ثابت، ولا عن سلمة بن سهيل، ولا عن منصور _ وذكر مشايخ كثيرة _ لا أعرف لسفيان هؤلاء تدليساً، ما أقل تدليسه " (1).
وقال مسلم بن الحجاج: " وإنما كان تفقد من تفقد منهم سماع رواة الحديث ممن روى عنهم، إذا كان الراوي ممن عرف بالتدليس في الحديث وشهر به، فحينئذ يبحثون عن سماعه في روايته، ويتفقدون ذلك منه حتى تنزاح عنهم علة التدليس " (2).
وقال يعقوب بن سفيان: " حديث سفيان وأبي إسحاق، والأعمش، ما لم يعلم أنه مدلس يقوم مقام الحجة " (3).
قلت: وقد جهدت لأقف لأبي حاتم الرازي أو صاحبه أبي زرعة على حديث أعلاه بمجرد العنعنة من موصوف بالتدليس، فلم أجد، وإنما وجدتهما في شيء قليل يحيلان التهمة بنكارة الحديث على عنعنة المدلس، حيث لم يبين السماع، ولا ريب أن هذا أولى من تخطئة الثقة أو الصدوق أو حمل النكارة في الرواية عليه. وتارة لثبوت التدليس في الحديث المعين (4)، كما رأيت أبا حاتم توقف في بعض الأسانيد خشية التدليس لغلبة المظنة (5).
وجائز حمل عبارة ابن عبد البر على هذا المذهب، حين قال بعد أن ذكر الاتفاق على الإسناد المعنعن: " إلا أن يكون الرجل معروفاً بالتدليس، فلا يقبل حديثه حتى يقول: حدثنا، أو سمعت، فهذا ما لا أعلم فيه خلافاً " (6).--------------------------------------------
(1) العلل الكبير، للترمذي (2/ 966) .......
(2) مقدمة صحيح مسلم (ص: 33).
(3) المعرفة والتاريخ (2/ 637).
(4) انظر إن شئت: علل الحديث، لابن أبي حاتم (الأرقام: 60، 109، 474، 725، 1221، 2078، 2308، 2579).
(5) علل الحديث (رقم: 2119، 2463).
(6) التمهيد (1/ 13).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 975)
ولما ذكر ابن رجب مذهب الشافعي في رد خبر المدلس بوقوعه في التدليس مرة، قال: " واعتبر غيره من أهل الحديث أن يغلب التدليس على حديث الرجل " وذكره عن علي بن المديني (1).
والمذهب الرابع: التفريق بين أصناف المدلسين من الثقات، بين من عرف أنه لم يدلس إلا عن ثقة معروف عند أهل العلم بالحديث، وبين من عرف بالتدليس عن المجروحين والضعفاء والمجهولين (2).
وهذا المذهب يجب اعتباره على تفصيل:
فمن قالوا فيه: (لا يدلس إلا عن ثقة) فيجب أن يكون ذلك الثقة معروفاً لأهل العلم، لا بناء على قول الناقد: (فلان لا يدلس إلا عن ثقة)، فذلك الثقة عنده ربما كان مجروحاً عند غيره لو سمي.
ولو قيل: بل نقبل ذلك بإطلاق، ما دام قائله في الراوي من النقاد العارفين.
قلنا: إذا يلزم أن نقبل بإطلاق كذلك خبر الحافظ الناقد المدلس إذا روى لنا عن شيخ له بالعنعنة، من أجل ما أحسناه فيه من الظن: أنه دلسه وهو عنده ثقة، لأنه لو كان يعده مجروحاً فدلسه كان ذلك مما يقدح فيه؛ لما فيه من ضد الأمانة في الدين، والصواب أن حسن الظن هنا لا يغني شيئاً.
وقد بينا في (مباحث التعديل) أن قول الناقد: (حدثني الثقة) ولا يسميه، لا يعتمد عليه، بل هو منزل منزلة المجهول، وفي التدليس لم يقل شيئاً من ذلك، بل أسقطه جملة، فزاد في الريبة، خصوصاً مع استحضار أن المدلس قد يسقط واسطتين أو أكثر.--------------------------------------------
(1) شرح علل الترمذي (1/ 353 _ 354).
(2) نقل ابن رجب هذا المذهب في " شرح العلل " (1/ 354) عن الكرابيسي وأبي الفتح الأزدي وبعض فُقهاء الحنابلة، وقال: " هذا بناء على قولهم في قبول المرسل " .......
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 976)
والواجب تقسيم هذه المسألة إلى صورتين:
الأولى: من عرف بالتدليس عن الثقات في الجملة، كالذي ذكر به سفيان بن عيينة، فهذا إن احتملنا تدليسه عن شيخ في موضع العنعنة، وقلنا: لا يدلس إلا عن ثقة، فحيث جهلنا من يكون ذلك الثقة فهو بمنزلة تصريحه بمن دلسه بصيغة الإبهام فقال: (حدثني ثقة عن ذلك الشيخ)، والراوي إذا أبهم شيخه، فإنه لا يغني في قبول روايته أن يطلق توثيقه دون تسميته، من أجل أنه لو سماه فجائز أن يكون مجروحاً عند غيره، كما تقدم.
فهذه الصورة لا تكاد تختلف عن صورة التدليس عن مجهول، فلا يصح إطلاق القبول فيها.
وقد شبهها ابن حبان بمراسيل الصحابة في القبول (1)، وليس كذلك فإن جهالة الصحابي لا تضر على التحقيق؛ لعدالتهم جميعاً، بخلاف جهالة غيره.
والثانية: أن نكون قد عرفنا من دلسه الراوي إن كان دلس، وكان المدلس ثقة، فهذا لا يقدح في ثبوت الرواية بين المدلس ومن روى عنه.
ومن أمثلة من كانوا يدلسون عن الثقات جماعة، منهم:
1 _ حميد الطويل عن أنس بن مالك.
قال ابن عدي: " الذي رواه عن أنس البعض مما يدلسه عن أنس، وقد سمعه من ثابت " (2).
2 _ يونس بن عبيد وهو من أصحاب الحسن البصري.--------------------------------------------
(1) في " صحيحه " (1/ 161).
(2) الكامل (3/ 67) .......
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 977)
قال شعبة: " عامة تلك الدقائق التي حدث بها يونس عن الحسن، إنما كانت عن أشعث " يعني ابن عبد الملك. قال ابن أبي حاتم: " يعني أن يونس أخذها من أشعث عن الحسن، ودلسها عن الحسن، ولم يذكر الخبر " (1).
3 _ عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد في رواية التفسير:
ذكر ابن أبي خيثمة عن علي بن المديني، أنه سمع يحيى بن سعيد، وذكر تفسير مجاهد، فقال: " لم يسمعه ابن أبي نجيح عن مجاهد، كله يدور على القاسم بن أبي بزة " (2).
4 _ وذكر الحاكم قتادة وأبا سفيان طلحة بن نافع فيمن يدلس عن الثقات (3).
وفي هذه الأمثلة رد على ما ادعاه ابن حبان بقبوله: " هذا ليس في الدنيا إلا سفيان بن عيينة وحده
فإه كان يُدلس، ولا يُدلَّسُ إلا عن ثقة مُتقن، ولا يكادُ يوجد لسفيان بن عيينة خبرٌ دلس فيه إلا وجد ذلك الخبر بعينه قد بين سماعه عن ثقة مثل نفسه " (4).
قلت: تبين أن ذلك غير محصور في سفيان بن عيينة.
وهؤلاء لا يضر تدليسهم لمن دلسوه، ولا يقدح في صحة رواياتهم بذلك التدليس، فحيث علم طريق الاتصال فقد زال الإشكال.
الترجيح:
من خلال ما تقدم عرضه من مذاهب أهل العلم فإنه لا ينبغي العدول عن المذهب الثالث، الذي جرى عليه عمل الشيخين.--------------------------------------------
(1) تقدمة الجرح والتعديل (ص: 134 _ 135) بإسناد صحيح إلى شُعبة.
(2) أخرجه ابن أبي خيثمة في " تاريخه " في (أخبار المكيين) (ص: 321).
(3) معرفة علوم الحديث (ص: 103).
(4) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان (1/ 161) .......
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 978)
كذلك يستفاد من المذهب الرابع أيضاً قبول حديث من ذكر بالتدليس، غير أنه كان يدلس ثقة معروفاً.
والحديث إذا ثبت تدليس الراوي فيه فهو منقطع ضعيف.
وإن لم يثبت، ولكنه كان محتملاً، من أجل ما اشتهر به بالراوي وعرف عنه، وكان تدليسه عن غير الثقات، فهذا يحكم على ما عنعنه عن شيخه بالضعف؛ من أجل مظنة التدليس، ما لم ينف أثرها متابعة أو شاهد.
وإن كان ممن عرف بتدليس التسوية فإنه لا يقبل حديثه حتى يحفظ السماع فيمن فوقه إلى أن يبلغ الصحابي؛ لأن محذور تدليسه محتمل في أي موضع عنعنة.
لكن يستثنى من هذا الصورة الأخيرة أن يكون سائر الإسناد سلسلة معروفة، كمالك عن نافع عن ابن عمر، فلو أن من يدلس التسوية روى عن مالك حديثاً فقال: (حدثنا)، ثم ذكره بالعنعنة بين مالك ونافع، وبين نافع وابن عمر، لم يضره ذلك؛ لأنها سلسلة قد عرف اتصالها.
واعلم أن بعض العلماء التزموا مذهب الشافعي، وهو الذي جرى عليه عمل المنتسبين إلى هذا العلم من المتأخرين، خصوصاً من أهل زماننا، فلما وجدوا أحاديث لجماعة من الموصوفين بالتدليس مخرجة في " الصحيحين " بالعنعنة، لا يوقف في شيء من طرقها على ذكر السماع، تحيروا في الجواب، إذ مقتضى أصلهم رد مثل تلك الأحاديث.
قال ابن حجر: " في الصحيحين جملة كثيرة من أحاديث المدلسين بالعنعنة " (1).
فأجابت طائفة بأجوبة ضعيفة عن ذلك تحسيناً للظن بالشيخين، وهذا مما لا يصلح في العلم.--------------------------------------------
(1) النكت على ابن الصلاح (2/ 635).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 979)
ونقل ابن حجر عن الفقيه صدر الدين ابن المرحل قوله: " إن في النفس من هذا الاستثناء غصة؛ لأنها دعوى لا دليل عليها، ولا سيما أنا وجدنا كثيراً من الحفاظ يعللون أحاديث وقعت في الصحيحين أو أحدهما بتدليس رواتها " (1).
قلت: وهذا كله إنما نتج من إجراء أحاديث الصحيحين على قول الشافعي، واعتبار ظاهر المصطلحات، وقد علمت أن منهج الشيخين وكبار أهل التحقيق قبلهما وبعيدهما قبول الحديث المعنعن لموصوف بالتدليس على معنى غير قادح، على ما تقدم بيانه.
تنبيه:
التهمة للثقة بالتدليس دون دليل من قبيل الجرح المبهم، فيعتبر لقبوله ما يعتبر لقبول الجرح.
تسليم وصف الراوي بالثقة موجب لقبول ما يخبر به، لا يستثنى من خبره إلا ما قام دليل على رده، ولا يقبل فيه الجرح إلا أن يكون مفسراً.
ومن هذا الجرح بوصف الراوي بالتدليس، فإن إثباته في حق راو معين يجب أن يكون ببرهان، فإذا وقع من إمام من أئمة الجرح والتعديل أن أطلق كون فلان مدلساً، فهذا لا عبرة به حتى يثبت أنه دلس، فإن ثبت في خبر معين رد ذلك بما تبين من تدليسه فيه إن كان دلسه من غير ثقة.
وإنما يستثنى منه من كان التدليس شعاراً له، حتى كثُر فأحدث الريبة في جميع ما يقول فيه (عن)، فهذا يرد حديثه المعنعن من أجل الريبة الغالبة لا من أجل التدليس، فإن العنعنة بمجردها لا توجبه.--------------------------------------------
(1) النكت (2/ 635) .......
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 980)
والعلة في تنزيل مجرد الوصف بالتدليس منزلة الجرح المجمل تعود إلى أسباب، أظهرها:
أولاً: أننا وجدنا إطلاق اسم التدليس على صور ليست منه، فأطلق على الإرسال الظاهر، وعلى الإرسال الخفي، كما أطلق على أعيان، شهد بعض النقاد ببراءتهم منه.
ومما يبين ذلك _ مثلاً _ أن الحسن البصري أطلق عليه وصف التدليس، لكن الدليل عليه أنه روى عن جماعة لم يسمع منهم، أو سمع منهم شيئاً معيناً دون سائر ما يروي عنهم، وهذا لاحق بالإرسال أو الإرسال الخفي.
كذلك قال أبو حاتم الرازي في (أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي): " لا يعرف له تدلس " (1).
بينما قال الذهبي: " يدلس عمن لحقهم وعمن لم يلحقهم، وكان له صحف يحدث منها ويدلس " (2).
قلت: فكانوا يطلقون على الإرسال اسم التدليس، وأبو قلابة لم يكن يدلس بمعنى التدليس الاصطلاحي، إنما كان يرسل، وذلك منصوص عليه في رواةٍ أدركهم ولم يسمع منهم.
وقول أبي حاتم أولى بالاعتبار والتقديم؛ لموافقته المعنى الاصطلاحي المتميز للتدليس.
قال ابن حجر بعد ذكر عبارة أبي حاتم في نفي تدليس أبي قلابة: " وهذا يقوي من ذهب إلى اشتراط اللقاء في التدليس، لا الاكتفاء بالمعاصرة " (3).--------------------------------------------
(1) الجرح والتعديل (2/ 2 / 58).
(2) ميزان الاعتدال (2/ 426).
(3) تهذيب التهذيب (2/ 340) .......
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 981)
ثانياً: وجدنا من الرواة من يتنازع في إطلاق وصف التدليس عليه، بمنزلة اختلافهم في جرح الراوي وتعديله.
قال أبو داود السجستاني في (مغيرة بن مقسم الضبي): " مغيرة لا يدلس، سمع مغيرة من إبراهيم مئة وثمانين حديثاً " (1).
وقال العجلي: " كان (يعني مغيرة) يرسل الحديث عن إبراهيم، وإذا أوقف أخبرهم عمن سمعه " (2).
قلت: وهذا من قول العجلي يثبت تدليسه عن إبراهيم، فكأن أبا داود أراد غالب أمره.
ثالثاً: وجدنا بعض من أطلق عليه وصف التدليس استفيد ذلك فيه من جهة وقوعه منه في روايته عن بعض شيوخه دون سائرهم، فإطلاق العبارة يوهم اندراج جميعهم.
وذلك مثل رواية أبي حرة واصل بن عبد الرحمن البصري عن الحسن البصري، فإنه كان يدلس عنه، وضُعف فيه من أجل أنه لم يسمع منه إلا شيئاً يسيراً، وكان يقول في سائر روايته عنه: (عن الحسن)، فكلامهم فيه بالتدليس محصور في الحسن خاصة، لا في سائر شيوخه أو حديثه.
فهذه الأسباب موجبة لتمييز معنى لفظ التدليس وصحته ووجهه، فأما اللفظ المجمل فلا يصح اعتماده لرد الحديث المعنعن للراوي الثقة يرويه عن شيوخه.
كيف يعرف التدليس؟
يعرف التدليس في الراوية بطرق:
الأولى: تفقد السماع من فم الراوي نفسه.--------------------------------------------
(1) سؤالات الآجري لأبي داود (النص: 166).
(2) ترتيب ثقات العجلي (النص: 1777).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 982)
وذلك كثير الأمثلة من صنيع الأئمة في توقيف الراوي على ما سمع وما لم يسمع، يستكشفون به وقوع التدليس أو عدم السماع.
كما كان يصنع شعبة بن الحجاج في حق من ذكر من شيوخه بالتدليس، كقتادة وأبي إسحاق السبيعي، وهو أبرز من شاع عنه ذلك من الأقدمين في تتبع السماع، والحكايات الصحيحة عنه في ذلك كثيرة جداً، وكان لا يدلس أبداً، وكان شديداً جداً في إنكار التدليس.
فكان يقول مثلاً: " كنت أتفقد فم قتادة، فإذا قال: سمعت، أو: حدثنا، حفظت، وإذا قال: حدث فلان، تركته " (1).
وكذلك ربما فعل سفيان الثوري، وإن كان ربما وقع منه التدليس في الشيء النادر.
قال عبد الرحمن بن مهدي: " كنت مع سفيان عند عكرمة (يعني ابن عمار)، فجعل يوقفه على كل حديث على السماع " (2).
وفي رواية، قال ابن مهدي: " قال لي سفيان الثوري بمنى: مر بنا إلى عكرمة بن عمار اليمامي، قال: فجعل يملي على سفيان، ويوقفه عند كل حديث: قل حدثني، سمعت " (3).--------------------------------------------
(1) أخرجه عُثمان الدارمي في " تاريخه " (النص: 703) وابن أبي حاتم في " التقدمة " (ص: 161، 169) والبغوي في " الجعديات " (رقم: 1074) وعبد الله بن أحمد في " العلل " (النص: 5077) والخطيب في " الكفاية " (ص: 517) بإسناد صحيح. وروى ابنُ أبي حاتم كذلك في " التقدمة " (ص: 169 _ 170) و " الجرح والتعديل " (1/ 1 / 34، و 2/ 1 / 370) والبغوي أيضاً (رقم: 1073، 1075) وعبد الله في " العلل " (النص: 5068) والرامهرمزي (ص: 522) وابنُ عدي (1/ 151) والحاكم في " المدخل إلى كتاب الإكليل " (ص: 43) والخليلي في " الإرشاد " (2/ 487) والخطيب في " الكفاية " وابنُ عبد البر في " التمهيد " (1/ 35) معناه من غير وجه .......
(2) أخرجه ابن أبي حاتم في " تقدمة الجرح والتعديل " (ص: 68) بإسناد صحيح.
(3) أخرجه ابن أبي حاتم في " تقدمة الجرح " (ص: 117) وإسناده صحيح.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 983)
وقال يحيى القطان: " شهدت سفيان يقول لأبي الأشهب: قل سمعت، قل سمعت " (1).
وقد جرى يحيى القطان على منهاج شيخه شعبة في التشديد في التدليس، والتنقيب والبحث عن السماع، حتى جاء عن أحمد بن حنبل: لم لا تقول ليحيى بن سعيد: قل حدثنا؟ فقال: " مثل يحيى يقال له: قل حدثنا؟! " (2).
قلت: يعني أن مثله لا يتفقد منه السماع؛ لأنه لا يروي إلا متصلاً.
وعن مالك بن أنس قال: " كنا نجلس إلى الزهري وإلى محمد بن المنكدر، فيقول الزهري: قال ابن عمر كذا كذا، فإذا كان بعد ذلك جلسنا إليه، فقلنا له: الذي ذكرت عن ابن عمر من أخبرك به؟ قال: ابنه سالم " (3).
الثانية: مقارنة الأسانيد، فيكشف بذلك من أسقط في موضع العنعنة للشيخ المعين، مع إدراك ذلك الشيخ وسماعه في الأصل ممن عنعن عنه.
وذلك مثل: حديث رافع بن خديج، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أسفروا بالفجر، فإنه أعظم للأجر ".
هذا الحديث رواه سفيان الثوري وسفيان بن عيينة وأبو خالد سليمان بن حيان الأحمر ويحيى بن سعيد القطان، وهؤلاء كلهم ثقات، عن محمد بن عجلان، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رافع، به.--------------------------------------------
(1) أخرجه ابن أبي حاتم في " تقدمة الجرح " (ص: 82) وإسناده صحيح.
(2) أخرجه ابن أبي حاتم في " التقدمة " (ص: 233 _ 234) وإسناده جيد.
(3) أخرجه أحمد في " العلل " (النص: 476) _ ومن طريقه: ابن عبد البر في " التمهيد " (1/ 37) _ وابن سعد في " الطبقات " (ص: 179 _ القسم المتمم) وإسناده صحيح .......
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 984)
ورواه جماعة عن محمد بن إسحاق صاحب السيرة، عن عاصم بن عمر، ولم يقل في شيء من الروايات: (حدثني عاصم).
وهذه متابعة لابن عجلان، هكذا أوهم ابن إسحاق بتدليسه، وكشفت رواية أخرجها الإمام أحمد (1) عن حقيقة ذلك قال فيها: حدثنا يزيد (وهو ابن هارون)، قال: أخبرنا محمد بن إسحاق، قال: أنبأنا ابن عجلان، عن عاصم، بباقي الإسناد به.
فعاد الحديث لابن عجلان، فتأمل كيف أوهم التدليس طريقاً جديداً للحديث، ولو كان ابن عجلان ضعيفاً وأسقط، وبقي في السند الثقات لأوهم القبول، وقد عهد ابن إسحاق بكثرة التدليس، وهو يدلس عن مجروحين.
الثالثة: معرفة قدر ما روى الراوي عن شيخه متصلاً، فإذا روى عنه غير ذلك علمنا أنه إنما تلقاه عنه بواسطة، فأسقطها.
لكن هذا الطريق يوجب تحريا ًشديداً قبل الجزم به.
فلو اعتمدت مثلاً قول يحيى بن سعيد القطان: " كان ابن جريج لا يصحح أنه سمع من الزهري شيئاً "، قال: " فجهدت به في حديث: إن ناساً من اليهود غزوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسهم لهم. فلم يصحح أنه سمع من الزهري. ولم يسمع ابن جريج من مجاهد إلا حديثاً واحداً " (فطلقوهن في قبل عدتهن). ولم يسمع ابن جريج من ابن طاوس إلا حديثاً في محرم أصاب ذرات، قال: فيها قبضات من طعام. ولم يسمع الحجاج بن أرطاة من الشعبي إلا حديثاً: لا تجوز صدقة حتى تقبض " (2).
فهذا لا يسلم على إطلاقه فيمن ذكر، ولا يصلح أن يبنى عليه بمجرده--------------------------------------------
(1) في " مُسنده " (3/ 465).
(2) أخرجه ابن أبي حاتم في " التقدمة " (ص: 245) بإسناد صحيح إلى يحيى.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 985)
مثلاً أن يكون جميع ما يرويه ابن جريج عن الزهري غير هذا الحديث مما لم يسمعه منه، فيحمل على أن ابن جريج دلس فيه؛ وذلك لأننا وجدنا في أحاديث كثيرة يقول فيها ابن جريج: (أخبرني الزهري) وغير ذلك من صيغ التحمل المباشر.
وقد قال سفيان بن عيينة: " ابن جريج جاء إلى الزهري بأحاديث، فقال: أريد أن أعرضها عليك، فقال: كيف أصنع بشغلي؟ قال: فأرويها عنك؟ قال: نعم " (1).
وقال أحمد بن حنبل: " ابن جريج عرض، وهو يقول: سألت ابن شهاب " (2).
وقال علي بن المديني: " ابن جريج لم يسمع من ابن شهاب شيئاً، إنما عرض له عليه "، قال: " وقال يحيى (يعني القطان): قال لي سفيان بن حبيب: بلى قد سمع منه كذا كذا، قال: فأتيته، فسألته عنه؟ فقال: ما أدري، سمعته أو قرأته " (3).
قلت: عرض على الزهري، وطائفة من الأئمة منهم الزهري نفسه يرون العرض كالسماع.
إذاً، فلا تحمل روايته عنه لغير الحديث المذكور لو ذكر السماع على--------------------------------------------
(1) أثر صحيح. أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: 457) من طريق مُحمد بن عباد، عن سُفيان به، وإسناده جيد.
ورَوى ابن عيينة عنه معنى ذلك كذلك في قصة ابن جريج من غير هذا الوجه، أخرجه الرامهرمزي (ص: 436) والخطيب في " الكفاية " (ص: 457).
(2) أخرجه البغوي في " الجعديات " (رقم: 2962) عن مُحمد بن علي الجوزجاني المعروف بحمدان الوراق عن أحمد، وإسناده صحيح، الجوزجاني من أصحاب أحمد بغدادي ثقة .......
(3) أخرجه يعقوب بن سفيان في " المعرفة " (2/ 139) _ ومن طريقه: الخطيب في " الكفاية " (ص: 388) بأوله _ وإسناده صحيح.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 986)
الخطأ، بل هي أخبار متصلة، إلا أن تكون معنعنة، فتحمل على مظنة التدليس.
وكذلك، ثبت سماع ابن جريج من عبد الله بن طاوس لغير الحديث المذكور (1).
وأما مجاهد، فقد روى ابن جريج عنه كثيراً في التفسير، لكنها مدلسة عن ثقة معروف، كما قال ابن حبان: " ما سمع التفسير عن مجاهد غير القاسم بن أبي بزة. نظر الحكم بن عتيبة وليث بن أبي سليم وابن أبي نجيح وابن جريج وابن عيينة في كتاب القاسم، ونسخوه، ثم دلسوه عن مجاهد " (2).
طبقات المدلسين:
وباعتبار ما تقدم بيانه وترجيحه من مذاهب أهل العلم في رواية من ذكر أو اشتهر بالتدليس، فإن مما يساعد لمعرفة المدلسين اعتبار تقسيمهم إلى طبقات، بحسب من يقدح وصفه به في رواياته ومن لا بقدح.
وقد ذهب جماعة من متأخرين الحفاظ إلى تقسيمهم إلى خمس طبقات:
الأولى: من لم يوصف به إلا نادراً، بحيث إنه لا ينبغي عده فيهم، مثل: يحيى بن سعيد الأنصاري، وهشام بن عروة.--------------------------------------------
(1) ووجدت النص عن يحيى القطان قد حدَّث به يحيى بن مَعين عنه في " تاريخه " (النص: 543) وفيه: (طاوس) لا (ابن طاوس)، وكذلك في نسخه من " التقدمة " لابن أبي حاتم، كما في الهامش، فإن كان كذلك فإن ابن جريج روى عن طاوس شيئاً معنعناً.
(2) مشاهير علماء الأمصار (ص: 146)، ونحوه في " الثقات " (7/ 331). وعدم سماع ابن جريج التفسير من مجاهد هو قول يحيى القطان، كما نقله عنه يحيى بن معين في " تاريخه " (النص: 4499) .......
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 987)
والثانية: من احتمل الأئمة تدليسه، واحتج به أصحاب الصحيح وإن لم يبين السماع، لإمامته، أو قلة تدليسه، أو لكونه لا يدلس إلا عن ثقة، مثل: الزهري، والأعمش، وسفيان الثوري.
قلت: الإمامة ليست معياراً لقبول حديثه لو كان كثير التدليس، فابن جريج إمام، لكن لا تقبل عنعنته لكثرة تدليسه، سوى ما يرويه عن عطاء والتفسير عن مجاهد.
والثالثة: من توقف فيهم جماعة من العلماء، فلم يحتجوا إلا بما بينوا فيه السماع، مثل: أبي إسحاق السبيعي، وأبي الزبير المكي.
والرابعة: من اتفقوا على أنه لا يحتج بشيء من حديثهم، إلا بما بينوا فيه السماع، لغلبة ذلك منهم، وكثرة تدليسهم عن الضعفاء والمجهولين، مثل: محمد بن إسحاق، وبقية بن الوليد.
والخامسة: من ضعفوا بأمر آخر مع جرحهم بالتدليس، مثل: أبي سعد البقال.
هذه القسمة والتمثيل للحفاظ العلائي بتصرف، وهي أدق وألصق بالمذاهب المنقولة عن السلف من قسمة من جاء بعده (1).
لكن محاكمة من أطلقت فيه العبارة من أولئك الرواة يحتاج إلى تحرير في حق كل راو مذكور به على سبيل الاستقلال، بمنزلة تحرير ألفاظ الجرح والتعديل فيه، لما تقدم بيانه من كون إطلاق اسم التدليس على الراوي إنما هو من قبيل الجرح المجمل.
وكثير من المتأخرين من العلماء وطلبة هذا العلم صاروا إلى تقليد ابن حجر فيمن سماهم في " طبقات المدلسين " من تأليفه، وسلموا له بمجرد إيراده للراوي فيما اصطلحه (الطبقة الثالثة) وما بعدها لرد حديثه بمجرد--------------------------------------------
(1) جامع التحصيل (ص: 130 _ 131).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 988)
العنعنة، وفي ذلك قصور ظاهر، والتقليد في هذا لا يجوز، فهذا علم بناؤه على البحث والنظر، فلا يسوغ لمنتصب له أن يقلد فيه، فيصير إلى الطعن في الحديث الصحيح بمجرد كون ابن حجر أورد هذا الراوي أو ذاك في كتابه، علماً بأن ابن حجر أورد الأسماء في غاية من الاختصار، والمتتبع لكلامه نفسه في تقوية الأحاديث يجده لا يلتزم ما التزمه هؤلاء المقلدون.
فائدة في الرواة الوارد عليهم مظنة التدليس:
قال الحاكم: " أهل الكوفة منهم من دلَّس، ومنهم من لم يدلس، وقد دلس أكثرهم، والمدلسون منهم: حماد بن أبي سليمان، وإسماعيل بن أبي خالد، وغيرهما، فأما الطبقة الثانية، فمثل أبي أسامة حماد بن أسامة، وأبي معاوية محمد بن خازم الضرير، وغيرهما، فإن أكثرهم لم يدلسوا " (1).
وقال: أهل الحجاز والحرمين ومصر والعوالي ليس التدليس من مذهبهم، وكذلك أهل خرسان والجبال وأصبهان وبلاد فارس وخوزستان وما وراء النهر لا يعلم أحد من أئمتهم دلس، وأكثر المحدثين تدليساً أهل الكوفة ونفر يسير من أهل البصرة " وذكر أهل بغداد، ونفى أن يكون التدليس فيهم موجداً إلى زمان أبي بكر محمد بن محمد بن سليمان الباغندي، فهو الذي أظهر فيها التدليس (2).
وقد صح عن شعبة بن الحجاج قال: " ما رأيت أحداً من أصحاب الحديث إلا يدلس، إلا ابن عون وعمرو بن مرة " (3).
قلت: وهذا عام فيمن رآه شعبة من المعروفين بالاعتناء بالحديث، وحمله على العراقيين أهل بلده أظهر، من أجل قلة ذلك في غيرهم.--------------------------------------------
(1) المدخل إلى كتاب الإكليل، للحاكم (ص: 46) .......
(2) معرفة علوم الحديث (ص: 111، 112).
(3) أخرجه البغوي في " الجعديات " (رقم: 52) وإسناده جيد.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 989)
وأما ما رُوي عن يزيد بن هارون أنه قال: " قدمت الكوفة، فما رأيت بها أحداً لا يدلس، إلا ما خلا مسعراً وشريكاً "، فهذا لا يثبت عنه (1).
الصيغة التي يندفع بها التدليس عن الموصوف به:
كل صيغة أداء صريحة في عدم احتمال الواسطة بين الراوي وشيخه فهي دافعة لمظنة التدليس ما دامت محفوظة عنه.
مثل: (سمعت) و (حدثني) و (حدثنا) و (أخبرني) و (أخبرني) و (أنبأني) و (أنبأنا) و (قال لي) و (قال لنا) و (ذكر لي) و (ذكر لنا) ، وما في معنى ذلك.
ولا يقدح في هذا استعمال بعض الرواة صيغة (أخبرنا) مثلاً فيما تحملوه بالإجازة والمكاتبة والمناولة، فإن التحمل بتلك الطرق اتصال؛ لانعدام الواسطة، كما بينته في موضعه.
والمعتبر في التدليس إسقاط الواسطة بين الراوي وشيخه، فكل ما لم يكن للواسطة فيه وجود فلا يقحم في التدليس، وإن لم يكن تلقيه بطريق السماع.
ومن ذلك الراوي من كتاب الشيخ الصحيح النسبة إليه.
تتمة في مسائل في التدليس:
المسألة الأولى: الراوي إذا لم يكن مدلساً وقال فيما يرويه عن شيوخه: (عن) فهو اتصال، ولا يطلب ذكر السماع إلا زيادة في التوثق، لا شرطاً في الاتصال.
وهذا الأصل تقدم شرحه في بيان ركن الاتصال في (القسم الأول).--------------------------------------------
(1) أخرجه أبو نُعيم في " الحلية " (7/ 250 رقم: 10390) والخطيب في " الكفاية " (ص: 515) وإسناده واهٍ بمرة، فيه الحسن بن علي بن زكريا العدوي البصري كان معروفاً بوضْع الحديث .......
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 990)
قيل لسعيد بن سليمان الواسطي سعدويه: لم لا تقول: (حدثنا)؟ فقال: " كل شيء حدثتكم به فقد سمعته، ما دلست حديثاً قط، ليتني أحدث بما قد سمعت " (1).
فالثقات الذين لا يعرفون بالتدليس إذا حدثوا عن شيوخهم فقالوا فيما يروونه عنهم: (عن فلان)، فالأصل أنه مسموع لهم من أولئك الشيوخ.
المسألة الثانية: تمييز من عرف بالتدليس، لكنه لا يدلس عن بعض الرواة خاصة.
وهذا مراد به الراوي يرد ما لم يبين في السماع من حديثه، حتى يوقف على ما يدفع مظنة تدليسه، لكنه استثني مما يدلس فيه روايته عن بعض شيوخه بالعنعنة.
منهم: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، فهو مدلس مشهور بذلك يدلس عن المجروحين؛ لكنه لم يكن يدلس عن عطاء بن أبي رباح، وهو كثير الحديث عنه.
فقد صح عنه قال: " إذا قلت: قال عطاء، فأنا سمعته منه، وإن لم أقل: سمعت " (2).
وكذلك فيما يرويه عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي ملكية، فقد قال عمرو بن علي الفلاس، سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: " أحاديث ابن جريج عن ابن أبي ملكية كلها صحاح "، وجعل يحدثني بها، ويقول: "--------------------------------------------
(1) أخرجه الخطيب في " تاريخه " (9/ 85 _ 86) بإسناد صحيح.
(2) أخرجه ابن أبي خيثمة في " تاريخه " (ص: 356، 369 _ أخبار المكيين) وإسناده صحيح.
قلت: وهذا نصٌّ من ابن جريج عن نفسه، مُقدم على ماجاء عن أحمد بن حنبل قال: " كلُّ شيء قال ابن جريج: قال عطاء، أو عن عطاء فإنه لم يسمعه من عطاء " (شرح علل الترمذي 1/ 376).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 991)
حدثنا ابن جريج، قال: حدثني ابن أبي ملكية "، فقال في واحد منها: " عن ابن أبي مليكة "، فقلت: قل حدثي، قال: " كلها صحاح " (1).
وقال أحمد بن حنبل: سألت يحيى بن سعيد، قلت: هذه الأحاديث كلها صحاح _ يعني أحاديث ابن أبي خالد عن عامر _ ما لم يقل فيها: حدثنا عامر؟ فكأنه قال: " نعم "، وقال يحيى: " إذا كان _ يريد أنه _ لم يسمع أخبرتك " (2).
ولك أن تعد من هذا قول الذهبي في (سليمان بن مهران الأعمش): " يدلس، وربما دلس عن ضعيف ولا يدري به، فمتى قال (حدثنا) فلا كلام، ومتى قال: (عن) تطرق إليه احتمال التدليس، إلا في شيوخ له أكثر عنهم، كإبراهيم، وأبي وائل، وأبي صالح السمان، فإن روايته عن هذا الصنف محمولة على الاتصال " (3).
قلت: أراد بهذا الصنف سوى من ذكر من شيوخ الأعمش الذين اعتنى بالرواية عنهم، والتحقيق: أن رواية الأعمش على القبول في الجملة، وما أورده الذهبي من احتمال التدليس نادر لا أثر له في كثرة حديث الأعمش، غير أن التحري لدفع العلة مطلوب لتحقيق صحة الحديث.
المسألة الثالثة: من عرف بالتشديد في الأخذ عمن عرف بالتدليس، فكان يوقفهم على السماع، فهذا يقبل حديث هؤلاء المدلسين من روايته عنهم.
ورأس من يذكر مثالاً لهؤلاء المشددين شعبة بن الحجاج، فجميع من يروي عنه من المدلسين فحديثهم عمن حدثوا عنه سماع.--------------------------------------------
(1) أخرجه ابنُ أبي حاتم في " التقدمة " (ص: 241) وإسناده صحيح.
(2) العلل ومعرفة الرجال، لأحمد بن حنبل (النص: 1218، 3567، 4320)، وابنُ أبي خالد هوَ إسماعيل، وعامرٌ هو الشعبي .......
(3) ميزان الاعتدال (2/ 224) وإبراهيم هو ابنُ يزيد النخعي، وأبو وائل شقيق بن سلمة، وأبو صالح هو ذكوان.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 992)
قال يحيى بن سعيد القطان: " كل ما حدث به شعبة عن رجل، فقد كفاك أمره، فلا تحتاج أن يقول لذلك الرجل: سمع ممن حدث عنه؟ " (1).
وعرف هذا التحري عن يحيى بن سعيد القطان نفسه.
المسألة الرابعة: الراوي المعروف بالثقة والإتقان، يوجد له الحديث أو الأحاديث المنكرة يأتي بها معنعنة، فوجهه أن يحمل منه ذلك على التدليس، وإن لم ينص على نعته بالتدليس أحد.
مثل ما حكاه الحافظ صالح بن محمد الأسدي المعروف بـ (جزرة) قال: أنكروا على الخفاف (يعني عبد الوهاب) حديثاً رواه لثور بن يزيد عن مكحول عن كريب عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم، حديثا في فضل العباس، وما أنكروا عليه غيره، فكان يحيى بن معين يقول: " هذا موضوع وعبد الوهاب لم يقل فيه: حدثنا ثور، ولعله دلس فيه، وهو ثقة " (2).
وقال البخاري: " يكتب حديثه "، قيل له: يحتج به؟ قال: " أرجو، إلا أنه كان يدلس عن ثور وأقوام أحاديث مناكير " (3).
المسألة الخامسة: الراوي يروي الحديث عن ثقة ومجروح أو مجهول، فيسقط غير الثقة، فهذا ليس من التدليس.
كحديث يرويه الراوي عن الليث بن سعد وابن لهيعة عن شيخ لهما، فيسقط الراوي ذكر ابن لهيعة لما فيه من الجرح، ويقتصر على الليث لثقته.
فهذه الصورة لأهل العلم بالحديث فيها قولان:
أولهما: لا يحسن فعل ذلك، قال الخطيب: " خوفاً من أن يكون في--------------------------------------------
(1) أخرجه ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (1/ 1 / 35) وإسناده صحيح.
(2) أخرجه الخطيب في " تاريخه " (11/ 23 _ 24) بإسناد صحيح إلى صالح .......
(3) تهذيب التهذيب، لابن حجر (2/ 640).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 993)
حديث المجروح ما ليس في حديث الثقة، وربما كان الراوي قد أدخل أحد اللفظين في الآخر وحمله عليه " (1).
وهذا قول الإمام أحمد بن حنبل، فقد روى حرب بن إسماعيل، أن أبا عبد الله قيل له: فإذا كان الحديث عن ثابت وأبان عن أنس، يجوز أن أسمي ثابتاً وأترك أباناً؟ قال: " لا، لعل في حديث أبان شيئاً ليس في حديث ثابت "، وقال: " إن كان هكذا فأحب أن يسميهما " (2).
وثانيهما: جواز ذلك.
وفعله البخاري ومسلم في " صحيحيهما ".
فمثاله عند البخاري، قوله: حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثنا حيوة وغيره، قالا: حدثنا محمد بن عبد الرحمن أبو الأسود، قال: قطع على أهل المدينة بعث، فاكتتبت فيه، فلقيت عكرمة مولى ابن عباس، فأخبرته، فنهاني عن ذلك أشد النهي، ثم قال: أخبرني ابن عباس، أن ناساً من المسلمين كانوا مع المشركين، على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم (وذكر الحديث) (3).
ومثاله عند مسلم، قوله: حدثني أبو الطاهر، أخبرنا عبد الله بن وهب، عن الليث وغيره، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن شماسة، أنه سمع عقبة بن عامر على المنبر يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " المؤمن أخو المؤمن، فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه، حتى يذر " (4).--------------------------------------------
(1) الكفاية (ص: 537).
(2) أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: 537) وإسناده صحيح.
(3) صحيح البخاري (رقم: 4320).
(4) صحيح مسلم (رقم: 1414) .......
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 994)