للإجابة عن هذين السؤالين أستلهم أولا تجربتي في التعليم العالي بالمغرب والإمارات، وأستنير بما توصلت به من إجابة عن الاستمارة التي تضمنت جملة من الأسئلة خصصتها لهذا الشأن بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بدبي استجاب لها مجموعة من الطلبة، وإن كانت غير معبرة بالمعنى العلمي الدقيق، لكنها توافق الملاحظات التي رصدها الأساتذة، وهي على الشكل الآتي:
* ضعف التكوين العام في جميع المواد، بحيث لا يمكن حصره في مادة دون أخرى. لأجل هذا، فإن المشكل ليس خاصا بعلوم الحديث فقط، بل هو عام في جميع المواد ويتفاوت من جهة إلى أخرى. وهذا لا يمنع من وجود طلبة متميزين، إلا أن الحكم للأغلب، علما بأن كلية الدراسات الإسلامية والعربية تشترط معدلات توحي بأن حاملها على مستوى جيد. وكان من شروط قبول الطلبة في التسجيل لسنة 2002 - 2003: 1 - أن يكون حاصلا على شهادة الثانوية الشرعية أو الثانوية العامة (علمي أو أدبي) أو ما يعادلها، بمعدل لا يقل عن 60 % للطلاب المواطنين، و70 % للطالبات المواطنات شريطة ألا يكون قد مضى على الشهادة أكثر من خمس سنوات. 2 - يقبل من أبناء دول مجلس التعاون الخليجي من كان حاصلا على الثانوية العامة أو ما يعادله شريطة ألا يمضي على حصوله على الشهادة أكثر من سنتين وبمعدل 75 % للطلاب و80 % للطالبات، ويتم القبول على أساس تنافسي.
(খণ্ড: 15) (পৃষ্ঠা: 6)
* ضعف شديد في المستوى اللغوي والنحوي والإملائي لاحظته منذ التحاقي بالإمارات، مرده إلى طبيعة التكوين الذي خضع له الطلاب. وقد جاء تفسير ذلك في إحدى الاستمارات أن مادة اللغة العربية من مائة درجة موزعة على الأدب والشعر والتعبير والخط والنحو، ودرجة مادة النحو من خمسة إلى عشرين، فكان الطلبة لا يهتمون بها نظرا لصعوبتها ويعتنون بغيرها من مكونات وحدة اللغة العربية، هذا من جهة، ومن جهة ثانية استعمال جملة من الأساتذة اللهجات المحلية في التدريس، فيؤثر ذلك سلبا على العملية التعليمية، ومن جهة ثالثة أثر الدعوى أن اللغة الأجنبية (الإنجليزية) مفتاح المستقبل كان لها مفعولها في إهمال اللغة العربية. ولأجل هذا نفهم حرص إحدى الجمعيات بالإمارات - وهي جمعية حماية اللغة العربية - على جعل يوم 21 (شباط) فبراير اليوم الوطني للغة العربية. وأثر الضعف اللغوي في فهم الطالب جلي لا يمارى، إذ باللغة يفهم الخطاب. ولأجل ذلك قال جلال الدين السيوطي في معرض كلامه عن العلوم التي حباه الله بها: ( … مع ما أمدني الله تعالى به من العلوم كالتفسير الذي يطلع على فهم الكتاب العزيز، وعلومه التي دونتها ولم أسبق إلى تحريرها الوجيز، والفقه الذي من جهله فأنى له الرفعة والتميز، واللغة التي عليها مدار فهم السنة والقرآن، والنحو الذي يفتضح فاقده بكثرة الزلل - ولا يصلح الحديث للحان - إلى غير ذلك من علوم المعاني والبيان التي لبلاغة الكتاب والحديث تبيان … ) (1) .--------------------------------------------
(1) السيوطي: تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي 1 / 39.
(খণ্ড: 15) (পৃষ্ঠা: 7)
* اقتصار الطلبة في الغالب الأعم على الكتاب المقرر وعدم محاولتهم توسيع مداركهم بقراءة المصادر والتعرف عليها، وهذا يؤثر في مستواهم الذي لا يخرج عن إطاره. والأصل في ذلك تشجيعهم على هذا الأمر سيرا على نهج المحدثين وغيرهم في تعديد الشيوخ واعتبار ذلك منهجا تعليميا يعاب على من عري عنهم كما نبه إليه الإمام الشاطبي عند محاولته تفسير سبب سلاطة لسان ابن حزم رحمه الله (1) . والعودة إلى الكتب الآن، وإن كانت لا تعوض الشيوخ، تقلل من حدة هذا الضعف الذي يعاني منه الطلبة.
* إلى جانب الاقتصار على الكتاب، يتم التعويل على اختصار له قد يقوم به أحد الطلبة مما يزيد الطين بلة. وليته إذ اختصر صحح ما كتب، ومن يتغيب يعول على ما كتب زميله من شرح الأستاذ ويطمئن إليه مع أنه قد يكتب فهما غير سديد، أو يصحف، أو يخطئ في ضبط الكلمة … فتنتشر الأخطاء وتصبح حالة عامة، وهو في ضبط المصطلحات الحديثية أفظع وأكثر لأنه ليس لديه بها أنس. ورحم الله وكيع بن الجراح، فقد كان كثيرا ما يتمثل بهذا البيت: (من الخفيف) (2) خلق الله للحديث رجالا … ورجالا لآفة التصحيف
ومعلوم أن العلم بأسماء الرواة وضبطها من أنواع علوم الحديث مما يؤخذ مشافة عن الشيوخ، وقد صنف فيه جلة من العلماء مما لا يدرك بالاعتماد على المجهود الشخصي والقراءة الذاتية.
3 - معوقات الإفهام لدى الأستاذ:--------------------------------------------
(1) الشاطبي: الموافقات في أصول الشريعة 1 / 93 - 95، وانظر رسالتنا: ابن حزم الأندلسي وأثره في الدراسات الحديثية 1 / 69 - 82، وكتابنا: النظم التعليمية عند المحدثين في القرون الثلاثة الأولى، ص: 83 - 84.
(2) الخطيب البغدادي: كتاب تلخيص المتشابه في الرسم وحماية ما أشكل منه عن بوادر التصحيف والوهم 1 / 2.
(খণ্ড: 15) (পৃষ্ঠা: 8)
* يتحمل الأستاذ قسطا من المسؤولية حال التقصير في الإفهام وتبليغ المادة على وجهها لأسباب تعود إلى مدى خبرته بالتدريس، وتمكنه من المادة، وتجاوبه مع طلابه. ولا شك أن خبرة الأستاذ وحنكته تؤهلانه لتقديم المادة العلمية على أحسن وجه. لذا، فإن المستويات التي يعاني فيها الطلبة من تكوين ضعيف يحتاجون أكثر من غيرهم إلى أستاذ محنك، على أنه لا يملك خاتم سليمان، ولكنه سيعمل جهده للتخفيف من حدة المشكلة.
* والالتزام باللغة العربية من آكد الواجبات التي يجب أن يلتزم بها، يضاف إلى ذلك أن يكون متخصصا في المادة التي يدرسها، والعيب الذي يؤثر في التعليم هو إسناد المواد لغير أصحاب التخصص خصوصا في علوم الحديث. وقد آليت على نفسي عند قيامي بمهام رئاسة قسم الدراسات الإسلامية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان / المملكة المغربية، أن لا أكلف أحدا بتدريسها إلا أن يكون من أهل الفن. ومن خلال تفريغي للاستمارات، وجدت مجموعة من الطلبة يرجعون سبب عدم فهمهم لها في سنة من السنوات إلى أنه كان يدرسهم أستاذ بعيد عن التخصص.
* يضاف إلى ذلك، نجد الأستاذ مثقلا بعدد ساعات العمل، اعتقادا من الجهة المتعاقدة معه أنها بهذه الطريقة تستفيد من خبرته أكثر، والواقع أنه يصبح منهوك القوى وتضعف مردوديته وتكون النتيجة مخالفة لما كان ينتظر منه. والإنسان يبدع في عمله إذا وفرت له الفرصة السانحة لذلك والظروف الملائمة.
(খণ্ড: 15) (পৃষ্ঠা: 9)
* ويكلف بتدريس كتاب مقرر لا يخرج عنه علما أنه قد لا يفي بالغرض من جهة، ومن جهة ثانية قد تكون فيه أخطاء علمية، أو معلومات قديمة لا تواكب مستجدات البحث العلمي. بهذه الكيفية، لا يستفيد أحد من خبرته وإنما يكون مجرد مردد لأقوال غيره، وبكلمة أخرى مجرد مدرس، بينما المطلوب في الأستاذ أن يكون باحثا. وعلماء الحديث عندما يدرسون كتابا لأحد العلماء لا يقفون عند حدود نقل ما قال، بل يشرحون أقواله ويوجهونها وينكتون عليه ببيان جملة من اللطائف مما يفتح آفاق الطالب ويتعود بذلك على القراءة النقدية الرصينة، ويتعود كتابة الطرر والحواشي على الكتاب الذي يدرسه تكون بدورها نواة لكتاب جديد، وقد يعتني بجمع أقوال شيخه ويجعلها في كتاب فيكون بذلك مشاركا وفعالا في العملية التعليمية التي يمثل المحور الأساس فيها. والمكتبة الحديثية زاخرة بمثل هذه الأعمال التي ألمعنا إليها أمثال سؤالات محمد بن عثمان لعلي، وسؤالات أبي عبيد لأبي داود، وسؤالات ابن أبي شيبة، والشروح التي وضعها العلماء على الكتب التي كانوا يدرسونها مع تعليقاتهم عليها نثرا أو شعرا، وما شروح مقدمة ابن الصلاح عنا ببعيدة والمنظومات التي وضعها العلماء في سبيل ذلك مما لا يجرؤ أحد على الطعن في جودتها، علما بأن لكل زمان رجاله.
(খণ্ড: 15) (পৃষ্ঠা: 10)
* في ظل التقنيات الجديدة، نجد من الأساتذة من لا يرى جدوى من الاستفادة منها. ونحن وإن كنا نرى ضرورة الأخذ من أفواه الشيوخ، إلا أن ذلك لا يمنع من المزاوجة بين الأمرين لما يحققه من فوائد واختزال الوقت في الإفهام. واستعمال الحاسوب في السنة وعلوم الحديث يفيد الطالب بشكل كبير إذا أحسن استعماله دون إسفاف بحيث يلزمه التعامل المباشر مع المصادر الحديثية إلى جانب ذلك، وإلا كانت معرفته جزئية لا تتعدى ما كان يبحث عنه، بينما يحصل الطالب في بحثه المباشر في الكتب علما وفيرا مما لم يكن لديه في الحسبان. أضف إلى ذلك ما في الأقراص المدمجة من سقط وتصحيف كثير مما يعيب العمل ويحتاج إلى إعادة النظر في مثل هذه المشاريع التي يبتغى بها خدمة العلم من أجل إخراج عمل متقن. لأجل هذا، أنصح بضرورة عقد اتفاقيات عمل في هذا الباب مع المتخصصين، والتماس مستشارين في هذا المجال.
4- معوقات الفهم للكتاب المقرر:
سبق الكلام عن كيفية النظر في دولة الإمارات على الأقل إلى الكتاب المقرر، وأنه يلزم به الأستاذ، وبينا نتائج ذلك وأنه لا يستفاد من خبرة الأساتذة بهذه الكيفية.
وبالمناسبة، نذكر جملة من الأسباب التي تجعلنا نعتقد أن الحاجة ماسة إلى إضافة دماء جديدة في هذا الأمر بإدخال تعديلات على مستوى التأليف:
* إن عامة المصنفات التي ألفت تعاملت مع علوم الحديث على نفس نهج المتقدمين في الأسلوب، وهو عمل قد يكون جيدا لباحثين متميزين، والحال أنه يعرض على طلبة غير متمرسين ويعانون من ضعف عام في الغالب. وهو أمر يعانون منه كما تم التصريح به في الاستمارات بشكل يكاد يكون محل إجماع مما يستدعي البحث في المسألة بجدية.
* في كتاب التخريج المقرر نجد جملة لا بأس بها من الأوهام مما نحن في غنى عن ذكرها الآن. وكون الكتاب مقررا في جهات لا يرفع عنه ذلك.
(খণ্ড: 15) (পৃষ্ঠা: 11)
* في مادة علوم الحديث يلمس الباحث انتقاء صاحب الكتاب للتعاريف دون محاولة التأكيد على إطلاقات العلماء وتوضيح الخلاف الموجود بينهم في ذلك، فيسلم الطالب للتعريف الذي قدم له للصحيح والحسن والشاذ والمعلل … وكلما وجد هذه المصطلحات على لسان أحد العلماء حملها على ما في ذهنه من تعريف لها، وذلك لا يسلم. ولا ينفرد صاحب الكتاب بذلك، فإننا نجد هذا الأمر سائرا بين جملة من الأساتذة ممن يريحون أنفسهم من عناء البحث الجاد ويكتفون بمجرد النقل عن الآخرين. وإذا علمنا أن القدامى أنفسهم قد وقع جملة منهم في أوهام عند الاعتماد على مجرد النقل، أحسسنا بضرورة العودة إلى المصادر عند توفرها (1) .
* وقوف عامة الكتب المؤلفة في هذا الباب عند حدود الجانب النظري، بينما المستهدف هو الطالب الذي يحتاج إلى فهم المادة بربطها بالجانب التطبيقي، إذ به يفهم المقال، والطلبة يعلقون على هذا الجانب في الاستمارة، ويحسون بأهمية الجمع بين الجانب النظري والتطبيقي.
5 - معوقات فهم المنهاج:
إن المنهاج المفروض على الطلبة يجب أن يؤخذ فيه بعين الاعتبار حين وضعه مستواهم العلمي والمدة الزمنية المخصصة له. والملاحظ في هذا الجانب ما يأتي:
* طول المنهاج، فيجد الأستاذ نفسه بين أن يكمله مبتور الأوصال، يمر عليه مر الكرام لأن الوقت لا يسعف، وبين أن يشرح المادة التي على عاتقه تقع مسؤولية تبليغها، فتكون النتيجة سلبية.--------------------------------------------
(1) يراجع في هذه المسألة مثلا الوهم الذي حصل لكل من السيوطي والسخاوي واللكنوي والمعاصرين الذين نسبوا لأبي بكر بن العربي العمل بالضعيف مطلقا معتمدين في ذلك على النقل عن ابن حجر العسقلاني، وقد بينا ذلك في بحثنا لنيل دكتوراه الدولة في موضوع: أبو بكر بن العربي وجهوده في الدراسات الحديثية 2 / 588 -592.
(খণ্ড: 15) (পৃষ্ঠা: 12)
* غياب مادة علوم الحديث فيما عدا السنة الأولى حيث تدرس في فصلين يتيمين ينساها الطالب بعدها ليفاجأ بمادة التخريج في السنة الرابعة مع أنها مرتبطة ارتباطا وثيقا بها، إذ هي بمثابة أصول الفقه بالنسبة للفقيه، فلما يتعامل الطالب معها يجد نفسه قد نسي كل ما يتعلق بعلوم الحديث، ويجد الأستاذ نفسه في حاجة إلى أن يذكره بذلك مما يؤدي إلى ضياع جزء من الوقت.
* إن مادة علوم الحديث تطبيقية، وهذا يفترض التعامل المكثف مع المكتبة بهدف البحث المباشر في المصادر، ووقتا ليس باليسير لتحقيق الأهداف.
* إن تقليص عدد ساعات المواد الشرعية عموما، والحديثية خصوصا سيؤدي لا محالة إلى مزيد من التراجع في المستوى الطلابي بسبب عدم استيعاب المادة وفهمها كما ينبغي.
مقترحات
فيما يأتي سنحاول تقديم مقترحات عساها تفيد بشكل ولو ضئيل في حل مشكلة الفهم التي تقض مضجع كل مشتغل بالتعليم:
1 ـ فيما يخص الطالب:
* إن قبول الطلبة في الكلية يجب أن يتم بناء على اجتياز امتحان يستدل به على مستواهم، لأن المعدلات المشترطة للقبول، وإن كانت في ظاهرها مرتفعة، إلا أنها لا تدل في واقع الأمر على المستوى الفعلي لهم، وإلا لما لمسنا فيهم هذا القصور.
* تنظيم دعم لغوي لفائدة الطلبة.
* تشجيعهم على العودة إلى المصادر والجلوس إلى أهل العلم وإبراز مواهبهم.
* تنظيم دورات تكوينية في الحديث وعلومه، ومسابقات في هذا المجال كما هو الشأن بالنسبة لحفظ وتجويد القرآن الكريم.
2 ـ فيما يخص الأستاذ:
* تنظيم دورات تدريبية على التقنيات الحديثة لمسايرة معطيات العصر، واستعمالها في التدريس.
* إسناد مادة علوم الحديث خاصة لصاحب التخصص.
* التخفيف من عدد ساعات العمل حتى يتمكن الأستاذ من العطاء الجيد، وإلا فإنه سيصبح مجرد مدرس لا يقدم ولا يؤخر لعدم وجود الوقت الكافي له للبحث.
(খণ্ড: 15) (পৃষ্ঠা: 13)
* فسح المجال له ليبدع وينشر أعماله، ولم لا تدريسها إلى جانب مصادر أخرى بهدف توسيع أفق الطالب من جهة، ومن جهة ثانية الاستفادة من خبرة الأستاذ.
* استعمال وسائل الإيضاح.
3 ـ فيما يخص الكتاب المقرر:
* العمل على تأليف كتب في علوم الحديث تعتمد التيسير، ولنا في ذلك سند من سلوك المحدثين وغيرهم في هذا الباب، إذ كانوا يؤلفون مبسوطات، ثم يختصرونها للسبب المذكور، فهذا العراقي في معرض بيانه سبب تأليفه (كتاب المستفاد من مبهمات المتن والإسناد) ذكر الصعوبة التي يجدها الباحث في مصنفات من ألف في ذلك مثل كتب أبي محمد عبد الغني بن سعيد والخطيب البغدادي وابن بشكوال إلى أن قال: ( … فوفقني الله تعالى، وبه الاستعانة، إلى جمع هذه الكتب في مصنف واحد، وترتيبه على الأبواب الفقهية ليسهل الكشف منه على من أراد ذلك … ) (1) . وهذا ابن بلبان لما أراد تبيين سبب تأليفه الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان، قال بعد أن رفع من شأنه: ( … لكنه لبديع صنعه، ومنيع وضعه، قد عز جانبه، فكثر مجانبه، تعسر اقتناص شوارده، فتعذر الاقتباس من فوائده وموارده، فرأيت أن أتسبب لتقريبه، وأتقرب إلى الله بتهذيبه وترتيبه، وأسهله على طلابه … ) (2) ، وهذا النواوي سمى كتابه في علوم الحديث: (التقريب والتيسير) … فظهرت بذلك عناية المحدثين بتيسير علوم الحديث كل حسب الحاجة التي رآها والكيفية التي ارتضاها. وإننا، بهذا المسلك، نشارك في خلق ثقافة حديثية لا تقتصر على طلاب العلوم الشرعية.
* ضبط المصطلحات كما وردت على لسان أصحابها حتى لا يقع الخلط بين إطلاقات العلماء، ويتم تنبيه الطلبة إلى مغبة استعمال ذلك في غير وجهها، لأنه يؤدي إلى تشويه الفكرة.
* التدرج من اليسير إلى الصعب بشكل مستساغ مقبول.--------------------------------------------
(1) العراقي: كتاب المستفاد من مبهمات المتن والإسناد 1 / 92- 93.
(2) ابن بلبان: الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان 1 / 95 - 96.
(খণ্ড: 15) (পৃষ্ঠা: 14)
* الربط بين الجانبين النظري والتطبيقي.
* دراسة علوم الحديث في إطار وحدات موضوعية حتى يتم استيعابها وفهمها.
* استحداث جائزة لأحسن كتاب يؤلفه باحث أو يشارك فيه مجموعة من الباحثين يتوخى فيه الجدة والتيسير.
4 ـ فيما يخص المنهاج:
* وجوب توزيع محاور علوم الحديث على جميع سنوات الدراسة، وبهذه الكيفية نضمن استمرار تواصل الطالب معها، واستيعابه وفهمه لها.
* تناسب مفردات المقرر مع كل فصل بحيث لا يكون أكبر من الحجم الذي يجب أن يكون عليه ولا أصغر منه، وفي مستوى إدراك الطالب.
* تخصيص قاعة للتخريج مزودة بكافة المصادر المحتاج إليها.
* الزيادة في عدد الساعات المعتمدة في علوم الحديث والتخريج.
في جميع الأحوال، إن العلوم الشرعية لها خصوصياتها التي تتميز بها، واتباع الطريقة الغربية في التدريس أخل بمستوى التعليم عندنا، لأننا أصبحنا نقدم الشهادات بناء على عدد سنوات الدراسة ونجاح الطالب فيها، لا على حسن التمكن من العلوم الشرعية. لأجل هذا، فإن تكوين علماء معتمدين يتطلب تغيير السياسة التعليمية، لأنها إن كانت صالحة في التعليم الغربي فلأن علومها يمكن حصرها في مدة زمنية خلافا للعلوم الشرعية.
وأخيرا أقول: ميزة المحدثين أنهم يعتبرون أنفسهم دوما في مرحلة الطلب.
لائحة المصادر والمراجع
1 - القرآن الكريم.
2 - الإحسان بترتيب صحيح ابن بلبان - ت. شعيب الأرنؤوط - مؤسسة الرسالة - بيروت - 1424 / 1993.
3 - البخاري بشرح الكرماني (الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري) - دار إحياء التراث العربي - بيروت - ط 2 - 1401 / 1981.
4 - أبو بكر بن العربي وجهوده في الدراسات الحديثية: أ. د. المكي بن أحمد اقلاينة - أطروحة دكتوراه الدولة - كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان / المغرب - 1993.
5 - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي: السيوطي، جلال الدين - ت. عبد الوهاب عبد اللطيف - دار التراث - مصر - ط2 - 1392 / 1972.
(খণ্ড: 15) (পৃষ্ঠা: 15)
6 - تذكرة الحفاظ: الذهبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان - دار إحياء التراث العربي - بيروت - مصورة دائرة المعارف الإسلامية - الهند - ط 3 - 1377 / 1958.
7 - تفسير ابن أبي حاتم الرازي، عبد الرحمن بن محمد - ت. أسعد محمد الطيب - المكتبة العصرية - صيدا - د. ت.
8 - جامع البيان عن تأويل آي القرآن: الطبري، محمد بن جرير - دار الفكر - بيروت - 1405.
9 - ابن حزم الأندلسي وأثره في الدراسات الحديثية: أ. د. المكي بن أحمد اقلاينة - رسالة دبلوم الدراسات العليا (دكتوراه حلقة ثالثة) - كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط / المغرب - 1988.
10 - سنن الدارقطني، علي بن عمر - ت. السيد عبد الله هاشم يماني المدني - دار المعرفة - 1386 / 1966.
11 - سنن البيهقي الكبرى: البيهقي، أحمد بن الحسين بن علي - مكتبة دار الباز - مكة المكرمة - 1414 / 1994.
12 - سير أعلام النبلاء: الذهبي - حقق الجزء 15: شعيب الأرنؤوط وإبراهيم الزيبق- مؤسسة الرسالة - بيروت - ط2 - 1404 / 1984.
13 - شعب الإيمان: البيهقي - ت. محمد السعيد بن بسيوني زغلول - دار الكتب العلمية - بيروت - ط 1 - 1410 / 1990.
14 - كتاب تلخيص المتشابه في الرسم وحماية ما أشكل منه عن بوادر التصحيف والوهم: الخطيب البغدادي، أحمد بن علي بن ثابت - ت. سكينة الشهابي - دمشق - 1985.
15 - كتاب المستفاد من مبهمات المتن والإسناد: العراقي، أبو زرعة أحمد ابن عبد الرحيم - ت. عبد الرحمن عبد الحميد البر - دار الوفاء ودار الأندلس الخضراء - مصر - السعودية - ط 1 - 1414 / 1994.
16 - عمدة القاري شرح صحيح البخاري: العيني، بدر الدين محمود بن أحمد - دار إحياء التراث - بيروت - د. ت.
17 - لسان الميزان: ابن حجر العسقلاني - منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت - ط 2 - 1390 / 1971.
(খণ্ড: 15) (পৃষ্ঠা: 16)
18 - المؤتلف والمختلف، المعروف بالأنساب المتفقة في الخط، المتماثلة في النقط والضبط: ابن القيسراني، أبو الفضل محمد بن طاهر - تقديم وفهرسة: كمال يوسف الحوت - دار الكتب العلمية - بيروت - ط 1 - 1411 / 1991.
19 - الموافقات في أصول الشريعة: الشاطبي، أبو إسحاق إبراهيم بن موسى اللخمي - ت. الشيخ عبد الله دراز - المكتبة التجارية - د. ت.
20 - النظم التعليمية عند المحدثين في القرون الثلاثة الأولى: أ. د. المكي ابن أحمد اقلاينة - مطبعة طوب بريس - الرباط - 2002.
الوثائق
1 - استمارة وزعت على طلاب كلية الدراسات الإسلامية والعربية بدبي.
2 - وثيقة شروط القبول، صادرة عن كلية الدراسات الإسلامية والعربية بدبي سنة 2002 - 2003.
(খণ্ড: 15) (পৃষ্ঠা: 17)
ندوة علوم الحديث علوم وآفاق (مجموعة من المؤلفين)القسم: علوم الحديث
الكتاب: ندوة علوم الحديث علوم وآفاق
المؤلف: بحوث لمجموعة من المؤلفين
[الكتاب مرقم آليا]
تاريخ النشر بالشاملة: 8 ذو الحجة 1431
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 353)
مشكل علم مصطلح الحديث
في العصر الحديث
د. أبشر عوض محمد إدريس
أستاذ الحديث المساعد في كلية أصول الدين
عميد كلية التنمية البشرية
جامعة أم درمان الإسلامية
المقدمة:
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على رسوله الأمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد
فإني قد كنت عقدت العزم على كتابة مباحث في علم مصطلح الحديث وذلك بمناسبة انقضاء مائة عام على تأليف الإمام جمال الدين القاسمي لكتابه القيم: قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث، إذ ورد في خاتمته قوله (بحمد الله تم مقابلة على أصلي، وكتبه مؤلفه جمال الدين في 19 ذي الحجة 1324هـ) .
وها نحن في العام 1424هـ من هجرة المصطفى.. فما عزمنا على كتابته من عند أنفسنا بحول الله وقوته - عضدته ندوة (علوم الحديث - واقع وآفاق) في كلية الدراسات الإسلامية والعربية في دبي، نسأل الله بدءً وختماً … أن ينفع بها وبالقائمين على أمرها، إنه ولي التوفيق … وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
لا شك عند كل دارس وباحث في أصول الرواية، ونقل الأخبار أن علماء الأمة الإسلامية وعلى وجه التحديد علماء الحديث الشريف قد أرسوا دعائم وقعّدوا قواعد في منهجية نقل ونقد الأخبار بما لم تسبقهم إليه أمة من الأمم، ونقلوا سنة الرسول (في كبير أمرها وصغيره، في شتى مناحي الحياة الإنسانية حتى إن بعض من كتب في المباحث التاريخية نصَّ على أن كل الديانات المعروفة للبشر أخضعت لمقاييس التاريخ ونقل الأخبار، فلم يجدوها - بسبب نقل الأتباع لأنبائها وأحداثها - حازت على شروط الرواية المرضية إلا الإسلام ولذا قالوا: لقد ظهر الإسلام في ضوء التاريخ الكامل. بل ذهب عالم نصراني متخصص في التاريخ - وهو أسد رستم - إلى أن ألف كتاباً في أصول الرواية التاريخية إعتمد فيه على قواعد مصطلح الحديث، واعترف بأنها أصح طريقة علمية حديثة لتصحيح الأخبار والروايات.
(খণ্ড: 16) (পৃষ্ঠা: 1)
وقد قال في الباب السادس (العدالة والضبط) بعد أن ذكر وجوب التحقق من عدالة الراوي والأمانة في خبره، (ومما يذكر مع فريد الإعجاب والتقدير ما توصل إليه علماء الحديث منذ مئات السنين في هذا الباب، وإليك بعض ما جاء في مصنفاتهم نورده بحروفه وحذافيره تنويهاً بتدقيقهم العلمي، واعترافاً بفضلهم على التاريخ، ثم آخذ في نقل نصوص عن الإمام مالك، والإمام مسلم صاحب الصحيح والغزالي والقاضي عياض وأبي عمرو بن الصلاح) (1) .
ولكن هذه الجهود الضخمة الجبارة التي أذعنت لسطوتها أعناق وجباه العلماء ممن ذكرنا آنفاً لا تجد من يواكبها ويجاريها بذات النفس في عصرنا الحديث إلا القليل النادر.
فحق لنا أن ننشد:
ذهب الذين يقال عند فراقهم…ليت البلاد بأهلها تتصدع
وقد شغلت بهذا الأمر حيناً من الدهر، وطرحناه مذاكرة مع أهل العلم ومناقشة مع طلابه وكما أسلفت كنا بصدد كتابة تعليقات في الذكرى المائة لكتاب الإمام القاسمي نتناول بعض ما نراه سبباً أو أسباباً لتراجع الدراسات الحديثية على كثرة الطارقين لبابها. ثم من بعد ذلك الحلول، فنقول والله الموفق إن من أسباب ذلك في ما نراه الآتي:
الافتقار إلى حسن الترتيب والتقسيم:
هناك ناحيتان يتأثر بهما نسق التأليف وتتميز بهما منهجية الكتابة والتدوين في أي فن من الفنون وهما:
أـ المدة الزمنية بين نشوء قواعد العلم إلى حين نضجه واستوائه على سوقه، فإن أي علم يبدأ بقواعد صغيرة ومتباعدة ثم لا يزال العلماء يكتبون ويصححون وينقحون ويجمعون بين الأشباه والنظائر حتى تتكامل قواعد ذلك الفن في حدود اجتهاد العقل الإنساني.
ب ـ وأما الناحية الثانية فهي المجتمع الفكري والعلمي الذي يستهدفه المصنف بتصنيفه، ومن ثم تتباين المصنفات إيجازاً وإسهاباً، تعقيداً وتبسيطاً.--------------------------------------------
(1) السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ـ الدكتور / مصطفى السباعي ـ المكتب الإسلامي - دمشق ـ طبعة ثانية 1398هـ - 1978م.
(খণ্ড: 16) (পৃষ্ঠা: 2)
وعلم مصطلح الحديث ليس بدعاً من العلوم … وبمراجعة كلام الحافظ في النخبة نجده يؤرخ للتصنيف في علم المصطلح فيقول: (فمن أول من صنّف في ذلك: القاضي أبو محمد الرامهرمزي في كتابه) المحدث الفاصل (لكنه لم يستوعب والحاكم أبو عبد الله النيسابوري لكنه لم يهذب ولم يرتب وتلاه أبو نعيم الأصفهاني فعمل على كتابه مستخرجاً وأبقى أشياء على المتعقب ثم جاء بعدهم الخطيب أبو بكر البغدادي فصنّف في قوانين الرواية كتاباً سماه (الكفاية) وفي آدابها كتاباً سماه (الجامع لآداب الراوي والسامع) وقلَّ فن من فنون الحديث إلا وقد صنّف فيه كتاباً مفرداً، فكان كما قال الحافظ أبو بكر بن نقطة: (كل من أنصف علم أن المحدثين بعد الخطيب عيال على كتبه) .
ثم جاء بعض من تأخر عن الخطيب فأخذ من هذا العلم بنصيب فجمع القاضي عياض كتاباً لطيفاً سماه (الإلماع) وأبو حفص الميانجي جزءً سماه (ما لا يسع المحدث جهله) وأمثال ذلك من التصانيف التي اشتهرت وبسطت ليتوفر علمها واختصرت ليتيسر فهمها. إلى أن جاء الحافظ الفقيه تقي الدين أبو عمر عثمان بن الصلاح عبد الرحمن الشهرزوري نزيل دمشق فجمع لما ولي تدريس الحديث بالمدرسة الأشرفية كتابه المشهور فهذب فنونه وأملاه شيئاً بعد شئ فلهذا لم يحصل ترتيبه على الوضع المتناسب، ثم تكلم الحافظ عن كتابه هو قال: فلخصته في أوراق لطيفة سميتها (نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر) على ترتيب ابتكرته، وسبيل انتهجته مع ما ضممت إليه من شوارد الفرائد وزوائد الفوائد، فرغب إلي ثانياً أن أضع عليها شرحاً يحل رموزها ويفتح كنوزها … الخ) (1) .--------------------------------------------
(1) نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر ـ الإمام الحافظ بن حجر العسقلاني ـ تحقيق وتعليق الدكتور / نور الدين عتر ـ مطبعة الصباح - دمشق ـ طبعة ثالثة 1421هـ - 2000م.
(খণ্ড: 16) (পৃষ্ঠা: 3)
بالنظر في هذا الموجز التاريخي لحركة التأليف في المصطلح كما ذكره الحافظ فقد تراوح وصف تلك المؤلفات وتقسيمها عند ابن حجر بالآتي:
1- عدم الاستيعاب مما ترك مجالاً للزيادة والتعقيب.
2- عدم التهذيب والترتيب.
3- البسط والإطالة.
وقد احتفى الحافظ بكتاب ابن الصلاح أيما احتفاء ولكنه أيضاً أخذ عليه إنه لم يحصل له الترتيب على الوضع المناسب وعلل ذلك بأن تصنيفه كان إملاء شيئاً بعد شيء … وعليه فقد كتب ابن حجر (النخبة) ليسدد بها ذاك الخلل الذي رآه.
مقارنة بين منهج المقدمة ونخبة الفكر:
حقاً لقد وضع الحافظ ابن حجر كتابه على ترتيب ابتكره كما وعد وبالمقارنة بين الكتاب وأصله نخلص للآتي:
أولاً: بادر الإمام ابن الصلاح في أول مقدمته إلى شرح أنواع الحديث مباشرة، الصحيح، الحسن، الضعيف وهكذا، غير أن الحافظ ابن حجر شرع في تبيان مصطلحات تتعلق بهذا الفن. فشرح أولا معنى الخبر الأثر.. ولكنه رحمه الله وهو يشرح هذه المصطلحات اعترضته مصطلحات أخرى اضطر إلى شرحها مما ادخله في جمل إعتراضية طويلة تشتت ذهن القارئ والدارس فمثلاً يقول (الخبر عند علماء هذا الفن مرادف للحديث … فهو باعتبار وصوله إلينا إما أن يكون له طرق أي أسانيده كثيرة لأن طرقاً جمع طريق وفعيل في الكثرة يجمع على فعل بضمتين وفي القلة على أفعل والمراد بالطرق الأسانيد والإسناد حكاية طريق المتن) .
فانظر - رحمك الله - كيف يشرح الطريق بأنه الإسناد ثم وجد أن الإسناد نفسه يحتاج إلى شرح فشرحه أيضاً، وأيم الله إن شرحه أيضاً يحتاج إلى شرح لأن في أيامنا هذه هناك من لا يدري معنى (حكاية طريق المتن) (1) .--------------------------------------------
(1) المصدر نفسه ص 38.
(খণ্ড: 16) (পৃষ্ঠা: 4)
ومثال آخر للجملة الاعتراضية الناتجة عن شرح المصطلحات فقد قال في ص77 متكلماً عن تعارض الأحاديث (وإن لم يمكن الجمع فلا يخلو إما أن يعرف التاريخ أو لا، فإن عرف وثبت المتأخر به أو بأصرح منه فهو الناسخ والآخر المنسوخ والنسخ رفع تعلق شرعي بدليل شرعي متأخر عنه والناسخ ما دل الرفع المذكور … ثم أخذ يتكلم عن النسخ … حتى قال ص 79 وإن لم يعرف التاريخ … فتلاحظ امتداد الجملة الاعتراضية من ص 77 إلى ص 79 مما دفع بمحقق الكتاب الأستاذ الدكتور/ نور الدين عتر للتنبيه عن ذلك في الحاشية ليلم للدارس والقارئ شتات أفكاره.
وهذا الذي ذكرناه عند الحافظ ابن حجر نجده في غالب كتب المصطلح التي صنّفها الأئمة رضوان الله عليهم ودونك مثال ثالث عند الإمام السيوطي في كتابه (تدريب الراوي) ، يقول ص117 متكلماً عن المعلقات في صحيح البخاري (فما كان منه بصيغة الجزم كقال وفعل وأمر وروى وذكر فلان فهو حكم بصحته عن المضاف إليه لأنه لا يستجيز أن يجزم بذلك … ثم أخذ يشرح ويحلل ويفصّل حتى قال ص120) وما ليس فيه جزم كيروى ويذكر ويحكى … الخ (فالمسافة بين) ما كان فيه جزم (وما ليس يكن فيه جزم) أربع صفحات تقريباً!!!
(খণ্ড: 16) (পৃষ্ঠা: 5)
ثانياً: تلاحظ أن الحافظ ابن حجر في كتابه النخبة أخر الكلام عن أحكام الجرح والتعديل وأحوال الرواة إلى خاتمة كتابه قال (ومن المهم أيضاً معرفة أحوالهم تعديلاً وتجريحاً وجهالة لأن الراوي إما أن تعرف … الخ) بينما وجدنا الإمام ابن الصلاح تكلم عن هذا الشأن في الثلث الأول من مقدمته ولعل صنيع الحافظ ابن حجر رحمه الله يشعر أن خلاصة علم المصطلح وزبدته، وثمرة شجرته المباركة هي الانتهاء إلى القول في تصحيح الأسانيد أو تضعيفها ولا يكون ذلك إلا بالإحاطة بعلم الجرح والتعديل فأخر الثمرة إلى أوان قطفها … وأما الإمام ابن الصلاح فقد مضى علينا أنه كتب كتابه إملاءً ولهذا لم يقع له على الترتيب المتناسب، ثم إن هؤلاء الأئمة رضوان الله عليهم قد صنّفوا لزمانهم وحسب طرائق تدريسهم فما نراه وعراً قد يكون عندهم سهلاً وما يحتاج إلى بسطه وتوضيحه تكفيهم فيه الكلمة والكلمتان.
منهج التأليف لعصرنا:
على كثرة المؤلفات في علم المصطلح قديماً وحديثاً وعلى جهود العلماء المباركة جميعاً لا أظن - والله أعلم - أن هناك من يشير إلى كتاب بعينه ويقول هذا الكتاب قد أوفى وأغنى.
نقول ذلك ونذكر بما نبهنا عليه أولاً من أن التأليف يخضع لزمان التصنيف ومجتمع المؤلف. ومن هنا ننظر في زماننا وفي همة الدارسين ومدى إلمامهم بالعلوم.. وما يحتاجونه. فعليه أقول - وبالله التوفيق - لا بد من تعاضد جماعة من علماء الحديث وتوافرهم على تصنيف للمصطلح جديد، تختزن فيه علوم السلف رضوان الله عليهم ثم تخرج في ثوب جديد بأسلوب عصري ومنهجية في التأليف متكاملة يمكن أن نجمعها في المحاور الآتية:
المحور الأول:
مسرد المصطلحات
(খণ্ড: 16) (পৃষ্ঠা: 6)
إن المصطلح هو الوعاء التعبيري الذي تطرح من خلاله الفكرة ولتحديد المصطلح تحديداً دقيقاً أهمية كبري في الفهم وفي التطبيق ولذلك نجد أول آية في القرآن الكريم ورد فيها النداء بـ يا أيها الذين آمنوا إنما نادت بتحديد المصطلح وطرائق التعبير وهي قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم 104 البقرة.
ويمكن النظر في تفسير الإمام ابن كثير لتوضيح انتقاص اليهود من قدر رسول الله (باستخدامهم كلمة) راعنا (فمنع المولى عز وجل من استعمال هذا) المصطلح، المشتبه بآخر لا لبس فيه وهو (انظرنا) وفي السنة من ذلك كثير مثل (لقد صبأنا) .
وحديث أنس (مطرنا سبتاً) لا نطيل بإيراده … كل الذي نقوله بأن تحديد المصطلح أمر غاية في الأهمية.
وبالرجوع إلى كتب مصطلح الحديث نجد كثيراً من مصطلحات هذا العلم المبارك منتشرة ومبثوثة في ثنايا الكتب والفصول والمباحث، يرد المصطلح أينما ورد … وقد تقدم شرحه أو تأخر، لا يلتفت إلى ذلك ولعل السبب - والله أعلم - أن هذه المصطلحات كانت واضحة عند الطلاب بالمشافهة والمذاكرة مع العلماء، وعندما أزف طور تدوين هذا العلم وكتابته لم يكن الإشكال الذي عندنا، عندهم ولا قصور الفهم عند دارسينا عند طلابهم.
ولتوضيح ذلك نأخذ كلمة توجد في أول كتب المصطلح على إطلاقها فهم يعرفون الحديث الصحيح بأنه هو (ما اتصل سنده بنقل العدل، الضابط ضبطاً تاماً عن مثله إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة) .
فلننظر إلى هذا التعريف بعقلية الطالب الدارس وليس بعقلية العالم المؤلف أي نتقمص شخصية الطالب، فماذا أري؟
أجد عبارة مبهمة لكي أدريها يتوقف ذلك على معرفة سابقة وأطرح الأسئلة الآتية:
1- ما معنى السند؟
2- وما معنى كونه متصلاً وكيف يكون؟
3- ومن هو العدل وما هي صفاته؟
4- ومن هو الضابط وكيف أعرفه؟
5- ما معنى منتهاه؟
6- ثم ما هو الشذوذ؟
7- وما هي العلة؟
(খণ্ড: 16) (পৃষ্ঠা: 7)