ش: اختلف في جواز نسخ الخبر على مذاهب:
أحدها: المنع مطلقا، وهو مختار المصنف تبعا لابن الحاجب، وحكاه في (المحصول) عن أكثر المتقدمين.
الثاني: الجواز مطلقا، وهو قول الإمام فخر الدين والآمدي.
الثالث: الجواز إن كان مدلوله مستقبلا وإلا فلا، واختاره البيضاوي واستدل عليه بأنه يصح أن يقول السيد لعبده: لا أرضى عنك أبدا، ثم يقول: عاما واحدا.
وقال الخطابي: أنه الصحيح.
هكذا أطلق الجمهور الخلاف، وقال القاضي أبو بكر: يجوز نسخ إيجاب الإخبار بشيء، بإيجاب الإخبار بنقيضه، وهذا هو الذي بدأ المصنف بذكره، واقتضى كلامه نفي الخلاف فيه، وهو مسلم فيما يقبل التغيير كالتكليف بالإخبار بقيام زيد/ (107/أ/م) ثم التكليف بالإخبار بعدمه، لاحتمال كونه قائما عند الأول، وغير قائم عند الثاني، فإن لم يقبل التغيير كحدوث العالم فمنعه المعتزلة بناء على التقبيح العقلي وجوزه أهل السنة.
ص: ويجوز النسخ ببدل أثقل وبلا بدل لكن لم يقع وفاقا للشافعي.
ش: فيه مسألتان:
إحداهما: يجوز النسخ ببدل أثقل كصوم عاشوراء إن قلنا بوجوبه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 375)
برمضان، والحبس في البيوت بالزنا بالحد، وترك قتال المشركين لقوله: {ودع آذاهم} بإيجابه، ومنعه ابن داود الظاهري، وذكر ابن برهان أن بعضهم نقله عن الشافعي وليس بصحيح.
الثانية: يجوز النسخ بلا بدل ومنعه أكثر المعتزلة ثم قال أكثر أصحابنا بوقوعه كصدقة النجوى، فإنها وجبت ثم نسخت لا إلى بدل، وتوهم بعضهم أنه أبدل منها الزكاة وهو مردود لأنه تعالى قرن بها الصلاة والطاعة بقوله تعالى: {فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله} وهما فرضان قبل ذلك ولتوقفه على معرفة التاريخ.
وإنما المعنى: رفعناه عنكم، فتمسكوا بما لا بد منه من الصلاة والزكاة وسائر الطاعات.
وذهب الشافعي إلى أنه لم يقع، فقال في (الرسالة): (وليس ينسخ فرض أبدا إلا أثبت مكانه فرض) ووافقه المصنف، لكن أوله أبو بكر الصيرفي على أن المراد بالفرض الحكم، أي إذا نسخ لا بد أن يعقبه حكم آخر، وليس منافيا لكلام أهل الأصول لأنه يرجع إلى ما كان عليه وهو حكم فإن صدقة النجوى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 376)
لما/ (88/ب/د) نسخ إيجابها عاد الأمر إلى ما كان عليه من التخيير.
ص: مسألة: النسخ واقع عند كل المسلمين وسماه أبو مسلم تخصيصا فقيل: خالف، فالخلف لفظي.
ش: أشار بالمسلمين إلى مخالفة غيرهم فيه، وهو فرقة من اليهود أحالته عقلا، وهو السمعونية، وأخرى منهم وهم العنانية منعت وقوعه فقط، وثالثة منهم وهم العيسوية قالت بوقوعه.
كذا ذكر ابن برهان والآمدي، وغيرهما، وذهب أبو مسلم الأصفهاني من المعتزلة إلى إنكاره، فقيل: إنما أراد في القرآن كما تقدم عنه، وقيل: خلافه لفظي، لأنه يجعل المعنى في علم الله تعالى كالمعنى في اللفظ، ويسمي الكل تخصيصا ويسوي بين قوله: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} وبين صوموا مطلقا/ (107/ب/م) مع علمه تعالى بأنه سينزل: لا تصوموا ليلا، والجمهور يسمون الأول تخصيصا، والثاني نسخا فالخلاف لفظي.
ص: والمختار أن نسخ حكم الأصل لا يبقى معه حكم الفرع.
ش: إذا نسخ حكم الأصل استمر حكم الفرع عند الحنفية، وقال الجمهور: بل يرتفع، لأنه تابع فيزول بزوال متبوعه ثم سماه بعضهم نسخا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 377)
وعبر المصنف تبعا لابن الحاجب بقوله: (لا يبقى) وهو أحسن، لأنه قد زال حكمه لزوال علته فلا يقال فيه: إنه منسوخ.
ص: وأن كل حكم شرعي/يقبل النسخ ومنع الغزالي نسخ جميع التكاليف والمعتزلة نسخ وجوب المعرفة والإجماع على عدم الوقوع.
ش: ذهب أصحابنا إلى أن كل حكم شرعي يقبل النسخ وخالفهم المعتزلة في مسألتين:
إحداهما: أنهم منعوا نسخ جميع التكاليف ووافقهم الغزالي على ذلك.
ثانيهما: منعوا أيضا نسخ وجوب معرفة الله تعالى، كذا قال المصنف وهو مثال.
ولا يختص الحكم بذلك عندهم، بل منعوا النسخ في كل ما كان بذاته أو بلازم ذاته حسنا أو قبيحا لا يختلف باختلاف الأزمنة، وهو مبني على أصلهم في الحسن والقبح العقليين.
والخلاف في المسألتين في الجواز العقلي مع الإجماع على عدم وقوع ذلك.
ص: والمختار أن الناسخ قبل تبليغه صلى الله عليه وسلم الأمة لا يثبت في حقهم وقيل يثبت بمعنى الاستقرار في الذمة لا الامتثال.
ش: لا يثبت الحكم الشرعي قبل بلوغه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإذا بلغه ثبت حكمه في حقه، وحق كل من بلغه، أو لم يبلغه لكن تمكن من العلم به، فإن لم يبلغه ولا تمكن من العلم به فهو محل الخلاف.
قال الجمهور: لا يثبت لا بمعنى الامتثال ولا بمعنى الثبوت/ (89أ/د) في الذمة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 378)
وقال بعضهم: يثبت بالمعنى.
الثاني: كالنائم، وذكر القاضي أبو بكر أن الخلاف لفظي، وما رجحه المصنف تبع فيه ابن الحاجب وغيره، لكن ابن برهان في (الأوسط) إنما حكاه عن الحنفية، وحكى الثبوت عن مذهبنا ونصره، وهو الموجود لأصحابنا المتقدمين.
وقال ابن دقيق العيد: لا شك أنه لا يثبت/ (108/أ/م) في حكم النائم، وهل يثبت في حكم القضاء إذ هو من الأحكام الوضعية؟ هذا فيه تردد، لأنه ممكن بخلاف الأول لأنه يلزم منه تكليف ما لا يطاق.
قلت: وهو معنى كلام المصنف، فالذي عبر عنه المصنف بالاستقرار في الذمة هو الذي عبر عنه بالقضاء، والذي عبر عنه المصنف بالامتثال هو الذي عبر عنه بالتأثيم والله أعلم.
ص: أما الزيادة على النص فليست بنسخ خلافا للحنفية ومثاره هل رفعت وإلى المأخذ عود الأقوال المفصلة والفروع المبينة.
ش: للزيادة على النص صور:
الأولى: أن يكون المزيد من غير جنس الأول، كزيادة الزكاة على الصلاة، فليست نسخا بالإجماع.
الثانية: أن يكون من جنسه مع استقلاله كزيادة صلاة على الصلوات الخمس، وليس نسخا أيضا عند الجمهور.
وقال بعض أهل العراق: هو نسخ، لأنه بغير الوسط فتتغير الصلاة المأمور بالمحافظة عليها في قوله تعالى: {حافظوا على الصلاوات والصلاة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 379)
الوسطى} وأجيب عنه بأجوبة أحسنها: أن الوسطى في الآية ليست من عدد بل هي علم على صلاة معينة، وهو مأخوذ من الوسط وهو الخيار، والفاصل لا يتغير بزيادة صلاة.
الثالثة: أن لا يستقل كزيادة ركعة أو ركوع فقال أصحابنا: ليس نسخا أيضا.
وقال الحنفية: هو نسخ، واختاره بعض أصحابنا ومثار الخلاف أن الزيادة هل رفعت حكما شرعيا فيكون نسخا أو لم ترفع فلا؟ وإلى هذا المأخذ ترجع الأقوال المفصلة في المسألة، كقول عبد الجبار، هي نسخ إن غيرت حكم المزيد عليه، كأن صار لا يعتد به كجعل الصلاة الثنائية رباعية، وإن لم يتغير كضم التغريب إلى الجلد، فليست بنسخ واختاره القاضي، وكقول بعضهم: إن نفاها مفهوم الأول كقوله في (المعلوفة زكاة) بعد قوله: ((في السائمة زكاة)) فنسخ وإلا فلا، واختاره الإمام في (المعالم) وكذلك يرجع إلى هذا المأخذ الفروع المبنية عليها، لأنه إذا رجع المبني عليه إلى ذلك فرجوع المبني إليه أولى.
ص: كذا الخلاف في جزء العبادة أو شرطها.
ش:/ (108ب/م) الخلاف المتقدم في أن الزيادة على النص نسخ يجري في النقصان منه سواء الجزء كنقص ركعة من أربع والشرط/ (89/ب/د) كالطهارة، وفرق بعضهم بينهما فقال: إسقاط الجزء نسخ، وإسقاط الشرط ليس بنسخ، وبه قال عبد الجبار، ووافقه الغزالي في الجزء وتردد/في الشرط.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 380)
ص: خاتمة
يتعين الناسخ بتأخره وطريق العلم بتأخره الإجماع أو قوله صلى الله عليه وسلم: هذا ناسخ أو بعد ذلك، أو كنت نهيت عن كذا فافعلوه أو النص على خلاف الأول أو قول الراوي: هذا سابق.
ش: ذكر هنا ما يعرف به الناسخ من المنسوخ، وسماه خاتمة، لتعلقه بسائر أنواع النسخ، وضابطه التأخر، فمتى عرف المتأخر من الدليلين فهو الناسخ، ولذلك طرق:
أحدها: الإجماع، وقد نص عليه الشافعي، ولم يتعرض له كثير من المصنفين، وذلك كنسخ الزكاة بسائر الحقوق المالية، ذكره ابن السمعاني، وكقول حذيفة في وقت سحوره مع النبي صلى الله عليه وسلم: (هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع)، مع الإجماع على تحريم تناول المفطر بطلوع الفجر، كما دل عليه القرآن فالإجماع مبين للنسخ لا ناسخ.
ثانيها: نصه عليه الصلاة والسلام على ذلك كقوله: هذا ناسخ، أو بعد ذلك، كحديث المتعة أو: كنت نهيتكم عن كذا فافعلوه، كقوله: ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها)).
ثالثها: أن ينص على خلاف الأول مع تعذر الجمع.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 381)
رابعها: قول الراوي: هذا سابق كقول جابر: (كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار).
ص: ولا أثر لموافقة أحد النصين الأصل وثبوت إحدى الآيتين في المصحف وتأخر إسلام الراوي وقوله هذا ناسخ لا الناسخ خلافا لزاعميها.
ش: ذكر في هذه الجملة أشياء قيل: إنه يثبت النسخ بها:
أحدها: كون أحد النصين موافقا للأصل أي البراءة الأصلية، فيكون الناقل عنها ناسخا لأن الأصل عدم العود إلى البراءة بعد الانتقال عنها، وهو ضعيف لجواز أن يكون الموافق للبراءة متقدما مؤكدا لها ثم نسخ.
ثانيها: ثبوت إحدى الآيتين في المصحف قبل الأخرى قيل: إن الثانية ناسخة وهو ضعيف، لأن ترتيب الآيات ليس على ترتيب النزول، وقد قال/ (109/أ/م) هبة الله في الناسخ والمنسوخ: إن قوله تعالى: {لا يحل لك النساء من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 382)
بعد} منسوخ بقوله قبل ذلك: {ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك}.
ثالثها: تأخر إسلام راوي أحد الدليلين قيل بدلالته على النسخ، وهو ضعيف لجواز أن يسمع متقدم الإسلام بعده.
رابعها: قول الراوي: هذا ناسخ، لجواز أن يقوله عن اجتهاد وقال/ (90/أ/د) الكرخي: إن عينه فقال: هذا نسخ هذا، لم يرجع إليه، وإن لم يعينه بل قال: هذا منسوخ – قبل، وقيل: يثبت مطلقا وهو ظاهر نص الشافعي حيث قال: (ولا يستدل على الناسخ والمنسوخ إلا بخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بوقت يدل على أن أحدهما بعد الآخر، أو بقول من سمع الحديث أو العامة) فتناول قوله: (أو بقول من سمع الحديث) قوله: هذا سابق، وقوله: هذا منسوخ، ولم يرد الأولى لدخولها في قوله: أو بوقت يدل على أن أحدهما بعد الآخر، والله أعلم.
أما لو ثبت كون الحكم منسوخا ولم يعرف ناسخه فقال الراوي: هذا الناسخ – فإنه يقبل وهو معنى قول المصنف: (لا الناسخ) وهي مسألة غريبة قل من ذكرها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 383)
ص: الكتاب الثاني في السنة
وهي أقوال محمد صلى الله عليه وسلم وأفعاله.
ش: لم يذكر في تعريفها تقريره عليه الصلاة والسلام لأنه كف عن الفعل والكف فعل عن المختار فهو مندرج في الأفعال.
والمراد من أقواله وأفعاله ما لم يكن على وجه الإعجاز.
وقال الشارح: كان ينبغي أن يزيد (وهمه) فقد احتج الشافعي في (الجديد) على استحباب تنكيس الرداء في الاستسقاء بجعل أعلاه أسفله فإنه عليه الصلاة والسلام هم بذلك فتركه لثقل الخميصة عليه.
قلت: وكذلك همه بمعاقبة المتخلفين عن الجماعة، استدل به على وجوبها، وقد يقال الهم خفي فلا يطلع عليه إلا بقول أو فعل فيكون
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 384)
الاستدلال بأحدهما فلا يحتاج حينئذ إلى زيادة، والله أعلم.
ص: الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون لا يصدر عنهم ذنب ولو سهوا، وفاقا للأستاذ والشهرستاني/وعياض والشيخ الإمام.
ش: الاستدلال بالسنة متوقف على العصمة فلذلك بدأ بالكلام فيها، والمراد بالأستاذ هنا أبو إسحاق الإسفرايني/ (109ب/م) وهذا المذهب أنزه المذاهب، أنه لا يصدر عن الأنبياء ذنب لا كبيرة ولا صغيرة، ولا عمدا ولا سهوا بل طهر الله ذواتهم عن جميع النقائص، وقد حكى ابن برهان هذا عن اتفاق المحققين.
ص: فإذن لا يقر محمد صلى الله عليه وسلم أحدا على باطل، وسكوته ولو غير مستبشر على الفعل مطلقا، وقيل: إلا فعل من يغريه الإنكار، وقيل: إلا الكافر ولو منافقا، وقيل: إلا الكافر غير المنافق دليل الجواز للفاعل، وكذا لغيره خلافا للقاضي.
ش: يتفرع على وجوب العصمة أن محمدا صلى الله عليه وسلم لا يقر/ (90/أ/د) أحدا على باطل، ولا خلاف في ذلك.
قال الشارح: وإنما قال (أحدا) لئلا يتوهم أنه (لا يقر) بفتح
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 385)
القاف فيكون خطأ.
واختلفوا فيما إذا فعل فعل بحضرته أو في عصره واطلع عليه ولم ينكره على مذاهب:
أصحها وبه قال الجمهور: أنه دليل على جواز ذلك الفعل لذلك الفاعل وهل تتعين الإباحة أو يحتمل الوجوب والندب أيضا؟ لم يستحضر فيه السبكي نقلا ومال إلى الإباحة لأنه لا يجوز الإقدام على فعل إلا بعد معرفة حكمه فلذلك دل تقريره على الإباحة، وذكر الشارح أن أبا نصر ابن القشيري ذكرها في كتابه في الأصول وحكى التوقف في ذلك عن القاضي ثم رجح حمله على الإباحة لأنها الأصل انتهى.
ولا فرق في دلالة تقريره على الإباحة بين أن يستبشر عليه الصلاة والسلام بذلك الفعل أو لا يوجد منه إلا مجرد السكوت عليه.
الثاني: أن التقرير لا يدل على الجواز إلا في حق من لا يغريه الإنكار على الفعل، فمن أغراه الإنكار على الفعل لا يجب الإنكار عليه كما قال الشاعر:
إذا نهي السفيه جرى إليه وخالف والسفيه إلى خلاف
حكاه ابن السمعاني عن المعتزلة وقال: الأظهر أنه يجب إنكاره ليزول توهم الإباحة.
الثالث: أنه يستثنى من التقرير ما لو كان الفاعل كافرا أو منافقا فلا يدل تقريره على الإباحة، وبه قال إمام الحرمين.
الرابع: أنه لا يستثنى من ذلك إلا الكافر قاله المازري وكما يدل على جوازه للفاعل يدل على جوازه لغيره. قاله الجمهور، لأن الأصل استواء
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 386)
المكلفين في الأحكام وقال القاضي أبو بكر: لا يتعداه إلى غيره فإن التقرير لا صيغة له.
أما ما فعل في عصره ولم يعلم هل اطلع عليه أم لا فقال الأستاذ/ (110/أ/م) أبو إسحاق: اختلف فيه قول الشافعي، ولهذا جرى له قولان في إجزاء الأقط في الفطرة.
ص: وفعله غير محرم للعصمة وغير مكروه للندرة.
ش: قد عرف انقسام السنة إلى قول وفعل، فمباحث القول سبقت في الكلام على الكتاب، وأما الفعل فلا يمكن أن يصدر منه عليه الصلاة والسلام فعل محرم لما تقرر من عصمته، ولا مكروه لأنه نادر من غيره فكيف منه؟ قال الشارح: وأنا أقول: لا يتصور منه وقوع مكروه فإنه إذا فعل شيئا وكان مكروها في حقنا فليس بمكروه منه، لأنه قصد به بيان الجواز.
قلت: قد يتصور فيما إذا تكرر منه، فإن البيان حصل منه بالفعل الأول، فاستفدنا من قولهم: (أنه لا يقع منه مكروه) أنه إذا فعل المكروه في حقنا لبيان الجواز لا يكره، وكذلك القول/ (91/أ/د) في خلاف الأولى عند من يفرق بينه وبين المكروه، وقد حكى النووي عن العلماء في وضوئه عليه الصلاة والسلام مرة مرة ومرتين مرتين أنه أفضل في حقه من التثليث للبيان.
ص: وما كان جبليا أو بيانا أو مخصصا به فواضح وفيما تردد بين الجبلي والشرعي كالحج راكبا تردد وما سواه إن علمت صفته فأمته مثله في الأصح.
ش: فعل النبي صلى الله عليه وسلم على أقسام:
أحدها: أن يكون جبليا كالقيام والقعود والأكل ونحوها وذكر المصنف
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 387)
أن حكمه واضح وكأنه أراد بذلك أنه دال على الإباحة فقط لأنه القدر المحقق، والحرام والمكروه منتفيان كما تقدم، وقد قال شيخنا الإمام الإسنوي: إنه لا نزاع في ذلك.
لكن حكى القرافي في (التنقيح) قولا أنه للندب، وجزم به الشارح فقال: أما في الجبلي فالندب لاستحباب التأسي به، وحكى الأستاذ أبو إسحاق فيه وجهين:
أحدهما هذا وعزاه إلى أكثر المحدثين.
قال: والأصل فيه أنه يستدل به على إباحة ذلك.
والثاني: أنه لا يتبع فيه إلا بدلالة. انتهى.
الثاني: أن يكون بيانا لمجمل كالصلاة/المبينة لقوله تعالى: {وأقيموا الصلاة} والقطع من الكوع المبين لقوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} فهو واجب عليه صلى الله عليه وسلم لوجوب التبليغ/ (110ب/م) عليه، فإن قلت: لا يتعين التبليغ بالفعل، قلت: لا يخرجه ذلك عن كونه واجبا، فإن الواجب المخير يوصف كل من خصاله بالوجوب.
الثالث: أن يكون من خصائصه كتخيير نسائه، وغير ذلك، فلا يلحق به في ذلك أمته.
وقول الشارح: (إن حكم المخصص به الوجوب) ممنوع، فقد يكون مندوبا وقد يكون مباحا، فالخصائص تنقسم إلى هذه الأقسام، وإلى قسم رابع وهو المحرم عليه، ولكن ذلك لا يمكن صدوره منه كما تقدم والله أعلم.
الرابع: ما تردد بين الجبلي والشرعي، ولم يذكره الأصوليون ومثله المصنف بالحج راكبا، ومن أمثلته أيضا جلسة الاستراحة، فهل تحمل على
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 388)
الجبلي لأن الأصل عدم التشريع أو الشرعي لأنه عليه الصلاة والسلام بعث لبيان الشرعيات، ينبغي أن يتخرج فيه قولان من القولين في تعارض الأصل والظاهر، ومقتضى ذلك ترجيح الأصل فيكون كالجبلي، لكن كلام أصحابنا في الحج راكبا وجلسة الاستراحة وغيرهما يدل على ترجيح التأسي فيه، وقد حكى الرافعي وجهين في ذهابه إلى العيد في طريق ورجوعه في أخرى، وقال: إن/ (91/ب/د) الأكثرين على التأسي فيه.
الخامس: أن تعلم صفة ذلك الفعل من الوجوب أو الندب أو الإباحة فالأصح أن حكم أمته فيه كحكمه، ومقابله أنهم مثله في العبادات فقط.
ص: وتعلم بنص وتسوية بمعلوم الجهة ووقوعه بيانا أو امتثالا لدال على وجوب أو ندب أو إباحة.
ش: يعلم جهة الفعل من كونه واجبا أو مندوبا أو مباحا بأمور:
أحدها: التنصيص على أحد هذه الأمور.
الثاني: تسويته بفعل قد علمت جهته وأنه من أي هذه الأقسام فيكون حكم الآخر كحكمه.
الثالث: وقوعه بيانا لمجمل، فحكمه حكم ذلك المجمل في الوجوب والندب والإباحة.
فإن قلت: قد تكرر منه ذكر ما كان بيانا لمجمل.
قلت: لا تكرار فيه فالأول أراد به حكم فعل النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان بيانا لمجمل وهو الوجوب عليه/ (111/أ/م) كما تقدم، والثاني أراد به حكمه في حقنا، وهو تابع لحكم المجمل.
الرابع: وقوعه امتثالا لنص يدل على أحد هذه الأمور فيلحق به في ذلك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 389)
ص: ويخص الوجوب أماراته كالصلاة بالأذان وكونه ممنوعا لو لم يجب كالختان والحد.
ش: لما ذكر ما يعرف به جهة الفعل من الوجوب والندب والإباحة، ذكر ما يخص الوجوب وهو شيئان.
أحدهما: أن يقترن به أمارة الوجوب أي علامته كاقتران الأذان والإقامة بصلاة، فيدلان على وجوبها لأنهما شعار مختص بالفرائض.
ثانيهما: أن يكون ذلك الفعل ممنوعا منه لو لم يجب، كالختان والحد كقطع السرقة، فإن الجرح والإبانة ممنوع منهما، فجوازهما يدل على وجوبهما ومثل ذلك البيضاوي بالركوعين في صلاة الخسوف، واعترض بأن النووي ذكر في (شرح المهذب) أنه لو صلى صلاة الكسوف كسائر الصلوات صح، ومثله بعضهم بإحداد زوجة المتوفى عنها، وقد نقضت هذه القاعدة بسجود السهو والتلاوة في الصلاة، فإن الأصل المنع منهما، ومع هذا فلم يدل فعله لهما على وجوبهما وذكر البيضاوي.
ثالثا: وهو أن يوافق نذرا كأن يقول النبي صلى الله عليه وسلم: إن هزم العدو عني فلله علي صوم يوم، ثم يهزم العدو فيصوم يوما ولم يذكره المصنف لأن النذر لا يتصور منه عليه الصلاة والسلام بناء على أنه مكروه.
ص: والندب مجرد قصد القربة وهو كثير.
ش: قوله: (الندب) معطوف على الوجوب فهو منصوب، أي يخص الندب قصد القربة مجردا عن أمارة دالة على الوجوب، ولا فائدة مقصودة في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 390)
قول المصنف: (وهو كثير) وزاد البيضاوي/ (92/أ/د): أن يعلم كونه قضاء لفعل مندوب لأن القضاء يحكى الأداء.
ص: وإن جهلت فللوجوب وقيل للندب وقيل للإباحة وقيل بالوقف في الكل وفي الأولين مطلقا وفيهما إن ظهر قصد القربة.
ش: إذا جهلت جهة الفعل بالنسبة إليه وإلى الأمة ففيه مذاهب:
أحدها: الحمل على الوجوب، وبه قال من الشافعية ابن سريج وأبو علي بن خيران والإصطخري ومال إليه المصنف، وصححه ابن السمعاني/ (111/ب/م) وقال: إنه الأشبه بمذهب الشافعي، لكنه لم يتكلم إلا فيما ظهر فيه قصد القربة.
الثاني: الندب، وهو المحكي عن الشافعي.
الثالث: الإباحة، وهو المحكي عن مالك واختاره إمام الحرمين في (البرهان) واختار ابن الحاجب أنه إن ظهر فيه قصد القربة فالندب وإلا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 391)
فالإباحة.
الرابع: الوقف بين الثلاثة حتى يقوم دليل على حكمه، وصححه القاضي أبو الطيب، وحكي عن جمهور المحققين، كالصيرفي والغزالي وأتباعهما، واختاره الآمدي والبيضاوي تبعا للمحصول هنا، لكن جزم فيه في الكلام على جهة الفعل بالإباحة، واختار في (المعالم) الوجوب.
الخامس: الوقف بين الأولين فقط، وهما الوجوب والندب.
السادس: الوقف بينهما فقط، إن ظهر فيه قصد القربة، فإن لم يظهر فيه قصد القربة احتمل الإباحة أيضا وقول المصنف: (وفيهما إن لم يظهر قصد القربة) معكوس وصوابه: (إن ظهر قصد القربة كما قررته).
ص: وإذا تعارض القول والفعل ودل دليل على تكرر مقتضى القول فإن كان خاصا به فالمتأخر ناسخ، فإن جهل فثالثها الأصح الوقف، وإن كان خاصا بنا فلا معارضة فيه، وفي الأمة المتأخر ناسخ إن دل دليل على التأسي فإن جهل التاريخ فثالثها الأصح أنه يعمل بالقول وإن كان عاما لنا وله، فتقدم الفعل أو القول له وللأمة كما مر إلا أن يكون العام ظاهرا فيه فالفعل تخصيص.
ش: التعارض بين شيئين هو تقابلهما على وجه يمنع كل واحد منهما مقتضى صاحبه، فإذا تعارض قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله ودل دليل على تكرر مقتضى القول فله أحوال:
الأولى: أن يكون القول خاصا به، فإن عرف المتأخر منهما فهو ناسخ للمتقدم، سواء أكان قولا أو فعلا، وإن جهل فأقوال أصحها الوقف إلى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 392)
قيام الدليل، لأن العمل بأحدهما ترجيح من غير مرجح.
والثاني: العمل بالقول لقوته.
والثالث: العمل بالفعل لوضوحه.
الثانية: أن يكون القول خاصا بنا فلا معارضة بينه وبين الفعل فيه-/ (92/ب/د) أي في حقه صلى الله عليه وسلم – لعدم تناوله له، وأما في حقنا فإن لم يقم دليل على التأسي به في الفعل المتقدم فلا تعارض بالنسبة إلينا، لأن حكم الفعل لم يتعلق بنا،/ (112/أ/م) وإن دل دليل على وجوب التأسي به فيه فإن عرف المتأخر منهما فهو الناسخ قولا كان أو فعلا، وإن جهل ففيه الأقوال المتقدمة، وهي الوقف، وتقديم القول وتقديم الفعل لكن الأصح هنا العمل بالقول.
قلت: وكأنه إنما رجح هنا لاحتياجنا إلى العمل بأحدهما فقدمنا القول لقوته وأما في حقه عليه الصلاة والسلام فقد انقطع العمل فكان الأحوط الوقف والله أعلم.
الثالثة: أن يكون القول عاما متناولا له صلى الله عليه وسلم وللأمة، ولا بد مع ذلك من أن يدل دليل على وجوب التأسي به في ذلك الفعل، فإن عرف المتأخر منهما فهو الناسخ قولا كان أو فعلا، وإن لم يعرف عادت الأقوال، ويكون الأصح في حقه عليه الصلاة والسلام الوقف، وفي حقنا العمل بالقول كما تقدم، وعبر المصنف رحمه الله عن هذا بقوله: (فيقدم الفعل أو القول له وللأمة كما مر) أي من التفصيل بين معرفة التاريخ أم لا، وعود الأقوال واختلاف الترجيح بالنسبة إليه وإلينا، وشرحه شارحه بقوله: يعني أن المتأخر ناسخ قولا كان أو فعلا. وفي هذا الشرح قصور لعدم تناوله لحالة جهل التاريخ ولا شك أن قرمطة عبارة المصنف هي التي أوجبت للشارح هذا التقصير.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 393)
ثم قيد المصنف ما دل عليه الكلام المتقدم من كون القول المتأخر ناسخا للفعل المتقدم في حقه صلى الله عليه وسلم بما إذا كان تناول القول له نصا، فإن كان بطريق الظهور كأن يقول: هذا الفعل واجب على المكلفين، ونقول: إن المخاطب يدخل في عموم خطابه فيكون الفعل السابق مخصصا لهذا العموم، لأن التخصيص عندنا لا يشترط تأخره عن العام.
قال الشارح: وهذا الاستثناء زاده المصنف على المختصرات.
تنبيه:
أما تعارض القولين فسيأتي في التعادل والتراجيح وأما الفعلان ففي المختصر والمنهاج/الجزم بأنهما لا يتعارضان ووجهه أنه يجوز أن يكون الفعل في وقت واجبا وفي غيره بخلافه، لأن الأفعال لا عموم لها.
قال الشارح: لكن حكى جماعة قولا بحصول التعارض وطلب الترجيح من خارج كما اتفق في صلاة الخوف، ولهذا رجح الشافعي منهما ما هو أقرب لهيئة الصلاة، وقدم بعضهم الأخيرة منهما إذا علم/ (112ب/م).
قلت: ليس/ (93/أ/د) الترجيح هنا بمعنى إلغاء الآخر، فإن جميع الهيئات الواردة في ذلك يجوز العمل بها، والترجيح إنما هو في الأفضلية خاصة، وليس مما نحن فيه، واستثنى ابن الحاجب وغيره من الفعلين ما إذا دل دليل من خارج على وجوب تكرير الفعل له أو لأمته فإن الفعل الثاني حينئذ ناسخ لكن العمل في الحقيقة بذلك الدليل. والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 394)