اشتهر هذا الحديث عن إسماعيل بن رجاء، وعرف به، ورواه الحسن بن يزيد الأصم، عن السدي، عن أوس بن ضمعج(1)، فاستنكره النقاد على الحسن بن يزيد، قال أبو حاتم لما سئل عن هذه المتابعة: «إنما رواه الحسن بن يزيد الأصم، عن السدي، وهو شيخ، أين كان الثوري، وشعبة، عن هذا الحديث؟ وأخاف ألا يكون محفوظا»(2).
وكذا استنكره ابن عدي عليه مع أحاديث أخر عن السدي(3).
وروى برد بن سنان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي، والباب مغلق عليه، فجئت فاستفتحت … » الحديث(4).
سئل عنه أبو حاتم فقال: «لم يرو هذا الحديث أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم غير برد، وهو حديث منكر ليس يحتمل الزهري مثل هذا الحديث، وكان برد يرى القدر»(5).
وبرد هذا وثقه الجمهور، ومنهم من لينه، لكنه ليس من أصحاب الزهري، ولذا قال الجوزجاني بعد كلامه عن أصحاب الزهري المعروفين: «قوم رووا عن--------------------------------------------
(1) وكان الحسن يسميه: أوس بن ضبعج، وخطأه أحمد في ذلك، انظر: «العلل ومعرفة الرجال» 1: 387.
(2) «علل ابن أبي حاتم» 1: 92.
(3) «الكامل» 2: 738.
(4) «سنن أبي داود» حديث (922)، و «سنن الترمذي» حديث (601)، و «سنن النسائي» حديث (1205)، و «مسند أحمد» 6: 31، 183، 234.
(5) «علل ابن أبي حاتم» 1: 165.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 292)
الزهري قليلا، أشياء يقع في قلب المتوسع في حديث الزهري أنها غير محفوظة، منهم برد بن سنان، وروح بن جناح، وغيرهما»(1).
وتعرض الذهبي أيضا لبعض الضوابط في تفرد الثقة، وسأنقل كلامه بطوله، ثم أعقب عليه، قال: «مثل يحيى القطان يقال فيه: إمام، وحجة، وثبت، وجهبذ، وثقة ثقة، ثم ثقة حافظ، … ، ثم ثقة متقن، ثم ثقة عارف، وحافظ صدوق، ونحو ذلك.
فهؤلاء الحفاظ الثقات: إذا انفرد الرجل منهم من التابعين فحديثه صحيح، وإن كان من الأتباع قيل: صحيح غريب، وإن كان من أصحاب الأتباع قيل: غريب فرد، ويندر تفردهم، فتجد الإمام عنده مئتا ألف حديث لا يكاد ينفرد بحديثين، ثلاثة، ومن كان بعدهم فأين ما ينفرد به؟ ما علمته، وقد يوجد.
ثم ننتقل إلى اليقظ الثقة المتوسط المعرفة والطلب، فهو الذي يطلق عليه أنه ثقة، وهم جمهور رجال (الصحيحين)، فتابعيهم إذا انفرد بالمتن خرج حديثه ذلك في الصحاح.
وقد يتوقف كثير من النقاد في إطلاق الغرابة مع الصحة في حديث أتباع الثقات، وقد يوجد بعض ذلك في الصحاح دون بعض.
وقد يسمي جماعة من الحفاظ الحديث الذي ينفرد به مثل هشيم، وحفص بن غياث: منكرا، فإن كان المنفرد من طبقة مشيخة الأئمة، أطلقوا النكارة على ما--------------------------------------------
(1) «شرح علل الترمذي» 2: 674.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 293)
انفرد به، مثل عثمان بن أبي شيبة، وأبي سلمة التبوذكي، وقالوا: هذا منكر … »(1).
فقسم الذهبي في كلامه السابق الثقات قسمين، الثقات الحفاظ، وهم الذين عرفوا بالحفظ والإتقان، وندرة الخطأ، فهؤلاء يقبل تفرد التابعين منهم عن الصحابة، وتفرد تابعي التابعين عن التابعين.
والقسم الثاني الثقات، وهم جماعة يوصف الواحد منهم بأنه ثقة، لكنه ليس من الحفاظ المتقنين، وهم مع ذلك متوسطو المعرفة، أي المعرفة بنقد الحديث، فلا يؤمن أن يخطئ الواحد منهم، ولا يتنبه لذلك، فهؤلاء يقبل تفرد التابعين منهم عن الصحابة، ويتوقف فيما عدا ذلك.
فيلحظ أن الذهبي سبر عمل الأئمة في استنكار ما يتفرد به الثقة فوجدهم يراعون أمرين، الأول: قوة الراوي واشتهاره بالحفظ والضبط، فلا شك أن هذا يجبر ما يقع منه من تفرد، ومن هذا الباب قول مسلم: «للزهري نحو تسعين حرفا يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم، لا يشاركه فيها أحد، بأسانيد جياد»(2).
وكلام الذهبي يفهم منه أن تفرد الصدوق ونحوه لا إشكال في عده منكرا، وقد صرح الذهبي بذلك في مكان آخر، فقال: «إن تفرد الثقة المتقن يعد صحيحا غريبا، وإن تفرد الصدوق ومن دونه يعد منكرا»(3).--------------------------------------------
(1) «الموقظة» ص 77.
(2) «صحيح مسلم» حديث (1647)، وانظر: «النكت على كتاب ابن الصلاح» 2: 672.
(3) «ميزان الاعتدال» 3: 140.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 294)
وقال أيضا متعقبا ابن القطان في تقويته حديثا لثابت بن عجلان وأنه لايضره تفرده وقد وثق: «أما من عرف بالثقة فنعم، وأما من وثق ومثل الإمام أحمد يتوقف فيه، ومثل أبي حاتم يقول: صالح الحديث، فلا نرقيه إلى رتبة الثقة، فتفرد هذا يعد منكرا»(1).
ومما يتنبه له هنا ما قد يكون في الراوي من تفصيل في بعض حالاته، أو في بعض شيوخه(2)، فيكون التعامل معه في كل حال بما يناسبه، فلو كان في الأصل ثقة ثبتا، وهو في بعض شيوخه صدوق أو دون ذلك، فلا بد من مراعاة هذا، وهو أمر ظاهر، وإنما نبهت عليه لكثرة إغفاله من الباحثين.
ومن أمثلة ذلك ما رواه عبدالرزاق، عن الثوري، عن قيس بن مسلم، عن الحسن بن محمد بن الحنفية، عن عائشة، قالت: «أهدي للنبي صلى الله عليه وسلم وشيقة لحم وهو محرم، فلم يأكله»(3).
قال ابن رجب: «ذكر لأحمد حديث عبدالرزاق … ، فجعل أحمد ينكره إنكارا شديدا، وقال: هذا سماع مكة»(4).
ومراده أن سماع عبدالرزاق من سفيان الثوري بمكة فيه شيء، وإنما ضبط--------------------------------------------
(1) «ميزان الاعتدال» 1: 365.
(2) انظر: ما تقدم في «الجرح والتعديل» ص 100 - 157.
(3) «مصنف عبدالرزاق» حديث (8324)، و «مسند أحمد» 6: 225.
(4) «شرح علل الترمذي» 2: 771.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 295)
عنه باليمن حين قدم عليهم سفيان، وقد تقدم ذكر هذا(1).
وروى وهب بن جرير، عن شعبة، عن أبي حصين، عن يحيى بن وثاب، عن أبي عبدالرحمن السلمي، عن أم حبيبة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي على الخمرة»(2).
سئل عنه أبو حاتم، فقال: «هذا حديث ليس له أصل، لم يروه غير وهب»(3).
ووهب بن جرير -مع ثقته- قد تكلم في روايته عن شعبة، تكلم فيها عبدالرحمن بن مهدي، وعفان بن مسلم، وذكر عفان أنها أحاديث عبدالرحمن الرصاصي، شيخ يروي عن شعبة(4).
والثاني: طبقة الراوي، فلا شك أن التفرد يحتمل في رواية التابعي عن الصحابي، وكذلك -مع الحفظ والضبط- يحتمل في رواية تابع التابعي عن التابعي، وأما بعد ذلك، أي في عصر انتشار الرواية، وحرص الرواة على التقصي والتتبع، والرحلة إلى البلدان الأخرى بغرض الرواية، وانتشار الكتابة، فإن وقوع التفرد -وهو تفرد صحيح- فيه بعد، فالغالب أن يكون خطأ من المتفرد، ولذا يستنكره الأئمة من الثقة الضابط أيضا.--------------------------------------------
(1) «الجرح والتعديل» ص 107.
(2) «مسند أبي يعلى» حديث (7131)، و «صحيح ابن حبان» حديث (2312)، و «المعجم الكبير» 23 حديث (482)، و «الجامع لأخلاق الراوي» 1: 204.
(3) «علل ابن أبي حاتم» 1: 123.
(4) «العلل ومعرفة الرجال» 2: 313.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 296)
وهذا الإمام مالك -وهو من هو في الحفظ والإتقان، ومن طبقة تابعي التابعين- ارتاب في سؤال أهل العراق له عن حديثه عن سمي مولى أبي بكر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعا: «السفر قطعة من العذاب»، فسأل عن ذلك، فقيل له: لم يروه عن سمي أحد غيرك، فقال: «لو عرفت ما حدثت به»، وكان مالك لهذا السبب ربما أرسله(1).
وقد روي أنه قال ذلك في حديثه عن الزهري، عن أنس، في دخول النبي صلى الله عليه وسلم مكة وعلى رأسه المغفر، وقد تفرد به عن الزهري، فكان يسأل عنه، وسمعه منه من هو أسن منه، كابن جريج وغيره(2).
وقال محمد بن عبدالله بن نمير: «كان وكيع إذا كان في كتابه حديث ينكره أمسك عنه، لم يحدث به، فإذا جاء إليه بنو أبي شيبة والحفاظ ذاكرهم بشيء منه، فإن ذكروه وقالوا: حُدِّثنا به عن فلان - ذكره، وإن شكوا فيه أمسك عنه»(3).
ويذكر بهذه المناسبة -أي استبعاد وقوع التفرد في الطبقات المتأخرة، وهو صحيح- قصة أبي حاتم وهو عند أبي الوليد الطيالسي، قال أبو حاتم: «قلت على باب أبي الوليد الطيالسي: من أغرب علي حديثا غريبا مسندا صحيحا لم أسمع به فله علي درهم يتصدق به، وقد حضر على باب أبي الوليد خلق من الخلق،--------------------------------------------
(1) «فتح الباري» 4: 623. ومعنى يسأل عنه أي يطلب منه أن يحدث به.
(2) «التعديل والتجريح» 1: 300.
(3) «الجامع لأخلاق الراوي» 2: 45.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 297)
أبو زرعة فمن دونه، وإنما كان مرادي أن يلقى علي ما لم أسمع به، فيقولون: هو عند فلان، فأذهب فأسمع، وكان مرادي أن استخرج منهم ما ليس عندي، فما تهيأ لأحد منهم أن يغرب علي حديثا»(1).
وقضية ظهور حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمن متأخر وإن كان في عصر الرواية من أعظم الدلائل على نكارته، فقد كانت العناية بسنته وجمعها قد بلغ الغاية التي ليس فوقها غاية، فمن المستحيل أن يفوت شيء على عموم الرواة في طبقات متعددة، ثم يظهر فجأة في زمن متأخر، خاصة إذا كان في أصل من أصول الشرع، والحاجة إليه ماسة في الاستدلال والتشريع.
ومما يؤكد هذا أن الحديث إذا كان قد تم تداوله في الزمن الأول بإسناد معين، ثم ظهر في زمن متأخر إسناد جديد، فهو دليل قاطع على نكارة المتن بالإسناد الجديد.
وقد تقدم في المبحث الثالث من الفصل الرابع من الباب الأول الإشارة إلى هذا، وأن النقاد الأوائل قد قاموا بعبء كبير في هذا السبيل.
ومن أمثلة ذلك أن الأعمش يروي عن عدي بن ثابت، عن زر بن حبيش، عن علي أنه قال: إنه لعهد النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق»(2).--------------------------------------------
(1) «الجرح والتعديل» 1: 355.
(2) «صحيح مسلم» حديث (78) ، و «سنن الترمذي» حديث (3736)، و «سنن النسائي» حديث (5033) ، (5037) ، و «سنن ابن ماجه» حديث (114) ، و «مسند أحمد» 1: 84، 95، 128.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 298)
ورواه يحيى بن عبدك القزويني، عن حسان بن حسان البصري، عن شعبة، عن عدي بن ثابت(1).
قال أبو حاتم: «الحديث معروف بالأعمش، ومن حديث شعبة غلط، ولو كان هذا عند شعبة كان أول ما يسأل عن هذا الحديث»(2).
ومراد أبي حاتم أن شعبة بصري، والحديث في فضائل علي، فلو كان عنده لكان أولى أن يشتهر عنه من شهرته عن الأعمش، فهو كوفي.
وذكر ابن حجر في «إتحاف المهرة» في ترجمة (عبدالله بن شداد - عن عائشة)، قال: «حديث ظاهره الصحة، له علة، ذكرته للمعرفة: قال الآجري: قيل لأبي داود: سفيان -هو الثوري- عن عبدالملك بن عمير، عن عبدالله بن شداد، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا نكاح إلا بولي»، فقال: هذا باطل، ما كان حديث قط بهذا الإسناد، ولا يكون، فقيل له: حدث بهذا عبدالرزاق، قال: ولو حدث بهذا عبدالرزاق أهل صنعاء لعلمنا أنه باطل، ولو كان هذا عند سفيان لما احتاجوا إلى هذه المراسيل»(3).
يريد أبو داود أن من يشترط الولي في النكاح احتج بأحاديث فيها علل من جهة إرسالها، وهذا إسناد مستقيم، لو كان صحيحا لما احتاجوا لتلك المراسيل.--------------------------------------------
(1) «معجم شيوخ الصيداوي» ص 237، و «الحلية» 4: 185، و «موضح أوهام الجمع والتفريق» 2: 468.
(2) «علل ابن أبي حاتم» 2: 400، وانظر مثالا أخر لأبي حاتم في «علل ابن أبي حاتم» (1225).
(3) «إتحاف المهرة» 17: 21.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 299)
وروى الخليلي عن أبي عبدالله الحاكم، عن أبي أحمد الحاكم قوله: «قال لي أبو عروبة بحران: يا أبا أحمد، بلغني أن ببغداد شيخا يروي عن محمد بن يحيى القطعي، عن عاصم بن هلال البارقي، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا طلاق ولا عتق فيما لا يملك»؟ فقلت: نعم، حدثنا يحيى بن محمد بن صاعد الحافظ، حدثنا محمد بن يحيى به.
فقال لي: يا أبا أحمد، لم يعمل شيئا، لو كان هذا الحديث عند أيوب، عن نافع، لما احتج به الناس منذ مئتي سنة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده».
ثم روى الخليلي حديث أيوب، عن أبي حفص عمر بن إبراهيم المقرئ، عن يحيى بن صاعد به، وفيه: «قال ابن صاعد: هذا حديث لا أعرف له علة»(1).
وكلمة أبي عروبة الحراني هذه في حديث ابن عمر في غاية الأهمية، فهذا المتن إنما يعرفه الأولون من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده(2)، ولو كان عند أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، لاحتفوا به، فإنه من أصح الأسانيد، ولم يحتاجوا لإسناد عمرو بن شعيب، مع ما فيه من كلام(3).
وفي كتب الفقه المتأخرة أمثلة كثيرة لهذا النوع، أحاديث يستدل بها الفقهاء--------------------------------------------
(1) «الإرشاد» 1: 459.
(2) أخرجه أبو داود حديث (2190)، والترمذي حديث (1181)، وابن ماجه حديث (2047)، وأحمد 2: 189، 190، 207.
(3) وانظر في سبب وقوع ابن صاعد في الخطأ: «الكامل» 5: 1873.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 300)
لمذاهب أئمتهم المتقدمين، لم يستدل بها الأولون، لكونها لم تظهر في زمنهم، أو ظهرت ولكن بأسانيد جديدة، تلتقط من كتب متأخرة في عصر الرواية.
والجميع يدرك أن التفرد كثر جدا في مؤلفات من تأخر بعد عصور النقد، أعني في نهاية القرن الثالث، وما بعده، مثل «مسند البزار»، و «المعجم الكبير» للطبراني، و «سنن الدارقطني»، و «مستدرك الحاكم»، و «سنن البيهقي»، فضلا عن الكتب المخصصة للأفراد والغرائب، مثل «المعجم الأوسط»، و «المعجم الصغير» للطبراني، و «الأفراد» للدارقطني، و «غرائب مالك» له، وكتب التراجم، مثل كتب أبي نعيم الأصبهاني، والخطيب البغدادي، وكتب الرجال، مثل «الضعفاء الكبير» للعقيلي، و «المجروحين» لابن حبان، و «الكامل» لابن عدي، وغير ذلك كثير جدا، فضابط تأخر الزمن وأثره في الرد بالتفرد، والحكم على الحديث بالنكارة، ينبغي أن يستخدمه الباحث كثيرا فيما لم يقف عليه إلا في هذه الكتب.
نقل ابن حجر في ترجمة الطبراني عن أبي بكر بن أبي علي قوله: «كان الطبراني واسع العلم، كثير التصانيف … ، وقد عاب عليه إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي جمعه الأحاديث بالأفراد، مع ما فيها من النكارة الشديدة والموضوعات، وفي بعضها القدح في كثير من القدماء، من الصحابة وغيرهم … »(1).
وقال ابن رجب بعد أن نقل كلمة الخطيب التي ينعى فيها على بعض طلبة الحديث في زمانه، لاشتغالهم بالغريب دون المشهور، وسماع المنكر دون المعروف،--------------------------------------------
(1) «لسان الميزان» 3: 75.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 301)
قال: «وهذا الذي ذكره الخطيب حق، ونجد كثيرا ممن ينتسب إلى الحديث لا يعتني بالأصول الصحاح، كالكتب الستة ونحوها، ويعتني بالأجزاء الغريبة، وبمثل «مسند البزار»، و «معاجم الطبراني»، و «أفراد الدارقطني»، وهي مجمع الغرائب والمناكير»(1).
وسيأتي في الباب الثالث، في المبحث الثالث من الفصل الثاني منه، التأكيد على قانون عظيم من قوانين الرواة، يتم تسخيره للنقد، وهو أن الرواة في عصر الرواية يبحثون عن الأتم صورة ومعنى، فيستفاد من هذا أنه إذا اشتهر عندهم حديث بإسناد، ثم ظهر بعدهم بإسناد أتم منه، فلا يصح قبول ما ظهر متأخرا، فهو خطأ ولا بد.
ثم إن ما ذكره مسلم، وما حرره الذهبي من عمل الأئمة، هي ضوابط عامة، تزداد قوة بأشياء أخرى غير حال الراوي، مثل طول الحديث وغرابة لفظه، أو كونه أصلا في بابه، أو أحد رواته من أهل بلد يرويه عن راو آخر من--------------------------------------------
(1) «شرح علل الترمذي» 2: 624. وانظر في الكلام على الكتب المتأخرة، وكثرة الغريب والمنكر فيها: «الموضوعات» 1: 99، و «مجموع فتاوى ابن تيمية» 17: 126، و «الحطة في ذكر الصحاح الستة» ص 120 - 123، ومقدمة التحقيق لـ «نسخة ابن معين» لعصام السناني، ص 194 - 212، وشرحي لكتاب ابن حجر «نزهة النظر» في موضوع (الغريب)، وانظر مثالا على حديث تفرد به أحد أصحاب هذه الكتب، وأمكن نقده من وجوه، منها أنه لا يوجد في دواوين السنة الأولى: «سنن الدارقطني» 1: 182، و «تهذيب سنن أبي داود» لابن القيم 3: 251، و «تنقيح التحقيق» لابن عبدالهادي 2: 326 - 327.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 302)
غير بلده، ولا يعرف ذلك في بلد الشيخ(1).
وكذلك هذه الضوابط لا يفهم منها أنهم لا يستنكرون الحديث بالتفرد إلا مع وجودها، فهناك أمور دقيقة قد تصاحب التفرد توجب التوقف فيه واستنكار الحديث، وإن لم تتوافر ضوابط الرد المذكورة، ولذا قال ابن رجب: «أكثر الحفاظ المتقدمين يقولون في الحديث إذا انفرد به واحد، وإن لم يرو الثقات خلافه: إنه لا يتابع عليه، ويجعلون ذلك علة فيه، اللهم إلا أن يكون ممن كثر حفظه، واشتهرت عدالته وحديثه، كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضا، ولهم في كل حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه»(2).
وما ذكره ابن رجب يمكن التمثيل له بحديث شبابة، عن شعبة، عن بكير بن عطاء، عن عبدالرحمن بن يعمر في الدباء والمزفت، الماضي ذكره في الفصل الأول، فإن شبابة أحد المكثرين عن شعبة، ولذا دافع عنه ابن المديني من هذه الجهة، غير أن الأئمة تواردوا على استنكار حديثه هذا، وذلك لما انضم إلى التفرد من كون عبدالرحمن بن يعمر ليس له إلا حديث واحد، يرويه أيضا شعبة، وكذا سفيان الثوري، عن بكير بن عطاء، عنه، وهو حديث «الحج عرفة»، فيبعد جدا أن يكون بهذا الإسناد حديث آخر عند شعبة، ويفوت سائر أصحابه على كثرتهم، ويحفظه واحد منهم، مع أن فيهم من هو مقدم على شبابة، إما في الكثرة--------------------------------------------
(1) انظر من أمثلة ذلك: «علل ابن أبي حاتم» (960)، (1140)، (1325)، (1392)، (1948)، (2886).
(2) «شرح علل الترمذي» 2: 582.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 303)
أو الحفظ أو كليهما، مثل محمد بن جعفر، ويحيى القطان، وعبدالرحمن بن مهدي، ومعاذ بن معاذ، وخالد بن الحارث، وأبي الوليد الطيالسي، وأبي داود الطيالسي، وغيرهم(1).
ومن ذلك أيضا ما رواه الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: متى كنت نبيا؟ … » الحديث(2)، استنكره أحمد وقال: هو من خطأ الأوزاعي(3).
والأوزاعي من كبار أصحاب يحيى بن أبي كثير، ومن المقدمين فيه، نص عليه أحمد وغيره(4)، ولم يمنع هذا أحمد من استنكار حديثه الذي تفرد به عنه، فالأوزاعي قد حفظ عنه غير خطأ في حديث يحيى، فإن كتابه عن يحيى قد احترق، أو ضاع، فكان يحدث عنه من حفظه(5)، يضاف إلى ذلك ما في المتن من نكارة.
ولا ينبغي أن يفهم من تحرير ضوابط قبول التفرد أو رده على أن ما استنكره--------------------------------------------
(1) انظر في أصحاب شعبة: «شرح علل الترمذي» 2: 702 - 705.
(2) «سنن الترمذي» حديث (3609)، و «المستدرك» 2: 609، و «ذكر أخبار أصبهان» 2: 226، و «دلائل النبوة» 2: 130.
(3) «علل المروذي» ص 150.
(4) «تاريخ الدوري عن ابن معين» 2: 618، 653، و «سؤالات الآجري لأبي داود» 2: 38، و «الجرح والتعديل» 9: 60، 61.
(5) انظر: ما تقدم في «الجرح والتعديل» ص 439 - 440.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 304)
النقاد ينظر فيه الباحث وفق هذه الضوابط، ثم قد يوافقهم أو يخالفهم، فهذا غير مراد، فالنقاد إذا تواردوا على استنكار حديث، فالتسليم لهم واجب، سواء أدركنا سبب استنكارهم، أو خفي علينا ذلك، ومثله إذا استنكر الواحد منهم حديثا، ولم يخالفه غيره، ينبغي التسليم له كذلك، وسيأتي مزيد شرح لأهمية كلام النقاد في التفرد في الفصل الرابع.
فمعرفة هذه الضوابط -والحالة هذه- تفيد الباحث من جهة كونه يعرف الحكم بدليله، وهذا ما يفرقه عن العامي، وكذلك قد يحتاج هو إلى تطبيق هذه الضوابط في حالات أخرى، مثل أن يكون النقاد قد اختلفوا في الحكم على تفرد بالقبول، أو الرد، فيضطر الباحث إلى الموازنة بينهم، وكذلك في حال وقوف الباحث على تفرد لم يجد للأئمة فيه حكما، فيجتهد هو في تطبيقها.
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 305)
الفصل الثالث
موقف المتأخرين من التفرد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 307)
تعد مسألة التفرد وتأثيرها على حكم الناظر في الإسناد إحدى المسائل البارزة التي خالف فيها المتأخرون ما عليه أئمة النقد، فما زال الاهتمام بالتفرد يخف شيئا فشيئا بعد الثلاثمائة، حتى استحكم جدا في الوقت الحاضر.
وقد كان هناك جهود من بعض الأئمة المتأخرين لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وسد الهوة الواسعة بين المنهجين، كما تقدم في الفصل الذي قبل هذا في كلام الذهبي، وابن رجب، غير أن تأثير هذه الجهود كان محدودا، والتيار كان جارفا.
ومخالفة المتأخرين لأئمة النقد في هذه المسألة ذات شقين، الأول: البحوث والتقريرات النظرية، والثاني: التطبيق العملي.
فأما الأول فمنه قول ابن حزم: «إذا روى العدل عن مثله كذلك خبرا حتى يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم فقد وجب الأخذ به، ولزمت طاعته والقطع به، سواء أرسله غيره أو أوقفه سواه، أو رواه كذاب من الناس، وسواء روي من طريق أخرى أو لم يرو إلا من تلك الطريق … »(1).
وقال أيضا: «إذا روى العدل زيادة على ما روى غيره، فسواء انفرد بها أو شاركه فيها غيره مثله أو دونه أو فوقه، فالأخذ بتلك الزيادة فرض، ومن خالفنا في ذلك فإنه يتناقض أقبح تناقض، ولا فرق بين أن يروي الراوي العدل حديثا فلا يرويه أحد غيره، أو يرويه غيره مرسلا، أو يرويه ضعفاء، وبين أن يروي الراوي العدل لفظة زائدة لم يروها غيره من رواة الحديث … ، وهذه الزيادة،--------------------------------------------
(1) «الإحكام في أصول الأحكام» 1: 157.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 309)
وهذا الإسناد، هما خبر واحد عدل حافظ، ففرض قبولهما، ولا نبالي روى مثل ذلك غيرهما، أو لم يروه سواهما … »(1).
ويذكر أبو محمد عبدالحق الإشبيلي في كتاب «الأحكام الوسطى» عن النقاد، تعليل بعض الأحاديث بأن راويها قد انفرد بها، أو لم يتابع، فيتعقبه ابن القطان في كتابه «بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام»، ومن ذلك قوله ملخصا هذا الأمر: «وهناك اعتلالات أخر يعتل بها أيضا أبو محمد على طريقة المحدثين … ، فمن ذلك انفراد الثقة بالحديث، أو بزيادة فيه، وعمله فيه هو الرد -ثم ذكر أمثلة على ذلك، ثم قال-: والذي له من هذا النوع هو كثير جدا مما لم نذكر، مما هو عندنا صحيح لم يضره هذا الاعتلال … ، وإنما أقصد في هذا الباب إلى ذكر مثل مما ضعف به أحاديث ينبغي أن يقال فيها: إنها صحيحة، لضعف الاعتلال عليها، كهذا الاعتلال الذي هو الانفراد، فإنه غير ضار، إذا كان الراوي ثقة، وأصعب ما فيه الانفراد بزيادة لم يذكرها رواة الخبر الثقات، وأخفها أن يجيء بحديث لا نجده عند غيره»(2).
وذكر ابن الصلاح في حديثه عن مصطلح (المنكر) ما نصه: «بلغنا عن أبي بكر أحمد بن هارون البرديجي الحافظ: أنه الحديث الذي ينفرد به الرجل، ولا يعرف متنه من غير روايته، لا من الوجه الذي رواه منه، ولا من وجه آخر، فأطلق البرديجي ذلك، ولم يفصل، وإطلاق الحكم على التفرد بالرد أو النكارة،--------------------------------------------
(1) «الإحكام في أصول الأحكام» 1: 264 - 266.
(2) «بيان الوهم والإيهام» 5: 456 - 461، وانظر أيضا: 3: 282، 396.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 310)
أو الشذوذ، موجود في كلام كثير من أهل الحديث، والصواب فيه التفصيل الذي بيناه آنفا في شرح الشاذ … »(1).
وكان ابن الصلاح قد ذكر في حديثه عن مصطلح (الشاذ) تعريف الحاكم والخليلي للشاذ، الماضي ذكرهما في الفصل الأول من هذا الباب، لكنه لم يرتض كلامهما، وقال: «بل الأمر على تفصيل نبينه فنقول: إذا انفرد الراوي بشيء نظر فيه، فإن كان ما انفرد به مخالفا لما رواه من هو أولى منه بالحفظ لذلك وأضبط - كان ما انفرد به شاذا مردودا، وإن لم يكن فيه مخالفة لما رواه غيره، إنما هو أمر رواه هو ولم يروه غيره، فينظر في هذا الراوي المتفرد، فإن كان عدلا حافظا موثوقا بإتقانه، وضبطه، قبل ما انفرد به، ولم يقدح الانفراد فيه -ثم ضرب أمثلة لذلك، ثم قال-: وإن لم يكن ممن يوثق بحفظه وإتقانه لذلك الذي انفرد به كان انفراده به خارما له، مزحزحا له عن حيز الصحيح.
ثم هو بعد دائر بين مراتب متفاوتة بحسب الحال فيه، فإن كان المنفرد به غير بعيد من درجة الضابط المقبول تفرده، استحسنا حديثه ذلك، ولم نحطه إلى قبيل الحديث الضعيف، وإن كان بعيدا عن ذلك رددنا ما انفرد به، وكان من قبيل الشاذ المنكر … »(2).
وكلام ابن الصلاح في تعريف الحديث (الصحيح)، و (الحسن) يدور حول ما ذكره هنا، من أن حديث الراوي الثقة يصحح، فإن خف ضبطه فهو الحديث--------------------------------------------
(1) «مقدمة ابن الصلاح» ص 244.
(2) «مقدمة ابن الصلاح» ص 237 - 243.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 311)
الحسن، وإن كان ضعيفا فهو الذي يضعف حديثه(1).
ومن المعلوم أن المصنفات في (مصطلح الحديث) بعد ابن الصلاح دارت في الغالب حول كتابه، إما بالشرح، أو الاختصار، أو النظم، فوافق ابن الصلاح على ما ذكره جمع غفير ممن ألف في مصطلح الحديث منذ عصره إلى وقتنا الحاضر(2).
ويلحظ أن الثلاثة -ابن حزم، وابن القطان، وابن الصلاح- لم يخف عليهم أن أئمة النقد ربما ردوا ما ينفرد به الثقة استنكارا له، فأشار الثلاثة في معرض كلامهم إلى ذلك، لكنهم لم يرتضوه.
ولا شك أن مخالفة أئمة النقد في قضية من صميم قضايا النقد، يترتب عليها قبول أو رد ما لا يحصى من الأحاديث - أمر ليس بالهين، لا سيما بالنسبة لمن تصدى لجمع مصطلحاتهم وشرحها، ولهذا سلك أئمة آخرون مسلكا آخر في موقفهم من كلام أئمة النقد، وهو مسلك التأويل، فلجأ هؤلاء إلى تفسير النكارة الواردة في كلام النقاد على أحاديث الثقات بما لا يعارض تصحيحها وقبولها، فالنكارة معناها حينئذ على ما هي عليه في أصل اللغة: التفرد، فهي إذن وصف--------------------------------------------
(1) «مقدمة ابن الصلاح» ص 151، 176.
(2) انظر مثلا: «الإرشاد» للنووي ص 94 - 96، و «الخلاصة» للطيبي ص 68، و «اختصار علوم الحديث» لابن كثير، ص 56، و «التقييد والإيضاح» للعراقي ص 105 - 107، و «النكت على كتاب ابن الصلاح» لابن حجر 2: 652، 674، و «تدريب الراوي» للسيوطي 1: 235، و «توجيه النظر» للجزائري ص 515 - 518، و «منهج النقد» لنور الدين عتر ص 432، و «أصول الحديث» لمحمد عجاج الخطيب ص 347.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 312)
كاشف لحال الإسناد، لا حكم عليه، فوصف الإسناد أو الحديث بأنه منكر إذا كان راويه ثقة معناه أن راويه تفرد به، وهو مع ذلك صحيح.
قال النووي تعليقا على كلام مسلم الذي شرح به معنى المنكر: «هذا الذي ذكر رحمه الله هو معنى المنكر عند المحدثين - يعني به المنكر المردود، فإنهم قد يطلقون المنكر على انفراد الثقة بحديث، وهذا ليس بمنكر مردود، إذا كان الثقة ضابطا متقنا»(1).
وقال ابن كثير: «فإن كان الذي تفرد به عدل ضابط حافظ قبل شرعا، ولا يقال له: منكر، وإن قيل له ذلك لغة»(2).
واعتمد ابن حجر هذا في أماكن كثيرة، وخاصة في كلامه على الرواة(3).
وأما بعد ابن حجر فصار هذا كالأمر المسلم به، لا يناقش فيه(4).
وقد يبدو لأول وهلة أن المسلك الثاني هو الأسلم، لأن فيه تأويلا لكلام النقاد، لا ردا له، وعند التأمل فإن المسلك الأول أسلم بلا شك، فهو نظر في كلام المتقدمين، وتقرير له على حقيقته، ثم مخالفته باجتهاد أخطأ أو أصاب، وأما--------------------------------------------
(1) «شرح صحيح مسلم» 1: 57.
(2) «اختصار علوم الحديث» ص 56.
(3) «تهذيب التهذيب» 8: 389، و «هدي الساري»، ص 437، 455.
(4) انظر مثلا: «الحاوي للفتاوى» للسيوطي 2: 283، و «قواعد في علوم الحديث» للتهانوي ص 258 - 260، 433، و «الرفع والتكميل» للكنوي، ص 199 - 212، و «منهج النقد» لنور الدين عتر ص 432.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 313)