فهذا الحديث استنكره جماعة من النقاد، فجعل أحمد عهدة النكارة على أفلح بن حميد، قال أبو داود: «قلت لأحمد: أفلح بن حميد؟ قال: هذا شيخ قد احتملوه، وجعل كأنه يستضعفه، قال: يكثر من الرأي، قلت: رأي القاسم؟ قال: نعم، قال: روى حديثا منكرا، حديث المواقيت، قلت: وصح ذلك عندك، رواه غير المعافى؟ قال: المعافى ثقة»(1).
وقد استنكر عليه أحمد غير هذا الحديث أيضا، قال أبو داود: «كان أحمد تكلم فيه، وسمعت أحمد يقول: لم يحدث عنه يحيى، وروى أفلح حديثين منكرين: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أشعر»، و «حدَّد لأهل العراق ذات عرق»(2).
وروى ابن صاعد حديث المواقيت من طريقه، ثم قال: «كان أحمد بن حنبل ينكر هذا الحديث مع غيره على أفلح بن حميد، فقيل له: يروي عنه غير المعافى؟ فقال: المعافى بن عمران ثقة»(3).
وفي السؤال الموجه لأحمد عن ثبوت الحديث عنه ما يشير إلى احتمال أن تكون النكارة من الراوي عنه: المعافى بن عمران، وقد أشار إلى ذلك ابن عدي،--------------------------------------------
(1) «مسائل أبي داود» ص 412.
(2) «إكمال تهذيب الكمال» 2: 261.
(3) «الكامل» 1: 408.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 334)
فقال بعد أن ساق الحديث، وكلام ابن صاعد: «وأفلح بن حميد أشهر من ذاك، وقد حدث عنه ثقات الناس، مثل ابن أبي زائدة، ووكيع، وابن وهب، وآخرهم القعنبي، وهو عندي صالح، وأحاديثه أرجو أن تكون مستقيمة كلها، وهذا الحديث ينفرد به معافى عنه، وأنكر أحمد على أفلح في هذا الحديث قوله: «ولأهل العراق ذات عراق»، ولم ينكر الباقي من إسناده ومتنه شيئا»(1).
وأما مسلم فتعلق بالراوي عن المعافى بن عمران عنده، فقال: «ليس بمستفيض عن المعافى، إنما روى هشام بن بهرام، وهو شيخ من الشيوخ، ولا يقر الحديث بمثله إذا تفرد»(2).
فالباحث لا ينبغي له أن يتعرض للبحث في أصل نكارة هذه اللفظة، فهي منكرة عند الجميع، لكن له أن يرجح فيمن يتحمل عهدتها، فيستبعد أولا رأي مسلم، إذ قد رواه عن المعافى أيضا محمد بن علي أبو هاشم الموصلي، وغيره.
ويمكن أيضا أن يستبعد المعافى بن عمران بكون أفلح بن حميد قد استنكر عليه عن القاسم غير هذا الحديث، كما يومئ إليه كلام أحمد.
فأمام المتأخر عمل كثير يقوم به، غير أنه حمل نفسه فوق طاقتها -والله لا يكلف نفسا إلا وسعها- فانتصب للنقد مستقلا، وسلك منهجا مغايرا، بإدراك لذلك من بعضهم، ودون إدراك من البعض الآخر.--------------------------------------------
(1) «الكامل» 1: 408.
(2) «التمييز» ص 214.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 335)
ومما يتعجب منه في عمل المتأخرين تناقضهم في موقفهم من أقوال النقاد، إذ يعتمدون عليهم في درجات الرواة، ويقلدونهم في ذلك، ثم يدعونهم فيما يستنكرونه على هؤلاء الرواة، والقارئ يلحظ ذلك في النص الواحد حين ينقلونه عن المتقدمين، فحديث (اللواط) الآنف الذكر، وكذلك حديث عمرو بن أبي عمرو الآخر في (الواقع على بهيمة) -وبعض الرواة يرويهما عنه حديثا واحدا- سلك فيهما المتأخرون ضروبا من مخالفة أئمة النقد في المنهج، في الاتصال والانقطاع، وفي قضيتنا هذه قضية التفرد، وفي الشد والاعتضاد بالطرق الأخرى، وغير ذلك(1).
وقد أشار السخاوي إلى هذا التناقض، فقال بعد أن ذكر منزلة أئمة النقد في الحكم على الأحاديث: «وهو أمر يهجم على قلوبهم لا يمكنهم رده، وهيئة نفسانية لا معدل لهم عنها، ولهذا ترى الجامع بين الفقه والحديث -كابن خزيمة، والإسماعيلي، والبيهقي، وابن عبدالبر- لا ينكر عليهم، بل يشاركهم، ويحذو حذوهم، وربما يطالبهم الفقيه أو الأصولي العاري عن الحديث بالأدلة، هذا مع اتفاق الفقهاء على الرجوع إليهم في التعديل والتجريح، كما اتفقوا على الرجوع في كل فن إلى أهله، ومن تعاطى تحرير فن غير فنه فهو متعني … »(2).
ورأيت بعض الباحثين المعاصرين جمع جرامزه فوثب وثبة ظن أنه بلغ فيها عنان السماء، وقدماه لم ترتفعا عن الأرض، إذ ذهب إلى نكارة حديث (اللواط)،--------------------------------------------
(1) انظر: «الثقات الذين ضعفوا في بعض شيوخهم» ص 173 - 177.
(2) «فتح المغيث» 1: 274.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 336)
وأطال في النقول عن أئمة النقد، لكنه في نفس الكتاب الذي يحققه ذهب يقوي مارواه عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، ومنها حديث (البهيمة)، وهو أشد نكارة من حديث (اللواط)، ثم كلام أحمد، والبخاري، يدل على أن أحاديث هذه النسخة كلها مناكير ضعيفة.
ومما يظهر تناقض كثير من المتأخرين في هذه المسألة أنهم يدفعون استنكار النقاد لبعض ما يرويه الثقات ومن في حكمهم، وفي المقابل عضوا بالنواجذ على ما تقرر عند النقاد أن من أحاديث الضعفاء ما يترجح حفظهم له، معتمدين في ذلك كلام النقاد في كون ضعفهم غير شديد، فهم في درجة الاعتبار، على أن تطبيق المتأخرين لشروط اعتماد ترجيح حفظ الضعيف لما يرويه فيه خلل كبير جدا، كما سيأتي في موضعه.
ومن التناقض أيضا في قضية التفرد تسليم المتأخرين باشتراط رواية أكثر من راو عن الشخص لترتفع جهالته، فيكثرون من القول بأن هذا الشخص لم يرو عنه سوى راو واحد، وليس فيه توثيق معتبر، فهو مجهول، مع كون الراوي عنه ثقة، ولا يلتفتون لتفرد الراوي بالحديث، وكونه مظنة أن يخطئ فيه.
والخلاصة أن قضية (التفرد) وتشعباتها وقع من المتأخرين في تطبيقها تناقض ظاهر، ومع ذلك فلا بد من التسليم بأن المتكلمين على الأحاديث من المتأخرين لا يشعرون بالتناقض، في هذه المسألة وغيرها، فهم مخطئون معذورون.
وقد كنت -مثل كثيرين غيري- أظن أن مخالفة المتأخرين لمنهج أئمة النقد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 337)
في التفرد خاص بما يرويه الثقة ومن في حكمه، فالمتأخر ليس عنده تضعيف بالتفرد لما يرويه هؤلاء، وأما ما يتفرد به الضعيف فهم يوافقون أئمة النقد على تضعيفه ورده بالتفرد.
ثم ظهر لي أن مخالفة المتأخرين لأئمة النقد في تفرد الضعيف أقوى وأشد، فالمناكير عن الضعفاء أكثر بكثير منها عن الثقات ومن في حكمهم، والمتأخرون -كما تقدم- ربطوا درجات الأحاديث بمراتب الرواة فقط، غير ملتفتين لقرائن الإسناد الأخرى ومنها التفرد، فأحاديث الضعفاء عندهم ضعيفة فقط، لأن رواتها ضعفاء، وعلى هذا فهي قابلة للاعتضاد على طريقتهم.
وأما أئمة النقد فليس النظر عندهم فقط لدرجة الراوي، فالحديث يحكمون ببطلانه، وبكونه موضوعا، وليس في إسناده من رمي بالكذب والوضع، وهذا كثير جدا عندهم في أحاديث الضعفاء، بل قد يوجد عندهم في أحاديث الثقات أيضا، كما تقدم في هذه الفصول.
ومن أمثلته في الضعفاء ما رواه معاوية بن يحيى الصدفي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة -وقال مرة: عن أبي سعيد الخدري-، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أيام التشريق كلها ذبح».
سئل عنه أبو حاتم، فقال: «هذا حديث كذب بهذا الإسناد»، وأبى مرة أن يقرأه على الناس، وقال: «هذا حديث موضوع عندي»(1).--------------------------------------------
(1) «علل ابن أبي حاتم» 1: 286، 2: 38، وانظر: «الكامل» 6: 2396، و «سنن البيهقي» 9: 296.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 338)
وراويه عن الزهري معاوية بن يحيى الصدفي لم يتهم بالكذب، فهو ضعيف، خاصة في الزهري، وقد تفرد بهذا عنه، ولم يشاركه أحد من أصحاب الزهري، على كثرتهم، فاستحق حديثه هذا أن يوصف بالوضع.
وقد رأيت أحد المشايخ المعاصرين نقل كلام ناقد في حكمه على حديث بالبطلان، ثم عقبه الشيخ بأن هذا الحكم مبالغة من الناقد، كذا قال، نظر إلى صورة الإسناد فقط، وهذه إحدى مشكلات النقد عند المتأخرين، وهي متفرعة من أصل خطأ عندهم: قياس الأحاديث برواتها، وليس قياس الرواة بأحاديثهم، ويتفرع منها قضايا أخرى ابتعد فيها المتأخرون جدا عن منهج النقد عند أئمته.
ولإدراك هذا جيدا ينظر تعقبات المتأخرين لابن الجوزي في كتابه «الموضوعات»، فقد أوسعوه نقدا، في أعيان الأحاديث، وفي كلامهم عليه في كتب المصطلح، وكنا نظن زمنا أن الصواب دائما أو غالبا مع من تعقبه، وعند التحقق تبين عكس ذلك، وأن الصواب في الغالب مع هذا الإمام، وفي حواشي المعلمي على «الفوائد المجموعة» للشوكاني كلام كثير حول نقد طريقتهم، وكذا صنع في المقدمة.
ثم ههنا أمر آخر، وهو أن طريقة المتأخرين جنت على الرواة أيضا، فالمتأخر حين ينظر في الإسناد جُلُّ نظره منصب على رواته، فأيهم وجده أشد ضعفا ممن سواه نقد الإسناد به، وإن كان الحديث لم يصح عنه إلى الآن، لأمر أغفله المتأخر، وأهم ذلك ما يتعلق بالتفرد، فحين ألغى المتأخر النقد به فالحديث عنده ثابت إلى هذا الراوي، فهو حلقة الضعف في الإسناد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 339)
ومن أمثلة ذلك حديث أبي هريرة مرفوعا: «أد الأمانة إلى من ائتمنك … » الماضي في الفصل الأول من هذا الباب، فأبو حاتم حكم عليه بالنكارة بسبب تفرد طلق بن غنام به عن شريك، وقيس بن الربيع، وكل من رأيته تكلم على هذا الحديث من المتأخرين انصب نظره على شريك، وقيس بن الربيع، فهما دون طلق بن غنام، إذ هو ثقة، ثم رجع فعضد أحدهما بالآخر، وصحح الحديث أو حسنه، والإسناد لم يصح إليهما أصلا، فهو منكر عنهما.
وروى الترمذي عن أحمد بن محمد بن نيزك، عن أسود بن عامر، عن صالح بن عمر، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من أيام أحب إلى الله العمل فيهن من عشر ذي الحجة … » الحديث.
ثم قال الترمذي: «سألت محمدا (يعني البخاري) وعبدالله بن عبدالرحمن (يعني الدارمي) عن هذا الحديث، فلم يعرفاه من حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة»(1).
ذكر هذا أحد الباحثين عن الترمذي، وعلق على الإسناد بقوله: «في سند الحديث محمد بن عمرو بن علقمة، وفيه ضعف»، ثم ذكر شواهد للحديث قال في آخرها عن حديث أبي هريرة: «أقل أحواله أن يكون حسنا».
وبغض النظر عن تقصير الباحث في دراسة الرواة قبل محمد بن عمرو،--------------------------------------------
(1) «العلل الكبير» 1: 346.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 340)
فابن نيزك هذا ليس فيه توثيق، سوى أن ابن حبان ذكره في «الثقات»(1)، وقال فيه ابن عقدة: «في أمره نظر»(2)، بغض النظر عن هذا، فقد وقع الباحث في الإشكال الذي ذكرته، وهو تحميل الراوي عهدة الحديث، وهو لم يصح عنه، فمحمد بن عمرو بريء من هذا الحديث، وكلام الإمامين -البخاري، والدارمي- صريح في أنه منكر عنه.
وذكر هذا الحديث أيضا أحد المشايخ المعاصرين من مصدر آخر، لكن جاء عنده أحمد بن محمد بن نيزك منسوبا لجده، ثم قال: «وهذا سند حسن، لولا أني لم أعرف ابن نيزك هذا».
ومعنى هذا أنه لو عرف ابن نيزك بالثقة لما تردد في تحسين الإسناد، وقد منعه من تصحيحه حال محمد بن عمرو، فقد تكلم فيه من قبل حفظه، ولم يلتفت الشيخ للتفرد الحاصل قبله في ثلاث طبقات، فلا يصح عنه أصلا.
* * *--------------------------------------------
(1) «الثقات» 8: 47.
(2) «تاريخ بغداد» 5: 108.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 341)
الفصل الرابع
التفرد وكلام أئمة النقد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 343)
معنى التفرد -كما تقدم- أن الراوي لم يشاركه أحد في رواية هذا الحديث، سواء عن شيخه، أو عمن فوقه أيضا.
والنظر في التفرد معناه دراسة التفرد حين وقوعه، وهل الراوي مصيب في روايته للحديث، رغم أنه لم يشاركه أحد، أو مخطئ في روايته، وما يتصل بذلك من إعمال لضوابط النظر في التفرد، وتطبيقها.
وهذان الأمران -الحكم بوقوع التفرد، والحكم بصواب الرواية أو خطئها- عظيمان جدا في باب النقد، سواء من جهة الحديث المروي ودرجته، أو من جهة الراوي وأثر ذلك في الحكم عليه، نظرا لكثرة الأحاديث التي وقع فيها تفرد، وكثرة الرواة الذين وقع منهم تفرد، كثرة بالغة لا حدود لها.
والحكم بهما يحتاج إلى اطلاع واسع على طرق الأحاديث، وملكة قوية في النقد، ومعرفة بأصحاب الرواة، وطبقاتهم، ومعرفة ما عند كل راو من الأحاديث، وتتبع دقيق لمتون السنة النبوية، ومسار الاحتجاج بها، وزمن ذلك.
وكل هذه المتطلبات -وغيرها- إنما يفي بها كغيرها من قضايا النقد على الحقيقة أئمة النقد في عصر الرواية، ولهذا فمن الضروري جدا الاعتناء بكلامهم، وتتبعه، وجمعه، والإستناد إليه، حين يتصدى الباحث للنظر في إسناد حديث وقع فيه تفرد.
وفي البحث عن كلامهم، والاعتماد عليه، قضايا متعددة، سأتناولها في هذا الفصل من عدة جوانب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 345)
أولا: كلام أئمة النقد على التفرد له مصادر خاصة، ومصادر عامة، فأما المصادر الخاصة فيقصد بها كل ما ألفه النقاد بغرض النص على التفرد، سواء حمل عنوانه هذا المعنى، أو حمل معنى آخر، وسواء كان المراد بالتفرد بإطلاق، أو كان خاصا بتفرد راو بعينه، أو عن راو بعينه، أو غير ذلك.
فهذا النوع من المؤلفات قصد به جمع الأحاديث التي وقع فيها تفرد، فكلها إذن من كلام النقاد ونصهم على التفرد.
وليس لهذا النوع من المؤلفات حد معين، فهي من الكثرة بحيث يمكن القول بأنها لا حصر لها، مع كثرة العناوين التي تدل عليها، فالأحاديث الغرائب، والأفراد، والحسان، والفوائد، والمنتقاة، كلها عناوين دالة على مقصود المؤلفين بهذا النوع من المؤلفات، ناهيك عن كتب ألفت تحت مسميات أخر، وقصد بها التفرد.
ثم هذه المؤلفات منها ما هو كبير في مجلدات، ومنها ما هو متوسط، ومنها ما هو صغير الحجم على طريقة الأجزاء، وقد تقدم في أول هذا الباب أن الرواة تعارفوا على وضع كتب لهم باسم «الفوائد»، يضع فيه الراوي ما يراه غريبا من حديث شيوخه.
ثم لما اتسعت الرواية، وكثرت، اضطر الرواة حين يريدون السماع من شيخ معين أن ينتقوا من حديثه ما ليس عند غيره، فيفرد لوحده، ويسمعونه منه، وقد يفعلونه لكونه عسرا في الرواية، كما تقدم في الفصل الثالث، في قصة ابن المديني مع عبدالسلام بن حرب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 346)
ومن النقاد من قصد التأليف في جمع الغرائب والأفراد.
فلهذه الأسباب مجتمعة -وغيرها- كثرت المؤلفات في التفرد كثرة بالغة، كما أسلفت.
ومن الكتب الكبيرة في هذا الموضوع معجما الطبراني: «الأوسط»، و «الصغير».
قال الطبراني في أول «معجمه الصغير»: «هذا أول كتاب فوائد مشايخي الذين كتبت عنهم بالأمصار، خرجت عن كل واحد منهم حديثا واحدا … »(1).
وأما «الأوسط» فقال فيه الذهبي: «يأتي فيه عن كل شيخ بما له من الغرائب والعجائب، فهو نظير كتاب «الأفراد» للدارقطني»(2).
وكتاب «الغرائب والأفراد» للدارقطني، قال عنه ابن كثير: «لم يسبق إلى نظيره»(3)، وقد وضع له ابن طاهر أطرافا، وهو المطبوع الآن، وطبع من الأصل جزء صغير.
ومن الكتب أيضا: «الفوائد» ليحيى بن معين، رواية أبي بكر المروزي عنه، وهو مطبوع، ورواية الصوفي عنه، و «الفوائد» لتمام الرازي، وهو مطبوع، و «فوائد أبي بكر الشافعي» المعروف بالغيلانيات، وهو مطبوع، و «جزء الألف--------------------------------------------
(1) «المعجم الصغير» ص 21.
(2) «تذكرة الحفاظ» 3: 912.
(3) «اختصار علوم الحديث» ص 61.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 347)
دينار» لأبي بكر القطيعي، وهو مطبوع، «وغرائب شعبة» لابن المظفر، وهو مطبوع.
و«غرائب مالك» للدارقطني، وللخطيب.
وغيرها كثير جدا، ما بين مطبوع، ومخطوط، ومفقود(1).
وأما المصادر العامة فيقصد بها ما يوجد فيها كلام للنقاد في التفرد، وإن لم تكن مخصصة لذلك، على تفاوت بينها في الكثرة والقلة.
وهذا النوع من المصادر يشمل كتب الرواية، مثل «سنن أبي داود»، و «سنن الترمذي»، و «سنن النسائي»، و «سنن الدارقطني»، و «سنن البيهقي»، و «مسند البزار»، و «الإيمان» لابن منده، وغيرها، فينص المؤلفون على التفرد، ومنهم من يكثر من ذلك، كما يفعل الترمذي، والبزار، وابن منده.
ويشمل أيضا كتب النقد العامة بأنواعها، «التواريخ»، و «السؤالات»، و «كتب العلل»، فهي مليئة بأقوال النقاد ونصوصهم في التفرد، وما يتصل به من قضايا، وهي المورد الأول لنصوص النقاد الأوائل، مثل شعبة، والقطان، وأحمد، وابن معين، وابن المديني، وأبي حاتم، وأبي زرعة، وغيرهم، وقد طبع منها شيء كثير.
ويشمل أيضا كتب الرجال، مثل «التاريخ الكبير» للبخاري، و «ضعفاء--------------------------------------------
(1) ينظر في هذه المؤلفات: مقدمة تحقيق كتاب «الغيلانيات» 1: 27 - 67، ومقدمة تحقيق كتاب «الفوائد» ليحيى بن معين، رواية الصوفي ص 208 - 210، 216 - 236.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 348)
العقيلي»، و «الكامل» لابن عدي، و «المجروحين» لابن حبان، فإنهم يذكرون في ترجمة الراوي شيئا مما انتقد عليه، وكثير منه في التفرد، ينصون على ذلك.
وفي كتب تواريخ البلدان كلام كثير أيضا يتعلق بالتفرد، والنص عليه، مثل «ذكر أخبار أصبهان» لأبي نعيم، و «تاريخ بغداد» للخطيب.
بل يوجد في كتب المناقب، مثل «الحلية» لأبي نعيم، النص على التفرد والغرابة.
ثم بعد ذلك كتب المتأخرين غير المسندة، مثل كتب المزي، وابن كثير، والزيلعي، والعراقي، وابن حجر، فهي مورد عظيم أيضا لنصوص النقاد في التفرد، ويوجد فيها نقول من كتب للأولين قد فقدت، فهي إذن قائمة مقام الأصل.
وندرك مما تقدم أن أمام الباحث بحر لا ساحل له من المصنفات، عليه أن يجول فيها، ويبحث عن كلمة لناقد، أو إشارة منه إلى وقوع تفرد، وبقدر الجهد المبذول في هذا وأمثاله يتفاوت الباحثون، وتبرز الفروق الفردية بينهم.
ثانيا: في كلام النقاد على التفرد مقامان، المقام الأول: الحكم بوقوع التفرد، وهذا عباراته ظاهرة، كأن يقول الناقد: تفرد به فلان، أو لم يروه إلا فلان، أو لا يعرف إلا من حديث فلان، أو لا أعرفه إلا من حديث فلان، أو لم يروه عن فلان سوى فلان، أو غريب من حديث فلان، ونحو هذه العبارات.
وكذلك إذا أودعه في كتاب قصد به جمع الغرائب والأفراد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 349)
والمقام الثاني: الحكم في هذا التفرد، هل هو صواب أو خطأ؟ وهذا قد تكون عبارة الناقد صريحة في الحكم به، كأن يقول: هو صحيح، أو هو خطأ، أو أخطأ فيه فلان، أو باطل، أو لا يصح، أو لا يعرف، أو لا أعرفه، أو يقول تلميذه: سألته عنه فلم يعرفه، ونحو ذلك.
وقد تكون بالإشارة والإيماء، كأن يقول: تفرد به فلان -وهو ثقة- فهذا إشارة إلى تقويته، ما لم يدل السياق على خلاف ذلك، أو يقول: لم يتابع عليه فلان، فهذا إشارة إلى تضعيفه ورده.
ومن الإشارة أيضا أن يكون كلامه خرج موضع جواب لسؤال، كأن يسأل عن الحديث، فيقول: لم يروه إلا فلان، أو تفرد به فلان، ونحو ذلك، فهذا الظاهر منه نقده لهذا التفرد، وعدم قبوله.
سأل الترمذي شيخه البخاري عن الحديث الماضي في الفصل الأول، وهو حديث عائشة مرفوعا: «ما خالطت الصدقة مالا إلا أهلكته»، فقال: «هكذا حدثونا عن محمد بن عثمان بن خلف مرفوعا، وهذا حديثه، ولا أعلم أحدا رفع هذا الحديث غيره»(1).
فالذي يفهم من سياق السؤال والجواب أنه استنكار للحديث ورد له، وإن لم يصرح البخاري بذلك.
وكذلك إذا نقل الناقد حكما لناقد قبله وسكت عليه، فالظاهر أنه يقول به--------------------------------------------
(1) «العلل الكبير» 1: 327.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 350)
ويعتمده، خاصة إذا كان جوابا لسؤال، كأن يسأل الناقد عن حديث فيذكر عن ناقد قبله أنه استنكره على أحد رواته لتفرده به.
ومن الإشارة أيضا أن يفهم من السياق أن الناقد قصد بذكر التفرد الثناء على الراوي، وبيان جلالته وسعة حفظه، أو عكس ذلك، كأن يكون في معرض تليينه والقدح فيه.
فأما القدح فهو كثير جدا في الرواة، فجلُّ ما يذكر في كتب الرجال قصد به القدح في الراوي بهذا التفرد.
وأما القبول والثناء على الراوي فمثل ثنائهم على الزهري، بذكر ما يتفرد به، كما تقدم في قول مسلم: «للزهري نحو من تسعين حرفا يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم، لا يشاركه فيها أحد، بأسانيد جياد»(1).
وقد يفهم رأي الناقد من تصرفه، فإذا وضع الناقد حديثا في كتاب يجمع فيه الأحاديث الصحيحة فهو حكم منه بصحته، كما في صنيع البخاري ومسلم، وإذا أخرجه في كتاب قصد به ذكر أخطاء الرواة وما انتقد عليهم، فالظاهر أنه يستنكره على هذا الراوي الذي ذكره في ترجمته، مثل صنيع العقيلي في «الضعفاء»، وابن عدي في «الكامل»، وابن حبان في «المجروحين».
مثاله حديث الصدقة الماضي آنفا، فقد ذكره ابن عدي في ترجمة (محمد بن--------------------------------------------
(1) «صحيح مسلم» حديث (164)، وانظر نماذج من أحاديث تفرد بها الزهري: «علل ابن أبي حاتم» المسائل: (860)، (1258)، (1722)، (2611).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 351)
عثمان الجمحي) ولم يزد على أن قال: «ومحمد بن عثمان بن صفوان يعرف بهذا الحديث، ولا أعلم أنه رواه عن هشام بن عروة غيره»(1).
وفي الجملة فإن مجرد إشارة الناقد إلى التفرد يصلح أن يكون متكأ لأن نأخذ منه أن الناقد يشير إلى ضعف في الإسناد بسبب هذا التفرد، ما لم يظهر بالقرائن خلاف ذلك.
ثالثا: الغرض من الوقوف على كلام النقاد في التفرد الواقع في الإسناد هو الاعتماد على كلامهم، والاحتجاج به، فالنقاد إذا اجتمعوا على تصحيح تفرد، أو على تضعيفه، وجب على الباحث أن يتابعهم، ولا يحق له حينئذ النظر في هذا التفرد، فقد كفي، وهذا العلم كغيره من العلوم، إجماع أهل الاجتهاد فيه حجة، كما سبق بيانه في مناسبة سابقة، في «الاتصال والانقطاع»، وذكرت هناك كلام أبي حاتم في تقرير هذه المسألة(2).
والأحاديث الصحيحة التي وقع الإجماع على قبول التفرد فيها وتصحيحها كثيرة، مثل حديث يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص الليثي، عن عمر بن الخطاب، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنما الأعمال بالنيات … » الحديث(3).--------------------------------------------
(1) «الكامل» 6: 2214.
(2) «الاتصال والانقطاع» ص 66 - 67.
(3) «صحيح البخاري» حديث (1)، (54)، (2529)، (3898)، (5070)، (6689)، (6953)، و «صحيح مسلم» حديث (1907)، و «سنن أبي داود» حديث (2201)، و «سنن الترمذي»
حديث (1647)، و «سنن النسائي» حديث (75) ، (3437) ، (3803) ، و «سنن ابن ماجه» حديث (4227)، و «مسند أحمد» 1: 25، 43.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 352)
فهذا حديث وقع فيه تفرد بلفظه هذا في طبقاته الأربع، وقد صححه النقاد، واحتفوا به، فهو موافق للأصول، وفي مطلق النية أحاديث أخرى(1).
وحديث عمر هذا أول حديث في «صحيح البخاري»، ويشبهه آخر حديث فيه، وهو حديث محمد بن فضيل، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة مرفوعا: «كلمتان حبيبتان إلى الرحمن … » الحديث، فقد وقع فيه التفرد أيضا في أربع طبقات كما تقدم في الفصل الأول من الباب الأول.
وأما التضعيف بالتفرد فقد تقدم في الفصول الثلاثة السابقة أمثلة على توارد النقاد على الرد والاستنكار، وفي بعضها نقل إجماعهم على ذلك.
وفي الاعتماد على إجماعهم لا يشترط أن ينقل الحكم بذلك عن جميع النقاد، فهذا غير ممكن، ولو اشترط لم يثبت إجماع في هذا العلم وغيره، ويكفي أن يتوارد عدد منهم على حكم بالتفرد، ولا مخالف لهم، فيجب الأخذ به.
ويلتحق بذلك ما إذا جاء حكم على تفرد وقع في حديث من الاثنين والثلاثة من النقاد، ولا مخالف لهم، بل لو جاء عن الواحد منهم ولا مخالف له، فالأسلم للباحث ألا ينازعه هذا الحكم، خاصة إذا كانت القرائن تؤيده، كأن--------------------------------------------
(1) انظر: «فتح الباري» 1: 11.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 353)
يكون ظهور الحديث جاء متأخرا، ثم استنكره مثل ابن حبان، وابن عدي، والدارقطني، وأبي نعيم، والبيهقي، والخطيب، فينبغي الوقوف معه، فإن البحث عن أقوال للنقاد الآخرين، كأحمد، وابن المديني، وابن معين، في حديث على هذه الشاكلة ليس في مكانه.
وإذا وجد الباحث اختلافا بين النقاد، وكان جمهور النقاد على قول، فبإمكان الباحث أن يعتمد قول الجمهور، ويتكئ عليه، سواء بالقبول أو الرد.
فأما في الرد فقد تقدمت له بعض الأمثلة، منها حديث شبابة، عن شعبة، عن بكير بن عطاء، عن عبدالرحمن بن يعمر، في (الدباء والمزفت)، وقد مضى في الفصل الأول، فقد استنكره جمهور النقاد على شبابة، وأما ابن المديني فدافع عنه، ومضى معه أيضا حديث سليمان بن بلال، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مرفوعا: «نعم الإدام الخل»، وحديث «بيت لا تمر فيه جياع أهله»، استنكرهما جماعة من النقاد على سليمان بن بلال، وهما في «صحيح مسلم».
وكذلك حديث أبي كريب، عن أبي أسامة، عن بريد بن عبدالله بن أبي بردة، عن جده أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، عن أبيه أبي موسى مرفوعا: «المؤمن يأكل في معي واحد … » الحديث، استنكره جماعة من النقاد، وهو في «صحيح مسلم»، لكنه عنده في الشواهد(1).
وأما في القبول فمن أمثلته حديث عبدالرحمن بن أبي الموال، عن محمد بن--------------------------------------------
(1) «صحيح مسلم» حديث (2062)، و «شرح علل الترمذي» 2: 645.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 354)
المنكدر، عن جابر في (صلاة الاستخارة)(1)، استنكره أحمد على عبدالرحمن بن أبي الموال، قال أبو طالب: «سألت أحمد بن حنبل عن عبدالرحمن بن أبي الموال، قال: عبدالرحمن لابأس به … ، يروي حديثا لابن المنكدر … ، ليس يرويه أحد غيره، هو منكر، قلت: هو منكر؟ قال: نعم، ليس يرويه غيره، لا بأس به، وأهل المدينة إذا كان حديث غلط يقولون: ابن المنكدر، عن جابر، وأهل البصرة يقولون: ثابت، عن أنس، يحيلون عليهما»(2).
وأما البخاري فأخرجه في «صحيحه»، وقال الترمذي بعد أن أخرجه: «حديث جابر حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبدالرحمن بن أبي الموال، وهو شيخ مديني ثقة، روى عنه سفيان حديثا، وقد روى عن عبدالرحمن غير واحد من الأئمة».
وقال ابن عدي في نهاية ترجمته وقد ذكر فيها استنكار أحمد لحديثه هذا: «هو مستقيم الحديث، والذي أنكر عليه حديث الاستخارة، وقد روى حديث الاستخارة غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، كما رواه ابن أبي الموال»(3).
وحديث زكريا بن أبي زائدة، عن خالد بن سلمة، عن عبدالله البهي، عن--------------------------------------------
(1) «صحيح البخاري» حديث (1162)، (6382)، (7390)، و «سنن أبي داود» حديث (1358)، و «سنن الترمذي» حديث (480)، و «سنن النسائي» حديث (3253)، و «سنن ابن ماجه» حديث (1383)، و «مسند أحمد» 3: 344.
(2) «الكامل» 4: 1616، وانظر: «مسائل حرب» ص 473.
(3) «الكامل» 4: 1617.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 355)