عروة، عن عائشة: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه»(1).
سأل ابن أبي حاتم أبا زرعة عنه، فقال: «ليس بذاك، هو حديث لا يروى إلا من ذا الوجه»(2).
وقد أخرجه مسلم في «صحيحه»، وعلقه البخاري في «صحيحه» جازما به(3)، وسأله عنه الترمذي فقال: «هو حديث صحيح»(4).
وقال ابن أبي حاتم بعد أن ذكر قول أبي زرعة السابق: «فذكرت قول أبي زرعة لأبي رحمه الله فقال: الذي أرى أن يذكر الله على كل حال، على الكنيف وغيره، على هذا الحديث»(5).
ويتأكد ترجيح قول الجمهور إذا لاحت قرينة في قول مخالفهم، كما في تخريج الحديث في «الصحيحين» في الشواهد والمتابعات، أو يمرض الناقد رأيه، كأن يقول: أخشى أن يكون -أو أخاف أن يكون- غلطا، أو يقول: أرجو أن يكون محفوظا، أو لعله حفظه، ونحو ذلك.--------------------------------------------
(1) «صحيح مسلم» حديث (373)، و «سنن أبي داود» حديث (18)، و «سنن الترمذي» حديث (3384)، و «سنن ابن ماجه» حديث (302)، و «مسند أحمد» 6: 70، 153، 278.
(2) «علل ابن أبي حاتم» 1: 51.
(3) «صحيح البخاري» 1: 407 كتاب (الحيض) (باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت).
(4) «العلل الكبير» 2: 904.
(5) «علل ابن أبي حاتم» 1: 51.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 356)
رابعا: في البحث عن كلام النقاد على حديث ينظر فيه الباحث، لا يكتفى بجمع كلامهم على التفرد الواقع فيه على ما فيه نص على الحديث المعين هذا، فهناك كلمات للنقاد لا بد من الاستفادة منها وإن لم تكن نصا في الحديث المعين، مثل أن ينص ناقد على نكارة الحديث، ثم يأتي نص عن ناقد آخر في الراوي أنه روى حديثا منكرا، أو أنه يروي المناكير، وقد ينص على أنه يرويها عن شيخ يسميه، يكون هو الموجود في إسناد الحديث.
ومثله لو جاء نص عن ناقد أن فلانا روى حديثا منكرا -ولم يعينه-، ثم وقف الباحث على حديث لهذا الراوي تفرد به، سواء بنص ناقد آخر أو بدونه، فالظاهر أنه يعني هذا الحديث، ويتأكد هذا إذا كان الناقد نص على النكارة وسمى شيخه، ثم وجد الحديث عن هذا الشيخ.
ويدخل في هذا أيضا ما يأتي عن النقاد من كلمات على أسانيد معينة أنها لا يثبت بها حديث، أو أن هذا الباب لا يصح فيه شيء، أو لا يثبت فيه شيء، أو كل ما في الباب ضعيف، مع وجود التفرد في شيء منها، فيستدل بذلك على أن الناقد لم يقبل هذا التفرد.
وكل ما تقدم بالغ الأهمية بالنسبة للباحث وهو يجمع كلام النقاد، إذ عليه أن يدقق في العبارات، وأن لا يدع منها شيئا، سواء منها ما يتعلق بحديثه، أو بأحد رواته، أو بالسلسلة كلها، أو بالباب كله.
وسأضرب لذلك بعض الأمثلة، فروى عبدالرزاق، عن معمر، عن ثابت،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 357)
عن أنس، قال: «أخذ النبي صلى الله عليه وسلم على النساء حين بايعهن أن لا ينحن، فقلن: يا رسول الله، إن نساء أسعدننا في الجاهلية، أفنسعدهن في الإسلام؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا إسعاد في الإسلام، ولا شغار، ولا عقر في الإسلام، ولا جلب في الإسلام، ولا جنب، ومن انتهب فليس منا»(1).
وروى عبدالرزاق أيضا عن معمر، عن ثابت، وأبان، وغير واحد، عن أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا شغار في الإسلام»(2)، وربما جاء هذا عن عبدالرزاق، عن معمر، عن ثابت وحده، عن أنس(3).
وقد توارد عدد من الأئمة المتأخرين، والباحثين المعاصرين، على تصحيح هذا الحديث، ومنهم من يزيد على ذلك بأنه على شرط الشيخين.
وأما النقاد المتقدمون فقد استنكروه، فنص أحمد على ذلك في هذا الحديث بعينه، فإنه سئل عن رواية معمر، عن ثابت، وأبان وغير واحد … ، فقال: «هذا عمل أبان -يعني حديث أبان- وإنما معمر -يعني لعله دلسه-»(4).--------------------------------------------
(1) «مسند أحمد» 3: 197، و «مصنف عبدالرزاق» حديث (6690)، وقد أخرج جملا منه أبو داود حديث (3222)، والترمذي حديث (1601)، والنسائي حديث (1851)، وعبد بن حميد حديث (1253)، والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» حديث (1895)، وابن حبان حديث (3146)، والبيهقي 4: 62.
(2) «مسند أحمد» 3: 165، و «مصنف عبدالرزاق» حديث (10434)، و «المعجم الأوسط» حديث (3032).
(3) «سنن ابن ماجه» حديث (1885)، و «مسند عبد بن حميد» حديث (1256).
(4) «شرح علل الترمذي» 2: 865.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 358)
ومراد أحمد أن الحديث يرويه معمر، عن أبان بن أبي عياش، وهو متروك الحديث، وأما روايته له عن ثابت فهي منكرة، ولعله دلسه عنه، وغرض أحمد تبرئة معمر من هذا المنكر(1).
وقال المروذي: «سألته عن حديث معمر، عن ثابت، عن أنس: «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الشغار»، فقال: هذا حديث منكر من حديث ثابت»(2).
والشاهد هنا أن الباحث حين نظره في أقوال النقاد لا يكتفي باستنكار أحمد له، فقد جاء استنكاره عن ابن المديني أيضا، وإن لم ينص على هذا الحديث، فقد تكلم في رواية معمر، عن ثابت بإطلاق، فقال: «في أحاديث معمر، عن ثابت، أحاديث غرائب ومنكرة»، وذكر ابن المديني أنها تشبه أحاديث أبان بن أبي عياش(3)، وهذا يوافق قول أحمد.
وكذا ابن معين، فقد جاء عنه قوله: «حديث معمر، عن ثابت، وعن جماعة مضطرب كثير الأوهام»(4)، وقال أيضا: «حديث معمر، عن ثابت، ضعيف»(5).
وقال العقيلي في كلامه على أصحاب ثابت المعروفين: «أنكرهم رواية عن--------------------------------------------
(1) ينظر: «الاتصال والانقطاع» ص 370.
(2) «علل المروذي» ص 150.
(3) «شرح علل الترمذي» 2: 691.
(4) «إكمال تهذيب الكمال» 11: 30، 301، و «شرح علل الترمذي» 2: 691.
(5) «شرح علل الترمذي» 2: 804.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 359)
ثابت: معمر»(1).
وروى عبدالرحمن بن إبراهيم القاص، عن العلاء بن عبدالرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعا: «من كان عليه صوم من رمضان فليسرده، ولا يقطعه»(2).
وقد ذكر هذا الحديث عبدالحق الإشبيلي، ثم قال: «رواه عبدالرحمن بن إبراهيم القاص، وقد أنكره عليه أبو حاتم، ووثق، وضعف»(3).
فتعقبه ابن القطان بقوله: «كذا قال، وهو يروي عن العلاء، وروى عنه جماعة، ولا يتعين أن يكون الذي أنكره أبو حاتم عليه هو هذا الحديث بعينه، ولعله حديث آخر، قال أبو محمد بن أبي حاتم: سئل أبي عنه فقال: ليس بالقوي، روى حديثا منكرا عن العلاء، وقال أيضا: حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل، قال: قال أبي: عبدالرحمن بن إبراهيم كان قاصا، من أهل المدينة، كان عنده كراسة فيها للعلاء بن عبدالرحمن، وليس به بأس»(4).
والذي يظهر أن صنيع عبدالحق هو الصواب، فأبو حاتم استنكر له حديثا يرويه عن العلاء بن عبدالرحمن، وهذا الحديث تفرد به عن العلاء، فالظاهر أنه يعنيه.--------------------------------------------
(1) «شرح علل الترمذي» 2: 691.
(2) «سنن الدارقطني» 2: 19، و «سنن البيهقي» 4: 59.
(3) «الأحكام الوسطى» 2: 238.
(4) «بيان الوهم والإبهام» 5: 375، 2: 207، و «الجرح والتعديل» 5: 211، و «مسائل صالح» ص 307، وفيه -مع تقديم وتأخير- زيادة: «حدثنا عنه عفان».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 360)
وقد قال أحمد فيما روى عنه ابنه صالح: «من أفطر من رمضان أو غيره، من مرض أو سفر، إن صام متتابعا فهو الذي لا اختلاف فيه، وإن صام متفرقا فهي رخصة، قال الله: {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ}، وقد قيل: أحص العدة، وصم كيف شئت، وقال ابن عمر: صمه كما أفطرته»، قال صالح: «وأنكر أبي على من يقول: لا يجزئه إلا متتابع»(1).
فكلام أحمد -وقد عرف نسخة عبدالرحمن القاص، عن العلاء- يؤيد أن الحديث الذي استنكره أبو حاتم هو حديث الصوم هذا.
ثم لما كتبت هذا وجدت ابن حجر قد ذكر كلام عبدالحق، وتعقب ابن القطان له، ثم قال ابن حجر: «قد صرح ابن أبي حاتم عن أبيه بأنه أنكر هذا الحديث بعينه على عبدالرحمن»(2)، فحسم الأمر.
ومما يتصل بهذا الحديث أن أقوال النقاد الذين ضعفوا الراوي نفسه يضمها الباحث إلى أقوال من تكلم في حديثه المعين، ويجعلها ردا منهم لحديثه هذا بالتفرد، واستنكارا له، خاصة من تكلم فيه مع ذكر حديثه هذا.
فهذا الراوي قال فيه أبو داود: «هو عندي منكر الحديث»(3).
وقال فيه النسائي: «ليس بالقوي»(4).--------------------------------------------
(1) «مسائل صالح» ص 263.
(2) «التلخيص الحبير» 2: 218.
(3) «سؤالات الآجري لأبي داود» 1: 387.
(4) «الضعفاء والمتروكين» ص 67.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 361)
واختلف فيه قول ابن معين، فقال مرة: «ليس بشيء»، وقال مرة: «ثقة»(1).
وذكره العقيلي في «الضعفاء»، وساق من مفاريده حديثين استنكرهما عليه(2).
وقال ابن حبان: «منكر الحديث، يروي ما لا يتابع عليه، وليس بمشهور في العدالة فيقبل منه ما انفرد به … »(3).
وكذا ضعفه الدارقطني بعد أن أخرج حديثه، ونقله عنه البيهقي مقرا له، ونقل تضعيفه عن نقاد آخرين.
وعلى هذا فيصح للباحث أن يذكر أن هؤلاء النقاد جميعا قد استنكروا حديث الصوم هذا على عبدالرحمن، وضعفوه بتفرده به.
ولا يصح أن يقال: لم لا يذكر الباحث في مقابل هذا أن من ذهب إلى تقوية عبدالرحمن يقبل تفرده بهذا الحديث، فهو صحيح أو حسن عنده؟ لأن تقوية الراوي لا يلزم منها تقوية حديثه المعين، وقد سبق شرح هذا في الفصل الأول، وسبق أيضا في الفصل الثاني بيان أن عدم إدراك هذا أو استحضاره حال الكلام على الحديث هو الذي أدى بالمتأخرين إلى مخالفة أئمة النقد، والاعتماد على حال الراوي فقط، كما فعل ابن القطان في كلامه على هذا الحديث، فقد انتهى إلى أنه حديث حسن، لأن عبدالرحمن مختلف فيه.--------------------------------------------
(1) «تاريخ الدوري عن ابن معين» 2: 343.
(2) «الضعفاء الكبير» 2: 320.
(3) «المجروحين» 2: 60.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 362)
والخلاصة في هذا الحديث أن جمعا من النقاد استنكروه على عبدالرحمن، ولا معارض لهم من النقاد ألبتة.
وروى أحمد بن عيسى بن عبدالجبار التنيسي، عن عمرو بن أبي سلمة، عن زهير بن محمد، عن موسى بن عقبة، عن سالم بن عبدالله، عن عائشة قالت: «دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الكعبة ما خلف بصرُه موضع سجوده حتى خرج منها»(1).
سئل عنه أبو حاتم فقال: «هذا حديث منكر»(2).
فأبو حاتم نص على نكارة الحديث، فلا يصح أن يقال: استنكار أبي حاتم يقابله تصحيح ابن خزيمة له، ذلك أن النقاد قد تواردوا على استنكار رواية أهل الشام عن زهير بن محمد، وهذا الحديث منها، ثم منهم من جعل سبب النكارة من زهير نفسه، وأنه حدث هناك من حفظه، ومنهم من ذكر أن أهل الشام غلطوا عليه، بل منهم من ذهب إلى أنه ليس زهير بن محمد المعروف، وإنما هو آخر قلب أهل الشام اسمه(3).
وعمرو بن أبي سلمة تكلم فيه، وقال أحمد في خصوص روايته عن زهير: «روى عن زهير أحاديث بواطيل، كأنه سمعها من صدقة بن عبدالله، فغلط فقلبها عن زهير»(4).--------------------------------------------
(1) «صحيح ابن خزيمة» حديث (3012)، و «المستدرك» 1: 479، و «سنن البيهقي» 5: 158.
(2) «علل ابن أبي حاتم» 1: 298.
(3) انظر ما تقدم في «الجرح والتعديل» ص 113.
(4) «الضعفاء الكبير» 3: 272، و «الجرح والتعديل» 6: 235، و «تهذيب التهذيب» 8: 44.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 363)
والراوي عن عمرو وهو أحمد بن عيسى قال فيه ابن عدي: «ذكر عنه غير حديث لا يحدث به غيره عن عمرو بن أبي سلمة، وغيره»، ثم ذكر حديثا له عن عمرو، ثم قال: «وهذا حديث باطل بهذا الإسناد، مع أحاديث أخر يرويها عن عمرو بن أبي سلمة بواطيل».
وكذا تكلم فيه ابن يونس، وابن حبان، والدارقطني، وكذبه مسلمة بن قاسم، وابن طاهر(1).
فالخلاصة أن هذا الحديث منكر عند سائر النقاد، من نص منهم عليه، ومن أجمل القول في رواية أهل الشام عن زهير، ومن تكلم في عمرو بن أبي سلمة، أو في أحمد بن عيسى، ولا يؤثر اختلافهم في سبب نكارة هذه الأحاديث التي تروى بهذه النسخة، فكلها بهذه المثابة.
وروى إدريس بن يحيى الخولاني، عن عبدالله بن عَيَّاش القتباني، عن عبدالله بن سليمان المصري المعروف بالطويل، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله وملائكته يصلون على المتسحرين»(2).
سئل عنه أبو حاتم، فقال: «هذا حديث منكر»(3).--------------------------------------------
(1) «الكامل» 1: 194، و «المجروحين» 1: 146، و «لسان الميزان» 1: 240، و «تهذيب التهذيب» 1: 65.
(2) «مسند الروياني» حديث (1432)، و «صحيح ابن حبان» حديث (3467)، و «المعجم الأوسط» (6434)، و «معرفة علوم الحديث» ص 195، و «الحلية» 8: 320.
(3) «علل ابن أبي حاتم» 1: 212.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 364)
وقال البزار في عبدالله بن سليمان: «حدث بأحاديث لم يتابع عليها»(1).
وقال الطبراني بعد أن أخرجه: «لم يرو هذا الحديث عن نافع إلا عبدالله بن سليمان، ولا عن عبدالله بن سليمان إلا عبدالله بن عياش، تفرد به إدريس بن يحيى، ولا يروى عن ابن عمر إلا بهذا الإسناد».
وبنحو هذا قال أبو نعيم، ثم نسبه للطبراني.
فكلام النقاد هذا كله حكم على الحديث بالنكارة، من صرح بذلك، ومن تكلم في أحد رواته، ومن نص على الغرابة والتفرد.
خامسا: في تصنيف الباحث للنقاد، والتدقيق في موقفهم من التفرد في حديث بين يديه، يراعي غرضه من النظر في هذا الحديث، فإن كان غرضه الحديث نفسه لم يبال فيما يجده من اختلافات بين النقاد حين يستنكرون الحديث، مثل أن يجعل بعضهم عهدة النكارة على راو، ويجعلها آخر على راو قبله، ويجعلها ثالث على راو بعده، أو يلمح بعضهم إلى احتمال عدم السماع، فعهدة النكارة على من أسقط من الإسناد.
وكذلك في التماس النقاد لسبب وقوع الراوي في الخطأ، وفي المسار الصحيح لهذا الحديث، ففي مثل هذا يقع اختلاف بين النقاد في تعيينه.
فهذه الاختلافات غير مؤثرة إطلاقا في كون هؤلاء النقاد يرون نكارة هذا الحديث، وتضعيفه ورده بالتفرد، كما تقدم.--------------------------------------------
(1) «تهذيب التهذيب» 5: 245.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 365)
أما إذا كان غرض الباحث شيئا خاصا غير حال الحديث نفسه، مثل البحث في راو معين من رواة الإسناد، وكلام النقاد حوله، وما استنكر عليه، أو البحث في أسباب وقوع الرواة في الخطأ، فهنا يقف الباحث عند كلام النقاد، ويجعل اختلافهم مؤثرا في القضية التي يتناولها.
وقد تكرر فيما مضى -وسيأتي لاحقا- التنبيه على أن النقاد لهم غرض في الحديث نفسه، ودرجته، وهل يثبت أو لا؟ ولهم أغراض أخرى في الإسناد، مثل سماع الرواة بعضهم من بعض، وحال رواة الإسناد بإطلاق، أو في شيخ معين، فإن هذا كله إنما يعرف من خلال أحاديث الرواة، وتحديد ما أخطأ وما أصاب فيه الراوي.
سادسا: مما يلزم الباحث الاعتناء به في جمعه لأقوال النقاد في التفرد، ونظره فيها، أن يدقق جيدا في صفة التفرد الذي أراده الناقد، فقد تقدم في أول هذا الباب أن التفرد منه ما هو مطلق، ومنه ما هو نسبي، إما عن راو معين، أو بصفة معينة في الإسناد أو المتن، فالناقد قد يقول: هذا حديث منكر بهذا الإسناد، وقد يقول: هذا حديث منكر، ولا يزيد على ذلك، ولكن يتبين بعد الدراسة، والنظر في الطرق الأخرى، وكلام النقاد الآخرين، أن غرضه نكارة الحديث بهذا الإسناد فقط، وللحديث طريق آخر لا نكارة فيه.
فإذا روى الحديث سفيان بن عيينة -مثلا- عن شيخ له، واشتهر الحديث عن سفيان، ثم جاء إسناد فيه غرابة وتفرد عن سفيان الثوري، عن هذا الشيخ بعينه، واستنكر الناقد طريق سفيان الثوري، عرفنا أنه أراد نكارته من هذا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 366)
الطريق فقط، سواء صرح بذلك أو سكت.
وقد يقول الناقد: هذا حديث منكر بهذا الإسناد، وبعد التفتيش يتبين أنه لا إسناد لهذا المتن إلا هذا الإسناد، فغرض الناقد نكارته مطلقا، وقوله: بهذا الإسناد، زيادة تأكيد.
وقد ينفي الناقد النكارة والتفرد عن راو، ومراده إلى هذا الراوي، وأما بعده فهو منكر.
مثال ذلك أن معمر بن سليمان الرقي، روى عن عبدالله بن بشر، عن أبان، وحميد، عن أنس: «أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل يقبل امرأته وهو صائم، قال: هي ريحانة يشمها إذا شاء»(1).
سئل أبو زرعة عن هذا الحديث، فقال: «أما من حديث حميد منكر، وأما أبان فقد روي عنه»(2).
ومراد أبي زرعة أن الرواية عن حميد الطويل لا تصح عنه، فالحديث منكر عنه لم يروه أصلا، وأما أبان بن أبي عياش فليست بمنكرة عنه، فقد روي عنه الحديث من غير هذا الطريق، فجاء عنه من طريق مروان بن معاوية، وعبدالوارث بن سعيد(3).--------------------------------------------
(1) «الكامل» 4: 1559.
(2) «علل ابن أبي حاتم» 1: 261.
(3) «ذكر أخبار أصبهان» 1: 125، و «المطالب العالية» حديث (1090).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 367)
والحديث وإن لم يكن منكرا عن أبان، لكنه منكر عن أنس، فأبان متروك الحديث، ولما سئل أبو حاتم عن رواية المسيب بن واضح، عن معتمر بن سليمان، عن حميد، عن أنس، قال: «هذا حديث باطل، وليس هو من حديث حميد، إنما هو حديث أبان»(1).
فبين أولا بطلان الحديث كله، ثم بين أنه لا يصح عن حميد، وإنما الذي يرويه هو أبان بن أبي عياش.
والمقصود هنا أن تحديد مراد الناقد بالتفرد والتضعيف به، أو نفي ذلك، في غاية الأهمية بالنسبة للباحث، فيتأكد من مراد الناقد بالتأمل في سياق الكلام، وبالنظر في الطرق الأخرى، وأقوال النقاد الآخرين.
سابعا: مع أهمية كلام النقاد في التفرد، ورد هذا التفرد أو قبوله، فالباحث أمامه عمل كبير يقوم به، ليتمم عمل النقاد، لا ليقضي عليه، فكثير من الباحثين يظن أن الباحث انتهت مهمته إذا قيل له: ابحث عن كلام النقاد في الحديث وأثبته، وليس الأمر كذلك قطعا، فهناك أمور كثيرة تحتاج إلى جهد الباحث، وخبرته، وإظهار مقدرته النقدية.
وقد أخرت الكلام في هذه القضية بغرض التأكيد عليها وإبرازها، وتسهيل إدراكها على الباحث، إذ قد تقدم في هذا الباب مسائل كثيرة في التفرد يدرك الباحث من خلال عرضها أن نقد المرويات لا يزال بحاجة إلى جهده المبارك،--------------------------------------------
(1) «علل ابن أبي حاتم» 1: 246.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 368)
شريطة أن يكون راسخ الإيمان بالمهمة المنوطة به، محتفلا بها، مدركا لعظمها، مستشعرا لحاجته إلى الكثير من التدرب والممارسة ليقوم بها، قد تقرر لديه طبيعة هذه المهمة وحدودها، وأنها النيابة عن أئمة النقد، وتتميم الجهد العظيم الذي قاموا به، والابتعاد عن المناهج المخطئة في التعامل مع تفرد الراوي، التي أدت إلى تصحيح وتحسين مئات الأحاديث المنكرة الباطلة، ونسبتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم زورا وبهتانا.
ومن المناسب هنا أن أذكر الباحث بشيء من المهام المنوطة به فيما يتعلق بالتفرد.
فمن هذه المهام:
- جمع كلام النقاد من المصادر المتفرقة، وهي -كما تقدم إيضاح ذلك- من الكثرة والتنوع بمكان، ويشمل الجمع ما كان من كلامهم صريحا، وما كان إيماء وإشارة، وما استدل عليه بالتصرف، وما كان في الحديث المعين، أو في عموم أحاديث الراوي، أو في درجته هو، والتمعن في كلام الناقد، وتحديد مراده بالتفرد، هل هو مطلق أو نسبي؟ .
- تصنيف أقوال النقاد، من كان منهم يذهب إلى التضعيف والرد بهذا التفرد، ومن كان منهم يقبله، ومن توقف في ذلك أو تردد، أو جاء عنه قولان متعارضان، وما يتبع ذلك من تقرير وجود إجماع على الرد، أو القبول، أو وجود اختلاف، وتحديد درجة هذا الاختلاف، هل هو قوي أو ضعيف؟ .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 369)
- يجتهد الباحث في بيان سبب النكارة حين يذهب إليها الناقد، ويكون كلامه خاليا من ذلك، فينظر في الضوابط السابقة للتفرد، ويجتهد في تطبيقها على حديثه الذي ينظر فيه، فيقول مثلا: وإنما استنكروه على فلان لأنه ليس بالقوي في فلان، وقد تفرد به عنه، مع كثرة أصحابه، وفيهم حفاظ ثقات ملازمون له، ومع كون هذا المتن في أمر مهم، ونحو ذلك.
- في حال اختلاف النقاد في عهدة النكارة ومن يتحملها يسعى الباحث من خلال نظره في القرائن والطرق الأخرى أن يكون له رأي في هذا الاختلاف، فيقول مثلا: استنكره الترمذي على فلان، وبالنظر في الطرق فقد توبع من جماعة، فالظاهر رجحان قول أحمد أن النكارة من فلان.
أو يقول: فلان أشد ضعفا من فلان، فالظاهر أن النكارة منه، كما قاله ابن معين، وليس من فلان، كما ذهب إليه الدارقطني.
- في حال اختلاف النقاد في قبول أو رد الحديث بالتفرد، يجتهد الباحث في شرح أسباب القبول، وشرح أسباب الرد، مستعينا بضوابط التفرد، وما يجده من كلام للنقاد في هذا الحديث بعينه.
- إذا وجد الباحث اختلافا في القبول والرد، وكان معه من الدلائل والقرائن، وطول الممارسة، ما يستطيع به أن يرجح بين أقوالهم، فعل ذلك، وأبدى رأيه بعبارة مناسبة، تليق بعظم الموقف، وعظم من يشاركهم النقد.
وقد يتوقف عن الترجيح إن رأى أن نهاية إقدامه عند هذه النقطة، فلا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 370)
متقدم له ولا متأخر.
وقد يصرح بأنه اختار القبول أو الرد لأنه قول الجمهور.
- إذا مر بالباحث إسناد وقع فيه تفرد، ولم يجد لأئمة النقد فيه كلاما، فبإمكانه أن يجتهد في تطبيق ضوابط القبول والرد بالتفرد على هذا الإسناد.
ولو لم يكن عنده سوى هذه المهمة لكانت كافية، لما نراه من كثرة الغرائب والأفراد في الكتب المتأخرة، وليس للنقاد في كل حديث بعينه كلام، وقد اعتمدها المتأخرون كثيرا في تصحيح الأحاديث المروية بها، فحرموا أنفسهم مشاركة أئمة النقد هذا العلم الشريف، وجنوا على سنة نبيهم، فأكثروا من تصحيح ما لا يصح.
ونظرا لكون هذه القضية لم يتقدم لها مثال فيما مضى، فسأضرب لها مثالا، فقد روى الطبراني عن يحيى بن عثمان بن صالح، عن أحمد بن زيد القزاز، عن ضمرة بن ربيعة، عن عبدالله بن شوذب، عن أبي التياح، عن أنس مرفوعا: «أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك».
فهذا الحديث وضعه الضياء المقدسي في «الأحاديث المختارة»(1)، بناء على ظاهر إسناده، لكنه حديث منكر جدا لا يصح، فالمشهور في هذا حديث أيوب بن سويد -وهو ضعيف- عن عبدالله بن شوذب، وقد ذكر الطبراني بعد--------------------------------------------
(1) «الأحاديث المختارة» حديث (2783).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 371)
تخريجه أنه تفرد به أيوب(1).
وأما طريق ضمرة فيحتمل أن يكون خطأ ممن دونه.
وأحمد بن زيد القزاز، لم يذكر في تلاميذ ضمرة بن ربيعة، ولا في شيوخ يحيى بن عثمان، وله ذكر في تراجم بعض شيوخه، والآخذين عنه، ولم أقف له على ترجمة(2)، ويحيى بن عثمان بن صالح متكلم فيه أيضا.
ولو صح الإسناد إلى ضمرة فالحديث منكر، فضمرة مع ثقته قد استنكر له النقاد أحاديث، تقدم منها في الفصل الثالث حديثه عن سفيان الثوري، عن عبدالله بن دينار، عن ابن عمر مرفوعا: «من ملك ذا رحم محرم فقد عتق».
ومما استنكر عليه أيضا حديث آخر، يرويه عن عبدالله بن شوذب، عن ثابت، عن أنس، استنكره عليه أحمد(3).
وقد قال الساجي: «صدوق يهم، عنده مناكير»(4).
وفي أحاديث الباب كلها يقول الشافعي: «هذا الحديث ليس بثابت عند أهل الحديث»(5).--------------------------------------------
(1) «الكامل» 1: 362، و «المعجم الصغير» حديث (475)، و «سنن الدارقطني» 3: 35، و «المستدرك» 2: 5.
(2) «ذيل تاريخ بغداد» 17: 222، و «تاريخ دمشق» 53: 335، و «تهذيب الكمال» 2: 208، 30: 158، و «تاريخ الإسلام» 26: 420.
(3) «تاريخ أبي زرعة الدمشقي» 1: 459.
(4) «إكمال تهذيب الكمال» 7: 37.
(5) «السنن الكبرى» 10: 271.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 372)
ويقول أحمد: «حديث باطل، لا أعرفه من وجه صحيح»(1).
فهذه الأقوال كلها داخلة في استنكار هذا الطريق وتضعيفه ورده بالتفرد.
وروى جماعة عن محمد بن عمر بن يزيد الزهري، عن أبي داود الطيالسي، عن عمران القطان، عن قتادة، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قيلوا فإن الشياطين لا تقيل»(2).
فتعرض أحد المشايخ المعاصرين لتخريج الحديث، فعزاه إلى أبي نعيم في «الطب»، و «أخبار أصبهان»، وذكر أنه فيها من طرق عن أبي داود الطيالسي، وانتهى إلى أن الإسناد حسن لذاته، والحديث ليس له إلا طريق واحد عن أبي داود الطيالسي، وهو طريق محمد بن عمر الزهري، لكن وقع تحريف عند أبي نعيم، فظنها الشيخ طرقا مختلفة.
ومحمد بن عمر هذا أخو الحافظ عبدالرحمن بن عمر الزهري المعروف برسته، وليس في ترجمته ذكر لحاله(3)، فهو مجهول، وقد تفرد به عن أبي داود الطيالسي، ولهذا لا يوجد هذا الحديث إلا في هذه المصادر النازلة، لكن منهج الشيخ أنه لا يلتفت لتأخر المصادر، ولا لظهور الحديث بعد عصر النقاد،--------------------------------------------
(1) «التلخيص الحبير» 3: 113.
(2) «طبقات المحدثين بأصبهان» 4: 176، و «معجم ابن المقرئ» حديث (675)، و «الطب النبوي» لأبي نعيم حديث (151)، و «ذكر أخبار أصبهان» 1: 195، 353، 2: 69.
(3) «فتح الباب في الكنى والألقاب» لابن منده ص 512، و «ذكر أخبار أصبهان» 2: 187، و «تاريخ الإسلام» 20: 175.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 373)
ولو صح هذا عن أبي داود الطيالسي لاشتهر جدا، ولخرجه الأئمة في كتبهم.
وأكثر من ذلك أن الشيخ عتب على بعض الأئمة المتأخرين، وأنهم ظلموا هذا الحديث، فلم يذكروه إلا بإسناد عند الطبراني فيه راو متروك(1)، والحقيقة أن الشيخ بتحسينه طريق أبي داود هو الذي ظلم هذا الحديث.
قيل لأحمد: أتعرف عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «قيلوا فإن الشياطين لا تقيل»؟ ، فقال: «لا أعرفه، إنما هذا عن منصور، عن مجاهد، عن عمر»(2).
* * *--------------------------------------------
(1) «المعجم الأوسط» حديث (28).
(2) «منتخب علل الخلال» ص 84.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 374)
الباب الثالث
اختلاف الرواة
وفيه: مدخل، وفصول:
الفصل الأول: أنواع الاختلاف، ومنهج النقاد فيه، ومنهج المتأخرين.
الفصل الثاني: قرائن الترجيح والموازنة.
الفصل الثالث: مسائل متفرقة في النظر في الاختلاف.
الفصل الرابع: جهد الباحث وكلام النقاد.
الفصل الخامس: الاختلاف عن المدار والحكم النهائي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 375)