المبحث الثامن:
مسائل في الحديث الصحيح والحسن
المسألة الأولى: الحديث الصحيح والحسن كلاهما حجة في الدين.
قال الإمام الشافعي: " وإذا ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الشيء فهو اللازم لجميع من عرفه، لا يقويه ولا يوهنه شيء غيره، بل الفرض الذي على الناس اتباعه " (1).
قلت: أما الحديث الصحيح فهذا المعنى ظاهر فيه.
وأما الحديث إذا دل التحقيق والنظر على حسنه، فذلك يلحقه بالصحيح في الاحتجاج، من جهة أن حسنه لم يثبت إلا عندما تحققت فيه شروط القبول وانتفت عنه موانعه، وتلك هي صفة الحديث الصحيح، وان افترقا في نوع بعض تلك الشروط وكيفية تحققها، على ما تقدم بنانه.
وكما أن (الحديث الصحيح) تثبت به الأحكام، فذلك الحسن، لكن يجب أن يعلم أن (الصحيح) يستقل بإثبات حكم لا ضد له أقوى منه، أما (الحسن) فإننا اشترطنا أن لا يتفرد راويه بأصله، وهذا يعني أنه لا يثبت حكما لا يعرف إلا من تلك الجهة، ولكنه يستدل به على الإبانة والتفصيل لحكم أصله في الجملة ثابت من وجه آخر.--------------------------------------------
(1) الرسالة (ص: 330) .............
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 893)
والعلة في هذا الفارق: أن راوي الحديث الحسن إنما قصر عن درجة من يحتج به ابتداء حتى ينظر في روايته، من أجل ما نخشى من خطئه ووهمه، وذلك لما أوردته شبهة خطئه في بعض ما روى، أو قصور درجته في الحفظ عن درجة المتقنين لعدم الشهرة بالعلم والاعتناء به.
وإذا كان هذا ظاهراً في الأحكام، فمن الخطأ البين القول بصحة بناه اعتقاد على (حديث حسن) جرى الحكم بحسنه على ظواهر قواعد المتأخرين في تعريفهم للحسن، دون استقصاء قدر الموافقة للمحفوظ المعروف، أو المخالفة، أو التفرد.
وإذا تحققت هذه المسألة لم تجد لأهل الإسلام عقيدة لم يأت فيها إلا حديث حسن، بل إنك لا تجد عقيدة يقصر العلم بها على حديث صحيح فرد، فإن العقائد أبلغ من الأحكام وآكد، والديانة بها أخطر، فمن أجل ذلك لا يصح تصور أن يكون الشيء منها لم يرد فيه إلا خبر واحد فرد، لا يعلم له أصل من وجه آخر.
نعم، قد تجد في تفاريع بعض ما يتصل بالاعتقاد ما لم يرد فيه إلا الحديث الواحد الصحيح أو الحسن، لكن أصله محفوظ معروف، كتفاصيل سؤال القبر والشفاعة وصفة الميزان يوم القيامة، فإنك لا تجدها إلا مؤيدة لأصل معلوم من دين الإسلام: جاء به الكتاب، أو الصحيح المقطوع به من السنة، والجهل بتلك التفاريع أو عدم اعتقاد ثبوتها لا يقدح في دين الإنسان، ولعذر صاحبها بالتأويل مساغ، بخلاف الإيمان بأصولها في الجملة.
وتقدم أن بعض الحفاظ أدرجوا (الحسن) تحت مسمى (الصحيح) تغليباً، كما وقع الشيء منه في " الصحيحين "، وكما هو صنيع ابن خزيمة وابن حبان في " صحيحيهما ".
والتمييز بينهما في الإطلاق أدق، إذ فيه إبقاء للإشعار بطريق الوصول
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 894)
به إلى هذه المرتبة، كذلك فيه فائدة تمييز درجات الحفظ للنقلة، فلو أطلقنا عليه وصف (الصحة) فربما أوهم ذلك أن رواته رواة (الحديث الصحيح).
المسألة الثانية: درجات الصحة تتفاوت في القوة بحسب القرائن.
المقصود بهذا ملاحظة أن بعض الصحيح أصح من بعض، فرواية من وصف بأن (ثقة حافظ) فوق رواية من وصف بكونه (ثقة) فقط، والحديث يأتي من طريقين صحيحين أقوى من الحديث لا يأتي إلا من طريق واحدة صحيحة.
كما أن الحديث في الفقه يرويه الثقة الفقيه أعلى من الحديث يرويه ثقة غير فقيه.
وكذلك (الصحيح) فوق (الحسن).
و (الحسن) يرد من وجهين أو أكثر، كل وجه منهما قد اتفقت فيه شروط الحسن، يكون (صحيحاً لغيره)، فهذا فوق (الحسن لذاته).
المسألة الثالثة: هل صحة الإسناد توجب صحة الحديث؟
قلت: إذا قيل: (إسناد صحيح) وقصد القائل أنه استوفى جميع الشروط الأربعة المتقدمة فلا فرق بين ذلك وبين قوله: (حديث صحيح).
وكذلك إذا قيل: (إسناده حسن) بشروطه، فهو كالقول: (حديث حسن) .............
والواجب أن لا يقال لحديث: (إسناده صحيح) أو (حسن) إلا ويراد بذلك استيفاؤه جميع الشروط الموجبة لصحة الحديث، أو حسنه؛ لأن هذا اللفظ ينبغي أن لا يفهم إلا الثبوت.
قال الإمام شعبة بن الحجاج: " إنما يعلم صحة الحديث بصحة الإسناد " (1).--------------------------------------------
(1) أخرجه ابن عبد البر في " التمهيد " (1/ 57) وإسناده جيد .......
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 895)
لكن في المتأخرين من لا يراعي ذلك، وكأنه كان يكتفي بتحقق الشروط الثلاثة الأولى فيحكم بصحة الإسناد وحسنه، فترى بعض ما يحكمون عليه بذلك لا يسلم من علة قادحة، كما وقع ذلك في صنيع الحاكم النيسابوري، وكثر مثله بعد الذهبي فالعراقي فابن حجر، وفي زماننا صار هذا النمط لا يحصى كثرة، فيحتاج قبول كثير من تلك الأحكام إلى احتياط شديد.
المسألة الرابعة: قولهم في الحديث: (رجاله ثقات) هل يعني الصحة؟
الجواب: ليست هذه العبارة حكماً من قائلها بصحة الحديث ولا حسنه.
وبين ابن القيم خطأ الحكم بصحة الحديث بناء على مجرد ثقة رواته، وذلك من وجهين، قال:
" أحدهما: أن ثقة الراوي شرط من شروط الصحة، وجزء من المقتضي لها، فلا يلزم من مجرد توثيقه الحكم بصحة الحديث.
يوضحه أن ثقة الراوي هي كونه صادقاً لا يتعمد الكذب، ولا يستحل تدليس ما يعلم أنه كذب باطل.
وهذا أحد الأوصاف المعتبرة في قبول قول الراوي.
لكن بقي وصف الضبط والتحفظ، بحيث لا يعرف بالتغفيل وكثرة الغلط.
ثانيهما: أن لا يشذ عن الناس، فيروي ما يخالفه فيه من هو أوثق منه وأكبر، أو يروي ما لا يتابع عليه وليس ممن يحتمل ذلك منه، كالزهري، وعمرو بن دينار، وسعيد بن المسيب، ومالك، وحماد بن زيد، وسفيان بن عيينة، ونحوهم، فإن الناس إنما احتملوا تفرد أمثال هؤلاء الأئمة بما لا يتابعون عليه؛ للمحل الذي أحلهم الله به من الإمامة والإتقان والضبط.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 896)
فأما مثل سفيان بن حسين، وسعيد بن بشير، وجعفر بن برقان، وصالح بن أبي الأخضر، ونحوهم، فإذا انفرد أحدهم بما لا يتابع عليه، فإن أئمة الحديث لا يرفعون به رأساً.
وأما إذا روى أحدهم ما يخالف الثقات فيه، فإنه يزداد وهناً على وهن.
فكيف تقدم رواية أمثال هؤلاء على رواية مثل مالك، والليث، ويونس، وعقيل، وشعيب، ومعمر، والأوزاعي، وسفيان، ويحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، وأضرابهم، هذا مما يستريب من له معرفة بالحديث وعلله في بطلانه " (1).
المسألة الخامسة: عدد الحديث الصحيح.
باعتبار عد الروايات الحديثية في الكتب، فإن هذا ليس مما يمكن المصير إليه؛ وذلك من أجل انتشار طرق الحديث، فالكتب التي تجمع الأسانيد كثيرة جداً.
كذلك لتعذر ضبط قاعدة تنزل عليها جميع روايات الحديث، فيقال: هذا من الأسانيد مقبول فيعد، وهذا ليس بمقبول فلا يعد.
نعم، جاء عن متقدمي الأئمة أنهم كانوا يسمعون الأسانيد المتعددة للمتن الواحد أحاديث، فيما يحفظه أحدهم.
مثل قول البخاري: " أحفظ مئة ألف حديث صحيح، وأحفظ مئتي ألف حديث غير صحيح " (2).
وقال ابن حجر العسقلاني: " إذا كان الشيخان مع ضيق شرطهما بلغ--------------------------------------------
(1) الفروسية (ص: 73 _ 74).
(2) أخرجه ابن عدي في " الكامل " (1/ 226) _ ومن طريقه: الخليلي في " الإرشاد " (3/ 962) والخطيب في " تاريخه " (2/ 25) _ وإسناده مُحتمل .......
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 897)
جملة ما في كتابيهما بالمكرر هذا القدر (1)، فما لم يخرجاه من الطرق للمتون التي أخرجاها لعله يبلغ هذا القدر أيضاً أو يزيد، وما لم يخرجاه من المتون من الصحيح الذي لم يبلغ شرطهما لعله يبلغ هذا القدر أيضاً أو يقرب منه، فإذا انصاف إلى ذلك ما جاء من الصحابة والتابعين تمت العدة التي ذكر البخاري أنه يحفظها، بل ربما زادت على ذلك، فصحت دعوى ابن الأخرم: إن الذي يفوتهما من الحديث الصحيح قليل، يعني مما يبلغ شرطهما، بالنسبة إلى ما خرجاه " (2).
قلت: وهذا الذي جاء عن حفظ البخاري، ذكر عن غيره ما يشبهه أو يزيد عليه، كالذي قيل في مقدار حفظ أحمد بن حنبل، وأبي زرعة الرازي، لكنه جميعاً إخبار عن حفظ الواحد من هؤلاء الأئمة، لا عن مجموع أسانيد الحديث.
والشأن في كثرة الأحاديث المروية كما قال محمد بن أحمد بن جامع الرازي: سمعت أبا زرعة وقال له رجل: يا أبا زرعة، أليس يقال: حديث النبي صلى الله عليه وسلم أربعة آلاف حديث؟ قال: " ومن قال ذا؟! قلقل الله أنيابه، هذا قول الزنادقة، ومن يحصي حديث رسول الله؟ قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مئة ألف وأربعة عشرة ألفاً من الصحابة ممن روى عنه وسمع منه " (3).
قلت: أما إذا قال القائل: يمكن ضبط السنن الصحيحة المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم بالعدد، فهذا صحيح، فإن ذلك يقل خروجه عن الكتب الستة الأمهات، فإذا ضممت إليها " المسند " لأحمد بن حنبل، ندر من السنن ما يخرج عنها، وذلك النادر يمكن تتبعه من سائر كتب الحديث.--------------------------------------------
(1) يعني على ما ذكره قبل هذا النص: أن عدة ما في البخاري بالمكرر (7275) حديثاً، وعدة ما في مسلم بالمكرر أيضاً (12000) حديثاً.
(2) النكت على ابن الصلاح، لابن حجر (1/ 297 _ 298).
(3) أخرجه الخطيب في " الجامع " (رقم: 1894) وتكلمت عن إسناده في (القسم الأول) عند الكلام عن الصحابة .......
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 898)
وما أمكن حصره أمكن عده، وإن لم يقم علماء الشأن بحده بعدد إلى اليوم.
المسألة السادسة: قولهم: (أصح شيء في الباب).
قولهم: (هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب) لا يعني صحة الحديث في نفسه، فيجوز أن يكون ضعيفاً، إنما قالوا: (أصح) مقارنة بغيره مما روى في نفس الباب.
ووقوع هذه العبارة أو معناها كثير في كلام المتقدمين (1).
المسألة السابعة: أصح الأسانيد.
اشتهرت عن بعض أئمة الحديث عبارة: (أصح الأسانيد فلان عن فلان).
وقد اختلفوا فيها اختلافاً واسعاً (2)، ثمرته: الترجيح عند الاختلاف.
والصواب فيه اختيار الحاكم: لا يمكن القطع لإسناد، بأنه أصح الأسانيد مطلقاً، إنما يمكن القول: أصح أسانيد ابن عمر كذا، وأصح أسانيد المدنيين، أو البصريين أو المصريين، كذا وكذا.
وسبب صحة هذا الاختيار: وجود التكافؤ في الصحة بين كثير من الأسانيد.
غير أن ما يوجد من تلك المقالات يفيد كثير منه _ كما تقدم _ للترجيح بين الثقات في حال الاختلاف في سند أو متن.
فلو اختلف مثلاً نافع ومجاهد عن ابن عمر في حديث، فإنا نستفيد--------------------------------------------
(1) وانظر ما تقدم في (النقد الخفي _ الفصل الثالث _ المبحث الثالث _ المقدمة التاسعة).
(2) انظر معرفة علوم الحديث (ص: 53 _ 56).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 899)
من قولهم: " أصح الأسانيد: نافع عن ابن عمر " في ترجيح نافع على مجاهد (1).
وتفصيل القول فيه يعرف من أحوال النقلة في كتب الجرح والتعديل.
المسألة الثامنة: قولهم: (حديث جيد) يعنون به الصحة، لكن المتأخرين ربما استعملوا في منزلة تردد بين الصحيح والحسن بعد التفريق الاصطلاحي.
وجرى استعماله في وصف الحديث في كلام المتقدمين قليلاً نادراً.
ومنه قولهم في الراوي: (جيد الحديث)، فهو في التحقيق يساوي قولهم: (صحيح الحديث)، وهذا تكرار في جماعة من الرواة.
وشبيه به قولهم: (هذا حديث قوي) ، (إسناد قوي).
وليس في القسمة درجة بين (الصحيح) و (الحسن)؛ فلذا فإن هذين الاستعمالين يلحقان عندهم بـ (الصحيح).
وله أمثلة كثيرة في " الصحيحين " وغيرهما، وهو مثل أحاديث: عبد الملك بن عمير، وحماد بن سلمة، وسهيل بن أبي صالح، والعلاء بن عبد الرحمن، ومحمد بن إسحاق صاحب السيرة، وسماك بن حرب، وأبي بكر بن عياش.
المسألة التاسعة: أين يوجد الحديث الحسن؟
الحديث الحسن حيث إن مرجعه إلى رواة من درجة متوسطة في الحفظ، فإنك لا تكاد تجد كتاباً من كتب السنة يخلو منه، والتحقيق أن في " الصحيحين " بعض الأحاديث الحسنة، خصوصاً في أبواب الرقائق وشبهها،--------------------------------------------
(1) وسبق مزيدٌ في فائدة هذه المسألة في (النقد الخفي _ الفصل الثالث _ المبحث الثالث _ المقدمة الثانية) .......
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 900)
مثل حديث فليح بن سليمان وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار وزهير بن محمد التميمي وشبههم، فهؤلاء لا يمكن لحديثهم أن يرقى فوق (الحسن) لذاته، وروايتهم عند البخاري، ولبعضهم عند مسلم، كما روى مسلم لجماعة حديثهم لا يرقى فوق (الحسن) منهم: إبراهيم ين مهاجر البجلي، وأسامة بن زيد الليثي، وهشام بن سعد المدني.
وإطلاق اسم " الصحيح " على كتاب مسلم والبخاري فإنما هو باعتبار غلبة ذلك، أو لاندراج (الحسن) تحت (الصحيح) بجامع القبول وصحة الاحتجاج.
وأما في غير " الصحيحين " فيوجد كثيراً في " سنن أبي داود " و " جامع الترمذي " وفي طريقة الترمذي في الحكم بحسن كثير من الأحاديث ما يساعد في معرفة ذلك.
المسألة العاشرة: أوصاف للحديث تفيد القبول، لكنها ربما اندرجت تحت (الصحيح) أو تحت (الحسن)، وربما دلت على الضعف الصالح للاعتبار.
قولهم: (حديث ثابت " و (إسناد ثابت "، تدل على القبول: وهو إما صحيح وإما حسن.
وقولهم: (حديث معروف) ويقابل عندهم (المنكر)، وقد يعني كون الحديث صحيحاً أو حسناً أو في مرتبة ما يصلح للاعتبار، فلا يلزم منه القبول والاحتجاج .......
ويقولون: (حديث محفوظ) و (إسناد محفوظ) ويقابله (الشاذ)، وهذا لا يعني صحة الحديث أو حسنه، إنما هو حكم للراجح، وقد يكون الراجح ضعيفاً لذاته، كأن يختلف في إسناد وصلاً وإرسالا، فتكون الرواية المرسلة في المحفوظة، والمرسل ضعيفاً.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 901)
ويقولون: (حديث صالح)، و (إسناد صالح)، وهذا قد يرادف الحسن، وقد يكون أدنى منه، فيكون المراد أنه صالح للاعتبار لا للاحتجاج.
ويقول بعضهم: (إسناده وسط)، فهذا بمنزلة (صالح)، إلا إن دلت قرينة على إرادة الحسن.
ويقول بعض المتأخرين في بعض الأسانيد: (هذا إسناد محتمل للتحسين)، فهذا لا يعني ثبوت الرواية، بل هو بمنزلة القول: (هذا إسناد لين) أو (ليس بالقوي)، أو (ليس بذلك)، وهذه من أوصاف (الحديث الضعيف).
المسألة الحادية عشرة: استدلال العالم بحديث، هل يعني تصحيحه له؟
يفرق بين العلماء في هذا من جهة المعرفة بصحيح الحديث وسقيمه:
فإذا رأيت الفقيه الذي لا خبرة له بذلك يستدل بحديث، فهذا لا يحتج باستدلاله بذلك الحديث على كونه صحيحاً عنده، ولا يقنع حسن الظن في الجملة لتمشية مثل ذلك، فالواقع شاهد أن هذا الصنف من العلماء استدلوا بكثير من الحديث المردود.
أما إذا كان الفقيه محدثاً عارفاً بالصحيح والسقيم، فاستعماله لحديث أو استدلاله به حكم منه بصحته أو حسنه، لكن بشرط أن يكون ذلك الحديث هو الدليل الواحد عنده لتلك المسألة؛ إذ لو ضم إليه سواه فربما كان ذكره له على سبيل الاستشهاد والاستئناس، لا الاحتجاج، فتأمل!
* * *
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 902)
الباب الثاني
الحديث المردود
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 903)
مدخل
الحديث المردود من حيث الجملة، هو الحديث الضعيف.
وتعريفه: من الضعف المقابل للقوة.
والمراد به هنا: الحديث الذي فقد شرطاً فأكثر من شروط الحديث المقبول.
والضعف درجات عديدة: أدناها ما يكون بسبب الانقطاع، أو خطأ الراوي، وأشدها ما كان بكذبه .......
ويقال أيضاً: الضعف نوعان: ضعف يمكن جبره، وضعف لا ينجبر، على ما يأتي بيانه.
وعليه فتندرج تحته ألقاب كثيرة منقسمة في الجملة إلى قسمين بحسب ما يعود إليه سبب الضعف:
الأول: ما يرجع إلى عدم الاتصال، وتندرج تحته ألقاب للحديث الضعيف، هي:
المعلق، المنقطع، المعضل، المرسل، المدلس.
الثاني: ما يرجع إلى الجرح القادح في الراوي، وتندرج تحته عدة ألقاب، هي:
المجهول، اللين، المقلوب، المصحف، المدرج، الشاذ المعلل، المضطرب، المنكر، الموضوع.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 905)
وليس يخلو حديث ضعيف من أن يكون معللاً بواحد من هذه الأوصاف، وهي منبئة عن تفاوت الضعف، بين الضعف اليسير المحتمل، والشديد الذي لا ينجبر.
وإطلاق لقب (حديث ضعيف) صالح أن يكون لأي من السببين، وإن كان يوهم خفة الضعف أحياناً، فيشكل إطلاقه على (المنكر) و (الموضوع) مثلاً.
وتقدم ذكر (المعلق) ومعناه في شرح (الحديث الصحيح).
وسائر الألقاب يأتي بيانها في الفصلين التاليين.
* * *
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 906)
الفصل الأول
ألقاب الحديث الضعيف
بسبب عدم الاتصال
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 907)
المبحث الأول
الحديث المنقطع
معناه اللغوي يستوعب ما ليس باتصال، في أي محل كان ذلك في الإسناد، لكنه كلقب خاص في هذا العلم، ينبغي حصره في صورتين:
الصورة الأولى: حديث الراوي عمن لم يسمع منه، في أي موضع في الإسناد دون الصحابي، ويقع في محل أو أكثر.
وقال الحاكم: " أن يكون في الإسناد رواية راو لم يسمع من الذي يروي عنه الحديث، قبل الوصول إلى التابعي الذي هو موضع الإرسال " (1).
قلت: ولو قال: (قبل الوصول إلى الصحابي) لكان أصح.
وتعريف الحاكم على أي حال أولى من التعريف الذي ذكره الخطيب فقال: " هذه العبارة تستعمل غالباً في رواية من دون التابعي عن الصحابة " (2).
قلت: وهذا صحيح، لكنه قاصر، فصورة الانقطاع فيما بين تبع أتباع التابعين والتابعين مثلاً لا تندرج في هذا، وكذلك الانقطاع في طبقة دونها.--------------------------------------------
(1) معرفة علوم الحديث (ص: 28).
(2) الكفاية (ص: 58) .......
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 909)
فإن سقط راو فهو منقطع في موضع، وإن سقط أكثر من راو غير متواليين فهو منقطع في موضعين أو أكثر.
مثال سقط راو واحد من الإسناد:
ما أخرجه الإمام أبو داود (1)، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبان، حدثنا قتادة، قال: حدثني أبو مجلز، عن حذيفة:
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن من جلس وسط الحلقة.
أبان هو ابن يزيد العطار، ولم ينفرد بهذا الحديث عن قتادة، بل تابعه شعبة بن الحجاج، عند الإمام أحمد (2) وغيره.
وليس في رجال هذا الإسناد أحد غير ثقة، بل كلهم ثقات، والاتصال صريح فيه إلى أبي مجلز، واسمه لاحق بن حميد، أما بينه وبين حذيفة وهو ابن اليمان فليس بمتصل، فإن شعبة قال بعد روايته: " لم يدرك أبو مجلز حذيفة "، وحيث إن أبا مجلز هذا تابعي لقي بعض الصحابة، فإن أقصى ما يتصور من السقط بينه وبين حذيفة لا يعدو أن يكون رجلاً واحداً، هذا على اعتبار الأغلب.
هذه الصورة من الانقطاع كثيرة شائعة، خصوصاً فيما بين التابعين والصحابة الذين لم يسمعوا منهم.
مثال الانقطاع في موضعين:
قال الإمام الترمذي (3): حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا الحجاج بن أرطاة، عن يحيى بن أبي كثير، عن عروة، عن عائشة، قالت:
فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة، فخرجت فإذا هو بالبقيع، فقال: " أكنت--------------------------------------------
(1) في " سننه " (رقم: 4826).
(2) في " مسنده " (5/ 384، 398، 401).
(3) في " جامعه " (رقم: 739) .......
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 910)
تخافين أن يحيف الله عليك ورسوله؟ " قلت: يا رسول الله، إني ظننت أنك أتيت بعض نسائك، فقال: " إن الله عز وجل ينزل ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا، فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب ".
قال الترمذي: " حديث عائشة لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث الحجاج، وسمعت محمداً _ يعني البخاري _ يضعف هذا الحديث، وقال: يحيى بن أبي كثير لم يسمع من عروة، والحجاج بن أرطاة لم يسمع من يحيى بن أبي كثير ".
وهذا المثال وهو سقوط ما يزيد على راو سقطاً غير متوال قليل نادر الورود إذا قارنته بسقط واحد.
الصورة الثانية: أن يكون بدل السقط إبهام لراو، كأن يقال: (عن رجل) أو (عن شيخ).
فهذا وإن ذكر كواسطة، إلا أنها لإبهامها أشبهت الانقطاع؛ للتساوي في جهالة الراوي عيناً وحالاً، وصح اندراجها تحت مسمى (المنقطع) في التحقيق (1).
ويشبه هذه الصورة: الانقطاع في قول الراوي: (حدثت عن فلان) و (أخبرت عن فلان) وشبهه.
مثالها: قال أبو داود (2): حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا وهيب، عن سهيل، عن رجل، عن أبي هريرة:
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع كلمة فأعجبته، فقال: " أخذنا فألك من فيك ".
قلت: هذا إسناد منقطع بين سهيل، وهو ابن أبي صالح، وأبي هريرة.--------------------------------------------
(1) معرفة علوم الحديث (ص: 27).
(2) في " سننه " (رقم " 3917).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 911)
تنبيه:
تيقظ إلى أنك ربما وجدت في عبارة متقدم إطلاق لقب (المنقطع) يعني به (المقطوع) الذي هو الخبر عن التابعي لا يجاوزه، فقد ذكر ذلك الخطيب عن بعض أهل الحديث (1)، كما وجد في كلام بعضهم إطلاق (المقطوع) على (المنقطع)، وتبينه بالقرينة.
سبب إبهام الراوي:
وهذا المبهم وما في معناه ربما كان ثقة، وربما كان مجروحاً، لكن يقال: لو كان ثقة معلوم القدر والمنزلة مقبول الأمر عند من سمع بذكره لما أبهمه الراوي عنه، ففي تصرفه ما يشعر بكونه ليس بثقة.
قال الخطيب: " قل من يروي عن شيخ فلا يسميه، بل يكني عنه، إلا لضعفه وسوء حاله " (2).
وقال يحيى بن سعيد القطان: سمعت سفيان (يعني الثوري) يقول: حدثني من رأى إبراهيم يرفع يديه تحت الكساء في الصلاة. فجعلت أسأله عن اسم الرجل، فيمطلني به ثم قال لي يوماً حين أضجرته: حدثني أبو الصباح سليمان بن قسيم. قال يحيى: وأخطأ في اسمه، يريد سليمان بن يسير. قال يحيى: وإنما مطلني به؛ لأنه قد علم أني لا أرضاه (3).
قلت: وربما كان المبهم من المتروكين الهلكى.
كما قال علي بن المديني: " كل ما في كتاب ابن جريج: أخبرت عن داود بن الحصين، وأخبرت عن صالح مولى التوأمة، فهو من كتب إبراهيم بن أبي يحيى " (4).--------------------------------------------
(1) الكفاية (ص: 59).
(2) الكفاية (ص: 532) .......
(3) أخرجه عبد الله بن أحمد في " العلل (النص: 4973) وإسناده صحيح إلى يحيى بن سعيد.
(4) أخرجه الحاكم في " معرفة علوم الحديث " (ص: 107) وإسناده صحيح.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 912)
قلت: وإبراهيم هذا متروك ليس بثقة.
نعم، ربما أبهم الراوي شيخه لكونه حدث عنه في حياته، أو لكونه من أقرانه أو أصغر منه، كما في أسباب التدليس.
حدث أبو إسحاق الفزاري بحديث فقال فيه: عن رجل من أهل الشام، عن أبي عثمان، عن أبي خداش، فقال أبو حاتم الرازي: " هذا الرجل من أهل الشام هو عندي بقية، وأبو عثمان هو عندي حريز بن عثمان "، وقال في سبب إبهام بقية: " وإنما لم يسمه أبو إسحاق؛ لأنه كان حيا في ذلك الوقت " (1).
قلت: كانا قرينين، ومات أبو إسحاق قبل بقية.
كيف يثبت الانقطاع؟
الصورة الثانية من الانقطاع ظاهرة، فإبهام راو في الإسناد علامة صريحة فيه.
وإنما تحتاج الصورة الأولى إلى طريق تميز بها، وجملة الطرق التي يستعان بها لمعرفة ذلك خمسة:
الأول: التنصيص على عدم السماع.
ويقع:
تارة من الراوي نفسه، وهو قليل، كقول عمرو بن مرة: قلت لأبي عبيدة (يعني ابن عبد الله بن مسعود): تذكر من أبيك شيئاً؟ قال: " لا " (2).--------------------------------------------
(1) نقله ابنه في " علل الحديث " (رقم: 965).
(2) أخرجه أحمد في " العلل " (النص: 456) وابن أبي حاتم في " المراسيل " (ص: 256) وإسناده صحيح.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 913)
وتارة بتنصيص من روى عنه من الثقات، وهو قليل أيضاً، كقول عبد الملك بن ميسرة: " الضحاك لم يسمع من ابن عباس " (1).
ومثل ما وقع من سليمان التيمي حين حدث عن أبي مجلز، عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في الركعة الأولى من صلاة الظهر، فرأى أصحابه أنه قد قرأ (تنزيل السجدة)، قال سليمان: " ولم أسمعه من أبي مجلز " (2).
وتارة بتنصيص الناقد العارف، بناء على الاستقراء والنظر، على عدم الإدراك، أو اللقاء، أو السماع، بقوله مثلاً: (فلان لم يدرك فلاناً، لم يلق فلاناً، لم يسمع فلاناً، عن فلان مرسل).
كقول علي بن المديني: " لم يسمع أبو قلابة من هشام بن عامر، وروى عنه، ولم يسمع من سمرة بن جندب " (3).
وهذا كثير، واعتنى به أئمة الجرح والتعديل، وفيه كتب مصنفة، من أنفعها: " المراسيل " لابن أبي حاتم الرازي، و" جامع التحصيل في أحكام المراسيل " للحافظ صلاح الدين العلائي، كما يوجد ذكر ذلك في كتب تراجم الرجال.
وقد يختلف فيه بين النقاد، فيحرر الراجح بأصوله.
والثانية: معرفة التاريخ.
والمقصود تمييز تاريخ وفاة الشيخ، ومولد التلميذ، فإن كان التلميذ لم يولد بعد يوم مات الشيخ، أو كان صغيراً في سن لا يحتمل السماع، فهو انقطاع.
وهذا طريق سلكه النقاد الكبار في معرفة الاتصال والانقطاع في الأسانيد، واستدلوا به كثيرا ً.--------------------------------------------
(1) أخرجه ابن أبي حاتم في " المراسيل " (ص: 95) وإسناده صحيح .......
(2) أخرجه أحمد في " مسنده " (رقم: 5556).
(3) أخرجه ابن أبي حاتم في " المراسيل " (ص: 109) وإسناده صحيح.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 914)