((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)) وقوله: ((لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل)) ذهب قوم إلى أنه مجمل ثم اختلفوا في سبب إجماله على أقوال:
أحدها: أنه ليس المراد نفي الوقوع، فإن وقوعها مشاهد ولم يعلم المراد منها فكانت مجملة.
ثانيها: أنها مترددة بين نفي الجواز ونفي الكمال.
الثالث: أنها ظاهرة في نفي الوجوب ونفي الحكم فسارت مجملة، وقال الجمهور: لا إجمال فيها وهو مبني على ثبوت الحقائق الشرعية وتقديمها على اللغوية واختصاصها بالصحيح، والحقائق الشرعية الصحيحة منتفية في هذه الصورة لانتفاء جزئها أو شرطها.
الخامسة: قوله عليه الصلاة والسلام: ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان)) ذهب البصريان أبو الحسين وأبو عبد الله إلى أنه مجمل وقال الجمهور: لا إجمال فيه، بل معناه نفي المؤاخذة والعقاب، لكن هل هو بالعرف أو اللغة؟ جزم ابن الحاجب بالأول وابن السمعاني بالثاني.
وقال الشارح: نفى المصنف في باب العموم أن يكون هذا عاما حيث قال: (لا المقتضى) وهنا نفى أن يكون مجملا، وهو في الاضطراب متابع لابن الحاجب.
قلت: لا اضطراب في ذلك فلا عموم فيه، ولا إجمال وإنما معناه رفع شيء مخصوص وهو العقاب بدليل اقتضى ذلك، والله أعلم.
وقول المصنف: (خالف قوم) أي في جميع ما تقدم كما أوضحناه.
ص: إنما الإجمال في مثل القرء والنور والجسم ومثل المختار
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 355)
لتردده بين الفاعل والمفعول وقوله تعالى: {أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح} {إلا ما يتلى عليكم} {وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به} وقوله عليه السلام: ((لا يمنع أحدكم جاره أن يضع خشبة في جداره)) وقولك: زيد طبيب ماهر الثلاثة زوج وفرد.
ش: ذكر في هذه الجملة أمثلة للمجمل، والإجمال تارة يكون في المفرد وتارة في/ (83/أ/د) المركب، فالأول قد يكون لوضع اللفظ لكل منهما كالقرء، فإنه وضع في اللغة للطهر وللحيض، ولهذا جعل الشافعي العدة بالأطهار وأبو حنيفة بالحيض، وقد يكون لصلاحيته لمتماثلين كالنور للعقل ونور الشمس وغيرها، والجسم للسماء والأرض وغيرهما، وقد يكون لصلاحيته للفاعل والمفعول، كالمختار تقول: اخترت فلانا، فأنا مختار، وهو مختار، قال العسكرى: ويتميز بحرف الجر فتقول في الفاعل: مختار لكذا،/ (101ب/م) وفي المفعول: مختار من كذا ثم ذكر للثاني أمثلة:
أحدها: قوله تعالى: {أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح} فإنه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 356)
محتمل للزوج والولي، وقد حمله الشافعي على الأول ومالك على الثاني كذا ذكره ابن الحاجب من المجمل ولا إجمال فيه عندنا، لقيام الدليل على أن المراد به الزوج، وذلك مبسوط في موضعه.
ثانيهما: قوله تعالى: {أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم} فهو مجمل لكونه دخله استثناء لمجهول، والمجهول إذا أخرج من المعلوم صار الجميع مجهولا.
ثالثها: قوله تعالى: {وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم} فإن الواو فيه مترددة بين العطف والقطع ولهذا اختلفوا في أن الوقف على قوله: {إلا الله} أم لا؟ وقد سبق ذلك، وأن الأصح أنه لا إجمال فيه.
رابعها: قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا يمنع أحدكم جاره أن يضع خشبة في جداره)) فقد وقع التردد في مرجع الضمير في قوله: (جداره) هل يعود على صاحب الخشبة، لأنه أقرب مذكور أو على الجار ويوافق الأول منع الشافعي في الجديد إجبار الجار على وضع جذوع جاره على جداره.
خامسها: قول القائل: زيد طبيب ماهر، قد ترجع المهارة إلى الصنعة وهي الطب وإلى الموصوف وهو زيد، فتكون مهارته في غير الطب.
سادسها: قول القائل: الثلاثة زوج وفرد، متردد من حيث اللفظ بين أن يكون المراد أن مجموع أجزائه زوج وفرد، وأن يكون المراد أنه موصوف
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 357)
بالزوجية والفردية، وإن كان الواقع هو الأول لصدق اللفظ، ولو حمل على الثاني لكان كذبا، وفي عد هذا من المجمل نظر لا يخفى.
ص: والأصح وقوعه في الكتاب والسنة.
ش: المخالف في وقوع المجمل في القرآن والسنة داود الظاهري، قال الصيرفي: لا أعلم قال به غيره، والحجة عليه ما سبق من الآيات والأحاديث.
ص: وأن المسمى الشرعي أوضح من اللغوي/ (83/ب/د) وقد تقدم فإن تعذر حقيقة فيرد إليه بتجوز أو مجمل أو يحمل على اللغوي أقوال.
ش: لما كان المسمى الشرعي أوضح من اللغوي قدم عليه، فيحمل اللفظ على مدلوله الشرعي، إلا أن يقوم دليل على إرادة اللغوي، وقد تقدم ذلك في فصل الحقيقة والمجاز.
فإن تعذرت الحقيقة الشرعية فهل يرد إليها بتجوز أو يحمل على الحقيقة اللغوية أو يجعل مجملا؟ فيه أقوال، أصحها/ (102/أ/م) الأول، ومثاله قوله عليه الصلاة والسلام: ((الطواف بالبيت صلاة)) فإنه ليست فيه حقيقة الصلاة الشرعية فكان مجازا، والمراد أن حكمه حكم الصلاة في الطهارة وستر العورة، ويدل لذلك قوله في بقية الحديث: ((إلا أن الله أحل فيه الكلام)) فدل على أن المراد كونه صلاة في الحكم إلا ما استثني لا في الحقيقة.
ومن حمله على اللغوي قال: الصلاة هنا بمعنى الدعاء، ومن قال بالإجمال فللتردد بينهما أي بين المجاز الشرعي والحقيقة اللغوية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 358)
ص: والمختار أن اللفظ المستعمل لمعنى تارة ولمعنيين ليس ذلك المعنى أحدهما مجمل فإن كان أحدهما فيعمل به ويوقف الآخر؟
ش: إذا ورد من الشارع لفظ له استعمالان أحدهما لمعنى واحد، والثاني لمعنيين ففيه مذهبان:
أحدهما – وهو المختار: أنه مجمل إذا لم تقم قرينة على المراد.
والثاني – واختاره الآمدي: أنه يحمل على ما يفيد معنيين كما لو دار بين ما يفيد وما لا يفيد، وأطلق الغزالي وغيره المسألة، وقيدها المصنف بما إذا لم يكن ذلك المعنى المنفرد أحد ذينك المعنيين، فإن كان أحدهما عمل به قطعا لأنه إن كان هو تمام المراد باللفظ فلا إشكال، وإلا فهو أحد المرادين ويوقف الآخر عن العمل به، فإنه محل نظر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 359)
البيان والمبين
ص: البيان، إخراج الشيء من خيز الإشكال إلى حيز التجلي وإنما يجب لمن أريد فهمه اتفاقا.
ش: هذا التعريف للبيان حكاه ابن السمعاني وغيره عن أبي بكر الصيرفي، وزاد عنه إمام الحرمين وابن الحاجب: (والوضوح) وأورد عليه القاضي أنه يخرج عنه البيان ابتداء وهو الظاهر من غير سبق إجمال، وأورد عليه إمام الحرمين، أن لفظ الحيز مجاز، ودخوله في التعريف ممتنع، وأجاب المصنف عن الأول بمنع تسمية الواضح ابتداء بيانا، وعن الثاني بأن المجاز الظاهر يجوز دخوله، وإلا لم يسلم لهم تعريف، فلذلك تبعه المصنف فيه واتفقوا على أنه/ (84أ/د) لا يجب بيان المجمل إلا لمن أريد منه الفهم إما للعمل كالصلاة/ أو للإفتاء كأحكام الحيض في حق الرجال، فالمراد فهمهم/ (102ب/م) لها ليفتوا بها النساء، وكأنه أريد بالواجب هنا ما لا بد منه، فإن الله تعالى لا يجب عليه شيء.
ص: والأصح أنه قد يكون بالفعل وأن المظنون يبين المعلوم وأن المتقدم، وإن جهلنا عينه من القول والفعل هو البيان وإن لم يتفق البيانان كما لو طاف بعد الحج طوافين، وأمر بواحد فالقول وفعله ندب أو واجب متقدما أو متأخرا وقال أبو الحسين المتقدم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 360)
ش: فيه مسائل:
الأولى: يجوز البيان بالقول إما من الكتاب أو السنة اتفاقا، واختلف في البيان بالفعل والأصح جوازه، كصلاة النبي صلى الله عليه وسلم وحجه فإنهما مبينان لقوله تعالى: {وأقيموا الصلاة} {ولله على الناس حج البيت لمن استطاع إليه سبيلا} ومن منع قال: الفعل يطول فيتأخر به البيان مع إمكان تعجيله.
قال القاضي في (التقريب): فلو قال: القصد بما كلفتم بهذه الآية ما أفعله ثم فعل فعلا فلا خلاف أنه يكون بيانا.
الثانية: إذا كان المجمل معلوما فهل يجوز أن يكون المبين له مظنونا؟ فيه مذاهب:
الأول: الجواز، حكاه القاضي أبو بكر عن الجمهور واختاره هو والإمام فخر الدين.
الثاني: أن البيان يجب أن يكون أقوى دلالة من المبين، واختاره ابن الحاجب.
الثالث: أنه يجوز أن يكون مساويا، وبه قال الكرخي.
الرابع: إن عم وجوبه سائر المكلفين كالصلاة ونحوها وجب أن يكون بيانه معلوما متواترا، وإن لم تعم به البلوى، واختص العلماء بمعرفته كنصاب السرقة وأحكام المكاتب قبل في بيانه خبر الواحد، حكاه القاضي أبو بكر عن العراقيين.
الثالثة: إذا ورد بعد المجمل قول وفعل فلهما حالتان:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 361)
إحداهما: أن يتفقا في الحكم فالبيان هو المتقدم منهما.
والثاني: تأكيد له، فإن علم عينه فذاك وإلا فهو المبين مع الجهل به في الصحيح.
وقال الآمدي: الأشبه مع الجهل تقدير المرجوح سابقا فيكون هو المبين والثاني تأكيد له، لئلا يلزم من عكسه تأكيد الراجح بالمرجوح، وهو ممتنع.
الثانية: أن يختلفا في الحكم كما لو طاف عليه الصلاة والسلام بعد الحج طوافين وأمر بواحد، فالصحيح أن البيان بالقول، ويحمل فعله على أنه من خصائصه إما مندوب أو واجب، ولا فرق بين أن يتقدم القول أو الفعل.
وقال أبو الحسين البصري: البيان هو المتقدم منهما، قولا كان أو فعلا كما لو اتفقا./ (103/أ/م).
ص: مسألة:/ (84/ب/د) تأخير البيان عن وقت الفعل غير واقع، وإن جاز وإلى وقته واقع عند الجمهور سواء كان للمبين ظاهر أم لا، وثالثها: يمتنع في غير المجمل، وهو ما له ظاهر، ورابعها: يمتنع تأخير البيان الإجمالي فيما له ظاهر بخلاف المشترك والمتواطئ، وخامسها: في غير النسخ، وقيل: يجوز تأخير النسخ اتفاقا، وسادسها: لا يجوز تأخير بعض دون بعض، وعلى المنع المختار أنه يجوز للرسول صلى الله عليه وسلم تأخير التبليغ إلى الحاجة وأنه يجوز أن لا يعلم الموجود بالمخصص ولا بأنه مخصص.
ش: تأخير البيان عن وقت احتياج المكلف إليه وهو وقت الفعل، أطلق
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 362)
أكثر أهل الأصول أنه ممتنع، وعللوه بأنه تكليف بما لا يطاق، ومقتضاه أنه يجري فيه الخلاف في تكليف ما لا يطاق، وبه صرح في (المحصول) فعلى هذا يكون الأرجح جوازه، وإن كان لم يقع، وكذلك عبر به المصنف، وعدل عن تعبير غيره بوقت الحاجة إلى وقت الفعل، فإن الأستاذ أبا إسحاق قال: هي عبارة تليق بمذهب المعتزلة القائلين بأن للمؤمنين حاجة إلى التكليف.
قلت: لا يلزم من هذه العبارة القول بمذهب المعتزلة هذا، فإنه لا يتوقف على الحاجة إلى التكليف، بل على حاجة المكلف إلى بيان ما كلف به.
تنبيه:
صرح القاضي أبو بكر بأن المراد تأخير البيان عن وقت جواز الشروع في الفعل، ومقتضاه/ أن تأخير بيان صلاة الظهر عن وقت الزوال تأخير البيان عن وقت الحاجة، وعلى هذا يشكل تعليلهم المنع بأنه تكليف بما لا يطاق، لأنه إذا بين له في نصف الوقت فقد أخر عن الزوال، ولم يلزم عليه تكليف ما لا يطاق، وأما تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الفعل ففيه مذاهب:
أصحها – وبه قال الجمهور: أنه جائز، وواقع، سواء أكان للمبين ظاهر كتأخير بيان التخصيص ومدة النسخ أو لا.
الثاني: أنه ممتنع وهو قول المعتزلة كما حكاه القاضي أبو بكر عنهم، وبه قال أبو إسحاق المروزي من أصحابنا.
الثالث: أنه يمتنع في غير المجمل وهو ماله ظاهر للإلباس ويجوز فيما لا ظاهر له أنه لا يحصل فيه تجهيل، وبه قال/ (103/ب/م) الكرخي، وحكى الإبياري في (شرح البرهان) قولا بعكسه، وعلله بأن للعام فائدة في الجملة بخلاف المجمل.
الرابع: أنه يمتنع تأخير البيان الإجمالي فيما له ظاهر، مثل أن يقول:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 363)
هذا العموم مخصوص، وهذا المطلق مقيد، ويجوز تأخير البيان التفصيلي أما ما ليس له ظاهر يعمل به كالمشترك فيجوز تأخير بيانه/ (85/أ/د) مطلقا، وبه قال أبو الحسين البصري.
الخامس: أنه يمتنع في غير النسخ، ويجوز فيه وهو قول الجبائي، ومقتضاه أن النسخ من محل الخلاف، لكن قال بعضهم: إنه يجوز تأخير النسخ اتفاقا، وهو مقتضى كلام القاضي أبي بكر وإمام الحرمين والغزالي.
السادس: أنه يمتنع إبداء بعض، وتأخير بعض لئلا يعتقد المكلف بإظهار البعض أن لا إشكال بعده، بخلاف تأخير بيان الكل، فإنه جائز، وإذا فرعنا على امتناع تأخير البيان فهنا مسألتان:
إحداهما: المختار أنه يجوز للرسول صلى الله عليه وسلم تأخير تبليغ الحكم إلى وقت الحاجة، فإن معرفته إنما هي لوجوب العمل، ولا عمل قبل الوقف، وقيل: تجب المبادرة، وكلام الإمام فخر الدين والآمدي وابن الحاجب يقتضي أن الخلاف في غير القرآن، أما القرآن فيجب تبليغه على الفور قطعا، واستشكل الفرق.
الثانية: يجوز أن لا يعلم المكلف الموجود بالمخصص – بكسر الصاد – بل يجوز إسماعه العام المخصوص بدون مخصصه، خلافا للجبائي فإنه منعه في المخصص السمعي دون العقلي وخرج (بالموجود) من ليس موجودا حالة ورود التخصيص فلا يشترك إسماعه بلا خلاف، لعدم إمكانه، هذا مقتضى عبارة المصنف وشرحه عليه شارحه لكن الذي تقتضيه عبارة ابن الحاجب أن المراد المخصص الموجود أي الذي ورد مع ورود العام المخصوص للاحتراز عن مخصص لم يرد، فيكون الوجود صفة للدليل المخصص لا المكلف، وعليه شرحوه، فكلام المصنف مخالف له في التقرير، وعلى كل حال، فأي فرق بين هذه المسألة وبين المذكورة قبلها وهي تأخير التبليغ يحتاج ذلك إلى تأمل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 364)
وقوله: (ولا بأنه مخصص) أي ولا بأن العام مخصص بفتح الصاد أي دخله تخصيص، فكأن المراد أنه لا يجب إعلامه بتعين المخصص الوارد على الرسول، ولا بأن ذلك العام مخصوص، فلا يجب الإعلام لا على التفصيل ولا على الجملة، والمراد قبل وقت العمل، فكأن القائل بالمنع اكتفى بإعلام الرسول بذلك، وإن لم يعلم به المكلفين،/ (104/أ/م).
ولعل فرق ما بين هذه المسألة والتي قبلها فرق ما بين العام والخاص فالأولى في مطلق التبليغ، وإن لم يكن بيانا لمجمل، وقوله تعالى: {يا أيها الرسول بلغ} لا يدل على الفور، والثانية: في بيان المجمل.
وقال الشارح في قوله: (ولا بأنه مخصص) هذا العطف يقتضي طرد الخلاف السابق هنا، وليس كذلك، بل الجميع كما قال القاضي (85/ب/د) على جواز أن يسمع الله المكلف العام من غير أن يعلمه أن في العقل ما يخصصه، ولعله أراد المخصص السمعي. انتهى.
ص: النسخ: اختلف في أنه رفع أو بيان والمختار رفع الحكم الشرعي بخطاب فلا نسخ بالعقل وقول الإمام من سقط رجلاه/نسخ غسلهما مدخول ولا بالإجماع ومخالفتهم تتضمن ناسخا.
ش: النسخ يطلق في اللغة على الإزالة، وعلى النقل، فقيل: مشترك بينهما، وقيل: حقيقة في الأول، وقيل: في الثاني.
وأما في الاصطلاح فاختلف في أنه رفع أو بيان، فقال بالأول القاضي أبو بكر وطائفة، وبالثاني الأستاذ أبو إسحاق وطائفة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 365)
ومعنى الأول: أن المزيل لحكم الأول هو الناسخ إذ لولا وروده لاستمر
ومعني الثاني: أنه انتهى بذاته، ثم حصل بعده حكم، لأنه عند الله مغيا بغاية معلومة.
فالناسخ بيان لها، واختار المصنف الأول، وارتضى في تعريفه أنه رفع الحكم الشرعي بخطاب، فخرج بالحكم الشرعي رفع البراءة الأصلية، كتحريم، أو إيجاب ما هو على البراءة الأصلية، لم يرد فيه قبل ذلك حكم، فإنه لا يسمى نسخا.
وتناول قوله: (بخطاب) اللفظ والمفهوم، وأورد عليه النسخ بالفعل كنسخ الوضوء مما مست النار بأكل الشاة ولم يتوضأ وأجيب عنه بأن الفعل نفسه لا ينسخ وإنما يدل على نسخ سابق وخرج به الرفع بالنوم أو الغفلة أو الجنون أو الموت، وعلم من ذلك أنه لا نسخ بالعقل فمن سقطت عنه العبادة لعجزه عنها لا يقال: إنها نسخت في حقه، ومن ذلك رد على الإمام فخر الدين في قوله في (المحصول): إن من سقطت رجلاه فقد نسخ عنه غسلهما، لأن زوال الحكم لزوال محله أو سببه ليس نسخا، وكذلك الإجماع لا ينسخ به، لأنه لا ينعقد في زمنه عليه الصلاة والسلام، ولا نسخ بعده، فإن أجمعوا على مخالفة نص فهو دال على ناسخ سواه، فالنسخ بدليله لا به، وعلى هذا يحمل قول الشافعي: إن النسخ كما يثبت بالخبر يثبت بالإجماع، وقد كان المصنف رحمه الله تعالى ذكر هذا في التخصيص/ (104/أ/م) ثم ضرب عليه هناك وألحقه هنا فإنه محله.
ص: ويجوز على الصحيح نسخ بعض القرآن تلاوة وحكما أو أحدهما فقط.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 366)
ش: خرج بالبعض الجميع، فلا يجوز نسخ جميع القرآن بالاتفاق ومثال نسخ التلاوة والحكم ما في (صحيح مسلم) عن عائشة رضي الله عنها: (كان فيما أنزل عشر رضعات معلومات يحرمن فنسخن بخمس) ومثال نسخ التلاوة دون الحكم: (الشيخ/ (86/أ/د) والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة) كان في القرآن كما رواه النسائي.
والمراد بالشيخ والشيخة المحصن والمحصنة، ومثال عكسه نسخ عدة الوفاة بالحول المدلول عليه بقوله تعالى: {متاعا إلى الحول غير إخراج} بقوله تعالى: {يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} والمعروف أن الخلاف في نسخ أحدهما فقط، وعبارة المصنف تبعا لابن الحاجب تقتضي جريانه في نسخهما معا لكنه قال في شرحه: الخلاف في نسخهما معا لا يتجه إلا ممن يمنع نسخ القرآن من حيث هو، والمقصود بهذا الخلاف الخاص إنما هو نسخ التلاوة دون الحكم وبالعكس وإنما ذكروا نسخهما لضرورة التقسيم، وإن كان لا يخالف فيه أحد ممن يجوز وقوع النسخ في القرآن.
قلت: والمانع من وقوع النسخ في بعض القرآن مطلقا هو أبو مسلم الأصفهاني، وذكر ابن التلمساني في شرح (المعالم) أنه الجاحظ، وفيه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 367)
نظر، فليست كنية الجاحظ أبا مسلم بل أبو عثمان، وأبو مسلم شخص آخر من المعتزلة معروف.
ص: ونسخ الفعل قبل التمكن.
ش: الجمهور على أنه يجوز نسخ الشيء بعد وجوبه أو ندبه قبل التمكن من فعله، سواء أكان قبل مجيء وقته أو بعده، ولكن لم يمض منه ما يمكن فعله فيه، وخالف في ذلك المعتزلة وبعض الحنفية والحنابلة فأما نسخه بعد خروج وقته بلا عمل فمتفق على جوازه وكذلك في الوقت بعد مضي زمن يسعه كما صرح بنفي الخلاف فيه ابن برهان وإمام الحرمين والغزالي، لكن مقتضى كلام ابن الحاجب في أثناء الخلاف جريان الخلاف فيه، وحكى الصفي الهندي المنع في هذه الصورة عن الكرخي.
ص: والنسخ بالقرآن لقرآن وسنة وبالسنة للقرآن وقيل يمتنع بالآحاد والحق لم يقع إلا بالمتواترة قال الشافعي وحيث وقع بالسنة فمعها/قرآن أو بالقرآن فمعه سنة عاضدة له تبين توافق/ (105/أ/م) الكتاب والسنة.
ش: فيه مسائل:
الأولى: يجوز نسخ القرآن بالقرآن إجماعا، كما تقدم في عدتي الوفاة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 368)
الثانية: يجوز نسخ السنة بالقرآن كالتوجه لبيت المقدس إذا قلنا إنه كان ثابتا بالسنة، فإنه نسخ بالقرآن، وكذا مباشرة الصائم ليلا حرمت بالسنة ثم نسخ تحريمها بالقرآن، والمشهور عن الشافعي منعه، ونسبه الرافعي لاختيار أكثر أصحابنا.
الثالثة: نسخ القرآن بالسنة له صورتان.
إحداهما: أن تكون متواترة، والمشهور جواز وقوعه ومنعه الشافعي.
والمشهور عنه الجزم بمنعه، كذا نقله إمام الحرمين والآمدي وابن الحاجب والنووي وغيرهم.
وذكر البيضاوي أن له في ذلك قولين،/ (86/ب/د) والظاهر أنه إنما نفى الوقوع فقط.
الثانية: أن تكون آحادا والمشهور جوازه عقلا، وحكى الآمدي وغيره الاتفاق عليه، لكن الخلاف ثابت، نقله القاضي أبو بكر وغيره، والمشهور عدم وقوعه، وحكى إمام الحرمين عليه إجماع الأمة لكن مخالفة بعض الظاهرية في هذا مشهورة وكأنه ما اعتد بخلافهم لكن ذهب القاضي أبو بكر والغزالي إلى وقوعه في زمنه عليه الصلاة والسلام دون ما بعده، ثم قال الشافعي: (حيث وقع نسخ القرآن بالسنة فلا بد أن يكون مع السنة قرآن يعضدها على النسخ، وحيث وقع نسخ السنة بالقرآن فلا بد أن يكون مع القرآن سنة موافقة له على النسخ) وعبارته في (الرسالة): (فإن قيل: فهل تنسخ السنة بالقرآن؟. قيل: لو نسخت السنة بالقرآن كانت للنبي صلى الله عليه وسلم فيه سنة تبين أن سنته الأولى منسوخة بسنته الأخيرة حتى تقوم الحجة على الناس بأن الشيء ينسخ بمثله) انتهى.
وفائدته في الصورة الأولى الاطلاع على عظمة النبي صلى الله عليه وسلم في نسخ القرآن بسنته، وفي عكسه، انتقال الناس من سنة إلى سنة لما يترتب عليه من الأجر العظيم، لأن من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 369)
ص: وبالقياس وثالثها: إن كان جليا، والرابع: إن كان في زمنه عليه والسلام والعلة منصوصة.
ش: هل يجوز النسخ بالقياس، كأن يرد نص بإباحة بيع الأرز بالأرز متفاضلا لم يرد جريان الربا في السنة المنصوصة فتنسخ الإباحة/ (105/ب/م) المتقدمة بالقياس على السنة المنصوصة؟ فيه مذاهب:
أحدها: الجواز مطلقا، وكلام المصنف يقتضي ترجيحه.
الثاني: المنع مطلقا، وبه قال الأكثرون كما حكاه القاضي أبو بكر واختاره، وحكاه أبو إسحاق المروزي عن نص الشافعي وقال القاضي حسين: إنه المذهب.
الثالث: أنه يجوز بالقياس الجلي دون غيره.
الرابع: يجوز إن كان في زمنه عليه الصلاة والسلام، وكانت علته منصوصة وإلا فلا، واختاره الآمدي وجعل الصفي الهندي المنع بعد وفاته عليه الصلاة والسلام محل وفاق.
تنبيه:
أورد على المصنف أنه كيف يجتمع تجويزه هذا مع قوله تبعا لغيره في القياس على المستنبطة أن لا تكون معارضة في الأصل بمعارض. فإذا كانت المعارضة تقطعها عن العمل فقياس المستنبطة ملغى عند المعارضة فلا يكون ناسخا.
وأجاب عنه المصنف بأنا لم نقل: إن القياس ينسخ، وإن كانت علته مستنبطة بل أطلقنا أنه ناسخ وإنما يكون ناسخا/ (87/أ/د) إذا كان معتبرا، وإنما يعتبر إذا سلمت علته عن المعارضة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 370)
قلت: إطلاقه أولا النسخ بالقياس ثم تفصيله في القول الرابع بين أن يكون علته منصوصة أم لا، يدل على اختياره النسخ بالقياس ولو كانت علته مستنبطة والله أعلم.
ص: ونسخ القياس في زمنه عليه الصلاة والسلام وشرط ناسخه إن كان قياسا أن يكون أجلى، وفاقا للإمام، وخلافا للآمدي.
ش: الجمهور على جواز نسخ القياس لكن بشرط أن يكون ذلك في زمنه عليه الصلاة والسلام لاستحالته بعده، ثم قد يكون ناسخه نصا كأن يقول: حرمت المفاضلة في البر لأنه مطعوم فيقاس عليه الأرز فنقول بعد ذلك: بيعوا الأرز بالأرز متفاضلا، وقد يكون قياسا بأن ينص على حكم آخر على ضد حكم أصل ذلك القياس.
واشترط/الإمام فخر الدين فيما إذا كان قياسا أن يكون الثاني أجلى بأن يترجح أمارته على أمارة الأول، ووافقه المصنف – ولم يتشرط الآمدي ذلك – ومنع القاضي عبد الجبار وغيره نسخ القياس لأنه مستنبط من أصل، فحكم الفرع باق ببقاء حكم الأصل، واختار الآمدي مذهبا ثالثا، وهو الجواز فيما علته منصوصة والمنع في المستنبطة.
ص: ويجوز نسخ الفحوى دون أصله/ (106/أ/م) كعكسه على الصحيح والنسخ به والأكثر أن نسخ أحدهما يستلزم الآخر.
ش: فيه مسائل:
الأولى: يجوز نسخ الفحوى دون أصله، كنسخ الضرب دون التأفيف، وعكسه كنسخ التأفيف دون الضرب كالنصين ينسخ أحدهما مع بقاء الآخر.
وحكى ابن السمعاني في الأولى الجواز عن أكثر المتكلمين، والمنع عن أكثر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 371)
الفقهاء ويتحصل في الصورتين ثلاثة أقوال، ثالثها: منع الأولى، وجواز الثانية وعليه ابن الحاجب.
الثانية: يجوز النسخ بالفحوى، وادعى الإمام والآمدي الاتفاق فيه، لكن نقل فيه الشيخ أبو إسحاق في (شرح اللمع) خلافا بناء على أنه قياس، وأن القياس لا ينسخ به، وحكى ابن السمعاني المنع عن الشافعي.
الثالثة: هل يلزم من نسخ الأصل نسخ الفحوى وعكسه؟ فيه مذاهب: أحدها وبه قال الأكثرون: نعم واختاره البيضاوي لتلازمهما.
والثاني: المنع.
والثالث: أن نسخ الأصل يستلزم نسخ الفحوى، لأنها تابعة فلا تبقى بدون متبوعها بخلاف عكسه.
وقال ابن برهان في (الأوسط): إنه المذهب.
فإن قلت: ما الفرق بين هذه المسألة والأولى؟
قلت: لعل تلك فيما إذا نص مع نسخ أحدهما على بقاء الآخر وهذه عند/ (87/ب/: د) الإطلاق. والله أعلم.
ص: ونسخ المخالفة وإن تجردت عن أصلها لا الأصل دونها في الأظهر ولا النسخ بها.
ش: فيه مسائل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 372)
الأولى: يجوز نسخ مفهوم المخالفة سواء نسخ الأصل أم لا، ومثال نسخها بدون المنطوق نسخ مفهوم قوله عليه الصلاة والسلام: ((إنما الماء من الماء)) بقوله: ((إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل)) مع بقاء منطوقه، وهو وجوب الغسل من الإنزال.
الثانية: في نسخ الأصل بدون مفهوم المخالفة احتمالان للصفي الهندي وقال: إن أظهرهما أنه لا يجوز، قال: وليس المعنى فيه أنه يرتفع العدم، ويحصل الحكم الثبوتي، بل المعنى فيه أنه يرتفع العدم الذي كان شرعيا ويرجع إلى ما كان عليه من قبل.
الثالثة: لا يجوز النسخ بمفهوم المخالفة، قاله ابن السمعاني، لكن قال الشيخ أبو إسحاق في اللمع بعد حكايته وجها: المذهب الصحيح جوازه.
ص: ونسخ الإنشاء ولو بلفظ القضاء أو الخبر أو قيد بالتأبيد، وغيره مثل صوموا أبدا صوموا حتما، وكذا الصوم واجب مستمر أبدا إذا قاله إنشاء خلافا لابن الحاجب.
ش: هذا معطوف على الإثبات/ (106ب/م) والمتقدم وليس معطوفا على المنفي قبله، وحاصله أن الإجماع منعقد على نسخ الإنشاء في الجملة ولكن اختلف في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 373)
صور منها:
إحداها: أن يكون بلفظ (قضى بكذا وكذا) فقال بعضهم: لا يجوز نسخه، لأن لفظ القضاء إنما يستعمل فيما لا يتغير حكمه.
قال الشارح: وهذا القول غريب لا يعرف في كتب الأصول، إنما أخذه المصنف من كتب التفسير.
الثانية: أن يكون بصيغة الخبر نحو: {والوالدات يرضعن أولادهن}. فقال الجمهور: يجوز نسخه باعتبار معناه.
وقال أبو بكر الدقاق: يمتنع باعتبار لفظه.
الثالثة: أن يقيد بالتأبيد جملة فعلية كقوله: صوموا أبدا وغيره، مما هو في معناه كقوله: صوموا حتما، فقال بعض المتكلمين: يمتنع نسخه لئلا يؤدي إلى البداء، وجوزه الجمهور كما يقال: لازم غريمك أبدا، والمراد: إلى أن يقضيك، والمراد هنا إلى وقت النسخ، وحكاه ابن برهان عن المعظم، وقال: القصد به المبالغة لا الدوام.
الرابعة: أن يقيد بالتأبيد جملة اسمية كقوله: الصوم واجب مستمر أبدا،/ إذا قاله على سبيل الإنشاء، فالجمهور على جواز نسخه، ومنعه ابن الحاجب وعلله بأنه خبر، فيلزم من تطرق النسخ إليه الخلف، بخلاف الإنشاء لفظا ومعنى.
واختار المصنف التسوية بين الصورتين نظرا للمعنى.
ص: ونسخ الإخبار بإيجاب الإخبار بنقيضه لا الخبر وقيل:/ (88/أ/د) يجوز إن كان عن مستقبل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 374)