الأصل السابع: تصحيح الناقد لإسناد حديث، هل يفيد تعديلاً منه لرواته؟
وتصحيح الناقد للإسناد أو ما ينزل منزلة تصحيحه، كتحسينه، تعديل منه لأفراد رواته، إذ موجب الحكم بالصحة أو الحسن للإسناد المعين ثقة الرواة.
ومثاله: (يزيد بن عبد الرحمن الأودي)، أخرجه له الترمذي حديثه عن أبي هريرة في حسن الخلق، وقال: " حديث صحيح غريب " (1).
فحكم الترمذي على الحديث بالصحة، مع الغرابة المطلقة، وهي الغرابة في أصل الإسناد، فهو بمنزلة لو قال: (إسناده صحيح)، فلا يقال: يحتمل أن يكون الترمذي صححه لغيره، فذلك قد يصح في الغرابة النسبية.
فحيث حكم بتصحيح الإسناد لذاته؛ فهو حكم منه بثقة رواته عنده، إذ شرط صحة الإسناد ثقة رواته، فدل على أن يزيد هذا ثقة عند الترمذي.
وذكر أبو الحسن ابن القطان حديث الفريعة بنت مالك في مكث المتوفى عنها زوجها في بيت زوجها الذي كانت فيه حتى يبلغ الكتاب أجله، وهو من رواية سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن عمته زينب بنت كعب، عن الفريعة، قال فيه الترمذي: " حديث حسن صحيح " (2).
ثم قال ابن قطان: " الحديث الصحيح، فإن سعد بن إسحاق ثقة، وممن وثقه النسائي، وزينب كذلك ثقة، وفي تصحيح الترمذي إياه توثيقها وتوثيق سعد بن إسحاق، ولا يضر الثقة أن لا يروي عنه إلا واحد " (3).
قلت: وابن قطان من أكثر المتأخرين توسعاً في تجهيل الرواة الذين--------------------------------------------
(1) الجامع (رقم: 2004).
(2) الجامع (رقم: 1204).
(3) بيان الوهم والإيهام، لابن القطان (5/ 395).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 315)
لا يعرفون بتوثيق قديم، ومع ذلك يجعل من تصحيح الترمذي حجة على توثيق رواة الإسناد الذي صححه.
ووقع منه أنه قال في (عمرو بن بجدان) وقد ذكر من روايته حديثاً نقل عن الترمذي تحسينه له (1): " لا يعرف لعمرو بن بجدان هذا حال " (2)، فتعقبه ابن دقيق العيد بقوله: " ومن العجب كون ابن قطان لم يكتف بتصحيح الترمذي في معرفة حال عمرو بن بجدان، مع تفرده بالحديث، وهو قد نقل كلامه: (هذا حديث حسن صحيح)، وأي فرق بين أن يقول: هو ثقة؟ أو يصحح له حديثاً انفرد به؟ وإن كان توقف عن ذلك لكونه لم يرو عنه إلا أبو قلابة، فليس هذا بمقتضى مذهبه، فإنه لا يلتفت إلى كثرة الرواة في نفي جهالة الحال، فكذلك لا يوجب جهالة الحال بانفراد راو واحد عنه بعد وجود ما يقتضي تعديله ، وهو تصحيح الترمذي " (3).
قال الذهبي بعد أن جعل تخريج حديث الراوي في (الصحيحين) توثيقاً للراوي الذي لم يذكر بجرح أو تعديل: " وإن صحح له مثل الترمذي وابن خزيمة فجيد أيضاً، وإن صحح له كالدارقطني ، والحاكم فأقل أحواله حسن حديثه " (4).
ويلحق بهذا الأصل مسألتان:
المسألة الأولى: عمل الناقد بحديث الراوي، وذهابه إلى مقتضاه.
قال الخطيب: " إذا عمل العالم بخبر من روى عنه لأجله، فإن ذلك تعديل له يعتمد عليه؛ لأنه لم يعمل بخبره إلا وهو رضى عنده عدل، فقام عمله بخبره مقام قوله: (هو عدل مقبول الخبر)، ولو عمل العالم بخبر من--------------------------------------------
(1) وفي " الجامع " للترمذي (رقم: 124): " حديث حسن صحيح ".
(2) بيان الوهم والإيهام (3/ 327).
(3) نقله الزيلعي في " نصب الراية " (1/ 149).
(4) الموقظة (ص: 78).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 316)
ليس عنده عدلاً، لم يكن عدلاً يجوز الأخذ بقوله والرجوع إلى تعديله؛ لأنه إذا احتملت أمانته أن يعمل بخبر من ليس بعدل عنده، احتملت أمانته أن يزكي ويعدل من ليس بعدل " (1).
قلت: لكن الواجب مراعاته في هذا أن يكون العالم عارفاً بالنقلة، وأن يكون مستنده في العمل هو ذلك الحديث لذاته.
فإن كان العامل بالخبر من عامة الفقهاء وليس ممن له اشتغال بتمييز النقلة، فلا عبرة بعمله بالرواية لتقوية رواتها، والواقع شاهد بعمل الفقيه غير البصير بالحديث ورواته بالأحاديث الواهية فضلاً عن الضعيفة.
وإن كان عمل بالحديث مضموماً إلى دليل آخر عنده، فقد يكون استأنس بذلك الحديث ولم يحتج به، فلا يعتبر ذلك تعديلاً منه لرواته.
المسألة الثانية: تخريج حديث الرواي في الصحاح هل يعد تعديلاً له من قبل من خرج له؟
الأصل أن تخرج الحديث في الكتاب الموصوف بالصحة في جميع الكتب المعروفة بذلك أن الحديث المحتج به فيها قد استوفى شروط الصحة، وذلك يوجب أن يكون من خرج حديثه في هذه الكتب على سبيل الاحتجاج ثقة أو صدوقاً عند صاحب (الصحيح)، بمنزلة تصريحه بالقول: (هو ثقة)، أو: (هو صدوق).
وهذه تنبيهات تتصل بهذه المسألة:
التنبيه الأول: اعلم أنه ليس في رواة " الصحيحين " ممن خرج حديثه احتجاجاً من يصح وصفه بالجهالة، وذلك لكون تصحيح صاحب الصحيح له تزكية ترفعه إلى مصاف الثقات، ومن كان من أولئك قد وصفهم بعض النقاد بالجهالة، فذلك بناء على ما عندهم في حال أولئك النقلة، وزاد--------------------------------------------
(1) الكفاية (ص: 155).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 317)
صاحب الصحيح خبرة بأمره، فزكاه، من أولئك: بيان بن عمرو، والحسين بن الحسن بن يسار، ومحمد بن الحكم المروزي.
قال الذهبي: " فإن خرج حديث هذا في (الصحيحين) فهو موثق بذلك " (1).
وقال: " من أخرج له الشيخان على قسمين:
أحدهما: ما احتجا به في الأصول.
وثانيهما: من خرجا له متابعة وشاهداً واعتباراً.
فمن احتجا به أو أحدهما ولم يوثق ولا غمز، فهو ثقة حديثه قوي، ومن احتجا به أو أحدهما وتكلم فيه: فتارة يكون الكلام فيه تعنتاً والجمهور على توثيقه، فهذا حديثه قوي أيضاً، وتارة يكون الكلام في تليينه وحفظه له اعتبار، فهذا حديثه لا ينحط عن مرتبة الحسن التي قد نسميها من أدنى درجات الصحيح، فما في الكتابين بحمد الله رجل احتج به البخاري أو مسلم في الأصول ورواياته ضعيفة، بل حسنة أو صحيحة.
ومن خرج له البخاري أو مسلم في الشواهد والمتابعات، ففيهم من في حفظه شيء، وفي توثيقه تردد.
فكل من خرج له في (الصحيحين) فقد قفز القنطرة، فلا معدل عنه إلا ببرهان بين " (2).
قلت: وكثير من النقاد بعد الإمامين يحتجون بالراوي يحتج به الشيخان أو أحدهما، ويعدونه بذلك قد جاز القنطرة، ويجعلونه في كفة ترجيح ثقة الراوي المختلف فيه.--------------------------------------------
(1) الموقظة (ص: 78).
(2) الموقظة (ص: 79 _ 80).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 318)
قال ابن عدي في (عبد الله بن يوسف التنيسي): " البخاري مع شدة استقصائه اعتمد عليه في مالك وغيره، ومنه سمع (الموطأ)، وله أحاديث صالحة، وهو خير فاضل " (1).
وقال في (علي بن الجعد): " والبخاري مع شدة استقصائه يروي عنه في صحاحه " (2).
كذلك قال في (فليح بن سليمان): " اعتمده البخاري في (صحيحه)، وروى عنه الكثير، وهو عندي لا بأس به " (3).
قلت: لكن الواجب أن لا تجعل هذه قاعدة مطردة في كل ما روى ذلك الراوي؛ لأن الشيخين كان من منهجهما الانتقاء من حديث من عرف بضعف من أهل الصدق، فالصواب أن يستفاد من احتجاج الشيخين أو أحدهما براو أنه مقبول من حيث الجملة، لكن حديثه المعين غير المخرج في الصحيح يجب الاحتياط في قبوله حتى يثبت أنه محفوظ، ليوافق منهج صاحب (الصحيح) في الانتقاء (4).
قال الزيلعي عقب حديث يرويه أبو أويس المدني في الجهر بالبسملة: " لو ثبت هذا عن أبي أويس فهو غير محتج به؛ لأن أبا أويس لا يحتج بما انفرد به، فكيف إذا انفرد بشيء وخالفه فيه من هو أوثق منه؟ مع أنه متكلم فيه، فوثقه جماعة، وضعفه آخرون .. ومجرد الكلام في الرجل لا يسقط حديثه، ولو اعتبرنا ذلك لذهب معظم السنة؛ إذ لم يسلم من كلام الناس إلا من عصمه الله، بل خرجا في (الصحيح) لخلق ممن تكلم فيهم، منهم: جعفر بن سليمان الضبعي، والحارث بن عبيد الإيادي، وأيمن بن نابل--------------------------------------------
(1) الكامل (5/ 342).
(2) الكامل (6/ 366).
(3) الكامل (7/ 144).
(4) وانظر البحث في: شرط الشيخين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 319)
الحبشي، وخالد بن مخلد القطواني، وسويد بن سعيد الحدثاني، ويونس بن أبي إسحاق السبيعي، وغيرهم. ولكن صاحبا الصحيح رحمهما الله إذا أخرجا لمن تكلم فيه، فإنهم ينتقون من حديثه ما توبع عليه وظهرت شواهده، وعلم أن له أصلاً، ولا يروون ما تفرد به، سيما إذا خالفه الثقات، كما أخرج مسلم لأبي أويس حديث: " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي "؛ لأنه لم يتفرد به، بل رواه غيره من الأثبات، كمالك وشعبة وابن عيينة، فصار حديثه متابعة " (1).
التنبيه الثاني: يلاحظ أن من أخرج لهم البخاري تعليقاً، أو مسلم في " مقدمة صحيحه " فهؤلاء ليس لهم شرط الصحيح، فلا يستدل بذلك على تعديلهم.
قال ابن القيم: " مسلم لم يشترط فيها (أي المقدمة) ما شرطه في الكتاب من الصحة، فلها شأن، ولسائر كتابه شأن آخر، ولا يشك أهل الحديث في ذلك " (2).
التنبيه الثالث: ما سوى " الصحيحين " من الكتب المجردة لـ (الصحيح)، وذلك مثل: صحيح ابن خزيمة، وكتاب " التوحيد " له، وصحيح ابن حبان، فمن خرج له في شيء من هذه الكتب فلا يخلو أن يكون احتجاجاً أو متابعة، فما كان احتجاجاً فهو ثقة عند المخرج، وما كان متابعة فقد يكون ثقة وقد يكون دون ذلك، لكن يعتبر به عند ذلك المخرج على أقل الدرجات.
والحاكم كذلك فيمن يحكم على أسانيدهم بالصحة في " مستدركه "، لا في جميع من يخرج لهم، فإنه ربما حشا في كتابه ما ليس على شرطه فيه أصلاً، كما صنع في كتاب " الصحابة " منه.--------------------------------------------
(1) نصب الراية (1/ 341 _ 342).
(2) الفروسية (ص: 63).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 320)
وتبقى مسألة الاحتجاج بتخريج ذلك الإمام كتعديل منه للراوي تابعة لكونه ممن يعتد بتعديله أو لا.
الأصل الثامن: صيغة التعديل للجماعة على سبيل الاشتراك معتبرة، لكنها لا توجب الاحتجاج بأحدهم عند الانفراد.
وذلك كقول الناقد في جمع الرواة إلى بعضهم في سياق واحد: " رواه الثقات فلان وفلان " ويسمي جماعة، فهذا توثيق منه لهم على الاجتماع، لا على الانفراد، وإنما يراعى في الانفراد الوصف اللائق بكل منهم، فإنه قد يجمع أصحاب الدرجة العليا في الضبط مع الدنيا، ولأجل اتفاقهم في تلك الرواية ساقهم مساقاً واحداً، ولذا فربما وجدت فيهم من يعتبر به، ولا يبلغ الاحتجاج.
لكن يرفع ذلك من الجهالة إذا كان في السياق من روى من المجهولين ما رواه الثقات.
والدارقطني يستعمل مثل هذا في كتاب " العلل ".
الأصل التاسع: قول الناقد: (إن كان هذا فلاناً فهو ثقة) فهو توثيق منه لذلك المسمى.
وذلك مثل ما حكاه البرقاني عن الدارقطني وسأله: ابن أبي فديك يروي عن عبد الله بن يزيد عن أبيه عن أبي هريرة؟ فقال: " إن كان هذا يزيد مولى المنبعث فهو ثقة " (1).
فهذا تعديل ليزيد مولى المنبعث.
الأصل العاشر: أكثر رواة العلم ثقات.
قال الحاكم: " أكثر الرواة للأخبار ثقات " (2).--------------------------------------------
(1) سؤالات البرقاني (النص: 255).
(2) المدخل إلى كتاب الإكليل، للحاكم (ص: 50).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 321)
قلت: وهذا قول صحيح محقق، فالمجروحون محصورون من جهة أن الجرح عارض، والمجهولون الذين لم يتبين أمرهم في العدالة أو الجرح ليسوا بالكثيرين في جمهور الرواة.
لكن لا يصح لقائل أن يدعي أن الأصل في الرواة الثقة حتى يتبين ذلك ويثبت له بطريقه، على ما تقدم.
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 322)
المبحث العاشر:
تحرير القول في تعديل جماعة
من المتقدمين تنازعهم الناس
هذا مبحث قصدت به إزالة الشبهة عن منزلة بعض متقدمي أئمة الحديث، وجدنا من جاء من بعد يتنازعون في قوة تعديلهم للرواة، وقصدت فيه إلى جماعة عرفوا بالكلام في الرواة، لا من له القول بعد القول، والكلام محصور في الأئمة: أحمد بن عبد الله العجلي، وأبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، وأبي حاتم محمد بن حبان البستي، وأبي عبد الله الحاكم النيسابوري، وأبي عمر بن عبد البر.
ومعلوم عند المعتني بهذا العلم أن لهؤلاء الأئمة كلاماً كثيراً في تعديل الرواة، لكن أشكل منهم إطلاق التعديل في طائفة من الرواة هم في نظر غيرهم من النقاد مجهولون أو مجروحون.
وبعض الناس شكك في توثيق يحيى بن معين ومحمد بن سعد ويعقوب بن سفيان والنسائي والدارقطني، من جهة أنهم كان يقع في كلامهم توثيق المجهولين.
وأقول: دعوى ذلك تجن على هؤلاء الأئمة، فهؤلاء جميعاً من أعلم خلق الله برواة الحديث، وطرقهم في نقد الرواة غير خارجة عن طرق
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 323)
غيرهم، وذلك في إرجاع القول في الراوي الذي لم تعلم سيرته إلا من جهة رواياته، إلى اختبار مروياته، فإذا سلمت من النكارة حكموا بثقته.
وأما هؤلاء الأئمة الذين سميت قبل، فالبيان هنا مقصور على تحرير طريقتهم في التعديل للرواة الذين يعدهم غيرهم مجهولين، أما أن يعدلوا من يجرحه غيرهم، فما من الأئمة النقاد إلا عدل من جرحه غيره، فلا ينبغي أن يكون ذلك مما يؤخذ على هؤلاء الأئمة، وإليك بيان ذلك:
طريقة العجلي:
أطلق بعض المتأخرين أن العجلي يوثق المجهولين، وقد تتبعت كتاب العجلي المسمى: " معرفة الثقات من رجال أهل العلم والحديث، ومن الضعفاء ، وذكرهم مذابهم وأخبارهم "، فوجدته في الغالب متين العبارة، موافقاً لكلام غيره من نقاد المحدثين، وذلك في تعديله وتجريحه، ويتفرد عن كبار الأئمة بتوثيق من لا يوجد لهم فيه توثيق، كما يشذ في قوله عنهم وهو في شيء قليل.
وأقول: إذا أنصفت وجدت عامة كبار النقاد يتفرد أحدهم بتعديل لا يقوله غيره، ويخالف الجمهور في الشيء بعد الشيء، فإن عددناه مأخذاً على العجلي لزم أن يؤخذ على يحيى بن معين وأبي زرعة وأبي حاتم الرازي وغيرهم، لذا فالواجب أن يعتبر له نقده، فإن جاءت عبارته على الموافقة لعبارة سائر النقاد فذاك ظاهر القبول، وإن خالف أخضعنا قوله لقواعد الترجيح عند اختلاف الجرح والتعديل، وإن انفرد وجب قبول قوله والاحتجاج به كغيره، حتى يتبين بالحجة خطؤه.
طريقة أبي بكر بن خزيمة:
لم يصلنا لابن خزيمة مصنف في التعديل والتجريح للرواة، وإنما له في ذلك عبارات منثورة في " صحيحه "، وفي كتاب " التوحيد" له، وقد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 324)
اشترط فيه الصحة كذلك، وأيضاً، ما يستفاد من احتجاجه بحديث الراوي كتوثيق، على ما تقدم ذكره في (الأصل السابع) من (المبحث السابق).
والذي وجدت بعض المتأخرين عابه على ابن خزيمة أنه كان يوثق المجهولين، كذا زعم، وهو ادعاء منتقض من جهتين:
الأولى: أنه لا يعاب ناقد من أئمة الحديث بالقول: (يوثق المجهولين)، لأنه ما من النقاد أحد وثق راوياً إلا وقد أخرجه بذلك التوثيق من جملة المجهولين، ولكن بما قام له من الحجة على ثقته، بناء على ما هو معلوم من تمكن ذلك الناقد في الصنعة.
والثانية: وجدنا ابن خزيمة في الواقع جرح رواة بالجهالة، ورد حديثهم بذلك في مواضع عدة من كتابيه (1)، فلو كان الأصل عنده إجراء الرواة على الثقة والعدالة لم يكن لجرحه بالجهالة معنى.
لكن حقيقة الأمر أن توثيقه لمن وثقه أو احتجاجه به مبنى على الخبرة بأمر ذلك الراوي، وتحقق سلامة حديثه عنده من النكارة.
طريقة ابن حبان:
هو أشهر من عيب عليه من النقاد التوسع في التعديل، وتحرير القول في ذلك فيما يلي:
اعلم أن ابن حبان، رحمه الله، ألزم نفسه بتقسيم النقلة إلى (ثقات) و (مجروحين)، وصنف كتابيه المعروفين في ذلك: " الثقات " و " المجروحين "، فكان يجعل كل من وقف على اسمه منهم في واحد من القسمين.--------------------------------------------
(1) انظر مثاله في صحيح ابن خزيمة (2/ 181، 191، 359، و 2/ 58، 92، 177، 189، 210، و 4/ 95، 219، 284)، وفي التوحيد (1/ 544، 545، و 2/ 580، 619 _ 620، 671، 678، 748، 864 _ 866)، يقول في الراوي: " لا أعرفه بعدالة ولا جرح "، أو " مجهول ".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 325)
فإذا كان الراوي ظاهر الأمر عنده في الثقة، أو يقرب من ذلك، أو يرجح إلى جهته، يدخله في (الثقات).
وإذا كان ظاهر الأمر في المجروحين، أو يقرب منهم، أو يرجح عنده جرحه، فهو في (المجروحين).
وهذان ظاهران.
وطائفة هي محل تردده، فربما مال إلى إدخالهم في (الثقات) ونبه على ما يؤخذ عليهم كالخطأ، فيقول: " يخطئ "، وربما قال: " يخطئ كثيراً "، وربما عدهم فيهم وهو يستخير الله في قبول حديثهم، وقد يدخل الرجل ممن تردد فيه في (المجروحين)، فيصفه أيضاً بكونه " يخطئ " أو " يخطئ كثيراً "، وربما علق أمره على الاستخارة.
فمثاله في (الثقات): (إبراهيم بن سليمان الزيات)، قال: " مستقيم الحديث إذا روى عن الثقات "، ثم قال: " وهو أقرب من الضعفاء، ممن أستخير الله فيه " (1).
بينما أورد جماعة في (المجروحين)، وهم عنده من هذا النحو، منهم:
بهز بن حكيم، قال: " لولا حديث: إنا آخذوه وشطره إبله، عزمة من عزمات ربنا، لأدخلناه في الثقات، وهو ممن أستخير الله عز وجل فيه " (2).
جعفر بن الحارث أبو الأشهب، قال: " كان يخطئ في الشيء بعد الشيء، ولم يكثر خطؤه حتى يصير من المجروحين في الحقيقة، ولكنه ممن لا يحتج به إذا نفرد، وهو من الثقات يقرب، وهو من أستخير الله فيه " (3).--------------------------------------------
(1) الثقات (8/ 68).
(2) المجروحين (1/ 194).
(3) المجروحين (1/ 212).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 326)
وقال نحواً من ذلك في (خالد بن يزيد بن أبي مالك الدمشقي) (1)، و (خصيف بن عبد الرحمن الجزري) (2)، و (سويد بن عبد العزيز) (3)، و (يحيى بن أبي سليم أبي بلج الفزاري) (4).
ومن كانوا على هذه الصفة فهم موضع تردد ابن حبان يجعلهم في (الثقات) أو في (الضعفاء)، وهؤلاء لا يجعل قوله حكماً فيهم، إنما يدفع تردده بقول غيره من النقاد، فيصار بالراوي إلى (الثقات) أو (الضعفاء).
ومما يؤخذ عليه:
أنه أورد جماعة من الرواة في الكتابين جميعاً (الثقات) و (المجروحين)، مما يعد من تناقضه، منهم: إسماعيل بن محمد بن جحادة اليامي (5)، رزيق أبو عبد الله الألهاني الشامي (6)، وزياد بن عبد الله النميري (7)، وسعيد بن مسلمة بن هشام بن عبد الملك الأموي (8)، وسهل بن معاذ بن أنس الجهني (9)، وعبد الواحد بن نفيع (أو: نافع) بن علي أبو الرماح الكلاعي (10)، وعمر بن إبراهيم العبدي (11)، وعمران بن ظبيان الأسلمي (12)، وكنانة بن العباس بن مرداس السلمي (13).--------------------------------------------
(1) المجروحين (1/ 284).
(2) المجروحين (1/ 287).
(3) المجروحين (1/ 351).
(4) المجروحين (1/ 313).
(5) الثقات (8/ 96)، المجروحين (1/ 128).
(6) الثقات (4/ 239)، المجروحين (1/ 301).
(7) الثقات (4/ 255 _ 256)، المجروحين (1/ 306).
(8) الثقات (6/ 374)، المجروحين (1/ 321).
(9) الثقات (4/ 321)، المجروحين (1/ 347).
(10) الثقات (7/ 125)، المجروحين (2/ 154).
(11) الثقات (8/ 446)، المجروحين (2/ 89).
(12) الثقات (7/ 239)، المجروحين (2/ 123 _ 124).
(13) الثقات (5/ 339)، المجروحين (2/ 229).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 327)
وما وقع فيه ابن حبان من ذلك فليس تردداً، بل هو خطأ، وصواب قوليه يتميز بحكم غيره، أما قولاه هو فحيث تناقضا فقد تساقطا، إذ أبطل أحدهما الآخر.
نعم، ربما وقع في ذلك لظنه الفرق بن شخصين، كالذي وقع منه في شأن (عباد (1) بن مسلم الفزاري) فإنه أورده في (الثقات) (2)، وأورده في (المجروحين) فقال: " منكر الحديث على قلته، ساقط الاحتجاج بما يرويه؛ لتنكبه عن مسلك المتقنين في الأخبار، واحسبه الذي يروي عن الحسن، الذي يروي عنه الثوري وأبو نعيم، فإن كان كذلك فهو مولى بني حصن، كوفي يخطئ " (3).
لكن يبقى صنف من الرواة ليسوا بواحد من الأقسام المتقدمة: وهم من أوردهم في " الثقات " ممن لا يعرف، ويبين هو نفسه في بعضهم أنه لا يدري من يكونون، وهؤلاء سبب وصفه بالتساهل.
والتحقيق: أن ابن حبان لمن تأمل كتابيه يجده إماماً بصيراً بالنقلة، يعرضهم على موازين النقد، ويحرر أحوالهم في الرواية من خلال مروياتهم، وهو ذاته منهج متقدمي الأئمة.
وهو في إيراد هذا الصنف من الرواة في (الثقات) فمن أجل أنه جعل الأصل في كل راو لم يقف في روايته على ما يطعن فيه لأجله اللحاق بالثقات، وإن كان لا يدري من يكون ذلك الرواي.
وحيث علمنا أن ابن حبان إذا لم يثبت عنده كون الراوي مجروحاً فإنه يدخله في (الثقات)، وأنه أدخل فيهم من لا يعرفه، فهذا المنهج لا يعني أن من في كتابه من هؤلاء فهم ممن يحتج بهم، بل فيهم من هو حجة، وفيهم--------------------------------------------
(1) وصوابه: عُبادة.
(2) الثقات (7/ 160).
(3) المجروحين (2/ 173 _ 174).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 328)
من دون ذلك ممن هو صالح للاعتبار، والمستورون والمجهولون الذين لم يثبت عليهم فيما رووا حديث منكر يحتملون هم وزره، فهؤلاء يعتبر بهم، ويحتج بحديثهم لغيره، وربما خرج حديثهم في " الصحاح " متابعة.
وهذا منهج لا يعرف فيه اختلاف من حيث الجملة.
ولم أر وجهاً لعيب ابن حبان بهذا خلافاً لما جرى عليه طائفة من المتأخرين؛ لأننا قد تبينا منهجه، فغاية الأمر أن لا نجعل من مجرد إيراد الراوي في (الثقات) صحة الاحتجاج به، حتى ينضم إلى ذلك سائر شروط الاحتجاج.
والروي يلحق بالثقات ولا يحتج به منهج قديم، فهذا أبو حاتم الرازي مثلاً على تشدده يقول في (محل بن محرز): " كان آخر من بقي من ثقات أصحاب إبراهيم، ما بحديثه بأس، ولا يحتج بحديثه، كان شيخاً مستوراً، أدخله البخاري في كتاب الضعفاء، يحول من هناك " (1).
وهذا يدل على أمور:
أولها: يكون الرجل ثقة، ولا يحتج به.
وثانيها: المستور ثقة، ولا يحتج به.
وثالثها: من هذا وصفه لا يلحق بالضعفاء.
وهذا في الأمرين الأول والثالث منهج ابن حبان في " ثقاته " في الرواة غير المشهورين بالثقة والعدالة.
يتأيد هذا بتفسير ابن حبان نفسه للعدالة، فإنه قال: " العدالة في الإنسان: هو أن يكون أكثر أحواله طاعة الله؛ لأنا متى ما لم نجعل العدل إلا من لم يوجد منه معصية بحال، أدانا ذلك إلى أن ليس في الدنيا عدل،--------------------------------------------
(1) الجرح والتعديل (4/ 1 / 414).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 329)
إذ الناس لا تخلو أحوالهم من ورود خلل الشيطان فيها، بل العدل من كان ظاهر أحواله طاعة الله، والذي يخالف العدل من كان أكثر أحواله معصية الله " (1).
قلت: وهذا لا يخالف في شيء تفسير (العدالة) عند من تقدمه من أهل العلم، وهي العدالة الدينية.
فأما العدالة الموجبة لصحة الاحتجاج بحديث الراوي، وهي اقتران الضبط إلى العدالة في الدين، فيبينها ابن حبان في " صحيحه " بقوله: " وقد اعتبرنا حديث شيخ شيخ على ما وصفنا من الاعتبار على سبيل الدين، فمن صح عندنا منهم أنه عدل احتججنا به، وقبلنا ما رواهُ، وأدْخلناه في كتابنا هذا (2) ومن صحَّ عندنا أنه غيرُ عدلٍ بالاعتبار الذي وصفناه لم نحتج به، وأدخلناه في كتاب المجروحين من المحدثين بأحد أسباب الجرح " (3).
قلت: ومنهجية اعتبار حديث الراوي طريق عامة النقاد قبل ابن حبان، وهو على الأثر فيه، ويبينه في مواضع من كتابيه في الثقات والمجروحين، ومن عبارته في ذلك:
قال في ترجمة (عبد الله بن المؤمل المخزومي): " كان قليل الحديث، منكر الرواية، لا يجوز الاحتجاج بخبره إذا انفرد؛ لأنه لم يتبين عندنا عدالته فيقبل ما انفرد به؛ وذاك أنه قليل الحديث، لم يتهيأ اعتبار حديثه بحديث غيره لقلته فيحكم له بالعدالة أو الجرح، ولا يتهيأ إطلاق العدالة على من ليس نعرفه بها يقيناً فيقبل ما انفرد به، فعسى نحل الحرام ونحرم الحلال برواية من ليس بعدل، أو نقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل اعتماداً منا على رواية من ليس بعدل عندنا، كما لا يتهيأ إطلاق الجرح على من ليس--------------------------------------------
(1) الإحسان (1/ 151).
(2) أي مع اعتبار سائر شُروط صِحة الحديث، وقد بيَّنها.
(3) الإحسان (1/ 155).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 330)
يستحقه بإحدى الأسباب التي ذكرناها من أنواع الجرح في أول الكتاب، وعائذ بالله من هذين الخصلتين: أن نجرح العدل من غير علم، أو نعدل المجروح من غير يقين " (1).
وقال في ترجمة (سعيد بن زياد بن أبي هند الداري): " الشيخ إذا لم يرو عنه ثقة، فهو مجهول، لا يجوز الاحتجاج به، لأن رواية الضعيف لا تخرج من ليس بعدل عن المجهولين إلى جملة أهل العدالة، كأن ما روى الضعيف وما لم يرو في الحكم سيان " (2).
وقال في ترجمة (عبد الرحمن بن أبي نصر بن عمرو): " منكر الحديث على قلة روايته، يروي عن أبيه المناكير، وأبوه مجهول، لا يدري من هو، ولا يعلم له من علي سماع، وفي دون هذا ما يسقط الاحتجاج برواية من هذا نعته " (3).
وقال في ترجمة (عمران بن مسلم القصير): " ولا يجوز أن يحكم على مسلم بالجرح، وأنه ليس بعدل، إلا السبر " (4).
وقال في ترجمة (عائذ الله المجاشعي): " منكر الحديث على قلته، لا يجوز تعديله إلا بعد السبر، ولو كان ممن [لا] يروي المناكير، ووافق الثقات في الأخبار، لكان عدلاً مقبول الرواية، إذ الناس أحوالهم على الصلاح والعدالة، حتى يتبين منهم ما يوجب القدح فيجرح بما ظهر منه من الجرح، هذا حكم المشاهير من الرواة، وأما المجاهيل الذين لم يرو عنهم إلا الضعفاء، فهم متروكون على الأحوال كلها " (5).--------------------------------------------
(1) المجروحين (2/ 28).
(2) المجروحين (1/ 328).
(3) المجروحين (2/ 59).
(4) المجروحين (2/ 123).
(5) المجروحين (2/ 192 _ 193).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 331)
وقال في ترجمة (محمد بن عطية بن سعد العوفي): " منكر الحديث جداً، مشتبه الأمر، لا يوجد الاتضاح في إطلاق الجرح عليه؛ لأنه لا يروي إلا عن أبيه، وأبو ليس بشيء في الحديث، ولا يروي عنه إلا أسيد بن زيد، وأسيد يسرق الحديث، فلا يتهيأ إطلاق القدح على من يكون بين ضعيفين إلا بعد السبر والاعتبار بما يروي عن غير الضعيف، ولا سبيل إلى ذلك فيه فهو ساقط الاحتجاج، حتى تتبين عدالته بروايته عن ثقة إذا كان دونه ثقة، واستقامت الرواية فلم يخالف الثقات " (1).
قلت: فهذه النصوص المفسرة دالة على ما يلي:
أولاً: أن الطريق إلى تبين عدالة الراوي عنده هو اختبار حديثه.
وهذه هي العدالة الموجبة لقبول حديثه، وهي الإتقان لما رواه، وهذا طريق عامة الأئمة في أكثر الرواة.
ثانياً: أن العدالة تثبت عنده برواية الواحد الثقة.
وحيث إنه اعتبر اختبار حديث الراوي وسلامته من النكارة علامة على عدالته في النقل، دل على أن العدالة التي تثبت عنده برواية واحد ثقة إنما هي ما ترتفع به جهالة عينه ويثبت بها شخصه، وقد تقدم أنه مذهب لغيره، بل عليه عمل النقاد في رواة ما روى عنهم إلا الفرد من الثقات، لم يرو أحدهم منكراً، فصاروا إلى توثيقه وقبوله.
ثالثاً: أنه جرح رواة بالجهالة، لكنها عنده ثابته للراوي الذي لم يعرف إلا من رواية مجروح لا يعتبر به عنده عن ذلك الراوي.
وهذا القدر صحيح، موافق لطريقة غيره، ويبقى: الراوي لا يروي عنه إلا واحد من الثقات، فهذا قد يصفه غير ابن حبان بالجهالة، وقد يختبر حديثه فيلحقه بحسب ما تبين له إما بالمجروحين أو بالثقات، وابن حبان لم--------------------------------------------
(1) المجروحين (2/ 273 _ 274).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 332)
يتجاوز هذا، غاية أمره أنه تعنى اختبار حديث الراوي بالقدر الذي وقف عليه منه، فصار بذلك إلى تبين ضبطه فألحقه بالثقات، أو ضعفه، فألحقه بالمجروحين، والأدلة على إلحاقه الراوي من هؤلاء بالثقات بناء على اختبار حديثه كثيرة في كتابه (الثقات)، وقد تتبعت ذلك بما يطول بيانه هنا.
لكن الواجب اعتباره ما بينته قبل: أن رجال (الثقات) فيهم الثقة المحتج به، وفيهم الصالح للاعتبار وليس بحجة.
وهذا مما يتعذر معه اعتماد إيراد ابن حبان للراوي في الثقات على أنه (ثقة) يحتج به عنده، إلا أن يوجد فيما ذكره قرينة تدل على أن ذلك الراوي في محل من يحتج به، كأن يقول: (مستقيم الحديث)، وقد قالها في طائفة، وإلا فما لك إلا أن تفسر قدر توثيق ابن حبان بمقالات سائر النقاد في الراوي.
ولست أرى في هذا شيئاً من التساهل، ولكنه فوت فائدة الفصل بين ثقة محتج به، وصالح يعتبر به.
لكن، ليس في (الثقات) راو لا يعتبر به على رأي ابن حبان.
وكذلك ليس كل راو في (المجروحين) أراد ابن حبان إسقاط حديثه مطلقاً، بل فيهم المتروك وفيهم من يعتبر بما يوافق فيه الثقات من حديثه، وهو يبين ذلك.
وأما قول ابن حجر: " هذا الذي ذهب إليه ابن حبان من أن الرجل إذا انتفت جهالة عينه كان على العدالة إلى أن يتبين جرحه، مذهب عجيب، والجمهور على خلافه، وهذا هو مسلك ابن حبان في كتاب (الثقات) الذي ألفه، فإنه يذكر خلقاً ممن ينص عليهم أبو حاتم وغيره على أنهم مجهولون، وكان عند ابن حبان أن جهالة العين ترتفع برواية واحد مشهور، وهو مذهب شيخه ابن خزيمة، ولكن جهالة حاله باقية عند غيره " (1).--------------------------------------------
(1) لسان الميزان (1/ 107).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 333)
وقول ابن حجر أيضاً في ترجمة (أيوب) رجل ذكره ابن حبان في (الثقات) وقال: " لا أدري من هو، ولا ابن من هو ": " وهذا القول من ابن حبان يؤيد ما ذهبنا إليه: من أنه يذكر في كتاب (الثقات) كل مجهول روى عنه ثقة، ولم يجرح، ولم يكن الحديث الذي يرويه منكراً، هذه قاعدته، وقد نبه على ذلك الحافظ صلاح الدين العلائي، والحافظ شمس الدين بن عبد الهادي، وغيرهما " (1).
فأقول: ليس مذهباً عجيباً، ولا هو خلاف قول الجمهور، وإنما هو على ما بينت، إلا أن يعني ابن حجر بقول الجمهور أن جهالة الحال لا تثبت إلا براوية اثنين، وهذا قدمت من قبل له أمثلة من كلام أحمد بن حنبل وأبي حاتم الرازي وأبي زرعة الرازي فيها توثيق من لم يرو عنه إلا واحد، وبينه كلام أبي حاتم وأبي زرعة بناء على استقامة حديثه، وكذلك صنع ابن حبان.
طريقة الحاكم النيسابوري:
الحاكم النيسابوري رأس من رءوس هذه الصناعة كلامه في النقلة في التحقيق معتبر قوي، وتعديله فيما يصف به الرواة من الثقة والصدق مقبول محتج به.
وإنما دخلت الشبهة على بعض المتأخرين في تعديل الحاكم ووصف بعضهم له بالتساهل فيه، من جهة ضعف تحقيقه لشرط الصحة في كتابه " المستدرك "، كما بينته في (القسم الثاني).
وحمل أحد الأمرين على الآخر معتبر لو لم يتبين سبب ما يعود إليه الخلل في طريقة الحاكم في التصحيح.
لكن الشأن في كلامه في النقلة مختلف، فقد جرى على منهاج النقاد--------------------------------------------
(1) لسان الميزان (1/ 614).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 334)