ويندرج في جملته: حديث الثقة المختلط الذي عرف أنه حدث به بعد اختلاطه، وحديث من عرف بقبول التلقين.
ثالثاً: من وقع الاضطراب في حديثه؛ لكون ذلك واقعاً بسبب سوء الحفظ، والاضطراب تكافؤ في الوجوه، فإذا وجد المرجح تعين المصير إليه، والمرجح قد يكون إلى جانب القبول.
رابعاً: من وقع في حديثه الاختلاف، فرد لأجله، فإن لم يتعين في ذلك الاختلاف الخطأ، ووجد المرجح إلى جهة القبول وجب المصير إليه والاعتداد بذلك الراوي، إذ ما خشيناه من مظنة خطئه قد زال.
وما لا يمكن علاجه منها، ما يلي:
أولاً: الراوي الموصوف بكونه (منكر الحديث)، أو (متروك الحديث)، أو (شديد الضعف)، أو بأي عبارة تقتضي الوهاء.
ثانياً: الراوي المتهم بالكذب، أو سرقة الحديث، وأولى منه من يثبت ذلك عليه.
فإن قلت: ربما روى الواحد من هذا الصنف أو الذي قبله ما يرويه الثقات، فهل يعتبر بما يوافق فيه الثقات أم لا؟
قلت: وجدنا من الناس من المتأخرين من يغتر بتلك الموافقات، والتحقيق: منع الاعتبار بروايات هذين الصنفين، وإن وقعت موافقة لروايات الثقات، والعلة في ذلك: ما يقع في رواياتهم من التحديث بما ليس من حديثهم المسموع لهم، سرقة، أو تشبيهاً عليهم، أو تلقيناً لهم، أو دسا في كتبهم.
فالواجب النظر إلى روايات هؤلاء بمنزلة المعدوم في هذا الباب.
ومن كلام الأئمة في توكيد هذا الأصل في التمييز بين من يعتبر به ومن لا يعتبر به، ما يلي:
قال الترمذي بعد ذكر (محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى)
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 1078)
و (مجالد بن سعيد): " إذا تفرد أحد من هؤلاء بحديث ولم يتابع عليه، لم يحتج به، كما قال أحمد بن حنبل: ابن أبي ليلى لا يحتج به، إنما عنى إذا تفرد بالشيء " (1).
قلت: فهذا دال على أن حديث هذا الصنف صالح عند عدم التفرد.
وقال أحمد بن حنبل: " ما حديث ابن لهيعة بحجة، وإني لأكتب كثيراً مما أكتب أعتبر به، ويقوي بعضه بعضاً " (2).
فإن كان من أحاديث متهم أو متروك أو منكر الحديث، ممن هو شديد الضعف، فهذا لا يعتبر بحديثه عندهم.
قال أحمد بن حنبل في الفرق بين النوعين: " الحديث عن الضعفاء قد يحتاج إليه في وقت، والمنكر أبداً منكر " (3).
وبين ذلك بأكثر من هذا في روية أخرى، قيل له: فهذه الفوائد التي فيها المناكير، ترى أن يكتب الحديث المنكر؟ قال: " المنكر أبداً منكر "، قيل له: فالضعفاء؟ قال: " قد يحتاج إليهم في وقت " كأنه لم ير بالكتاب عنهم بأساً (4).
قلت: وجه ترك كتبة المنكرات، عدم صحة الاعتبار بها؛ لأن الاعتبار لا يكون بما ليس له أصل، والمنكرات لا أصول لها.
أما أحاديث الضعفاء التي يوجد ما يشدها فهذه تكتب؛ لأن لها أصلاً.
وكذلك صنع أحمد في " مسنده " فإن أكثره من رواية الثقات المتقنين، وفيه روايات الضعفاء الذين تعرف أحاديثهم أو معانيها من وجوه أخرى، إلا--------------------------------------------
(1) كتاب (العلل) في آخر " الجامع " (6/ 239).
(2) أخرجه الخطيب في " الجامع " (رقم: 1583) وإسناده صحيح.
(3) العلل، رواية أبي بكر المروذي (النص: 287).
(4) مسائل الإمام أحمد، رواية ابن هانئ (2/ 167) .......
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 1079)
قليلاً جداً مما يمكن وصفه بالنكارة، ولم يجر من أحمد على سبيل القصد مع تبينه لنكارته.
قال الجوزجاني في (سعيد بن سنان أبي مهدي الحمصي): " كان أبو اليمان يثني عليه في فضله وعبادته، قال: كنا نستمطر به. فنظرت في حديثه فإذا أحاديثه معضلة، فأخبرت أبا اليمان بذلك، فقال: أما إن يحيى بن معين لم يكتب منها شيئاً، فلما رجعت إلى العراق ذكرت أبا المهدي ليحيى بن معين، وقلت: ما منعك يا أبا زكريا أن تكتبها؟ قال: من يكتب تلك الأحاديث؟ من أين وقع عليها؟ لعلك كتبت منها يا أبا إسحاق؟ قلت: كتبت منها شيئاً يسيراً لأعتبر به، قال: تلك لا يعتبر بها، هي بواطيل " (1).
قلت: وعند بعض النقاد لا يترك حديث الراوي حتى يجتمع الجميع على ترك حديثه، وعلى هذا فمن لم يتفق على ترك حديثه فهو عند هذه الطائفة صالح للاعتبار.
وهذه طريقة أحمد بن صالح المصري.
قال يعقوب بن سفيان: سمعت أحمد بن صالح، وذكر مسلمة بن علي، قال: " لا يترك حديث رجل حتى يجتمع الجميع على ترك حديثه، قد يقال: (فلان ضعيف)، فأما أن يقال: (فلان متروك) فلا، إلا أن يجتمع الجميع على ترك حديثه " (2).
وكذلك جاء عن أحمد بن شعيب النسائي، أنه لا يترك حديث الرجل حتى يجتمع الجميع على ترك حديثه (3).
لكن هذا يجب أن يكون مشروطاً بعدم ظهور وجه الجرح الذي يسقط--------------------------------------------
(1) أحوال الرجال، للجوزجاني (النص: 301) والكامل، لابن عدي (4/ 399). واسم أبي اليمان: الحكم بن نافع.
(2) المعرفة والتاريخ (2/ 191) ومن طريقه: الخطيب في " الكفاية " (ص: 181).
(3) النكت على ابن الصلاح، لابن حجر (1/ 482) .......
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 1080)
به حديث الراوي، وإلا فإطلاقه لا بجري على الأصول، فإن الجماعة قد تعدل الراوي، ويطلع واحد من أهل الاختصاص على كذبه، فهذا عندهم في التحقيق كاف لإسقاط جميع روايته.
والثاني: صلاحية نفس الحديث.
فيعتبر بكل ما لم يثبت أنه: كذب، أو منكر، أو خطأ.
فيصح الاعتبار بما يلي:
أولاً: المنقطع.
ثانياً: المرسل.
ثالثاً: المعضل بسقط اثنين، وذلك فيما يرفعه صغار التابعين أو كبار أتباع التابعين (1)، فإن طال السقط، أو كان في الطبقات المتأخرة فلا ينبغي الاعتداد به؛ لقوة مظنة الوهاء بتتابع العلل، أو من أجل تساهل متأخري الرواة فيمن يحملون عنهم.
رابعاً: حديث المدلس الذي عنعن فيه، أو ثبت تدليسه فيه، ما لم يرجع تدليسه فيه إلى متروك الحديث أو متهم بالكذب.
خامساً: المرسل إرسالاً خفياً.
ولا يصح الاعتبار بما يلي:
أولاً: المعلق حتى يوقف على إسناده، إذ المعلقات ترجع في الأصل إلى الأسانيد، فإن لم يوقف له على إسناد نزل منزلة ما لا أصل له.
ثانياً: المقلوب.--------------------------------------------
(1) قال الخطيب: " حكم المعضل مثل حكم المرسل في الاعتبار به فقط " (الجامع لأخلاق الراوي 2/ 191).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 1081)
ثالثاً: المصحف.
رابعاً: المدرج.
خامساً: الشاذ.
سادساً: المعلل المتعين خطؤه.
وهذه لا يعتبر بها من أجل كون الراجح فيها الخطأ، والحديث إذا تبين أنه خطأ فإنه لا يصلح الاعتداد به، إذ الخطأ لن يكون صواباً.
سابعاً: المنكر.
ووجه سقوط الاعتبار به أنه لا يخلو من أن تكون نكارته بسبب المخالفة من الراوي الضعيف، وهذه مرجوحة خطأ، ولا يعتبر بالخطأ.
أو أن تكون نكارته بسبب التفرد، فيخرج عن هذه المسألة؛ لأن الاعتبار إنما يكون بما يوجد له الموافق.
وربما جاءت النكارة بسبب التدليس عن متروك أو متهم.
ثامناً: الموضوع (1).
وعدم الاعتبار بما ثبت أنه كذب أو منكر، ظاهر، وإن تعددت له--------------------------------------------
(1) قال ابن الصلاح في توكيد طرفٍ مما بينته هنا: " ليس كل ضعف في الحديث يزول بمجيئه من وجوه، بل ذلك يتفاوت: فمنه ضعف يزيله ذلك، بأن يكون ضعفه ناشئاً من ضعف حفظ راويه، مع كونه من أهل الصدق والديانة، فإذا رأينا مارواه قد جاء من وجهٍ آخر عرفنا أنه مما قد حفظه، ولم يختلَّ فيه ضبطه له.
وكذلك إذا كان ضعْفه من حيث الإرسال، زال بنَحو ذلك، كما في المرسل الذي يُرسله إمامٌ حافظٌ، إذْ فيه ضعْفٌ قليلٌ يزول بروايته من وجهٍ آخر.
ومن ذلك ضعْفٌ لا يزول بنحو ذلك؛ لقوَّة الضعف وتقاعد هذا الجابر عن جبْره ومُقاومته، وذلك كالضعف الذي ينشأ من كون الراوي مُتهماً بالكذب، أو كون الحديث شاذًّا ". (علوم الحديث، ص: 34) .......
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 1082)
الطرق وكثرت، فلا تعني كثرتها في التحقيق شيئاً؛ لجواز التواطؤ من قبل الكذابين والمتهمين على تنويع الأسانيد للحديث الواحد، فربما نتج تعدد الطرق عن رواية رجل من الضعفاء، عرف بذلك الحديث، فسرقه المتهمون وتداولوه بينهم، يسرقه بعضهم من بعض.
وجائز أن يكون الضعيف الذي ترجع إليه جميع الطرق ممن يعتبر به، ولكن ليس في تلك الطرق ما يشده؛ لوهائها.
وهذا لا يتقى إلا بتمييز ما كان يصلح للاعتبار بحسب رواته من جهة حفظهم وأنهم لم يبلغوا الترك، والسلامة من العلة القادحة في الإسناد أو المتن.
وأمثلة ما لا تعتد به من تعدد الطرق كثيرة.
مثل حديث: " من حفظ على أمتي أربعين حديثاً من أمر ديناه، بعثه الله يوم القيامة فقيهاً "، فهذا روي من حديث ثلاثة عشر رجلاً من الصحابة، بأسانيد كثيرة كلها واهية ساقطة (1).
وحديث " زر غبا تزدد حبا "، روي من حديث أبي هريرة وأبي ذر وحبيب بن سلمة وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن عمر بن الخطاب وجابر بن عبد الله وعائشة أم المؤمنين، وكلها واهية الأسانيد، وما كان فيه بعض النفس فإنه يفتقر إلى ما يشده.
وقال الزيلعي في شأن أحاديث الجهر بالبسملة في الصلاة: " وأحاديث الجهر وإن كثرت رواتها، لكنها كلها ضعيفه، وكم من حديث كثرت رواته وتعددت طرقه، وهو حديث ضعيف، كحديث الطير (2)، وحديث الحاجم--------------------------------------------
(1) شَرحت علله في جزء " التبيين لطُرق حديث الأربعين ".
(2) هوَ ما رُوي أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بطيْرٍ، فقال: " اللهم ائْتني بأحبِّ خلْقك إليْك يأكل معي من هذا الطير "، فجاء عليٌّ، فأكل معه. الحديث. انظر طُرقه في " العلل المتناهية " لابن الجوزي (1/ 225 _ 234).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 1083)
والمحجوم، وحديث " من كنت مولاه فعلي مولاه "، بل قد لا يزيد الحديث كثرة الطرق إلا ضعفاً (1).
تنبيه:
الاعتبار بالطرق المرجوحة التي دل النظر على أنها خطأ، لا يصح كما تقدم، وهو مما يغفل عنه كثير من المشتغلين بهذا العلم، يغر أحدهم ظاهر ورود طريق أخرى للحديث، فيقوي بها، دون ملاحظة شذوذها في الإسناد مثلاً، أو رجوعها إلى نفس طريق الحديث الأولى التي أراد تقويتها.
وإليك مثالين توضيحاً لذلك:
المثال الأول: روى منصور بن المعتمر، عن خيثمة بن عبد الرحمن، عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا سمر إلا لأحد رجلين: لمصل أو مسافر ".
هذا الحديث رواه عن منصور الثقات من أصحابه: سفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج، وجرير بن عبد الحميد، وأبو عوانة الوضاح اليشكري، وعمرو بن أبي قيس، جميعاً هكذا، لكن منهم من يذكر واسطة مبهمة بين خيثمة وابن مسعود، ومنهم من لا يذكر وعلى كلا الحالين فإنه منقطع، خيثمة لم يدرك ابن مسعود، والواسطة مبهمة.
خالف الجماعة عن منصور: إبراهيم بن يوسف الصيرفي، فرواه عن سفيان بن عيينة، عن حبيب بن أبي ثابت، عن زياد بن حدير، عن ابن مسعود.
فحسب بعض الناس هذه طريقاً أخرى للحديث، وما فطنوا إلى أن--------------------------------------------
(1) نصب الراية (1/ 359 _ 360) .......
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 1084)
الصيرفي هذا وهم في إسناده على ابن عيينة، من أجل المحفوظ عن منصور، فمن يعتمد قوله في النقلة كالنسائي قال في (الصيرفي): " ليس بالقوي " وهو من شيوخه، والرجل حسن الحديث ما أتى بما هو موافق لرواية الثقات، أما أن يأتي بمثل هذا الإسناد فهذا مقام إعمال قول الناقد (ليس بالقوي).
فإذا تبين أن رواية الصيرفي وهم، والحديث كما رواه جماعة الثقات عن منصور، فيسقط الاعتداد بطريق الصيرفي لتقويته؛ لأنه رواية خطأ (1).
والمثال الثاني: ما رواه الضحاك بن نبراس، عن ثابت البناني، عن أنس من مالك، عن زيد بن ثابت، قال:
أقيمت الصلاة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي، وأنا معه، فقارب في الخطا، ثم قال لي: " أتدري لم فعلت هذا؟ لتكثر عدد خطانا في طلب الصلاة " (2).--------------------------------------------
(1) خرَّجت الحديث وبيَّنتُ علَّته في تعليقي على كتاب " تَسمية ما انتهى إلينا من الرواة عن أبي نعيم الفضْل بن دُكين " لأبي نعيم الأصبهاني (رقم: 55).
كذلك انْظر ما بيَّنته لتطبيق ما يُشبه هذه الصورة في مثالٍ آخر، وهو بياني لعلَّة حديث " من حسْن إسلام المرءِ ترْكه ما لا يعنيه "، في تعليقي على كتاب " الرسالة المغنية في السكوت ولُزوم البيوت " لابن البنَّاء الحنبلي (رقم: 35).
(2) أخرجه ابن أبي شيبة في " مُسنده " (كما في " المطالب العالية " 2/ 390 رقم: 566، و " إتحاف الخيرة " رقم: 1419) وعبْد بن حميد (رقم: 256) وأبو يعلى (كما في " المطالب " رقم: 567) والطبراني في " الكبير " (5/ 126 رقم: 4798) وابنُ عدي في " الكامل " (5/ 153) من طريق عبيْد الله بنُ موسى. والبخاري في " الأدب المفرد " (رقم: 458) حدثنا موسى (وهوَ ابن إسماعيل). والطبراني أيضاً (رقم: 4799) من طريق حرَمي بن عمارة، والعُقيلي في " الضعفاء " (2/ 219) من طريق مُسلم بن إبراهيم، أربعتهم قالوا: حدثنا الضَّحَّاك، به، ولفظ حرمَي مَعناه.
وأخرجه الطبراني (رقم: 4797) من طريق مُسلمِ بن إبراهيم، أيضاً لكن من مُسند أنسٍ، لم يذْكر زيْداً.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 1085)
فهذا تابع الضحاك عليه: محمد بن ثابت البناني، عن أبيه، به مرفوعاً (1).
والضحاك لين الحديث، ومحمد بن ثابت ليس بالقوي، وكلاهما يعتبر به، ولو سلم حديثهما هذا من المخالفة لكان حديثاً حسناً، غير أن حماد بن سلمة والسري بن يحيى وجعفر بن سليمان الضبعي رووه عن ثابت البناني عن أنس عن زيد موقوفاً من فعل زيد وقوله (2).
وقال العقيلي: " حديث حماد أولى "
قلت: كيف لا، وأثبت الناس في ثابت حماد بن سلمة؟ ومتابعة السري ثقة، وجعفر صدوق، ولا يقاوم الضحاك ومحمد بن ثابت مجتمعين جعفراً وحده فكيف بمن فوقه، كحماد؟ بل كيف بهم مجتمعين؟
لذا قال أبو حاتم الرازي: " روى هذا الحديث جماعة عن ثابت البناني، فلم يوصله أحد إلا الضحاك بن نبراس، والضحاك لين الحديث، وهو ذا يتابعه محمد بن ثابت، ومحمد أيضاً ليس بقوي، والصحيح موقوف " (3).
فهذا مما يبين لك أن ما يعتبر به من طرق الحديث: ما سلم من المعارض الراجح، إذ قيام المعارض الراجح خطأ، فيتعذر حينئذ دفع الضر عنه.--------------------------------------------
(1) أخرجه أبو داود الطيالسي في " مُسنده " (كما في " إتحاف الخِيرة " رقم: 1418) ومن طريقه: الطبراني في " الكبير " (5/ 127 رقم: 4800) والبيهقي في " الشعب " (3/ 60 رقم: 2868) قال: حدثنا مُحمد بن ثابت، به.
ووقعَ في رواية البيهقي فيما يَبدوا اختِصارٌ أوْهم أنَّ الرواية من هذا الوَجهِ موقوفةٌ.
(2) أخرجه العُقيلي (2/ 219) والبيهقي في " الشعب " (3/ 60 رقم: 2869) من طريق حماد، والطبراني في " الكبير " (5/ 126 رقم: 4796) من طريق السري. وعبد الرزاق في " المصنف " (1/ 517 رقم: 1983) ولم يذكر البيهقي في روايته زيْداً .......
(3) علل الحديث (رقم: 548) .......
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 1086)
المبحث الثالث:
تقوية الحديث بتعدد الطرق
تقدم في (الحديث الحسن) ذكر (الحسن لغيره)، وأنه الحديث الضعيف الذي لم يبلغ ضعفه السقوط لاتهام راويه بالكذب أو غلبة الخطأ، ينجبر بممجيئه من وجه آخر يعتبر به.
وبينت في المبحث السابق ما يعتبر به وما لا يعتبر به من الحديث، والذي هو مقدمة ضرورية لفهم هذا المبحث.
ومحل الحديث منه هنا مقصور على المنهاج الذي يصح به تقوية حديث ضعيف يعتبر به في الأصل لخفة ضعفه، بغيره، إذ أسقطنا فيما تقدم ما لا يعتبر به.
وبيان هذا الأصل أن نقول:
اعلم أن تقوية الحديث الضعيف الصالح بغيره يشترط لها في الجابر أربعة شروط:
الشرط الأول: أن يكون حديثاً له نفس درجة المجبور به من جهة من يضاف إليه.
أي: إن كان الضعيف المراد تقويته حديثاً مرفوعاً، وجب في جابره
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 1087)
أن يكون مرفوعاً، صراحة أو حكماً؛ لأن المراد تقوية أحد الطريقين بالآخر لتصحيح نسبتهما إلى نفس القائل أوالفاعل.
ويخرج منه: تقوية الحديث بما ليس بحديث، أو بما نسبته إلى من هو دون درجة من ينسب له ذلك الحديث.
ولذلك طرق لا يصلح اتباع شيء منها لتقوية نسبة الحديث الضعيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
أولها: تقويته بموافقة ظاهر القرآن، زعمه بعضهم.
وهذا يكون صحيحاً أن يقال: المعنى الذي جاء به الحديث الضعيف موجود في كتاب الله، لكن يبقي للحديث وصف الضعف في نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم قولاً أو فعلاً.
وليس اشتمال الحديث على الحق، مما يجيز بمجرده نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإلا أسقطنا الاعتداد بقوانين هذا العلم، ولقال من شاء ما شاء.
ومن مثال هذا: تقوية ما رواه دراج أبو السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد، فاشهدوا له بالإيمان، قال الله تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} [التوبة: 18] " (1).
فهذا معناه في كتاب الله صحيح، لكن الحديث لم يرو إلا بهذا الإسناد، وهو إسناد ضعيف، دراج ضعيف الحديث عن أبي الهيثم، وقد جاء بالأمر بالشهادة بالإيمان لمرتاد المسجد، وهو مما لا شاهد له من القرآن.--------------------------------------------
(1) أخرجه الترمذي (رقم: 2617، 3092) وغيره.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 1088)
ثانيها: تقويته بالموقوفات على الصحابة.
الحديث الموقوف لا يقوي المرفوع إلا إذا كان مما لا مجال للرأي فيه، ولم يكن من أحاديث بني إسرائيل.
فإن قلت: وجدنا في كلام الشافعي ما نعتبر فيه تقوية المرسل بالمنقول عن الصحابة (1).
قلت: ليس لهذا مثال يقول فيه الشافعي بتصحيح نسبة حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم علته الإرسال، بقول صحابي أو فعله، وإنما وجد في كلامه تعضيد الحكم المستفاد من المرسل، بجريان عمل بعض الصحابة به، كما وقع منه في بعض مراسيل سعيد بن المسيب.
وثبوت الحكم بهذا الطريق غير ثبوت نسبة الحديث.
وجاء عن أحمد بن حنبل في هذا ما قد يتعلق به، وذلك ما حكاه أبو زرعة الدمشقي، قال: سألت يحيى بن معين عن حديث أبي سلمة عن جابر في الشفعة، قلت له، ما تقول فيه؟ قال: " منكر "، ورأيته ينكر رفعه عن جابر، ويعجبه وقوفه عن سعيد وأبي سلمة. قال أبو زرعة: قلت لأحمد بن حنبل: ما تقول فيه؟ قال: " هو ثبت "، ورفع منه، واعتد برواية معمر له، واحتج له برواية مالك وإن كانت موقوفة. قلت لأحمد: ومن أي شيء ثبت؟ قال: " رواه صالح بن أبي الأخضر " يعني مثل رواية معمر، قلت: صالح يحتج به؟ قال: " يستدل به، يعتبر به " (2).
قلت: فظاهر هذا أن أحمد قوى المرفوع بالموقوف، وليس كذلك وإنما أطلق لفظ (الموقوف) هنا على المرسل، وذلك أن الحديث رواه معمر بن راشد وصالح بن أبي الأخضر وغيرهما، عن ابن شهاب الزهري--------------------------------------------
(1) وسيأتي ذِكر نصِّه فيه .......
(2) تاريخ أبي زُرعة (1/ 463 _ 464).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 1089)
عن أبي سلمة، عن جابر بن عبد الله، قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل مال لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة.
ورواه مالك في " الموطأ " (1) فقال: عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالشفعة، الحديث معناه.
وهذا مرسل، وليس بموقوف.
ورجح أحمد والبخاري (2) وغيرهما وصله، وهو الصواب، إذ معمر من حفاظ أصحاب الزهري، وزاده رجحاناً في حفظ الوصل متابعة من تابعه ممن يعتبر به (3).
ثالثها: تقوية الحديث بجريان العمل أو الفتوى به.
يستأنس بالضعيف الذي لا معارض له، إذا جرى عليه عمل أهل العلم، من الصحابة فمن بعدهم في عصر النقل والرواية.
أما عد ذلك العمل منهم دليلاً على ثبوت الحديث، فلا، إذ العمل قد يجري بالشيء بناء على أصل آخر، من دلالة كتاب أو سنة صحيحة غير هذا الحديث.--------------------------------------------
(1) هوَ في رواية يحيى الليثي (رقم: 2079).
(2) فقد أخرجه في " صحيحه " (رقم: 2099، 2100، 2101، 2138، 2363، 2364، 6575) من طُرقٍ عن معمرٍ، به.
(3) بل اختلف الرُّواة على مالك فيه، فأرسله عنه أكثر رُواة " الموطَّأ "، ورواه بَعض أصْحابه عنه موصولاً.
قال ابن حبان في " صحيحه " (11/ 591 _ 592) بعْد أن أخرجه من طريق عبْد الملك بن عبد العزيز الماجشون، عن مالك موصولاً: " رفع هذا الخبر عن مالك أربع أربعة أنفس: الماجشون، وأبو عاصم، ويحيى بن أبي قُتيْلة، وأشْهَب بن عبد العزيز، وأرْسله عن مالكٍ سائر أصْحابه، وهذا كانت عادةً لمالك، يرْفع في الأحايين الأخبار، ويوقفها مِراراً، ويُرسلها مرَّة، ويُسندها أخرى، على حسَب نشاطه، فالحكم أبداً لمن رفَع عنه وأسْند، بعدَ أن يكون ثقةً حافظاً مُتقناً " .......
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 1090)
على أنه لا يوجد لهذا مثال صالح، أن حديثاً ضعيفاً تقوى بالعمل، وإنما يوجد العمل بما هو ضعيف، وله أمثلة كثيرة.
كالذي روي عن سعيد بن عبد الله الأودي، قال:
شهدت أبا أمامة وهو في النزع، فقال: إذا مت فاصنعوا بي كما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصنع بموتانا، أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " إذا مات أحد من إخوانكم، فسويتم التراب على قبره، فليقم أحدكم على رأس قبره، ثم ليقل: يا فلان بن فلانه، فإنه يسمعه ولا يجيب، ثم يقول: يا فلان بن فلانه، فإن يستوي قاعداً، ثم يقول: يا فلان بن فلانة، فإنه يقول: أرشدنا رحمك الله، ولكن لا تشعرون، فليقل: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وأنك رضيت بالله ربا، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبيا، وبالقرآن إماماً، فإن منكراً ونكيراً يأخذ واحد منهما بيد صاحبه ويقول: انطلق بنا، ما نقعد عند من قد لقن حجته، فيكون الله حجيجه دونهما "، فقال رجل: يا رسول الله، فإن لم يعرف أمه؟ قال: " فينسبه إلى حواء: يا فلان بن حواء " (1).
ذكره ابن القيم، وقال: " فهذا الحديث وإن لم يثبت، فاتصال العمل به في سائر الأمصار والأعصار من غير إنكار، كاف في العمل به " (2).
قلت: فجعل العمل به مع ضعفه عنده سائغاً، من أجل ما جرت به العادة، وكان ذكر عن الإمام أحمد بن حنبل أنه استحسن تلقين الميت في قبره واحتج عليه بالعمل، ولم يذكر عن أحمد غير ذلك.--------------------------------------------
(1) أخرجه الطبراني في " الكبير " (8/ 298 _ 299 رقم: 7979) وابنُ عساكر في " تاريخه " (24/ 73) من طريقين عن إسماعيل بن عياش، حدثنا عبد الله بن محمد القرشي، عن يحيى بن أبي كثير، عن سعيد، به، في رواية ابن عساكر: سعيد الأزدي.
قلت: وإسناده واهٍ، والتبعة فيه على القرشي هذا، فهو مجهولٌ منكر الحديث.
(2) الروح، لابن القيم الجوزية (ص: 17).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 1091)
وابن القيم قد طعن على هذا الحديث ورده في غير هذا الموضع من كتبه (1)، وليس هو من قسم الحديث الصالح للاعتبار أصلاً، بل هو منكر باطل.
ومحاكمة هذا الاستعمال للحديث الضعيف، تتصل بأصل (منع الاحتجاج بالحديث الضعيف) وسيأتي بيانه.
رابعها: تقوية الحديث باستدلال المجتهد به.
وهذا أضعف مما تقدم، فإن الواقع أن الاستدلال بالحديث الضعيف، بل بما هو شديد الضعف أحياناً كثيرة، هو مما وقع لكثير من المجتهدين، خصوصاً من برز في الفقه منهم دون الحديث.
ومنهم، وفيهم العارفون بالحديث، من يستدل بالحديث الضعيف في الباب لا يوجد فيه ما هو ثابت، كما لا يوجد لدلالة ذلك الضعيف معارض، كاستدلالهم بالمرسل وحديث المستور والمجهول وسيء الحفظ، وإن تحققت هذا منهم وجدتهم يصيرون إليه لاحتمال الثبوت لا لترجيحه، تقديماً له على محض النظر، كالذي بينت وجهه عنهم في (المرسل).
على أنك يجب أن تذكر أن لقب (الضعيف) كان في كلام بعض السلف، كأحمد بن حنبل، ربما أطلق على (الحديث الحسن)، كما بينته في محله.
خامستها: تقوية الحديث عن طريق الكشف.
وهذا يذكر عن بعض متأخري الصوفية، كما زعمه الشعراني في--------------------------------------------
(1) قال في " زاد المعاد " (1/ 503 _ 504) " ولم يكُن يجلس (يعني النبي صلى الله عليه وسلم على القبر، ولا يُلقِّنُ الميت كما يفعله الناس اليوم، وأمَّا الحديث الذي .. " وساقه، ثم قال: " فهذا حديث لا يصحُّ رفعه "، وقال في " تهذيب السنن " (7/ 250): " مُتفق على ضعفه، فلا تقوم به حُجةٌ "، فتقوية بعض العلماء له لا تَجري على الأصول .......
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 1092)
حديث " أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم "، حيث حكم بصحته عند أهل الكشف، مع إقراره بعدم ثبوته عند المحدثين (1).
وليس هذا بطريق من طرق العلم، فالكشف هذا إن كان من صالح صاحب سنة فغايته أن يكون فتحاً في الفهم وتوفيقاً وتسديداً فيه، والفهم رأي، والرأي يخطئ ويصيب، ومن دليل خطئه مخالفة الدليل، فإذا قام الدليل على علة الحديث، فكيف يرد بظن مجرد؟
ولو ساغ اتباع هذا الطريق في أي أمر من العلم لفسدت الأصول، بل لاستغني به عن النقول.
ومن بابه تصحيح النبي صلى الله عليه وسلم للحديث في النوم، وهذا وإن كان مثاله نادراً، لكنه وقع لبعضهم، وقد يكون المنام حقا، والرائي صالحاً صادقاً، لكن المنامات لا تجري على الظواهر، إنما تقبل التأويل لو كانت حقا، كما أنها لا تكون طرقاً للمعارف، وإن كانت ربما دلت على الشيء منها لشخص الرائي.
سادسها: تقوية الحديث بمطابقته للواقع.
وهذا طريق لم يسلكه المتقدمون، وقل من سلكه من المتأخرين، كمن نظر إلى أحاديث الفتن وتغير الزمان، وما يطرأ من الحوادث، فوجد لها ذكراً في بعض الأحاديث التي لا يثبت نقلها عن النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل وقوع الشيء مما ورد ذكره في الحديث الضعيف دليلاً على صحة ذلك الحديث، وصدوره من (مشكاة النبوة) كما يعبر به بعضهم.
كما قال التويجري في صدر كتاهبه الذي جمعه في الفتن: " بعض الأمور التي ورد الإخبار بوقوعها لم ترو إلا من طرق ضعيفة، وقد ظهر مصداق كثير منها، ولا سيما في زماننا، وذلك مما يدل على صحتها في--------------------------------------------
(1) انظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة، للألباني (1/ 145) .......
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 1093)
نفس الأمر، وكفى بالواقع شاهداً بثبوتها وخروجها من مشكاة النبوة " (1).
قلت: أصَّل بهذا، وجرى على ذكر الضعيف والمنكر والواهي الساقط من روايات المتروكين والمتهمين، ويقويه بهذا الطريق.
وهذا منهج يضرب عن قوانين الحديث صفحاً، ويسقط الاعتداد بالقواعد، ومما ينقض صحة اختياره طريقاً لتقوية الحديث أن المتأمل للمنقول من أخبار الفتن وتغير الزمان، يجد الكثير من تلك الأخبار جاء من روايات كعب الأحبار، ووهب بن منبه وغيرهما ممن عرف بالتحديث بالإسرائيليات، ومثل هذا كان زاداً للضعفاء والمتروكين والكذابين، فركبت الأسانيد لكثير منه وأسند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقدم عن أحمد بن حنبل الإشارة إلى الموضوع في هذا الباب، حين ذكر الملاحم مما ليس له أصول.
وما ينقل عن أهل الكتاب قد يكون فيه الحق، كما يكون فيه الباطل، فكيف يسوغ بعد ذلك غيور على سنة النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل من الخبر يروى على هذا النحو، يصحح نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتحقق مضمونه في الواقع المشاهد، دون اعتبار شروط ثبوت الحديث؟ على أن واقع صنيع من ذهب إلى هذا المذهب تكلف تفسير كثير من تلك الروايات لربطها بالواقع المشاهد.
الشرط الثاني: أن يكون في أدنى درجاته مما يصلح الاعتبار به.
فيتقوى الضعف بما يماثله في الضعف، أو يقرب منه وإن كان دونه ما لم يكن من الأنواع السابقة التي لا يعتبر بها، كما يتقوى بما هو في فوقه في القوة، بل ذلك أولى.
وتقدم بيان ما يعتبر به من أنواع الضعيف.--------------------------------------------
(1) إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة، للشيخ حمود بن عبد الله التويجري (1/ 12) .......
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 1094)
الشرط الثالث: إن كان ضعيفاً صالحاً، وجب أن يغاير الطريق الآخر المجبور به في محل الضعف؛ خشية مردهما إلى علة واحدة، فإن ضعف هذا الاحتمال تقويا.
وبيانه: لو كان الضعف في الطريق المراد جبره من جهة الانقطاع، وجب في جابره لو كان كذلك منقطعاً أن لا يكون انقطاعه في نفس موضع انقطاع الآخر، لمظنة أن يرجعا إلى علة واحدة.
فإن قلت: فماذا لو كان الإسناد فيما فوق محل الانقطاع فيهما مختلفاً؟
قلت: لا يدفع ذلك تلك المظنة، من أجل أن الضعفاء لسوء الحفظ قد يأتي أحدهم بالأسانيد للحديث الواحد على ألوان، فإذا كان الساقط من هؤلاء احتملنا أن يكون غير في أحد الإسنادين لسوء حفظه.
فإذا كانت العلة في كل من الطريقين عائدة إلى راو ضعيف مسمى، وجب أن يكون ذلك الضعيف في كل من الإسنادين غير الضعيف في الآخر منهما، ليعضد أحدهما الآخر، فإن كان الضعيف ذاته هو الذي روى الحديث بالإسنادين، لم يجز تقوية أحدهما بالآخر، بل كان هذا الاختلاف في الأسانيد دليلاً مؤكداً لسوء حفظه ذلك الراوي، كما كان يقع مثله لليث بن أبي سليم، وهو ممن يعتبر بحديثه في الجملة.
فإن قلت: فالمرسل، هل يقوي المرسل؟
قلت: هذا الشرط يرد القول بصحة تقوية المرسل بالمرسل، للاتفاق بين المرسلين في محل الضعف، ما لم تقم قرينة تدل على افتراق المرسلين في مصادر التلقي لذلك الحديث، وهذا دل عليه كلام الشافعي، كما سيأتي.
ووجدت له من المثال: ما اتفق على روايته فقيس بن أبي حازم، وعامر الشعبي، وإبراهيم النخعي: أن النبي صلى الله عليه وسلم بايع النساء وعلى يده ثوب .......
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 1095)
فهذا مما رواه كل منهم بسياق غبر سياق الآخر، لكن اتفقوا فيه على المعنى، فكانت قرينة على المفارقة، كذلك معلوم أن الثلاثة من التابعين تفاوتوا تفواتاً بيناً في تباعد الطبقات، فقيس من كبار التابعين كاد أن يكون صحابياً، أدرك وروى عمن لم يدركه عامر وإبراهيم، إذ عامر من أوساط التابعين، وإبراهيم له شرف التابعية وأكثر روايته عن أصحاب ابن مسعود وعلي، وهذا التفاوت بين الثلاثة مفارقة أخرى (1).
مناقشة قول الشافعي فيما يتقوى به المرسل:
قال الشافعي: " من شاهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من التابعين، فحدث حديثاً منقطعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم اعتبر عليه بأمور:
منها: أن ينظر إلى ما أرسل من الحديث، فإن شركه فيه الحفاظ المأمونون فأسندوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل معنى ما روى كانت هذه دلالة على صحة من قبل عنه وحفظه.
وإن انفرد بإرسال حديث لم يشركه فيه من يسنده، قبل ما ينفرد به من ذلك، ويعتبر عليه بأن ينظر:
هل يوافقه مرسل غيره ممن قُبل العلم عنه من غير رجاله الذين قبل عنهم؟
فإن وجد ذلك كانت دلالة يقوى له مرسله، وهي أضعف من الأولى.
وإن لم يوجد ذلك، نظر إلى بعض ما يروى عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً له، فإن وجد يوافق ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت هذه دلالة على أنه لم يأخذ مرسله إلا عن أصل يصح إن شاء الله.--------------------------------------------
(1) خرَّجت الحديث في كتابي " أحكام العورات "، وذكرْتُ فيه أنَّ إسحاق بن راهويه ممن احتجَّ به.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 1096)
وكذلك إن وجد عوام من أهل العلم يفتون بمثل معنى ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم يعتبر عليه بأن يكون إذا سمى من روى عنه لم يسم مجهولاً ولا مرغوباً عن الرواية عنه، فيستدل بذلك على صحته فيما روى عنه " (1).
قلت: وهذا عند الشافعي في تقوية مرسل التابعي الذي له قدم في التابعية، من أجل استثنائه مراسيل الصغار منهم، فإنه قال بعد:
" فأما من بعد كبار التابعين الذين كثرت مشاهدتهم لبعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا أعلم منهم واحداً يقبل مرسله؛ لأمور:
أحدها: أنهم أشد تجوزاً فيمن يروون عنه.
والآخر: أنهم توجد عليهم الدلائل فيما أرسلوا بضعف مخرجه.
والآخر: كثرة الإحالة.
كان أمكن للوهم وضعف من يقبل عنه " (2).
وذكر من حجته: الزهري وما له من المنزلة في الإتقان والحمل عن الثقات، ومع ذلك فربما أحال على غير مليء ودلسه، مثل سليمان بن أرقم.
وبين الشافعي عذره بقوله: " رآه رجلاً من أهل المروءة والعقل، فقبل عنه وأحسن الظن به، فسكت عن اسمه، إما لأنه أصغر منه، وإما لغير ذلك، وسأله معمر عن حديثه عنه، فأسنده له، فلما أمكن في ابن شهاب أن يكون يروى عن سليمان مع ما وصفت به ابن شهاب، لم يؤمن مثل هذا على غيره " (3).--------------------------------------------
(1) الرسالة (ص: 461 _ 463) .......
(2) الرسالة (ص: 465 الفقرة: 1277).
(3) الرسالة (ص: 470 الفقرتان: 1304، 1305) .......
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 1097)