قلت: فهذا (الغير) في الموضعين هو عبد الله بن لهيعة، وليس على شرطهما، فكنيا عنه.
بين ذلك في حديث البخاري أن ابن أبي حاتم الرازي أخرجه في " تفسيره " (1) وغير من رواية ابن لهيعة.
والحديث معروف من روايته ورواية حيوة بن شريح والليث بن سعد، فأما رواية حيوة فهي التي احتج بها البخاري، وأما رواية الليث فعلقها بعدها، فدل على أن ذلك (الغير) ليس سوى ابن لهيعة.
وأما حديث مسلم، فإن أبا نعيم في " المستخرج " أخرجه من طريق الحسن بن سفيان، قال: حدثنا أبو الطاهر، حدثنا ابن وهب، عن الليث وابن لهيعة، عن يزيد، به (2).
فدل صنيع الشيخين أن الحديث إذا رواه الراوي عن رجلين عن شيخ لهما، فأسقط أحدهما لكونه مجروحاً، أو أبهمه، فلا أثر لذلك، بناء على اعتبار أصل ما تفيده المتابعة من الاتفاق في اللفظ، أو في المعنى، وكون من جمع بينهما من الثقات، فالأصل أنه يعلم اتفاقهما، ولو اختلفا لوجب عليه البيان.
وكذلك فإنه لو سماهما جميعاً: الثقة والمجروح، فإن الحديث ثابت صحيح، اعتماداً على الثقة منهما، وأن رواية المجروح جاءت على وفاقه.
وبهذا يتضح رجحان طريقة الشيخين، وضعف المظنة التي ذكرها الخطيب وسبقه إلى معناها الإمام أحمد بن حنبل، وأن الأمر على أي حال كان فليس هو من باب التدليس.
* * *--------------------------------------------
(1) تفسير ابن أبي حاتم (3/ 1045).
(2) المستخرج على صحيح مسلم (رقم: 3295) .......
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 995)
الفصل الثاني
ألقاب الحديث الضعيف
بسبب جرح الراوي
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 997)
المبحث الأول:
حديث المجهول
تعريفه:
هو الحديث الذي يروى بإسناد فيه راو مجهول.
ويقع في كلام أئمة الحديث قولهم: (إسناده مجهول)، ويريدون هذا المعنى.
والجهالة وإن لم تكن جرحاً حقيقيا للراوي، غير أنها اعتبرت سبباً لرد حديث الموصوف بها، إذ كون قبول الرواية يقتضي عدالة الرواة، وهي لم تثبت للمجهول، فكان القدح فيها من أجله، فصح أن تكون بمنزلة الجرح.
قال الشافعي: " لا يقبل إلا حديث ثابت، كما لا يقبل من الشهود إلا من عرفنا عدله، فإذا كان الحديث مجهولاً أو مرغوباً عمن حمله كان كما لم يأت؛ لأنه ليس بثابت " (1).
وقال ابن عدي: " إذا لم يعرف الرجل وكان مجهولاً، كان حديثه مثله " (2).--------------------------------------------
(1) أخرجه الخطيب في " الفقيه والمتفقه " (رقم: 286).
(2) الكامل (3/ 535).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 999)
وتفسير الجهالة وبيان رد حديث بتفصيله في (القسم الأول).
واستعمال أهل العلم بالحديث للقب (الحديث المجهول)، معروف عند المتقدمين، فمن أمثلته:
أخرج ابن عدي (1) من طريق ابن أبي فديك، عن بريه بن عمر بن سفينة، عن أبيه، عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم فقال له: " خذ هذا الدم فادفنه من السباع والدواب "، قال: فتغيبت فشربته، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فضحك.
وقد قال البخاري في (عمر بن سفينة): " عن أبيه، روى عنه ابنه بريه، إسناده مجهول " (2).
وقال الترمذي (3): حدثنا القاسم بن دينار الكوفي، حدثنا إسحاق بن منصور السلولي الكوفي، عن عبد السلام بن حرب، عن يزيد بن عبد الرحمن أبي خالد الدالاني، عن عمر بن إسحاق بن أبي طلحة، عن أمه، عن أبيها، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يشمت العاطس ثلاثاً، فإن زاد فإن شئت فشمته، وإن شئت فلا ".
قال الترمذي: " هذا حديث غريب، وإسناده مجهول ".
قلت: قال ذلك لأن عمر وأمه وجده مجهولون.
* * *--------------------------------------------
(1) في " الكامل " (6/ 109).
(2) التاريخ الكبير (3/ 2 / 160).
(3) في " جامعه " (رقم: 2745) .......
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 1000)
المبحث الثاني:
الحديث اللين
تعريفه:
هو الحديث الذي يروى بإسناد فيه راو لين الحفظ، كالموصوف بسوء الحفظ وكثرة الأوهام والخطأ أو الغفلة مع صدقه في الجملة، ولم يبلغ به خطؤه درجة الفحش إلى حد الترك.
والواقع في كلام أهل الحديث وصفهم لهذا النوع من الأحاديث بقولهم: (حديث ضعيف)، فمع أن كل أنواع الحديث المردود موصوفة بالضعف إلا أنهم يستعملون وصف (الضعيف) لهذا النوع كالاسم العلم له، كما تجد قولهم: (إسناد لين) و (إسناد ليس بالقوي) وشبه ذلك.
وأمثلته كثير شائعة، كروايات خصيف بن عبد الرحمن، ويزيد بن أبي زياد، وليث بن أبي سليم، وعلي بن زيد بن جدعان، وأمثالهم ممن ثبت صدقه، لكن كثر غلطه ووهمه واضطرابه في رواياته، فصار دون من تقبل رواياته عند انفراده، ولا يخلو حديث هذا الصنف من وقوع المنكرات فيه، لكنهم لا يطرحون طرحاً تاماً.
ومن العبارة المفسرة المبينة لهذا المعنى قول ابن حبان في تحرير حال (أبي هلال محمد بن سليم الراسبي): " والذي أميل إليه في أبي هلال
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 1001)
الراسبي: ترك ما انفرد من الأخبار التي خالف فيها الثقات، والاحتجاج بما وافق الثقات، وقبول ما انفرد من الروايات التي لم يخالف فيها الأثبات التي ليس فيها مناكير؛ لأن الشيخ إذا عرف بالصدق والسماع، ثم تبين منه الوهم ولم يفحش ذلك منه لم يستحق أن يعدل به عن العدول إلى المجروحين، إلا بعد أن يكون وهمه فاحشاً وغالباً، فإذا كان كذلك استحق الترك، فأما من كان يخطئ في الشيء اليسير فهو عدل، وهذا مما لا ينفك عنه البشر، إلا أن الحكم في مثل هذا إذا علم خطؤه تجنبه واتباع ما لم يخطئ فيه، هذا حكم جماعة من المحدثين العارفين الذين كانوا يخطئون، وقد فصلناهم في الكتاب (1) على أجناس ثلاثة:
فمنهم من لا يحتج بما انفرد من حديثه ذلك، ويقبل غير ذلك من روايته.
ومنهم من يحتج بما وافق الثقات فقط من روايته.
ومنهم من يقبل ما لم يخالف الأثبات، ويحتج بما وافق الثقات " (2).
قلت: هذا المعنى الذي بينه ابن حبان هو من أحسن التفصيل لحال المراد بلين الحديث، أو سيء الحفظ، ممن لا يسقط حديثهم، ولا يحتج به لذاته، وفي كلامه ما يبين أنهم درجات تعود إلى قدر اللين في حفظهم من جهة خطئهم كما وكيفاً، مما بينته مفصلاً في محله من هذا الكتاب.
ويلخص القول في علة إلحاق هذا النوع بالحديث الضعيف: هو رجحان جانب الخطأ من قبل الراوي الموصوف بسوء الحفظ، وإن لم نجزم به أنه وقع في الحديث الذي ضعفناه لأجله، فحيث علمنا ضعف حفظه، فمجرد نزول ضبطه عن درجة من غلب عليه الحفظ، جعل ذلك كافياً في رد حديثه.--------------------------------------------
(1) يعني كتابه: المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين.
(2) المجروحين (2/ 283 _ 284)
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 1002)
ولك أن تقول: رددنا حديثه من أجل الشك الراجح في ثبوته.
فأما إذا تبين أن الحديث المعين مما خالف فيه، أو أخطأ، فهو محكوم عليه بلقب آخر، وهو (المنكر)، وما في معناه.
وهذا النوع من الحديث المردود لعلة سوء حفظ راويه، مما يتنازعه علماء الحديث، فمنهم من يجعله حسناً؛ وذلك من أجل صدق راويه في الجملة، وعدم القطع بخطئه في الحديث المعين، ومنهم من يضعفه؛ لما تقدم من غلبة الظن أن التفرد من مثله محل شك.
والتحقيق: أنه حديث ضعيف؛ من أجل أن الحسن مطلوب فيه رجحان الراوي إلى جانب صحة حديثه، لسلامته في غالب أمره من الوهم والخطأ، بحيث غلب وصفه بالحفظ على وصفه بسوء الحفظ، بخلاف راوي هذا النوع من الحديث فإن اختبار أمره أوجدنا وهماً وخطأً ومخالفات إسنادية ومتنية وقعت منه أورثت الريبة في سائر أفراده التي لا نقطع بخطئه فيها، إلا أن يندفع ذلك عنه بطريق صالح، فيرقى حديثه إلى القبول، وهو (الحسن لغيره) على ما تقدم ذكره في محله.
واعلم أنه يلحق بهذا النوع من الحديث: رواية الراوي المختلط الواقعة بعد اختلاطه المؤثر، فإنه باختلاطه صار سيء الحفظ لما حدث به بعد الاختلاط، على ما بينته في (المبحث الخامس) من مباحث (تفسير الجرح).
* * *
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 1003)
المبحث الثالث:
الحديث المقلوب
وهو ثلاث صور بحسب القلب، منها يتبين معناه:
الصورة الأولى: قلب في الإسناد.
وهو أن يقلب الراوي اسم راو في الإسناد فيقول مثلاً: (معاذ بن سعد) بدل (سعد بن معاذ)، أو (مرة بن كعب) بدل (كعب بن مرة) .......
فإن كان الاسم لواحد لم يؤثر ويكون خطأ ممن قلبه، أما إن كان صيره بالقلب رجلاً آخر، فلا يشكل على صحة الرواية إذا كانا ثقتين أو ضعفها إذا كانا ضعيفين، إنما يقدح فيها لو كان أحدهما ثقة والآخر ضعيفاً، ويعل بذلك الإسناد، فيكون الوصف بالقلب بسبب خطأ الراوي حكماً على الحديث بالضعف.
كما وقع لعبد العزيز بن محمد الدراوردي، قال أحمد بن حنبل: " ما حدث عن عبيد الله بن عمر، فهو عن عبد الله بن عمر "، وفي رواية: " ربما قلب حديث عبد الله العمري، يرويه عن عبيد الله بن عمر " (1).
قلت: الدراوردي سمع من عبيد الله بن عمر العمري وهو ثقة، وسمع--------------------------------------------
(1) أخرجه ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (2/ 2 / 395، 396).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 1004)
من عبد الله بن عمر العمري وهو ضعيف، فكان ربما قلب أحاديث عبد الله فجعلها عن عبيد الله، مما أوقعه في رواية المنكرات عن عبيد الله، والتي أصلها أحاديث عبد الله، فصار حديثه ضعيفاً عن عبيد الله، وإن كان الدراوردي ثقة في غيره.
ومن مثال وقوع ذلك من الراوي دون أن يقدح في نفس حديثه وإن كان خطأ منه، من أجل قلبه من ثقة إلى ثقة، قول الحافظ يحيى بن محمد بن صاعد: " انقلبت على إبراهيم بن صرمة نسخة ابن الهاد، فجعلها عن يحيى بن سعيد في الأحاديث كلها "، قال: " انقلبت عليه وكان عنده عن ابن الهاد عن عبد الله بن دينار، فقال: عن يحيى بن سعيد عن ابن دينار، في الأحاديث كلها " (1).
قلت: فلو سلم ابن صرمة من جرح سوى وقوع هذا منه، لما أضر في روايته؛ من أجل العلم بكونها في الأصل عن ثقة، وهو قد انتقل بها من ثقة إلى ثقة، لكن الرجل ضعيف.
ومن أسوأ أمثلة القلب: ما نقله ابن أبي حاتم، قال: سئل أبو زرعة عن حديث رواه ابن المبارك، عن عنبسة بن سعيد، عن الشعبي، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يستقاد من الجرح حتى يبرأ "؟ قال أبو زرعة: " هو مرسل مقلوب " (2).
يعني أبو زرعة أن صوابه: (ابن المبارك عن عنبسة بن سعيد عن جابر عن الشعبي عن النبي صلى الله عليه وسلم.
فهذا قلب مفسد جداً، ليس في تصيير المرسل موصولاً فقط؛ إذ الشعبي تابعي، بل جابر هذا في حال الوصل هو جابر بن عبد الله الأنصاري--------------------------------------------
(1) نقله ابن عدي في " الكامل " (1/ 408).
(2) علل الحديث، لابن أبي حاتم (رقم: 1371) .......
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 1005)
الصحابي، وفي حال كونه الراوي عن الشعبي فهو جابر بن يزيد الجعفي أحد المتهمين بالكذب في الحديث، فتأمل !
الصورة الثانية: قلب في المتن.
وهو كما وقع في " صحيح مسلم " في سياقه للفظ حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله "، فساق الحديث، وفيه: " ورجل تصدق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله ".
فعكس لفظ الحديث، والرواية المحفوظة: " حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه "، كما هي عند البخاري (1) وغيره.
فهذا وقع الخطأ في رواية مسلم؟ فيه اختلاف، يرجع فيه إلى مظانه، إذ ليس للإطالة به هنا ضرورة (2).
فهذا إذا قام عليه دليل بأنه مقلوب، كما هو الشأن في هذا المثال، فالمقلوب خطأ، وهو لاحق بقسم المردود، ولا يعتبر به ولا يتكلف له التأويل.
الصورة الثالثة: التحول من حديث إلى حديث.
ويفسر هذه الصورة قول ابن عدي في (ثابت بن حماد أبي زيد البصري): " له أحاديث يخالف فيها وفي أسانيدها الثقات، وأحاديثه مناكير ومقلوبات "، فلما جئنا لتبين معنى القلب فيها وجدنا مثاله، ما أخرجه ابن عدي من طريقه، قال: عن سعيد (3)، عن قتادة عن أنس، قال: قال--------------------------------------------
(1) في " صحيحه " (رقم: 629، 1357، 6421).
(2) انظر لذلك: إكمال المعلم بفوائد مُسلم، للقاضي عِياض (3/ 563) وفتح الباري، لابن حجر (2/ 146).
(3) هو ابن أبي عروبة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 1006)
رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو يعلم الناس ما في الصف المقدم، لكانت قرعة "، قال ابن عدي: " وهذا الحديث وهم فهي ثابت بن حماد، وإنما يرويه قتادة عن أبي رافع عن أبي هريرة " (1).
قلت: يعني ابن عدي أنه قلبه، فركّب إسناداً على غير متنه.
وعبارات النقاد في المجروحين من الرواة لهذه العلة كثيرة، فمن ذلك:
قال عمرو بن علي الفلاس: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث عن فرج بن فضالة، ويقول: " حدث عن يحيى بن سعيد الأنصاري أحاديث مقلوبة منكرة " (2).
وقال أحمد بن حنبل في (عبد الرحمن بن يزيد بن تميم): " قلب أحاديث شهر بن حوشب وصيرها حديث الزهري " وجعل يضعفه (3).
وقال في (مصعب بن سلام): " انقلبت عليه أحاديث يوسف بن صهيب، جعلها عن الزبرقان السراج، وقدم بن أبي شيبة مرة فجعل يذاكر عنه أحاديث عن شعبة، هي أحاديث الحسن بن عمارة، انقلبت عليه أيضاً (4).
وقال أبو زرعة الرازي في (معاوية بن يحيى الصدفي): " ليس بقوي، أحاديث كله مقلوبة ما حدث بالري، والذي حدث بالشام أحسن حالاً " (5).
هؤلاء كان القلب يقع لأحدهم دون تعمد، إنما هو لسوء الحفظ.--------------------------------------------
(1) الكامل (2/ 303) .......
(2) الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم (3/ 2 / 86).
(3) العلل، لأحمد (النص: 4390).
(4) العلل (النص: 5317)، وانظر: التاريخ الكبير، للبخاري (4/ 1 / 354) والجرح والتعديل، لابن أبي حاتم (4/ 1 / 308).
(5) الجرح والتعديل (4/ 1 / 384).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 1007)
وممن كان يتعمد القلب من المتروكين الهلكى: صالح بن أحمد القيراطي، قال ابن حبان: " يسرق الحديث، ولعه قد قلب أكثر من عشرة آلاف حديث " (1).
وقال ابن عدي: " يسرق الأحاديث، ويلزق أحاديث تعرف بقوم لم يرهم على قوم آخرين لم يكن عندهم وقد رآهم " (2).
قلت: وهذا هو وجه إطلاقهم: (يسرق الحديث) على الراوي (3)، لكن لا يصح تسليم العبارة لقائلها في حق من أوقعه في القلب سوء الحفظ وضعف التيقظ، إنما هي في المتعمدين من جهة ادعاء أحدهم سماع ما لم يسمع.
ومما يستدل به تارة لهذه الصورة عند النقاد شبه حديث الراوي بحديث راو آخر، فيستدلون بذلك الشبه على كون أحدهما سرقه من الآخر.
هذه هي صور الحديث المقلوب، وما ثبت أنه كذلك فهو ضعيف خطأ، حتى ما ذكرته في الصورة الأولى من وقوع القلب بالتحول من ثقة إلى ثقة في الإسناد، فالحديث في هذه الحالة وإن كان محفوظاً في أصله، إلا أن ذلك الإسناد الذي وقع فيه القلب خطأ ضعيف، لا يعتبر به.
* * *--------------------------------------------
(1) المجروحين (1/ 373).
(2) الكامل (5/ 112).
(3) وانظر: الاقتراح، لابن دقيق العيد (ص: 236) والموقظة للذهبي (ص: 60). وانظر تفسير هذه العبارة في (المبحث الثاني) من مباحث (تفسير الجرح) .......
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 1008)
المبحث الرابع:
الحديث المصحف
تعريفه:
هو الحديث يقع فيه تغيير في نقط الكلمة في إسناد أو متن، مع بقاء صورة الخط.
مثل تصحيف: (جمرة) إلى (حمزة) في الأسماء، و (الحر) إلى (الخز) في المتون.
ويعدون تغيير (عبيد الله) إلى (عبد الله) تصحيفاً لقرب الرسم.
فإن وقع التغيير في حروف الكلمة مما تختلف به صور الخط، سمي (المحرف).
مثل تحريف: (وكيع بن حدس) وهو الصواب، إلى: (وكيع بن عباس).
وعند تحريف كثير من العلماء جواز إطلاق أحد اللفظين على الآخر، ومن اعتنى بهذا الباب سماه جميعاً (التصحيف).
طريق معرفة التصحيف أو التحريف في الرواية:
إن كان في أسماء الرواة فبمراجعة كتب التراجم، خصوصاً كتب
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 1009)
المتاشبه والمؤتلف والمختلف، وإن كان في المتون فبتتبع لفظ الحديث في كتب الرواية، وبمراجعة كتب اللغة، وغريب الحديث.
وفي هذا الباب كتب خاصة مفيدة، منها: " إصلاح غلط المحدثين " للخطابي، و" تصحيفات المحدثين " لأبي أحمد العسكري.
وأهمية معرفة هذا النوع من علوم الحديث لا تخفى؛ لما يقع بالتصحيف من الإحالة، فربما صيرت الراوي المجروح ثقة أو العكس، وما يقع في ألفاظ المتون من إفساد المعنى والخروج به عن جادته.
والقدر المتميز تحريفه أو تصحيفه من الحديث ضعيف، وهو خطأ لا يعتبر به وسببه: وهم الراوي وخطؤه، فهو نتيجة لعدم إتقانه لما أخطأ فيه من ذلك.
ومن مثاله: ما رواه قبيصة بن عقبة، قال: حدثنا سفيان، عن زيد بن أسلم، عن عياض (1)، عن أبي سعيد، قال:
كنا نورثه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني الجد.
فبين مسلم بن الحجاج أن قبيصة لم يحسن قراءته فصحف فيه، قال مسلم: " وإنما كان الحديث بهذا الإسناد عن عياض، قال: كنا نؤديه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني في الطعام وغيره في زكاة الفطر "، قال مسلم: " فقلب قوله إلى أن قال: نورثه، ثم قلب له معنى فقال: يعني الجد " (2).
وتكلم النقاد في طائفة من الرواة، بسبب ما عرفوا به من التصحيف في الأسماء والمتون، كما بينت في أسباب الجرح في باب (تمييز النقلة).
* * *--------------------------------------------
(1) هو عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرْح العامرِي .......
(2) التمييز، لمسلم بن الحجاج (ص: 189 _ 190).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 1010)
المبحث الخامس:
الحديث المدرج
المدرج قسمان (1)، ببيانهما يتضح معناه الاصطلاحي:
القسم الأول: مدرج الإسناد
وهو أربع صور:
الصورة الأولى: أن يقع الحديث للراوي عن جماعة يحمله عنهم فيجمع الكل بإسناد واحد، ولا يبين الاختلاف.
وصورته: أن يروي الثقة الحديث عن رجلين، يجمع بينهما، رواية أحدهما مرسلة، ورواية الآخر متصلة، فيسوقه متصلاً، ومثل هذا الصنيع قيل: فعله سفيان بن عيينة مع حفظه، كما ذكره بعض الحفاظ (2)، ولم أقف له على مثال صالح من فعل سفيان، أو من فعل غيره من الثقات المتقنين.
وكذلك سأل أيوب بن إسحاق بن سافري أحمد بن حنبل عن (محمد بن إسحاق)، قال: يا أبا عبد الله، ابن إسحاق إذا تفرد بحديث--------------------------------------------
(1) تقدم ذكْر ما يقع الإدراج فيه من روايات الثقات في مباحث (النقد الخفي).
(2) نقله ابن رجب في " شرح العلل " (2/ 765) عن يعقوب بن شيبة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 1011)
تقبله؟ قال: " لا، والله، إني رأيته يحدث عن جماعة بالحديث الواحد، ولا يفصل كلام ذا من كلام ذا " (1).
قلت: فأحمد لينه لهذا الصنيع.
وكذلك كان من أسباب الطعن على (محمد بن عمر الواقدي)، حيث قال أحمد بن حنبل: " كنا نرى أن عنده كتباً من كتب الزهري أو كتب ابن أخي الزهري، فكان يحيل، وربما يجمع، يقول: فلان وفلان عن الزهري إخال حديث نبهان عن معمر. والحديث لم يروه معمر أيضاً، هو حديث يونس، حدثناه عبد الرزاق عن ابن المبارك عن يونس، كان يحيل الحديث ليس هذا من حديث معمر " (2).
الصورة الثانية: أن يكون المتن عند راو بإسناد، إلا طرفاً منه فإنه عنده بإسناد آخر، فيرويه راو عنه تاما بالإسناد الأول.
ومن هذا ما رأيته وقع من بعض أهل الحديث، يجد خبراً ساقه محمد بن إسحاق في السير والمغازي، ذكر طرفاً منه مسنداً، ثم أدرج فيه شيئاً في ذلك الخبر ليس مما وقع له بنفس ذلك الإسناد، فيخرجه الراوي من طريق ابن إسحاق بالإدراج كالجزء من ذلك الحديث المسند، بل ربما فصل المدرج عن سياق الخبر المسند مركباً له على إسناده (3).--------------------------------------------
(1) أخرجه الخطيب في " تاريخه " (1/ 230) بإسناد لا بأس به، وابن سافري صدوق.
(2) العلل (النص: 5139) .......
(3) كما يصلح له مثالاً الحديث الذي تعلق به طائفة من الفقهاء في مسألة مترتبةٍ على إسلام المرأة قبل زوجها، وهو ما جاء في قصة زينب ابنة النبي صلى الله عليه وسلم في شأنها مع زوجها أبي العاص بن الربيع فقال: " أي بُنية، أكرمي مثواه، ولا يخلصنَّ إليك، فإنك لا تحلين له "، وسياقه وعلته في كتابي " إسلام أحد الزوجين ومدى تأثيره على عقد النكاح ".
ومن مثاله أيضاً ما وقعَ لسعيد بن أبي مرْيم في روايته لحديث أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم: " لا تَباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تَدابروا .. " الحديث، فأدرج فيه: " ولا تنافسوا "، وكان قد رواه كذلك بالإدراج عن مالك، وأخطأ فيه، دخلت عليه هذه اللفظة من حديث أبي هريرة، انظر بيانه في تعليقي على كتاب " المقنع في علوم الحديث " لابن الملقن (1/ 230 _ 231).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 1012)
الصورة الثالثة: أن يكون عند الراوي متنان مختلفان كل منهما بإسناد يخصه، فيرويهما راو عنه بأحد الإسنادين، أي يدخل متن أحدهما على إسناد الآخر.
وهذه من صور دخول حديث في حديث، وشرحت مثالها في (النقد الخفي)، وهي غير الصور المتقدمة في (القلب).
الصورة الرابعة: أن يسوق الراوي الإسناد فيعرض له عارض، فيقول كلاماً من قبل نفسه فيظن بعض من سمعه أن ذلك الكلام هو متن الحديث فيرويه بذلك الإسناد.
ومثال هذا ما وقع لثابت بن موسى الزاهد، قال ابن حبان: " روى عن شريك عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار "، وهذا قول شريك، قاله في عقب حديث الأعمش عن أبي سفيان عن جابر: (يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم ثلاث عقد)، فأدرج ثابت بن موسى في الخبر، وجعل قول شريك كلام النبي صلى الله عليه وسلم، ثم سرق هذا من ثابت بن موسى جماعة ضعفاء وحدثوا به عن شريك " (1).
قلت: وهذا ضعف بين وغفلة ظاهرة، كانت من أسباب ضعف ثابت هذا في الحديث.
قال أبو الأصبغ محمد بن عبد الرحمن بن كامل (وكان ثقة): قلت لمحمد بن عبد الله بن نمير: ما تقول في ثابت بن موسى؟ قال: " شيخ له فضل وإسلام ودين وصلاح وعبادة "، قلت: ما تقول في حديث جابر: " من كثر صلاته بالليل؟ " فقال: " غلط من الشيخ، وأما غير ذلك فلا يتوهم عليه " (2).--------------------------------------------
(1) المجروحين (1/ 207)، وانظر: الإرشاد، للخليلي (1/ 171)، انظر كذلك قصة ثابت هذا في " المدخل إلى الإكليل " للحاكم (ص: 63) .......
(2) أخرجه الحاكم في " المدخل إلى الإكليل " (ص: 63) بإسناد صحيح.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 1013)
القسم الثاني: مدرج المتن
قال الذهبي: " هي ألفاظ تقع من بعض الرواة متصلة بالمتن، لا يبين للسامع إلا أنه من صلب الحديث، ويدل دليل على أنها من لفظ راو، بأن يأتي الحديث من بعض الطرق بعبارة لا تفصل هذا من هذا " (1).
طريق معرفة الإدراج:
يعرف الإدراج في المتن بأمور:
أولها: وجود قرينة في السياق تدل على أن الجملة مدرجة، كاستحالة إضافته إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
مثل ما وقع في رواية البخاري (2) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " للعبد المملوك الصالح أجران. والذي نفسي بيده، لولا الجهاد في سبيل الله، والحج، وبر أمي، لأحببت أن أموت وأنا مملوك ".
فقوله: " والذي نفسي بيده " إلى آخره، ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، بقرينة قوله: " وبر أمي "، فإن أمَّه صلى الله عليه وسلم ماتت عنه وهو صغير.
وهذه الصورة من الإدراج متميزة دون حاجة إلى دليل خارجي، مع أن مسلماً حين أخرج الحديث (3) قال في روايته: " والذي نفس أبي هريرة بيده. . " فذكره.
وثانيها: تصريح الصحابي راوي الحديث بأن تلك الجملة من كلامه.
وذلك كحديث عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من مات يشرك بالله شيئاً دخل النار "، وقلت أنا: من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة (4).--------------------------------------------
(1) الموقظة (ص: 53 _ 54).
(2) في " صحيحه " (رقم: 2410).
(3) في " صحيحه " (رقم: 1665).
(4) أخرجه البخاري (رقم: 1181، 4227، 6305) .......
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 1014)
قلت: وهذا الإدراج لا يخفى.
وثالثها: تصريح بعض رواة الحديث بفصلها عن أصل الحديث.
ومثاله ما وقع من بعض الرواة لحديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن لله تسعة وتسعين اسماً، مئة إلا واحداً، من أحصاها دخل الجنة ".
فأدرج فيه بعضهم سياق الأسماء، كما أخرجه الترمذي (1) وغيره، من طريق الوليد بن مسلم، قال: حدثنا شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، مرفوعاً، زاد بعد قوله صلى الله عليه وسلم: " دخل الجنة ": " هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الملك. . " إلى آخرها، لم تفصل فيه هذه الزيادة عن الحديث، مما ظنه بعض الناس في جملة الحديث.
وهو عند البخاري (2) وغيره، عن أبي اليمان عن شعيب، دون ذكرها، وكذلك رواه سفيان بن عيينة عن أبي الزناد، دونها (3)، ومن غير وجه عن أبي هريرة بدونها أيضاً.
ولك أن تقول: زادها ثقة، والزيادة وغير المخالفة من الثقة مقبولة.
ونقول: نعم، على التحقيق، هي كذلك، لو كان بعض الرواة لم يذكرها وبعضهم ذكرها، وليس في مجرد ذلك دليل على الإدراج، ولكنا وجدنا ما بين أنها مدرجة:
فأخرج الحديث عثمان بن سعيد الدارمي بإسناد آخر للوليد بن مسلم،--------------------------------------------
(1) في " جامعه " (رقم: 3507)، وقال: " غريب "، وقال: " لا نعلم في كبير شيء من الروايات ذِكر الأسماء إلا في هذا الحديث ".
(2) في " الصحيح " (رقم: 2585، 6957).
(3) مُتفق عليه: أخرجه البُخاري (رقم: 6047) ومسلم (رقم: 2677).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 1015)
قال عثمان: حدثنا هشام بن عمار، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا خليد بن دعلج، عن قتادة، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لله تسعة وتسعين (1) اسماً، من أحصاها كلها دخل الجنة ".
زاد بعده: قال هشام (يعني ابن عمار): وحدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا سعيد بن عبد العزيز، مثل ذلك، وقال: كلها في القرآن، هو الله الذي لا إله إلا هو، فساق الأسماء (2).
فدل هذا على أن الوليد كان يحدث بالحديث المرفوع بإسنادين، وكان يدرج فيه الأسماء مما أخذه عن سعيد بن عبد العزيز قوله.
لكن يجب أن تعلم أن كشف مثل هذه العلة ليس مما يتهيأ بيسر، بل هو صورة من الصور الخفية لعلل الحديث.
قال الذهبي: " هذا طريق ظني، فإن ضعف توقفنا، أو رجحنا أنها من المتن " (3).
واعلم أن الإمام محمد بن مسلم بن شهاب الزهري كان ممن عرف بالإدراج في المتون، يدرج اللفظ يفسر فيه اللفظ، ونحو ذلك، وليس بالكثير في حديثه.
والتأصيل في الجملة: أنه لا يصح ادعاء الإدراج في إسناد أو متن إلا إذا قام برهان بين على وجوده، وإذا ثبت فإن كان من مدرج المتن حكم لذلك القدر المدرج بكونه ليس من الخبر، ولا يقدح هذا في سائر الخبر ويكون ذلك القدر من الجملة الحديث الضعيف رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم.--------------------------------------------
(1) كذا، والجادة: (وتسمعون).
(2) انظر: النقض على المريسي، لعُثمان الدارمي (1/ 180 _ 183) .......
(3) الموقظة (ص: 54).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 1016)