعلام النبلاء (3/ 229)، ولم يتبين لي ترجيح قول من هذه الأقوال.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)
وبإسناده عن سعيد بن أبي عروبة(1) قال: "رأى عمر بن عبد العزيز(2) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت على سرير إذ أتي بعلي ومعاوية فأدخلا في بيت فاختصما ثم خرجا فخرج علي وهو يقول: قضى لي ورب الكعبة، وخرج معاوية وهو يقول: غفر لي ورب الكعبة(3).
مسألة: لا يختلف المذهب في تكفير المعتزلة(4) بمسائل يقولونها.
منها: القول بخلق القرآن، ونفي الرؤية، وخلق الأفعال ونحو ذلك، لأن الدلالة قد دلت على ذلك مما هو مكانه في غير هذا الموضع، فإن توقف أحد في تكفيرهم فهل يكفر هذا الواقف أم لا؟--------------------------------------------
(1) سعيد بن أبي عروبة مهران اليشكري مولاهم أبو النضر البصري، ثقة حافظ له تصانيف لكنه يكثر التدليس، توفي سنة 156 هـ. التقريب ص (124).
(2) عمر بن عبد العزيز بن مروان بن أبي الحكم بن أبي العاص الأموي أمير المؤمنين ولي إمرة المدينة للوليد بن عبد الملك وكان مع سليمان بن عبد الملك كالوزير وولي الخلافة بعده فعد مع الخلفاء الراشدين توفي سنة 101 هـ ومدة خلافته سنتان ونصف. التقريب ص (255).
(3) لم أقف على هذه الرواية.
(4) مسألة التكفير من المسائل الخطيرة والعظيمة لما يترتب عليها من الحكم على الشخص بالخلود بالنار وأنه محروم من رحمة الله عز وجل في الآخرة إن مات على الكفر، كما ورد الوعيد الشديد لمن وصف أخاه بالكفر وليس هو كذلك فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما" خ. الإيمان (1/ 15) م. الإيمان (1/ 81).
ومذهب أهل السنة أنهم لا يكفرون بالذنوب التي هي الكبائر إلا أن يكون الشرك بالله والسحر ويوافقهم في ذلك الأشعرية والماتريدة.
ويخالف في ذلك الخوارج الذين يكفرون بارتكاب شيء من الكبائر، وكذلك المعتزلة الذين يحكمون على مرتكب الكبيرة أنه في منزلة بين المنزلتين فقد خرج من الإسلام ولم يدخل في الكفر وهو عند الطائفتين في الآخرة مخلد في النار.
والحق أن نواقض الإسلام التي يخرج مرتكبها منه كثيرة من أهمها عشرة وهي:
1 - الشرك بالله.
2 - جعل الوسائط بين العبد وربه يدعوهم ويتوسط بهم فيسألهم الشفاعة ويتوكل عليهم. =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .--------------------------------------------
= 3 - من لم يكفر الكفار أو شك في كفرهم.
4 - من اعتقد أن غير هدى النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه أو أن حكم غيره أحسن من حكمه.
5 - من أبغض شيئًا مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم.
6 - من استهزأ بشيء مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم.
7 - السحر.
8 - مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين.
9 - من اعتقد أن أحدًا يسعه الخروج عن دين محمد صلى الله عليه وسلم.
10 - الإعراض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به. مجموعة رسائل في التوحيد ص 285.
ولو دققنا النظر في هذه النواقض نجدها تعود إلى شيء واحد في الجملة وهو مناقضة صريح ما جاء عن الله عز وجل أو عن رسوله صلى الله عليه وسلم إما مضادة أو ردًا أو تكذيبًا أو شكًا أو ترددًا أو بغضًا، والتكذيب هو أظهر أنواع تلك المناقضة، فالشرك مناقض ومضاد لصريح دعوة الإسلام وأصله وحقيقته الذي هو التوحيد، وهو متضمن لرد وتكذيب خبر الله ورسوله، ومن شك في كفر الكفار أو تردد أو ظن أن هدي غير الله أكمل من هديه أو أحسن، أو اعتقد أن أحدًا يسعه الخروج عن دين الله، أو أعرض عن دين الله فهذا كله يعود في حقيقته إلى تكذيب خبر الله عز وجل وخبر رسوله صلى الله عليه وسلم.
والبغض والاستهزاء بشئ من دين الله في أصله يعود الى التكذيب، لأن ذلك لا يقع إلا من مكذب ولكنه قد يتضمن مع ذلك تصورات فاسدة تعود إلى شهوة دنيوية من ميل إلى ما حرم الله أو نفرة مما أحل الله فيقع في نفسه ذلك الشعور وهو البغض أو الاستهزاء والاستهتار به لما وقع في نفسه من الشهوة الدنيوية وذلك لا شك كفر وخروج من الإسلام، أما السحر فلأنه متضمن للشرك الذى هو مناقض لحقيقة الإسلام وأصله وهو التوحيد فإن الساحر إنما هو مستخدم للشيطان ولا يخدمه الشيطان إلا أن يشرك به.
ومظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين لا يكون ألا بكفر باطني وهو النفاق، فيعود إلى التكذيب أو إلى أمر دنيوي من تقديمها على الآخرة تقديمًا يفسد على الإنسان دينه.
فيظهر من هذا كله أن ما يخرج المسلم من دينه أمور عديدة يعود جلها إلى تكذيب خبر الله عز وجل وخبر رسوله صلى الله عليه وسلم. ومن هذا الوجه ما يذكره العلماء في تكفير مستحل شيئا من الذنوب، مفرقين بينه وبين من يرتكبها غير مستحل لها، وذلك لأن الزاني مثلا إذا زنى وهو مستحل للزنا فقد كذب الله في خبره ورد عليه أمره في تحريم الزنا، أما المرتكب له بدون استحلال فهو مقر بتحريم الزنا شاهد على نفسه بالمخالفة.
ومن هذا الوجه من أطلق العلماء تكفيرهم من أهل البدع فإنما أطلقوا تكفيرهم لما في مقالتهم من التكذيب لصريح خبر الله ومناقضته مناقضة صريحة، وذلك مثل الجهمية الذين ينفون الصفات ويدَّعون =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .--------------------------------------------
= خلق القرآن وينكرون علو الله واستواءه على عرشه، فهذه أمور قد ورد التصريح بها في القرآن والسنة فردها تكذيب لخبر الله عز وجل وخبر رسوله صلى الله عليه وسلم. ومن هذا الوجه تكفير القدرية الذين يجحدون العلم والقائلين بأن الله لا يخلق أفعال العباد، ومنه كذلك تكفير المنكرين لرؤية الله في الآخرة فهذه المسائل كلها فيها نصوص صريحة واضحة، بخلاف المسائل التي نصوصها ليست صريحة فإن قائلها قد يخطأ وقد يبدع مثل من أنكر دخول الأعمال في الإيمان أو زيادته ونقصانه أو عروج الرسول صلى الله عليه وسلم بجسده وروحه أو قال بتفضيل علي على أبي بكر أو نحو ذلك من المسائل التي ليست لها أدلة صريحة يعلم منها أن صاحبها إنما أنكرها وخالفها مع صراحتها مناقضًا بذلك كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والمشهور من مذهب أحمد، وعامة أئمة السنة تكفير الجهمية وهم المعطلة لصفات الرحمن، فإن قولهم صريح في مناقضة ما جاءت به الرسل من الكتاب وحقيقة قولهم جحود الصانع ففيه جحود الرب، وجحود ما أخبر به عن نفسه على لسان رسله. "مجموع الفتاوى (12/ 485) وانظر أيضا مجموع الفتاوى (23/ 348).
بقى هنا من عموم ما ذكرنا الصلاة، فإن كثيرًا من العلماء يرى كفر تاركها تهاونًا وكسلًا وان كان مقرًا بوجوبها معترفًا بتقصيره، وما ذلك إلا لأن الصلاة عمود الإسلام، وقد جاء من النصوص في وجوبها والتحذير من التهاون بها ما لم يأت في غيرها بحيث صارت قرينة الإيمان بالله واليوم الآخر، كما أن الصلاة أظهر معاني العبادة بحيث أن الإنسان إذا لم يصل فإنه لم يعبد الله في الحقيقة، ولم يؤد له سبحانه شيئا من حقه عليه، مع ما ورد فيها من النصوص الدالة على كفر تاركها، فلهذا قال كثير من العلماء بكفر تاركها تهاونًا وكسلًا وإن كان مقرًا ومعترفًا بوجوبها. انظر الصلاة، لابن القيم ضمن مجموعة الحديث النجدية ص 496.
فعلى هذا من وقع منه شيء من تلك الأمور المكفرة هل يحكم بكفره على الإطلاق أم لا؟
أما الأمور الظاهرة من دين الإسلام مثل تحريم الشرك ونحوه من القتل والزنا والربا، فمن أشرك أو اعتقد حل بعض المحرمات المعروفة فإنه يكفر إلا أن يكون حديث عهد بالإسلام، أو أسلم ولم يجد من يعلمه الإسلام، فلا يحكم بكفره إلا بعد تعليمه، وفي هذا يقول الله عز وجل {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ} [النساء: 115] فنص الله عز وجل على التبين، ولما قال عدد من الصحابة بعد غزوة الحديبية ممن كانوا حدثاء عهد بكفر "يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط قال لهم عليه الصلاة والسلام: قلتم والذى نفسي =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)