لا يقارن عدد الأحاديث وطرقها فيه بما في كتابه الآخر «الأدب المفرد»، لأن الأول في ضمن كتاب شامل للأدب وغيره، مع نزول شرطه في «الأدب المفرد»، وهكذا كتابه الآخر «جزء القراءة خلف الإمام» فيه من الأحاديث وطرقها ما يفوق بكثير ما في كتابه «الصحيح» مما يتعلق بهذه المسألة.
وهكذا يقال فيما ألف في هذا العصر -عصر الرواية- من الأجزاء الحديثية التي تجمع أحاديث صحابي واحد، أو راو واحد من رواة الحديث، أو ما ينفرد به راو، أو جمع طرق حديث معين، ونحو ذلك.
ومن مصادر الطرق أيضا ما ألف في عصر الرواية مما له صلة بعلوم أخرى، كالتفسير، والفقه، والعقائد، والتاريخ، والأدب، وغير ذلك.
ففي التفسير يذكر «تفسير الطبري»، و «تفسير ابن أبي حاتم»، و «تفسير سعيد بن منصور».
وفي الفقه مثل كتاب «الحجة على أهل المدينة» لمحمد بن الحسن، و «الأم» للشافعي، و «الأوسط» لابن المنذر، و «شرح معاني الآثار» للطحاوي، وغيرها.
وفي العقائد مثل «الشريعة» للآجري، و «السنة» لعبدالله بن أحمد، و «التوحيد» لابن خزيمة، و «الإيمان» لابن منده، و «الأسماء والصفات» للبيهقي، وغيرها.
وفي التاريخ مثل «سيرة ابن إسحاق»، و «طبقات ابن سعد»، و «تاريخ الطبري».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 22)
ومن مصادر الطرق أيضا ما ألف بغرض نقد الراوي أو المروي، ويشمل ذلك شريحة واسعة جدا من الكتب، ابتداء من الكتب الأولى التي كان فيها نقد الراوي والمروي مختلطا، مثل «سؤالات أبي داود لأحمد»، و «مسائل أبي داود عن أحمد»، و «العلل ومعرفة الرجال» لأحمد، رواية عبدالله، ورواية المروذي، و «تاريخ الدوري عن ابن معين»، و «سؤالات ابن الجنيد لابن معين».
ثم الكتب المخصصة لنقد المرويات، وهي التي عرفت بكتب العلل، مثل «علل ابن المديني»، و «علل الترمذي الكبير»، و «علل ابن أبي حاتم»، و «علل الدارقطني».
والكتب المخصصة للرواة أنفسهم، مثل «التاريخ الكبير»، و «التاريخ الأوسط» وهما للبخاري، و «الضعفاء» للعقيلي، و «الكامل» لابن عدي، و «المجروحين» لابن حبان.
ويدخل في هذه الكتب تواريخ البلدان، مثل «تاريخ واسط» لبحشل، و «تاريخ جرجان» للسهمي، و «تاريخ أصبهان» لأبي نعيم، و «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي.
ويدخل فيها أيضا معاجم الشيوخ، مثل «معجم شيوخ الإسماعيلي»، و «المعجم الأوسط»، و «المعجم الصغير» للطبراني، وغيرها.
وخلاصة ما تقدم أن كل كتاب مما ألف في عصر الرواية فهو مصدر أصيل، يحتاجه الباحث، لا غنى له عنه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)
ثم نأتي إلى المصادر الفرعية، وهي التي ألفت بعد عصر الرواية، أي بعد أن تحولت الرواية إلى رواية مصنفات من تقدم، وهي مصادر واسعة جدا، مثل كتب ابن الجوزي، وابن عساكر، وعبدالغني المقدسي، وابن تيمية، والذهبي، وابن القيم، وابن كثير، وابن رجب، والعراقي، وابن الملقن، وابن حجر، سواء ما كان منها يروي فيه مؤلفه أحاديثه بالأسانيد، أو مما حذفت أسانيده.
فهذا النوع من المصادر هو أيضا مورد معين لطرق الأحاديث، يحتاجه الباحث، لا يستغني عنه، فقد حفظت هذه المصادر كثيرا من الأسانيد التي فقدت مصادرها الأصلية، فكتاب «المطالب العالية في زوائد المسانيد الثمانية» لابن حجر حفظ أسانيد كثيرة لمسانيد مفقودة الآن، مثل «مسند مسدد»، و «مسند العدني».
ثم هناك جانب آخر مهم جدا يبرز أهمية هذه المصادر البديلة، وهي أنها تارة تكون نسخا أخرى لمصادر أصلية وصلت إلينا، فيوجد فيها أسانيد ليست في المصادر الأصلية، كما يستفاد منها حين يكون هناك إشكال في أسانيد الأحاديث أو متونها، فكم من إسناد في مصدر أصلي تم تصويبه من «تحفة الأشراف» للمزي، أو من «إتحاف المهرة» لابن حجر.
وفي الكلام على مصادر الأحاديث وطرقها أنبه على عدد من الأمور:
الأول: يتساءل كثير من الباحثين عن الطريقة المثلى للوصول إلى طرق الأحاديث في مصادرها، والتأكد من أن الباحث لم يفته شيء منها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)
والإجابة عن هذا التساؤل قد تبدو ظاهرة في الوقت الحاضر، فالحاسب الآلي قد تكفل بذلك كله، خاصة بعد التوسع في إدراج المصادر المفهرسة، وشمولها للمخطوطات أيضا، فقد قضى الحاسب الآلي ببرامجه المتنوعة على الطرق القديمة، مثل «المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي»، و «مفتاح كنوز السنة»، و «تحفة الأشراف»، وغيرها من كتب الفهرسة.
وهذه الإجابة لا إشكال فيها، فلا أحد ينكر الثمرة التي جناها الباحثون من الحاسب الآلي وبرامجه، فاختصرت الوقت والجهد، ولا زالت الجهود مستمرة لإخراج برامج أكثر دقة وأوسع نطاقا.
وفي رأيي أن الباحث مع وجود هذه الخدمة لا يستغني عن الجرد المباشر للمصادر، فالبحث عن الطرق يختلف اختلافا جذريا عن مجرد تخريج متن حديث، فطرق الأحاديث ربما ذكرت في بعض المصادر دون ذكر متنها، أو مع ذكر طرف من المتن قد لا يكون هو الذي مع الباحث، وربما اعتاض المؤلف أو السائل عن سرد المتن بذكر موضوع الحديث، وقد يأتي الطريق في أثناء طرق حديث آخر، يشير إليه المؤلف لغرض استوجب ذلك.
وكل هذا موجب -فيما أرى- لقيام الباحث بالجرد المباشر للمصادر، خاصة ما كان منها ليس المقصود منه الرواية كالسؤالات، وكتب العلل، وكتب النقد بصفة عامة.
ثم ههنا أمر آخر، وهو أن برامج الحاسب الآلي قد تكون خالية من حواشي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
الكتب، وفي هذه الحواشي فوائد يحتاجها الباحث، ومنها ما يتعلق بجمع الطرق، فيكون المحقق قد قام بتخريج الحديث، وذكر شيئا من مصادر طرقه، وقد ينبه المحقق على أشياء في نسخ الكتاب المخطوطة هي من غرض الباحث.
ومما يجدر ذكره هنا في وسائل جمع طرق الحديث تلك الجهود العظيمة التي قام بها عدد من الباحثين في رسائلهم العلمية، للماجستير، أو للدكتوراه، خاصة ما كان منها يستلزم التوسع في جمع الطرق، وهي التي يكون موضوعها أحاديث معللة، فهي -بلا جدال- وسيلة هامة بالنسبة للباحث، تساعده في سرعة إنجاز عمله، وفي توسعه في جمع الطرق.
ومما ينبه عليه الباحث المتخصص في السنة النبوية أن يدرك تمام الإدراك أن أي وسيلة يستخدمها تساعده في الوصول إلى طرق الأحاديث في مصادرها لا ينبغي أن تتجاوز كونها وسيلة توصله إلى مقصوده، فإذا أوصلته انتهى المطلوب منها، وبقي عليه جهده في تأمل ما في المصدر، فلا يقلد تلك الوسيلة في شيء مما يتعلق بالنظر في الحديث، لا في إسناده، ولا في متنه، فالباحث هو المسؤول الأول عن كل شيء يثبته في بحثه، ومن دله على موضع طريق لحديثه وقفت مهمته عند هذا الحد.
والوسائل قد تخطئ في عزو طريق، أو في صفته، أو في صلته بالحديث، وغير ذلك، فلا حجة للباحث إذا قلدها، وعليه أن يستحضر أن توافر وسائل الدلالة على مواضع الطرق وإن كان قد اختصر الوقت والجهد، لكنه أضاف
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
أعباء كثيرة على الباحثين، فالوصول إلى المعلومة جزء أولي من مهمة الباحث، والجهد الأكبر هو في التعامل مع هذه المعلومة، وسهولة الوصول إلى طرق الأحاديث وسع جدا من دائرة نظر الباحث، وزاد من أعبائه، فالتعامل مع طرق الأحاديث -قبل النظر فيها من جهة قواعد الحكم على الحديث- هو بحد ذاته فن يحتاج إلى دربة ومران، وسيأتي لذلك فصل خاص به، وهو الفصل الثالث من هذا الباب.
ثم على الباحث أن يستحضر أيضا سعة مصادر طرق الأحاديث وتنوعها، فمن المحتمل جدا أن يفوت الباحث شيء من أسانيد حديثه، رغم وجود ذلك فيما وصل إلينا من كتب ومؤلفات، فعليه أولا أن يلتمس العذر لغيره ممن فاته شيء من ذلك، ثم هو يكون سريع الاستحضار لأحاديثه التي يبحث فيها، فإذا وقف على طريق -ولو بعد حين- ألحقه بمكانه، واستفاد منه، فهكذا كان نقاد المرويات، يسير نقدها في عروقهم، وهي شغلهم الشاغل، كما قال علي بن المديني: «ربما أدركت علة حديث بعد أربعين سنة»(1).
الأمر الثاني: تبين من عرض مصادر طرق الأحاديث سعة دائرة هذه المصادر، وتنوعها، بما لا يمكن الإحاطة به، فإذا ضممنا إلى ذلك حال هذه المصادر، من جهة روايتها عن مؤلفيها، وأن الكتاب الواحد مثل «صحيح البخاري»، و «سنن أبي داود»، و «سنن النسائي الكبرى»، يكون له عدة روايات عن مؤلفه.--------------------------------------------
(1) «الجامع لأخلاق الراوي» 2: 257.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
ثم هذه الروايات مَرَّ عليها عصور متعاقبة، فصار لكل منها في بعض الأحيان فروع من الروايات، ولكل فرع نسخ متعددة.
وضممنا إلى ذلك كله حفظ هذه المصادر إلى زماننا هذا، أو فقدانها، ثم تنوع الموجود منها ما بين مخطوط ومطبوع، وتعدد طبعات الكتاب الواحد أحيانا، ومنها الطبعة الجيدة المحققة، والطبعة الرديئة.
إذا عرفنا ذلك كله -وغيره مما يتعلق بهذه المصادر- أدركنا بسهولة أن أحوال هذه المصادر من الجهات المتقدم ذكرها قد شكل علما مستقلا برأسه، يتفاوت فيه الباحثون جدا، فنحن بأمَسِّ الحاجة إلى من يولي عنايته هذا الأمر، ويخصص فيه قراءاته وبحوثه، ويكون فيه مرجعا للباحثين.
وأكثر من ذلك أن بعض مصادر السنة يمكن أن تحتمل من يتخصص فيها، فلو أخذنا -مثلا- «صحيح البخاري»، أو «موطأ مالك»، أو «سنن أبي داود» لرأينا ما يتعلق به من الجهات المتقدمة ما يحتمل أن يتوجه له بعض الباحثين، ويتخصص فيه.
ولا شك أن هناك جهودا قد بذلت لحصر مطبوعات المصادر والمؤلفات في السنة النبوية، وصدرت كتب في ذلك، كما أن هناك بعض الفضلاء من الباحثين له اهتمام بالمصادر، وما يتعلق بها من أحوال، غير أن الحاجة -فيما أرى- فوق ذلك بكثير، وفي الأقسام العلمية في الجامعات -وهذا مما يؤسف له- عزوف عن التوجه إلى هذا النوع من البحوث.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
الأمر الثالث: من مصادر المرويات -وهذا قليل- ما لا يصح عمن نسب إليه، وقد تصح نسبته إليه لكنه في نفسه متهم بالكذب، مثل «المسند» المنسوب للإمام زيد بن علي، فراويه عن زيد هو عمرو بن خالد الكوفي الواسطي، وهو متروك يضع الحديث، أطبق أئمة النقد على تكذيبه، ومما قيل فيه قول وكيع: «كان في جوارنا يضع الحديث، فلما فطن له تحول إلى واسط»(1)، وقال أحمد: «كذاب، يروي عن زيد بن علي، عن آبائه أحاديث موضوعة، يكذب»(2).
و«مغازي الواقدي»، فالواقدي نفسه -واسمه محمد بن عمر- أخباري مشهور، وهو متروك الحديث عند أئمة النقد، وصرح بعضهم بأنه يضع الحديث.
و«مسند الربيع بن حبيب»، والربيع هذا نكرة لا يعرف.
و«المجالسة» للدينوري، وهو كتاب كبير جدا، ومؤلفه أحمد بن مروان الدينوري المالكي، وثقه مسلمة بن قاسم، وأما الدارقطني فقال فيه: «هو عندي ممن كان يضع الحديث»(3).
و«تنوير المقباس من تفسير ابن عباس»، هو من رواية صالح بن محمد الترمذي، عن محمد بن مروان السدي، عن محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، والثلاثة الأولون كلهم متروكون، رموا بوضع--------------------------------------------
(1) «الكامل» 5: 1774.
(2) «الضعفاء الكبير» 3: 269.
(3) «لسان الميزان» 1: 310.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
الحديث، وقد جمع هذا التفسير في وقت متأخر، جمعه الفيروزآبادي من كتب التفسير التي تورد تفسير ابن عباس بهذا الإسناد.
وقد سئل أحمد عن تفسير الكلبي فقال: «من أوله إلى آخره كذب، فقيل له: يحل النظر فيه؟ قال: لا»(1).
وهذه الكتب السابقة كلها مطبوعة، ويتساءل كثير من الباحثين عن التخريج منها والعزو إليها، وهذه صفتها، والجواب أن هذه المصادر تعامل معاملة الأسانيد التي فيها رواة متهمون، ثم يبين حالها، كما يخرج الباحث حديثا من «سنن ابن ماجه»، أو من «المعجم الأوسط» للطبراني، أو من «الكامل» لابن عدي، وفيه من نسب إلى الكذب والوضع، ثم يبين حاله، فكذلك هنا، يبين حال المؤلف أو من في الطريق إليه من رواة إسناده، فلا فرق بين تخريج حديث من «سنن ابن ماجه» في إسناده عمرو بن خالد المذكور -وقد أخرج له ابن ماجه-، ثم بيان حال عمرو، وبين تخريج حديث من «مسند زيد بن علي»، ثم بيان حال عمرو.
والذي يخشى منه أن يدع الباحث المؤلف ومن قبله، ويبدأ بنقد الإسناد بعده، اعتمادا على أنه وجد الإسناد في كتاب.
والأمر ذاته يجري في المؤلفين ومن يروي عنهم، وإن لم يصل الكلام فيهم إلى حد الترك، والرمي بالكذب، كأن يكون المؤلف أو من يروي عنه فيه ضعف، فيحتاج الباحث إلى نقد الإسناد به.--------------------------------------------
(1) «الجامع لأخلاق الراوي» 2: 163.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
الأمر الرابع: ذكرت في تمهيد هذا الباب أن البحث عن طرق الأحاديث في مصادر السنة هو البديل عن كتابة الأسانيد في عصر الرواية، وحفظها، وأنبه هنا إلى أنه ليس المقصود بهذا أنه بمنزلته، فمن قام بجمع الطرق فهو مثل أئمة النقد في الرواية، كلا -والله- فلا يقاربه ولا يدانيه، لأسباب عديدة، منها أن وجود الحفاظ النقاد في زمن الرواية قد منحهم وسائل خاصة بهم، لا يمكن للمتأخرين مجاراتهم فيها كما سيأتي في الفصل الرابع من هذا الباب.
ومنها أن كثيرا مما ألف في السنة النبوية لم يصل إلينا، سواء ما ألف في جمع السنة، أو في نقدها، خاصة ما يتعلق بالنقد، ومقارنة المرويات، فإن أكثره مفقود(1)، وما أكثر ما يذكر النقاد وجوها وأسانيد معلقة، ولا يقف عليها الباحث بعد جهد وتعب، وسيأتي نماذج لذلك في ثنايا هذا الكتاب.
وإنما كان البحث في المصادر الموجودة هو البديل لأنه هو الممكن، والباحث بعد تتبعه للطرق، وتفتيشه عنها، وجمعها، يعتمد -بعد اعتماده على الله تعالى- على من تهيأت لهم الأسباب، وهم أئمة النقد وحفاظه، متمما لعملهم، مستحضرا للقدر الذي هو فيه، وللوسائل الممكنة له، وسيمر بنا التأكيد على هذا في مناسباته.
ومن جانب آخر لا ينبغي أن يفهم من الحث على جمع الطرق، والتنقيب الشديد عنها في مصادرها أنه حث على التطويل في التخريج، ودراسة الأسانيد،--------------------------------------------
(1) انظر: «الأحاديث التي أعلها البخاري في التاريخ الكبير» لعادل الزرقي، ص 42 - 47.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
هكذا بإطلاق، فليس هذا هو المقصود، إذ الكلام السابق هو فيما ينظر فيه الباحث، أما القدر الذي يثبته في بحثه فالحديث عنه له مجال آخر، ففي النية إفراده بباب خاص، أتعرض فيه لكيفية عرض التخريج والدراسة.
وهذه قضية طالما تكرر بحثها بين المنتسبين لتخصص السنة، وبين غيرهم، بل يجري بحثها بين المتخصصين أنفسهم، إذ يتوقف بعض الباحثين في قضية التوسع في جمع الطرق، وفي التخريج، وربما ألحقه بعضهم بما يعرف بـ (الترف العلمي).
وأوضح هنا أن التوسع الذي يرغب فيه حيث يكون الحديث بحاجة لذلك، والمقام يناسب التخريج الموسع، سواء بالنسبة لخاصية موضوع البحث، أو بالنسبة للباحث، وحاجته إلى التدرب، وسأوضح هذا بجلاء في الباب الذي وعدت به، وهو باب عرض التخريج والدارسة.
وههنا أمر لا بد من الإشارة إليه، وهو أن قضية التوسع في التخريج، وجمع الطرق من الكتب المشهورة، وغير المشهورة، هو الآن متعين أكثر منه فيما مضى، لسبب في غاية الأهمية، وهو أن جماعة ممن يعتمد على ظواهر الأسانيد، أولعوا في العصور المتأخرة بالبحث عن الطرق، والتفتيش عنها في الكتب والأجزاء، حتى إذا ظفروا بإسناد -في أي مصدر كان-، اعتمدوا عليه، وصححوه، أو عضدوا به غيره، واغتر كثير من الناس بهؤلاء، وظنوا ما فعلوه فتحا في الإسلام، يناقشك الشاب بكل ثقة وجرأة، بأن الشيخ الفلاني توسع في الطرق وجمعها مما لم يصل إليه أحمد، وابن معين، فأحكامه أقرب إلى الصواب، فكان من الواجب على أهل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
التخصص العودة إلى النقطة التي بدأ منها النقاد الأوائل، وبيان حقيقة هذه الطرق التي يقف عليها فلان وفلان، فلو لم يكن في جمع الطرق من قبل الباحث المتخصص الذي ينظر إليها وفق منهج النقاد الأوائل، إلا هذه الفائدة، لكانت كافية، فكيف وفي جمع الطرق فوائد أخرى جليلة، تظهر لمن مارس هذا العلم، ويأتي شيء منها في ثنايا هذا الكتاب.
وفي الجملة فإن من ينكر التوسع في جمع الطرق بإطلاق، هم في الغالب لا يحسنون جمعها، ولا الاستفادة منها والنظر فيها، ومن جهل شيئا أنكره، وعسى أن يكون في هذا الكتاب وأمثاله ما يجلي الحقيقة، ويرشد إلى الصواب، والله الموفق.
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
المبحث الثاني
كثرة طرق الأحاديث وقلتها
الأحاديث ليست على نمط واحد في كثرة الطرق وقلتها، سواء عن صحابي الحديث، أو عن كل راو بعينه، وهذه بعض الأمثلة التي توضح ذلك وتشرحه.
المثال الأول:
قال الترمذي: حدثنا عبدالأعلى بن واصل، حدثنا الحسين بن عطية، قال: حدثنا أبو عاتكة، عن أنس بن مالك قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اشتكت عيني، أفأكتحل وأنا صائم؟ قال: نعم»(1).
انفرد بإخراجه الترمذي، ومن طريقه أخرجه ابن الجوزي(2).
المثال الثاني:
حديث أبي هريرة: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم».
رواه أحمد، عن محمد بن فضيل، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة(3)، قام باحث بدراسة هذا الإسناد، وحكم عليه--------------------------------------------
(1) «سنن الترمذي» حديث (726).
(2) «التحقيق في أحاديث التعليق» 2: 90، وينظر: «تنقيح التحقيق» 2: 316، و «زوائد السنن الأربع على الصحيحين في كتاب الصيام» لعمر المقبل 2: 575.
(3) «مسند أحمد» 2: 232.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
بحكمه الأولي، ثم قام بجمع طرق الحديث.
الطرق الأخرى للحديث كثيرة، لكن كلها ترجع إلى محمد بن فضيل، لم يجد الباحث طرقا أخرى تصله بعمارة بن القعقاع، ولا بأبي زرعة، ولا بأبي هريرة.
فقد وجد الباحث طرقا تصله بطبقة واحدة وهي الطبقة الأولى التي فيها أحمد، فقد رواه معه عن محمد بن فضيل رواة كثيرون، منهم زهير بن حرب، وقتيبة بن سعيد، وأحمد بن إشكاب، ومحمد بن عبدالله بن نمير، وأبو كريب محمد بن العلاء، ويوسف بن عيسى، وعلي بن المنذر، وأبو بكر بن أبي شيبة، وغيرهم(1).
فهذه الطرق كلها تعود إلى محمد بن فضيل.
المثال الثالث:
روى أحمد، عن حسن بن موسى، عن حماد بن سلمة، عن بشر بن حرب، عن أبي سعيد الخدري، حديث: «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يدعو بعرفة هكذا، ورفع يديه حيال ثندوته، وجعل بطون كفيه مما يلي الأرض»(2).--------------------------------------------
(1) «صحيح البخاري» حديث (6406)، (6682)، (7563)، و «صحيح مسلم» حديث (2694)، و «سنن الترمذي» حديث (3467)، و «سنن النسائي الكبرى» حديث (10666)، و «سنن ابن ماجه» حديث (3806)، و «مصنف ابن أبي شيبة» 10: 288، 13: 449، و «مسند أبي يعلى» حديث (6096)، و «صحيح ابن حبان» حديث (831)، (841)، و «الدعاء» للطبراني حديث (1692)، و «حلية الأولياء» 10: 400، و «الأسماء والصفات» ص 499، و «شعب الإيمان» حديث (591)، و «تحفة الأشراف» 10: 443.
(2) «مسند أحمد» 3: 14، 96.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
خرجه أحد الباحثين، فوجد أن ابن أبي شيبة قد رواه عن حسن بن موسى، كما رواه أحمد، وأن عددا من الرواة قد رووه عن حماد بن سلمة مع حسن بن موسى، منهم: روح بن عبادة، ويونس بن محمد، وعفان، وأبو داود الطيالسي، وعلي بن الجعد(1)، ولم يقف على طريق آخر إلى بشر بن حرب غير طريق حماد بن سلمة، ولا إلى أبي سعيد غير هذا الطريق.
المثال الرابع:
روى أحمد، عن وكيع، عن سفيان الثوري، عن إسماعيل بن عبدالرحمن السدي، عن يحيى بن عباد أبي هبيرة، عن أنس بن مالك: «أن أبا طلحة سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أيتام ورثوا خمرا، قال: أهرقها، قال أفلا نجعلها خلا؟ قال: لا»(2).
روى الحديث مع أحمد عن وكيع: ابن أبي شيبة، وزهير بن حرب، ورواه مع وكيع، عن سفيان الثوري: عبدالرحمن بن مهدي، ويحيى بن سعيد القطان، وقبيصة، والفريابي، وأبو داود الحفري، وغيرهم، ورواه عن إسماعيل السدي، مع سفيان الثوري: إسرائيل بن يونس، وقيس بن الربيع، ورواه عن يحيى بن عباد، مع السدي: ليث بن أبي سليم(3).--------------------------------------------
(1) «مسند أحمد» 3: 13، 85، 96، و «مسند الطيالسي» حديث (2174)، و «الجعديات» حديث (3363)، و «مصنف ابن أبي شيبة» 10: 287، و «شرح معاني الآثار» 2: 177.
(2) «مسند أحمد» 3: 119، 180.
(3) «صحيح مسلم» حديث (1983)، و «سنن أبي داود» حديث (3675)، و «سنن الترمذي» حديث (1293 - 1294)، و «مسند أحمد» 3: 260، و «مصنف بن أبي شيبة» 8: 202، و «الأموال» لأبي عبيد حديث (282)، و «سنن الدارمي» حديث (2115)، و «المنتقى» حديث (854)، و «مسند أبي يعلى» حديث (4045)، و «مسند أبي عوانة» 5: 274 - 275، و «سنن الدارقطني» 4: 265، 266، و «سنن البيهقي» 6: 37.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
فهذا الحديث وجد له الباحث طرقا أخرى إلى جل رواة الإسناد، فوجد الباحث لهذا الحديث طرقا إلى وكيع في الطبقة الأولى، وإلى سفيان الثوري في الثانية، وإلى السدي في الثالثة، وإلى يحيى بن عباد في الرابعة، وبقي أنس بن مالك لم يقف الباحث على طريق آخر إليه غير طريق يحيى بن عباد.
المثال الخامس:
روى أحمد عن بهز بن أسد، عن عكرمة بن عمار، عن إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم قاعدا في المسجد، إذ جاء أعرابي فبال في المسجد … » الحديث(1).
ورواه مع أحمد، عن بهز بن أسد: عبدالله بن هاشم، ورواه مع بهز بن أسد، عن عكرمة بن عمار: عمر بن يونس الحنفي، وأبو الوليد الطيالسي، والنضر بن محمد، وأبو حذيفة موسى بن مسعود، ورواه مع عكرمة، عن إسحاق بن عبدالله: همام بن يحيى، ورواه مع إسحاق، عن أنس: ثابت البناني، ويحيى بن سعيد الأنصاري(2).--------------------------------------------
(1) «مسند أحمد» 3: 191.
(2) «صحيح البخاري» حديث (219 - 221)، (6025)، و «صحيح مسلم» حديث (284 - 285)، و «سنن الترمذي» حديث (148)، و «سنن النسائي» حديث (53 - 55)، و «مسند أحمد» 3: 111، 114، 167، 226، و «مسند أبي عوانة» 1: 214 - 215، و «صحيح ابن حبان» حديث (1401)، و «سنن البيهقي» 2: 412 - 413، 10: 103.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
هذه أحاديث مختلفة بالنسبة لوقوف الباحث على طرق أخرى إلى رواة إسناده الأصل، وهناك احتمالات أخرى للأحاديث، فقد يقف الباحث على طرق أخرى تصله بالطبقة الأولى والثانية، ثم لا يجد في الثالثة شيئا، ثم يعود فيقف على طرق تصله بالطبقة الرابعة، وهكذا.
والمهم هنا معرفة أن عدد الطرق في كل طبقة يختلف من حديث لآخر، ولا يمكن أن ينضبط هذا الأمر، وكل باحث مسؤول عن نتيجة بحثه بالنسبة لعدد الطرق التي يذكرها في دراسته للحديث، ويختلف هذا من باحث لآخر، فلو قال الباحث مثلا: لم أقف على هذا الحديث إلا بهذا الإسناد - لا يلزم أن يكون ذلك هو واقع الحال، فقد يقف باحث آخر على إسناد آخر، أو ربما أسانيد أخر، فجمع الطرق من أهم القضايا التي يظهر فيها الاختلاف بين الباحثين قوة وضعفا، ومعنى هذا أن الباحث لا ينبغي له التسليم بما يقوله الآخرون، فكم ترك الأول للآخر.
ذكر أحد الباحثين ما أخرجه أحمد، عن عفان بن مسلم، عن حماد بن سلمة، عن سهيل بن أبي صالح، وعبدالله بن عثمان بن خثيم، عن عون بن عبدالله بن عتبة بن مسعود، عن عبدالله بن مسعود مرفوعا: «من قال: اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة … » الحديث(1)، وقال في تخريجه بعد--------------------------------------------
(1) «مسند أحمد» 1: 412.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)
أن ذكر أن رجاله ثقات، وأن فيه انقطاعا بين عون، وابن مسعود: «لم أقف عليه في غير هذا الموضع»(1).
وللحديث طريق آخر إلى عون بن عبدالله، فقد رواه المسعودي، عن عون، عن أبي فاختة، عن الأسود بن يزيد، عن ابن مسعود، وقيل عن المسعودي بإسقاط أبي فاختة(2)، وجاء من طريق القاسم بن عبدالرحمن، عن ابن مسعود(3).
وذكر باحث آخر ما رواه الترمذي عن يحيى بن أكثم، عن عبدالعزيز بن أبي حازم، عن كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن المرأة لتأخذ للقوم -يعني تجير على المسلمين-»(4)، واكتفى بتخريجه من «العلل الكبير» للترمذي أيضا(5).
والحديث رواه إبراهيم بن حمزة الزبيري، عن عبدالعزيز بن أبي حازم بلفظ: «يجير على المسلمين أدناهم»(6)، وكذا رواه سليمان بن بلال، عن كثير بن زيد، لكن قال: «يجير على أمتي أدناهم»(7)، ورواه أبو صالح، عن أبي هريرة--------------------------------------------
(1) وانظر أيضا حاشية «مسند أحمد» 7: 32 حديث (3916) تحقيق الأرنؤوط.
(2) «مصنف ابن أبي شيبة» 10: 329، و «المعجم الكبير» حديث (8918)، و «المستدرك» 2: 377.
(3) «الدعاء» لمحمد بن فضيل حديث (51).
(4) «سنن الترمذي» حديث (1579).
(5) «العلل الكبير» 2: 676.
(6) «الكامل» 6: 2088، و «المستدرك» 2: 141، و «سنن البيهقي» 9: 94.
(7) «مسند أحمد» 3: 365.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)
بلفظ: «ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم»(1)، فيظهر أن يحيى بن أكثم رواه بالمعنى، والحديث واحد.
ويشار هنا إلى أنه ليس كل من ترك طرقا للحديث لم يذكرها فهو مقصر، أو محل لأن يستدرك عليه، فذكر طرق الحديث يخضع لمنهج الباحث الذي التزم به واختاره ليناسب موضوع بحثه، وكذلك حاجة الحديث الذي يبحث فيه، وهكذا يقال في عدد الطرق التي يوردها، يخضع كذلك لمنهجه الذي اختطه لنفسه، ولحاجة الحديث الذي بين يديه.
وسيأتي الحديث عن هذه القضايا وما يتعلق بها في باب خاص، وهو المتعلق بكتابه التخريج والدراسة، يسر الله تعالى الوصول إليه.
* * *--------------------------------------------
(1) «صحيح مسلم» حديث (1371)، و «مسند أحمد» 3: 365.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)
الفصل الثاني
مصطلحات في مقارنة المرويات
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)