شأنه أن يكون سرًّا، فنقل سعيد للشيء منه دون إنكار أحد لشيء مما نقله، دليل على صحته عن عمر، زد عليه أن سعيداً كان يتتبع أقضية عمر ويعتني بها، وهذا يوجب التحري، كذلك فإن كونه من مذاهب الصحابة مما يجعل مندوحة للتسهل فيه، بخلاف ما يكون عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قولهم في مراسيل عروة بن الزبير:
ومما قواه طائفة من الأئمة من المراسيل: مراسيل عروة بن الزبير، وذلك من أجل أنه قال: " إني لأسمع الحديث فأستحسنه، فما يمنعني من ذكره إلا كراهية أن يسمعه سامع فيقتدي به، أسمعه من الرجل لا أثق به قد حدثه عمن أثق به، وأسمعه من الرجل أثق به حدثه عمن لا أثق به " (1).
قال ابن عبد البر: " كيف ترى في مرسل عروة بن الزبير، وقد صح عنه ما ذكرنا؟ أليس قد كفاك المؤنة؟ " (2).
قلت: لا ريب أن هذا النص عن عروة يفيد شدة تحريه واحتياطه، لكن العلم بتحري التابعي وحده لا يكفي للاحتجاج بمرسله دون عاضد؛ لجواز أن يكون حمله عن غير ثقة عند غيره، وحسن الظن بالمتروك ذكره من الإسناد لا يكفي لصحة النقل ما لم يشهد له شاهد.
قولهم في مراسيل الحسن البصري:
قال يحيى بن سعيد القطان: " ما قال الحسن في حديثه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا وجدنا له أصلاً، إلا حديثاً أو حديثين " (3).--------------------------------------------
(1) أخرجه الشافعي في " الأم " (12/ 368) ومن طريقه: الخطيب في " الكفاية " (ص: 73، 210) وابن عبد البر في " التمهيد " (1/ 38، 39) وإسناده صحيح.
(2) التمهيد (1/ 39).
(3) أخرجه الترمذي في (العلل) آخر " الجامع " (6/ 247 _ 248) بإسناد صحيح. ورُوي نحوه عن أبي زُرعة الرازي من قوله، لكن قال: " ما خلا أربعة أحاديث ". أخرجه ابنُ عدي (1/ 228) عن شيخه الحسن بن عثمان التستري، وهو واهٍ.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 935)
قلت: هذه تقوية في الجملة لمراسيل الحسن، وليست تصحيحاً لمفردات رواياتها، ولم تسلم هذه ليحيى القطان:
فعن عبد الله بن عون، وهو من تلامذة الحسن، قال: " كان الحسن يحدثنا بأحاديث، لو كان يسندها كان أحب إلينا " (1).
وقال أحمد بن حنبل: " ليس في المرسلات شيء أضعف من مرسلات الحسن وعطاء بن أبي رباح، فإنهما يأخذان عن كل أحد " (2).
قلت: ومن هذا جاءت شبهة رد المرسل، وأراد أحمد أن هذه أضعف المرسلات بالنظر إلى أهل هذه الطبقة، وهي الوسطى من التابعين، فما بالك بمن بعدها؟
قولهم في مراسيل جماعة آخرين:
وقوى العجلي مراسيل عامر الشعبي، وهو من أوساط التابعين، فقال: " مرسل الشعبي صحيح، لا يكاد يرسل إلا صحيحاً " (3).
قلت: وهذا مفيد في قوة الاعتبار بها لذاتها، ولا يصح أن يكون حكماً بصحة أفراد رواياته المرسلة دون شاهد، وظاهر العبارة أن العجلي تتبع مراسيل الشعبي فوجد أكثرها صحيحاً من وجوه أخرى، فعُلمت صحتها بأمر خارج عن نفس المرسل، ولذا قال: (لا يكاد)، ففيه أن ما لم تشهد له الشواهد أنه صحيح، فهو باق على الضعف.--------------------------------------------
(1) أخرجه ابن عبد البر في " التمهيد " (1/ 57) وإسناده صالح، وقع في اسم راويه عن ابن عون تحريف، وهو على الصواب: (الحسن بن عبد الرحمن)، وهو ابنُ العريان، بصْري لا بأس به.
(2) أخرجه يعقوب بن سُفيان في " المعرفة والتاريخ " (3/ 239 _ 240) ومن طريقه: الخطيب في " الكفاية " (ص: 549، 571) وإسناده صحيح، وأخرجه نَحوه البيهقي في " الكبرى " (6/ 42) بإسناد صحيح .......
(3) معرفة الثقات، للعجلي بترتيب الهيثمي والسبكي (2/ 12).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 936)
وممن ذهب بعض العلماء إلى تقوية مراسيله ممن جعلنا مراسيلهم في التحقيق معضلة لا مرسلة: إبراهيم بن يزيد النخعي.
قال يحيى بن معين: " مرسلات إبراهيم صحيحة، إلا حديث تاجر البحرين، وحديث الضحك في الصلاة " (1).
قلت: يعني لقيام الحجة على ضعف هذين الحديثين.
وقال أحمد بن حنبل: " مرسلات إبراهيم النخعي لا بأس بها " (2).
قلت: هذا دال على شدة تحري إبراهيم، حيث وجدوا أكثر مراسيله مروية من وجوه صحاح، وليس فيه تصحيح مرسله لذاته، ولذلك استثنوا بعض ما روى، فالصحة لها مكتسبة بأمر خارجي.
ومما استدل به بعض أهل العلم لتقوية مراسيل إبراهيم عن ابن مسعود، ما صح عن الأعمش، قال: قلت لإبراهيم النخعي: أسند لي عن عبد الله بن مسعود، فقال إبراهيم: " إذا حدثتكم عن رجل عن عبد الله، فهو--------------------------------------------
(1) تاريخ يحيى بن معين (النص: 958).
قلت: أماَّ حديث تاجر البحرين، فهو رواه الأعمش، عن إبراهيم، قال: جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني رجلٌ تاجرٌ أختلف إلى البحرين، فأمره أن يصلي ركعتين.
أخرجه ابن أبي شيبة في " مصنفه " (2/ 448) وأبو داود في " المراسيل " (رقم: 72) من طريق وَكيع بن الجراح، وعباس الدوري في " تاريخ يحيى بن معين " (النص: 960) من طريق أبي يحيى الحِماني، كلاهما عن الأعمش، به.
وأما حديث الضحك في الصلاة، فرواه الأعمش أيْضاً عن إبراهيم، قال: جاء رجلٌ ضرير البَصر، والنبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة، فعثرَ، فتردَّى في بئرٍ، فضحكوا، فأمرَ النبي صلى الله عليه وسلم من ضحك أنْ يعيد الوضوء والصلاة.
أخرجه الدارقطني في " سننه " (1/ 171) ومن طريقه: البيهقي في " الكبرى " (1/ 146) من طريق أبي معاوية الضرير، حدثنا الأعمش، به.
(2) أخرجه يعقوب بن سُفيان في " المعرفة والتاريخ " (3/ 239 _ 240) ومن طريقه: الخطيب في " الكفاية " (ص: 549، 571) وإسناده صحيح، وأخرجه نَحوه البيهقي في " الكبرى " (6/ 42) بإسناد صحيح أيضاً.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 937)
الذي سميت، وإذا قلت: قال عبد الله، فهو عن غير واحد عن عبد الله " (1).
قال ابن عبد البر: " في هذا الخبر ما يدل على أن مراسيل إبراهيم النخعي أقوى من مسانيده، وهو لعمري كذلك، إلا أن إبراهيم ليس بعيار على غيره " (2).
قلت: كذا قال، وهذا عجيب أن تكون الرواية فيه عن مجهول من أصحاب عبد الله بن مسعود، ولو كان أكثر من واحد، أقوى من قول إبراهيم: (حدثني علقمة عن ابن مسعود) !
كلا، فمعلوم أن في أصحاب عبد الله من كان مجهولاً لا يعرف، فكيف يجوز تنزيل المجهول منزلة المعروف، فضلاً عن تقديمه عليه؟
والتحقيق الذي فصلت أسبابه في غير هذا الكتاب: أن ما أرسله إبراهيم عن ابن مسعود ضعيف لذاته من أجل الانقطاع، وهو قوي للاعتبار به (3).
وتكلم أئمة الحديث في مراسيل طائفة من التابعين ممن هم أعلى من إبراهيم في القدم، كالذي تقدم في مراسيل الحسن وعطاء.
وقال يحيى بن سعيد القطان: " مرسلات مجاهد أحب إلي من مرسلات عطاء بن أبي رباح بكثير؛ كان عطاء يأخذ عن كل ضرب ".
وقال يحيى القطان: " مرسلات سعيد بن جبير أحب إلي من مرسلات عطاء ".--------------------------------------------
(1) أخرجه الترمذي في (العلل) آخر " الجامع " (6/ 249) وابن عبد البر في " التمهيد " (1/ 37 _ 38) وإسناده صحيح. وأخرجه يعقوب بن سفيان في " المعرفة " (2/ 609) مختصراً.
(2) التمهيد (1/ 38) .......
(3) شرحت ذلك في كتابي " الموسيقى والغناء في ميزان الإسلام ".
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 938)
قال علي بن المديني: قلت ليحيى: مرسلات مجاهد أحب إليك أم مرسلات طاوس؟ قال: " ما أقربهما " (1).
قلت: وقولهم: (مراسيل فلان أحب من مراسيل فلان) ليس تصحيحاً لها، وإنما هو ترجيح في القوة مقارنة بينهما.
وقال أبو عمرو بن العلاء: " كان قتادة لا يغث (2) عليه شيء، يروي عن كل أحد" (3).
وقال أحمد بن سنان الواسطي " كان يحيى بن سعيد القطان لا يرى إرسال الزهري وقتادة شيئاً، ويقول: " هو بمنزلة الريح ". ويقول: " هؤلاء قوم حفاظ كانوا إذا سمعوا الشيء علقوا " (4).
وقال يحيى القطان: " مرسل الزهري شر من مرسل غيره؛ لأنه حافظ، وكلما قدر أن يسمي سمى، وإنما يترك من لا يحسن _ أو يستجيز _ أن يسميه " (5).
قلت: ووجدت أبا حاتم الرازي سأله ابنه عن حديث يروى عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن جابر، فحكم بخطأ الرواية، وقال " يروى عن الزهري عن من سمع جابراً عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يسمي أحداً، ولو كان سمع من سعيد لبادر إلى تسميته ولم يكن عنه " (6).
قلت: وتلاحظ من هذا العلة التي لأجلها صار أئمة الحديث إلى رد المرسلات.--------------------------------------------
(1) أخرجه الترمذي في (العلل) آخر " الجامع " (6/ 247)، وابن أبي حاتم في " تقدمة الجرح والتعديل " (ص: 243، 244) والخطيب في " الكفاية " (ص: 550) وإسناده صحيح.
(2) أي لا يرى شيئاً مما يَسمع غثاً لا يستحق أن يُروى، وإنما يروي كلَّ ما وقف عليه: الغث والسمين.
(3) أخرجه الرَّامهرمزي في " المحدث الفاصل " (ص: 417) وإسناده صحيح.
(4) أخرجه ابن أبي حاتم في " التقدمة " (ص: 246)، وإسناده صحيح.
(5) أخرجه ابن عساكر في " تاريخه " (55/ 368) وإسناده صحيح .......
(6) علل الحديث (رقم: 573).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 939)
وقال يحيى بن سعيد القطان: " مرسلات أبي إسحاق (1) عندي شبه لا شيء، والأعمش، والتيمي (2)، ويحيى بن أبي كثير، ومرسلات ابن عيينة شبه الريح "، ثم قال: " إي والله، وسفيان بن سعيد ".
قال ابن المديني: قلت ليحيى: فمرسلات مالك؟ قال: هي أحب إلي ".
ثم قال يحيى: " ليس في القوم أحد أصح حديثاً من مالك " (3).
وقال يحيى القطان كذلك: " مرسل مالك أحب إلي من مرسل سفيان " (4).
وسُئل أحمد بن حنبل عن مراسيل يحيى بن أبي كثير؟ قال: " لا تعجبني؛ لأنه روى عن رجال ضعاف صغار " (5).
وقال يحيى بن سعيد القطان: " مرسلات ابن أبي خالد ليس بشيء، ومرسلات عمرو بن دينار أحب إلي " (6).
وقال يحيى كذلك: " مرسلات معاوية بن قرة أحب إلي من مرسلات زيد بن أسلم " (7).
قلت: وهذه نصوص في مراسيل طائفة من رواة الحديث مختلفي--------------------------------------------
(1) يعني السبيعي.
(2) يعني سليمان بن طرخان التيمي.
(3) أخرجه الترمذي في (العلل) آخر " الجامع " (6/ 247) وابن أبي حاتم في " تقدمة الجرح والتعديل " (ص: 244) والخطيب في " الكفاية " (ص: 550) وإسناده صحيح.
(4) أخرجه يعقوب بن سُفيان في " المعرفة " (1/ 686) ومن طريقه: الخطيب في " الكفاية " (ص: 549) وإسناده صحيح.
(5) مسائل الإمام أحمد، رواية ابن هانئ (2/ 222).
(6) أخرجه ابن أبي حاتم في " تقدمة الجرح والتعديل " (ص: 244) والخطيب في " الكفاية " (ص: 550) بإسناد صحيح.
(7) أخرجه ابن أبي حاتم في " تقدمة الجرح والتعديل " (ص: 245) وإسناده صحيح .......
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 940)
الطبقات، منهم من حديثه مرسل، ومنهم من حديثه معضل، كما يدخل فيما ذُكر ما يرويه أحدهم عن شيخ لم يسمع منه، وهو المنقطع، وفيه الإبانة أن (المرسل ضعيف) لذاته، إنما قوة بعضه من جهة تحري المرسل وتثبته، ووهاء بعضه من جهة التحديث عن الثقات وغيرهم.
والطريق إلى جواز الاعتبار بهذا المرسل أو ذاك، هو الاستقراء لطُرق وشواهد تلك الرواية.
فمن قوى مراسيل مالك بن أنس، وهي معضلات إذا كانت مما يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فذلك من جهة أن التتبع دل على قوتها مع ما عرف عن مالك من التحري، كالشأن في بلاغاته في " الموطأ "، على أنه مع ذلك وجد فيها ما لم يوقف له على أصل.
وحاصل هذه المسألة:
أن المرسل يتفاوت في قوته، والشواهد مع تحري المرسل معيار للترجيح بينها، وللاعتبار بما يعتبر به منها.
المسألة الثالثة: حكم الحديث المرسل:
بالنظر إلى الإسناد، فإن المرسل من جهة الصناعة الحديثية منقطع غير متصل.
والمرسل بمعناه الشائع والمنقطع في المعنى الاصطلاحي والذي يسميه الكثيرون (مرسلاً)، حكمهما فيما يأتي سواء.
وللعلماء في الاحتجاج بذلك وعدمه مذاهب:
المذهب الأول: صحة الاحتجاج به، بشرط أن يكون المرسل ثقة عدلاً، وهؤلاء يكون المرسل عندهم من جملة الحديث الصحيح.
والقول به منقول عن إبراهيم النخعي، وحماد بن أبي سلمان، وأبي
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 941)
حنيفة وصاحبيه: أبي يوسف ومحمد (1)، وكذلك هو قول مالك وأهل المدينة (2)، وذكر أصحاب أحمد أن الصحيح عنه الاحتجاج بالمرسل (3)، وأبو داود وغيره نقلوا عنه كقول الشافعي الآتي.
قال أبو داود السجستاني: " أما المراسيل فقد كان يحتج بها العلماء فيما مضى، مثل سفيان الثوري، ومالك بن أنس، والأوزاعي، حتى جاء الشافعي فتكلم فيها " (4).
وقال أبو داود: " إذا لم يكن مسند ضد المراسيل، ولم يوجد المسند، فالمرسل يحتج به، وليس هو مثل المتصل في القوة " (5).
قال ابن عبد البر: " زعم الطبري أن التابعين بأسرهم أجمعوا على قبول المرسل، ولم يأت عنهم إنكاره، ولا عن أحد الأئمة بعدهم إلى رأس المئتين. كأنه يعني أن الشافعي أول من أبى من قبول المرسل " (6).
ورأي ابن عبد البر لخصه قوله: " كل من عرف بالأخذ عن الضعفاء والمسامحة في ذلك، لم يحتج بمرسله، تابعيا كان أو من دونه، وكل من عرف أنه لا يأخذ إلا عن ثقة فتدليسه ومرسله مقبول " (7). قال الحاكم: " منهم من قال: إنه أصح من المتصل المسند؛ فإن.--------------------------------------------
(1) فتح الغفار، لابن نُجيم (2/ 96)، المدخل إلى كتاب الإكليل، للحاكم (ص: 43)، والتمهيد، لابن عبد البر، (1/ 5)، والبرهان، لإمام الحرمين (1/ 634).
(2) الكفاية، للخطيب (ص: 547)، والتمهيد، لابن عبد البر (1/ 2، 3).
(3) شرح علل الترمذي، لابن رجب (1/ 296)، وعدَّه العلائي إحدى الروايتين عنه (جامع التحصيل، ص: 27)، واعلم أن عامة مطوَّلات كتب الأصول اعتنت بذكر مذاهب الفقهاء هذه، مما لم نرَ ضرورة للإطالة بالعزو إليه.
(4) رسالة أبي داود إلى أهل مكة في وصْف سننه (ص: 32).
(5) رسالة أبي داود إلى أهل مكة في وصْف سننه (ص: 33).
(6) التمهيد (1/ 4)، والطبري هو أبو جعْفرٍ مُحمد بن جرير .......
(7) التمهيد (1/ 30).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 942)
التابعي إذا روى الحديث عن الذي سمعه أحال الرواية عليه، وإذا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه لا يقوله إلا بعد اجتهاد في معرفة صحته " (1).
المذهب الثاني: ليس بحجة، وهو من جملة الحديث الضعيف.
وهو قول الأئمة: الأوزاعي، وعبد الله بن المبارك، والشافعي، وأحمد بن حنبل (2)، وقول أكثر أهل الحديث (3).
قال الشافعي: " الحديث المنقطع لا يكون حجة عندنا " (4)، وقال: " نحن لا نقبل الحديث المنقطع " (5)، وقال: " لا نثبت المنقطع على وجه الانفراد " (6).
وبعد أن ذكر أبو داود السجستاني أن الشافعي تكلم في المراسيل، قال: " وتابعه على ذلك أحمد بن حنبل وغيره " (7).
وكان الإمام أحمد بن حنبل يقدم عليه الحديث الموقوف، فلو كان مما يحتج به عنده لم يقدم عليه قول الصحابي أو فعله.--------------------------------------------
(1) المدخل إلى كتاب الإكليل، للحاكم (ص: 43)، وانظره عن الحنفية في " شرح المنار " لابن نجيم (2/ 95)، وحكى معنى ذلك ابن عبد البر في " التمهيد " (1/ 3) عن بعض المالكية.
(2) المدخل إلى كتاب الإكليل، للحاكم (ص: 43، 45)، وكلام الشافعي في غير موضعٍ من كُتبه، انظر من ذلك: الأم (12/ 368). وابن المبارك ربما قبلَ مرسل الثقة، كما نقل ذلك عنه أحمد بن حنبل، قال: حدثني الحسن بن عيسى، قال: حدثْتُ ابن المبارك بحديث أبي بكر بن عياش عن عاصم عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " حسنٌ "، فقلت: له _ يعني ابن المبارك _: إنه ليس فيه إسناد؟ فقال: " إن عاصماً يُحتمل له أن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "، قال: فغدوْت إلى أبي بكر، فإذا ابن المبارك قد سبقني إليه، وهو إلى جنبه، فظننته سأله عن هذا الحديث. أخرجه أحمد في " العلل " (النص: 4874) وهو صحيح، الحسن هذا ثقة.
(3) الكفاية، للخطيب (ص: 547)، والتمهيد، لابن عبد البر (1/ 5).
(4) الأم (12/ 482، و 15/ 265).
(5) الأم (10/ 461).
(6) اختلاف الحديث (ص: 191).
(7) رسالة أبي داود إلى أهل مكة في وصْف سننه (ص: 32).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 943)
قال ابن هانئ: قلت لأبي عبد الله (يعني أحمد): حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرسل برجال ثبت، أحب إليك، أو حديث عن الصحابة أو التابعين متصل برجال ثبت؟ قال أبو عبد الله: " عن الصحابة أعجب إلي " (1).
وقال ابن رجب: " ظاهر كلام أحمد أن المرسل عنده من نوع الضعيف، لكنه يأخذ بالحديث إذا كان فيه ضعف، ما لم يجئ عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن أصحابه خلافه " (2).
وقال مسلم بن الحجاج: " والمرسلمن الروايات في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة " (3).
وقال الترمذي: " والحديث إذا كان مرسلاً، فإنه لا يصح عند أكثر أهل الحديث، قد ضعفه غير واحد منهم " (4).
قال: " ومن ضعف المرسل فإنه ضعفه من قبل أن هؤلاء الأئمة (يعني أصحاب المراسيل) قد حدثوا عن الثقات وغير الثقات، فإذا روى أحدهم حديثاً وأرسله لعله أخذه عن غير ثقة " (5).
وقال أبو زرعة الرازي وأبو حاتم الرازي وابنه: " لا يحتج بالمراسيل، ولا تقوم الحجة إلا بالأسانيد الصحاح المتصلة " (6).
وقال ابن حبان: " المرسل والمنقطع من الأخبار لا يقوم بها حجة؛ لأن الله جل وعلا لم يكلف عبده أخذ الدين عمن لا يعرف، والمرسل--------------------------------------------
(1) مسائل الإمام أحمد، رواية ابن هانئ (2/ 165) ومن طريقه: الخطيب في " الكفاية " (ص: 557).
(2) شرح العلل (1/ 313)، ونقل عن الأثرم عن أحمد ما يؤيد هذا.
(3) مقدمة صحيح مسلم (ص: 30).
(4) العلل الصغير، في آخر " الجامع " (6/ 247) .......
(5) العلل الصغير، في آخر " الجامع " (6/ 248).
(6) المراسيل (ص: 7).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 944)
والمنقطع ليس يخلو ممن لا يعرف، وإنما يلزم العباد قبول الدين الذي هو من جنس الأخبار إذا كان من رواية العدول، حتى يرويه عدل عن عدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم موصولاً " (1).
وقال الخطيب: " الذي نختاره سقوط فرض العمل بالمراسيل، وأن المرسل غير مقبول، والذي يدل على ذلك: أن إرسال الحديث يؤدي إلى الجهل بعين راويه، ويستحيل العلم بعدالته مع الجهل بعينه " (2).
وقال ابن حزم: " هو غير مقبول، ولا تقوم به حجة؛ لأنه عن مجهول " (3).
ورد الخطيب الاعتراض بكون إرسال الثقة تعديل منه لمن أرسل عنه، بسكوت الثقات عمن يروون عنه، وربما لم يكن ذلك الثقة عالماً أصلاً بحال من أسقطه.
قلت: وهذا مصدق بالواقع العملي من حال المرسلين، فإن منهم من كان يروي عن كل أحد، كما تقدم بعض مثاله في المسألة السابقة.
كذلك فليس كل ثقة له أهلية تمييز النقلة، كما بين هذا في محله، وإذا كانت رواية العدل في التحقيق عن مسمى لا تعد بمجردها تعديلاً له، فكيف بمن أسقط أصلاً بما حال دون العلم به؟ ثم لو سلمنا ثقة ذلك الذي أسقط عند من أرسل روايته، فإنه معلوم أن الراوي قد يكون مختلفاً فيه جرحاً وتعديلاً، والجرح فيه أرجح، فكيف السبيل إلى تحرير هذا في حق من لم يذكر في الإسناد أصلاً؟
ثم إن اعتناء الثقات بالأسانيد وإقامتهم لها هو الأصل الذي به عرف--------------------------------------------
(1) المجروحين (2/ 72).
(2) الكفاية (ص: 550 _ 551)، ومعناه أيضاً في: الفقيه والمتفقه (1/ 292).
(3) الإحكام في أصول الأحكام (2/ 2) .......
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 945)
ضبطهم وإتقانهم، والعذر لأحدهم أرجى في ذكر من حدثه بالخبر، فعدول أحدهم إلى الإرسال يورد مظنة القدح في ذلك الراوي الذي أسقط من الإسناد.
والشأن أن الثقة المتقن العارف لا يقصر في ذكر من حدثه لو كان ثقة، كما قال يحيى بن سعيد القطان: " سفيان عن إبراهيم شبه لا شيء؛ لأنه لو كان فيه إسناد صاح به " (1).
وهذا قال بعض الأئمة معناه في غير واحد من أعيان الثقات يبهمون شيوخهم أو يسقطونهم، كالزهري كما تقدم عنه، ومن ذلك:
روى زيد بن أسلم حديثاً اختلف عليه فيه: فرواه معمر بن راشد عنه عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم، ورواه سفيان الثوري عن زيد بن أسلم قال: حدثني الثبت قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو حاتم الرازي: " فإن قال قائل: الثبت من هو؟ أليس هو عطاء بن يسار؟ قيل له: لو كان عطاء بن يسار لم يكن عنه "، وقال ابن أبي حاتم: قلت لأبي زرعة: أليس الثبت هو عطاء؟ قال: " لا، لو كان عطاء ما كان يكني عنه " (2).
وسأل ابن أبي حاتم أباه عن حديث روي عن الأوزاعي عن إسماعيل بن عبيد الله عن يزيد بن الأصم عن ميمونة؟ فقال: " رواه بعض أصحاب الأوزاعي عن من سمع يزيد بن الأصم عن ميمونة " قال: " والذي يرويه الدمشقيون عن الأوزاعي عن من سمع يزيد بن الأصم أشبه؛ لأن الأوزاعي لو كان سمع من إسماعيل بن عبيد الله لم يكن عنه " (3).--------------------------------------------
(1) أخرجه ابن أبي حاتم في " التقدمة " (ص: 244) و " المراسيل " (ص: 5) والخطيب في " الكفاية " (ص: 550) وإسناده صحيح.
(2) علل الحديث (رقم: 642).
(3) علل الحديث (رقم: 2450) .......
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 946)
المذهب الثالث: التفريق بين المراسيل، بحسب المرسل.
وهذا عزي للشافعي أنه كان يقبل مراسيل كبار التابعين، كما تقدم بيانه في المسألة السابقة، وتبين أن الشافعي لا يرى قبول مرسل التابعي الكبير لذاته، إنما يقبله بقرائن تقويه.
فهذا مذهب في التحقيق لم يقل به أحد، فعاد الخلاف إلى المذهبين الأولين.
وظاهر ما تقدمت حكاية عن أهل العلم: الاختلاف بين الفقهاء وأهل الحديث في صحة المرسل.
لكن التحقيق كما حررته عبارة الناقد ابن رجب، حيث قال: " اعلم أنه لا تنافي بين كلام الحفاظ وأعلام الفقهاء في هذا الباب، فإن الحفاظ إنما يريدون صحة الحديث المعين إذا كان مرسلاً، وهو ليس بصحيح على طريقهم؛ لانقطاعه وعدم اتصال إسناده إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأما الفقهاء فمرادهم صحة ذلك المعنى الذي دل عليه الحديث، فإذا أعضد ذلك المرسل قرائن تدل على أن له أصلاً قوي الظن بصحة ما دل عليه، فاحتج به مع ما احتف به من القرائن، وهذا هو التحقيق في الاحتجاج بالمرسل عند الأئمة " (1).
يؤيد هذه الخلاصة المحققة قول أبي عمر بن عبد البر وهو يبين مذهب أصحابه المالكية ومن وافقهم في قولهم بقبول المرسل: " ثم إني تأملت كتب المناظرين والمختلفين من المتفقهين وأصحاب الأثر من أصحابنا وغيرهم، فلم أر أحداً منهم يقنع من خصمه إذا احتج عليه بمرسل، ولا يقبل منه في ذلك خبراً مقطوعاً (2)، وكلهم عند تحصيل المناظرة يطالب خصمه بالاتصال في الأخبار " (3).--------------------------------------------
(1) شرح علل الترمذي (1/ 297).
(2) أي: مُنقطعاً.
(3) التمهيد (1/ 7).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 947)
المسألة الرابعة: رواية الصحابي ما لم يسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم … .
وهذا ما يصطلح عليه بـ (مراسيل الصحابة).
وقد وقع ذلك من كثير من الصحابة، وأكثره في صغارهم مثل: عبد الله بن عباس، وأنس بن مالك.
فما حكم ما يروونه عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يذكرون فيه السماع؟.
صورة هذه المسألة صورة التدليس، على ما سيأتي بيانه في تعريفه، وذلك أن الصحابي يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، ويروي عنه بالواسطة، وتارة يسقطها، وإسقاط الواسطة بين الراوي وشيخه تدليس.
لكن هل يجوز إطلاق مثل ذلك على ما وقع صنيع الصحابة؟
حُكي عن شعبة بن الحجاج قال: " أبو هريرة كان يدلس " (1).
وهذا خبر واهٍ من جهة الإسناد، والتحقيق: أنه قبيح من جهة اللفظ أن ينسب للصحابة تدليس، فلفظ التدليس وإن كان له معنى اصطلاحي يتناول ما نسميه بمراسيل الصحابة، إلا أن الاصطلاح منشأ من قبلنا، قصدنا به دفع ما وقع من الموصوفين بالتدليس من إسقاط الواسط المجروحة، مما يوهم سلامة الإسناد في الظاهر، وهو أمرٌ حادث بعد الصحابة.--------------------------------------------
(1) أخرجه ابنُ عدي (1/ 151) _ ومن طريقه: ابنُ عساكر (67/ 359) _ قال: أخبرنا الحسن بن عثمان التُّستري، أخبرنا سلمة بن شبيب، قال: سمعت [يزيد بن هارون، قال: سمعت] شعبة، به.
سقط ما بين المعقوفين من مطبوعةِ ابن عدي ومن مخطوطة أحمد الثالث لكتاب " الكامل "، واستدركتها من ابن عساكر، وهذه الرواية ساقطةٌ بسقوط التستري هذا، فإنه متهم بالكذب.
ووجدت الذهبي ذكر هذا النص في " سير أعلام النبلاء " (2/ 608) وقال بعده: " تدليس الصحابة كثير، ولا عيْب فيه، فإن تدليسهم عن صاحب أكبر منهم، والصحابة كلهم عدولٌ ". قلت: وليته بيَّن وهاء الرواية، ولم يعلق بمثل هذا، فزاد على تلك العبارة القبيحة المنسوبة إلى شُعبة أن عمم إطلاق التدليس على ما يقع من إرْسال سائر الصحابة، وهذا أقبح، وكلٌّ يؤخذ من قوله ويُترك إلا النبي صلى الله عليه وسلم .......
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 948)
وقد صح عن البراء بن عازب، قال: " ما كل ما نحدثكموه سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن حدثنا أصحابنا، وكانت تشغلنا رعْية الإبل " (1).
وفي رواية، عن البراء، قال: " ما كل ما نُحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعناه، ولكن سمعناه، وحدثنا أصحابنا، ولكنا لا نكذب (2).
وروى قتادة السدوسي عن أنس بن مالك قصة، فقال له رجل: سمعت هذا من أنس؟ قال: نعم، قال رجل لأنس: أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: " نعم، وحدثني من لم يكذب، والله ما كنا نكذب، ولا ندري ما الكذب " (3).
قلت: فهذا يبطل وصف ما وقع من الصحابة من هذا القبيل بالتدليس.
كذلك، فإن النظر في اتصال الإسناد لصحة الحديث إنما يجب أن--------------------------------------------
(1) أثرٌ صحيح. أخرجه أحمد في " المسند " (30/ 450، 458 رقم: 18493، 18498) و " العلل " (النص: 3675، 3676) والحاكم في " المستدرك " (1/ 95 رقم 326) و " المعرفة " (ص: 14) وأبو نعيم في " معرفة الصحابة " (رقم: 1165) وابن حزم في " الإحكام " (2/ 12) من طريقين عن سفيان الثوري، عن إسحاق، عن البراء، به.
قال الحاكم: " هذا حديث له طرقٌ عن أبي إسحاق السبيعي، وهو صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه ".
(2) أثرٌ صحيح. أخرجه أحمد في " العلل " (النص: 2835) ويعقوب بن سُفيان في " المعرفة والتاريخ " (2/ 634) من رواية وكيع، وجعفرٌ الفريابي في " فوائده " (ق: 80 / ب ظاهرية) وابن عدي (1/ 261) من طريق عليِّ بن مسهر، وكذا ابن عَدي من طريق مالك بن سُعير وإسحاق بن الربيع، أربعتهم عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن البراء، به. وإسناده صحيح.
وخرَّجته كذلك من طريق يوسف بن أبي إسحاق، عن أبيه، وفيه سماع أبي إسحاق من البراء، وذلك فيما تقدم من هذا الكتاب في (عدالة الصحابة).
(3) أخرجه يعقوب بن سفيان في " المعرفة والتاريخ " (2/ 633 _ 634) وإسناده حسن.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 949)
يراعى فيما دون الصحابي، أما الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لا يخلو من أن يكون سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو سمعه من صحابي آخر سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يروي الصحابي عن تابعي عن صحابي آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا في صور نادرة تستطرف، ولعلها لا يثبت منها كبير شيء، فحيث عادت (مراسيل الصحابة) إلى وسائط من الصحابة أنفسهم، وهم جميعاً عدول فليس لهذه الصورة إذاً تأثيرٌ في صحة الإسناد، وإن أطلق عليها لفظ (الإرسال).
قال الخطيب في كلامه عن (المرسل): " إن كان من مراسيل الصحابة قبل ووجب العمل به؛ لأن الصحابة مقطوع بعدالتهم، فإرسال بعضهم عن بعض صحيح " (1).
وصحة الاحتجاج بمراسيل الصحابة في الواقع التطبيقي العملي، جرى عليه عامة أهل العلم، فلم يرد أحد حديثاً لابن عباس صح الإسناد به إليه، من أجل كونه كان كثير الإرسال عن النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك لقلة ما سمع منه لصغر سنه يومئذ، فكان أكثر حديثه مما أخذه بالواسطة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يذكر تلك الوسائط في كثير مما حدث به.
وهذا القول هو الذي رجحه الحافظ الخطيب (2)، وحكاه ابن رشيد عن جمهور أهل العلم (3).
وذكر الخطيب أن فيمن رد المرسل من العلماء من رد مراسيل الصحابة، ولم يسم أحداً (4).
وذكره بعض من جاء من بعد عن بعض أهل الكلام (5).--------------------------------------------
(1) الفقيه والمتفقه (1/ 291) .......
(2) الكفاية (ص: 548).
(3) السنن الأبين (ص: 116).
(4) الكفاية (ص: 547).
(5) انظر: جامع التحصيل، للعلائي (ص: 47).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 950)
وأن من حجة صاحب هذا المذهب مظنة أن يكون ذلك الصحابي قد سمع ذلك الحديث من تابعي يحتاج أن يميز حاله في النقل، أو أعرابي مجهول.
وهذا القول في التحقيق مهجور لضعف حجته.
* * *
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 951)
المبحث الخامس:
الحديث المدلس
تعريفه:
التدليس لغة: كتمان العيب، ومنه التدليس في البيع، وهو كتمان العيب في السلعة على المشتري، فيوهم السلامة منه.
واصطلاحاً: مأخوذ من هذا المعنى، وهو نوعان في الجملة، أولهما يندرج تحت الانقطاع في الإسناد، أما الثاني فليس انقطاعاً، إنما صلته بعدالة الراوي المدلس وضبطه خاصة، وهذا بيان النوعين:
والنوع الأول: تدليس الوصل.
وهو قسمان:
القسم الأول: تدليس الإسناد.
تعريفه: أن يروي الراوي عمن سمع منه ما لم يسمعه منه؛ بصيغة موهمة للاتصال، يقول: (عن فلان) أو (قال فلان) أو شبه ذلك.
وقال الخطيب: " رواية المحدث عمن عاصره ولم يلقه، فيتوهم أنه سمع منه، أو روايته عمن قد لقيه ما لم يسمعه منه، هذا هو التدليس في الإسناد " (1).--------------------------------------------
(1) الكفاية (ص: 59) .......
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 952)
قلت: وهذا التعريف قد اشتمل على صورتين لعدم السماع جمعهما الإدراك، وافترقا في ثبوت السماع في الجملة:
فالأولى: إدراك مجرد، دون سماع ذلك الراوي ولا في خبر واحد ممن روى عنه.
والثانية: أنه سمع ممن روى عنه غير ذلك الحديث، وإنما حدث عنه بما سمعه من غيره عنه، فأسقط تلك الواسطة، وروى الخبر بالعنعنة عن ذلك الشيخ.
وطائفة من المتأخرين يسمون الصورة الأولى: (الإرسال الخفي)، مع أن معنى الإيهام موجود فيها، من أجل إدراك الراوي في الجملة لمن أرسل عنه.
وعرف ابن عبد البر هذا النوع من التدليس، بعبارة أدق، تخرج منه الصورة الأولى، فقال: " التدليس: أن يحدث الرجل عن الرجل، قد لقيه، وأدرك زمانه، وأخذ عنه، وسمع منه، وحدث عنه بما لم يسمعه منه، وإنما سمعه من غيره عنه، ممن ترضى حاله أو لا ترضى، على أن الأغلب في ذلك أن لو كانت حاله مرضية لذكره، وقد يكون لأنه استصغره. هذا هو التدليس عند جماعتهم، لا اختلاف بينهم في ذلك " (1).
والمقصود: أن يأتي بصيغة الأداء غير صريحة في السماع، وهي (عن) ومعناها (2).--------------------------------------------
(1) التمهيد (1/ 15) ونحوه كذلك (1/ 27، 28). وقوله: لا اختلاف بينهم في ذلك "، ظاهره: في حصْر التدليس في هذا المعنى، وليس كذلك، بل تقدم عن الخطيب أنه أدْرج فيه المرسل الخفي، كذلك صح وُجود بعض عبارات الأئمة في التدليس قيلت فيما هو من قبيل الإرسال الخفي، كبعض ما قيل في تدليس الحسن البصري.
(2) وكن يَقظاً لِما جرى من بعْض المتأخرين من إطلاق وَصف التدليس على مَن روى بطريق الإجازة فقال: (أخبرنا)، فالتدليس رواية بالواسطة، بخلاف الإجازة فلا واسطة بين المجيز والمُجاز .......
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 953)
والإسناد الذي يقع فيه التدليس إسناد مرسل في ذلك المحل، لكنه صورة خاصة من الإرسال أو الانقطاع، فارقت معنى الإرسال والانقطاع المعروفين فيما يقع فيها من إيهام السماع فذلك بينٌ يسهل إدراكه بخلاف ما يظن أنه مسموع وليس كذلك.
قال الخطيب: " والتدليس يشتمل على ثلاثة أحوال تقتضي ذم المدلس وتوهينه:
فأحدها: إيهامه السماع من لم يسمع منه، وذلك مقارب الإخبار بالسماع ممن لم يسمع منه.
والثانية: عدوله عن الكشف إلى الاحتمال، وذلك خلاف موجب الورع والأمانة.
والثالثة: أن المدلس إنما لم يبين من بينه وبين من روى عنه؛ لعلمه بأنه لو ذكره لم يكن مرضيا مقبولاً عند أهل النقل؛ فلذلك عدل عن ذكره.
وفيه: أنه لا يذكر من بينه وبين من دلس عنه؛ طلباً لتوهيم علو الإسناد، والأنفة من الرواية عمن حدثه، وذلك خلاف موجب العدالة ومقتضى الديانة، من التواضع في طلب العلم، وترك الحمية في الإخبار بأخذ العلم عمن أخذه " (1).
ومما يبين كيف يقع التدليس في الإسناد: قول الأعمش: قال لي حبيب بن أبي ثابت: " لو أن رجلاً حدثني عنك بحديث ما باليت أن أرويه عنك " (2). وربما أسقط المدلس أكثر من واسطة بينه وبين شيخه، كما قال أحمد بن حنبل وذكر المبارك بن فضالة: " كان يرسل [عن] الحسن "، قيل:--------------------------------------------
(1) الكفاية (ص: 510 _ 511).
(2) أخرجه الرامهرمزي في " المحدث الفاصل " (ص: 455 _ 456) بإسناد حَسنٍ.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 954)