عليه قواعد الاختلاف.
وفي بعض الحالات يواجه الباحث تكافؤا في الأدلة والقرائن، أو ما يقرب منه، فعليه حينئذ أن يشير إلى هذا، فيذكر احتمال وجود خطأ في النسخة، ويعالج ما وجد أيضا باحتمال أن يكون اختلافا من جهة الرواية.
ومن أمثلة ذلك حديث عائشة الماضي آنفا، في زيارته صلى الله عليه وسلم لأهل البقيع، فقد ذكر ابن معين أن عبدالرزاق صحف في شيء من متنه، فكان يروي قوله صلى الله عليه وسلم: «ما لك يا عائشة، حشيا رابية؟ »(1)، هكذا: «ما لك يا عائشة؟ -حسبني رأيته-»(2).
والموجود في «المصنف» المطبوع على الصواب، كما رواه بقية أصحاب ابن جريج، فيحتمل أن يكون عبدالرزاق نبه إلى الصواب، فرجع إليه في «المصنف»، فرواية ابن معين عنه متقدمة، وكان يروي عنه من كتابه قبل النقل إلى «المصنف»(3).
ويحتمل أن يكون بعض النساخ أو المحقق عدله إلى الصواب، أو يكون المحقق قرأها بمساعدة ما في المصادر على الصواب دون أن يشعر.
ومن ذلك أن أحد الباحثين وهو يخرج حديث ابن عمر في (صلاة الضحى)--------------------------------------------
(1) أي: مالك قد وقع عليك الحشا -وهو الربو-، وكانت عائشة مسرعة فعلى نَفَسُها، انظر: «غريب الحديث» لابن الجوزي 1: 217، و «شرح صحيح مسلم» للنووي 7: 43.
(2) «تقييد المهمل» 3: 832.
(3) انظر ما تقدم في «الجرح والتعديل» ص 127.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 418)
قال: «وأخرجه أبو يعلى في «المسند»، كما في «المطالب العالية» لابن حجر 4/ 573 (654)، والبيهقي في «السنن الكبرى» 3/ 69 (4906)، من طريق أبي رافع إسماعيل بن رافع، عن إسماعيل بن عبيدالله بن أبي المهاجر، عن عبدالله بن عمر به».
وعلق عليه الباحث بقوله: «سقط من إسناد أبي يعلى عند ابن حجر في «المطالب» إسماعيل بن عبيدالله، وفيه بدل عبدالله بن عمر: عبدالله بن عمرو بن العاص، فلا أدري إن كان هو من باب الاختلاف في الإسناد، أو السقط والتحريف»(1).
* * *--------------------------------------------
(1) «منهج المحدثين في الإعلال بمخالفة الراوي لما روى» لعادل المطرفي حديث (23).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 419)
المبحث الثاني
منهج النقاد في الاختلاف ومنهج المتأخرين
تكلم على الأسانيد تصحيحا وتضعيفا خلق لا يحصون في كل عصر ومصر، وهؤلاء يختلفون في قوة تمكنهم من هذا العلم، والأخذ بأسبابه، كما يختلفون في قواعدهم التي ينطلقون منها للحكم على الأسانيد تصحيحا وتضعيفا.
والذي يهمنا هنا من قواعدهم ما يتعلق بموقفهم حين يقع اختلاف بين الرواة في حديث ما، فالمتتبع لمسيرة نقد المرويات، يرى مناهج مختلفة في النظر إلى هذه القضية.
والذي يهم أيضا معرفته من هذه المناهج هو ما كان عليه أئمة النقد الأولين، وهم أئمة نقد المرويات، وأئمة الجرح والتعديل في عصر الرواية، مثل شعبة، ويحيى القطان، وعبدالرحمن بن مهدي، وأحمد، وابن المديني، وابن معين، والبخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، وأبي حاتم، وأبي زرعة، والنسائي، وغيرهم، كما يشمل ذلك طائفة تأخرت بعد هؤلاء وسارت على منهجهم، مثل أبي الفضل بن عمار الشهيد، والدارقطني، والبيهقي، وابن المواق، ونحوهم.
فهؤلاء يسيرون على منهج واحد، محكم بقواعد وأصول، تعارفوا عليها، وتناقلوها قولا وعملا طبقة بعد طبقة.
وهذا المنهج ينسب لهؤلاء الأئمة لأنهم طبقوه بتوسع وشمول، وأبرزوا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 420)
قواعده وأظهروها، وإلا فإن أس هذا المنهج وبذرته الأولى كانت على يد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لم يزل يتوسع ويتعمق شيئا فشيئا -بحسب الحاجة إليه- حتى وصل إلى ذروته في عصر النقد المشار إليه.
وربط منهجهم هذا بعمل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأهمية بمكان، وقد قامت إحدى الباحثات الفاضلات بهذه المهمة(1).
يقوم هذا المنهج على أساس مهم، حَكَّم فيه هؤلاء الأئمة قواعد الشرع، وأعملوا فيه النظر والعقل، وهذا الأساس هو أنه لا عصمة لأحد عن الكذب والتزوير، فلا بد من فحص الرواة، ثم بعد تمييز الصادقين منهم، فلا عصمة لأحد منهم كائنا من كان عن السهو والخطأ والوهم.
وقبل شرح طريقة عملهم لا بد من التذكير هنا بأنهم قاموا قبل ذلك بأربع خطوات هامة جدا، هي بمثابة الإعداد والتمهيد للخطوة الخامسة التي هي المقصودة بالحديث هنا، والخطوات الخمس معتمدة على مقارنة المرويات، أو ما يعرف بعرض الروايات بعضها على بعض، وذكري لعملهم هذا على شكل خطوات قصدت به تقريبه للأفهام، وذلك بترتيبه تنزلا من الدائرة الأوسع إلى التي تليها، وأما وجودها في عمل الأئمة وفي كلامهم فعلى ترتيب آخر.
فالخطوة الأولى: دراسة مرويات كل راو -ما أمكنهم ذلك- ومقارنتها بمرويات غيره، لمعرفة صدقه من كذبه، ومعرفة درجة ضبطه، ثم الحكم على--------------------------------------------
(1) ينظر: «استدراكات الصحابة بعضهم على بعض في الرواية» لنوال الغنام 2: 707 - 746.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 421)
الراوي في نفسه، وإعطائه الدرجة اللائقة به، كقولهم: ثقة ثبت، أو ثقة، أو صدوق، أو ضعيف، أو متروك، أو كذاب، وهو ما يعرف بالأحكام المطلقة على الرواة، أو التوثيق والتضعيف المطلق.
والخطوة الثانية: إجراء مقارنة بين الرواة، كقولهم: فلان أحفظ من فلان، أو دون فلان، أو مثله، أو أحب إلي منه، ونحو ذلك، وهو ما يعرف بالأحكام النسبية على الرواة، أو التوثيق والتضعيف النسبي، يفعلون ذلك لمناسبة ما، إما لكونهم إخوة، أو لتقاربهما في السن والأخذ عن الشيخ، أو لتشابههما في الاسم، ونحو ذلك.
والخطوة الثالثة: النظر في هذا الراوي مرة أخرى في روايته عن كل شيخ من شيوخه، لمعرفة درجته في كل واحد منهم خاصة، ذلك أن الراوي يأخذ حكما عاما، ثم قد يأخذ حكما خاصا عن شيخ معين من شيوخه، أو أكثر، فقد يكون ثقة إلا في شيخ معين له هو فيه ضعيف، أو في شيوخ معينين، والعكس كذلك، فقد يكون ضعيفا بوجه عام، قويا في شيخ من شيوخه أو أكثر، وهو ما يعرف بالأحكام المقيدة على الرواة، أو التوثيق والتضعيف المقيد.
والخطوة الرابعة: إجراء مقارنة بين بعض الرواة الأقران، لمعرفة منازلهم في شيخ لهم معين اشتركوا في الرواية عنه، وهو ما يعرف بالأحكام النسبية المقيدة، أو التوثيق والتضعيف النسبي المقيد، وغالب هذه المقارنات تكون بين تلاميذ راوٍ مشهور، له أصحاب كثيرون، وأحاديث كثيرة، سواء كان من الصحابة،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 422)
كأبي هريرة، وابن عمر، وجابر، وأنس، أو ممن بعدهم كنافع مولى ابن عمر، وقتادة، وشعبة، والأعمش، والزهري، وأبي إسحاق السبيعي، ونحوهم، وهو ما يعرف بعلم طبقات الرواة في الرتبة والدرجة، لا في الزمن، وهو باب مهم جدا، لأن هؤلاء وأمثالهم تدور غالب الأحاديث عليهم.
فهذه الخطوات الأربع قام الأئمة بها عن طريق مقارنة المرويات، وعرض الروايات بعضها على بعض، وقد تقدم شرحها وما يتعلق بها من مسائل في الكتاب الأول «الجرح والتعديل»، وإنما ذكرتها هنا ملخصة لارتباطها الوثيق جدا بموضوع عمل الأئمة عند اختلاف الأسانيد، فالخطوات الأربع هذه بمثابة المواد الأولية لعمل جليل عظيم قاموا به، وإدراك الباحث لهذا الارتباط هو مفتاح فهمه لأسس وقواعد نقد المرويات بنظرة شاملة ومستوعبة.
والخطوة الخامسة -وهي موضوع الحديث هنا كما أسلفت-: أنهم إذا روي لهم الحديث المعين أو سئلوا عنه ورأوا أن بين رواته اختلافا في إسناد الحديث أو متنه احتاج الحديث عندهم حينئذ إلى دراسة ونظر، فلا يصححون الأوجه كلها، أو يحكمون لبعضها بأنه الصواب، وعلى بعضها بأنه خطأ، إلا بعد الدراسة والنظر، فليس عندهم حكم عام مطرد على جميع الأحاديث التي وقع فيها اختلاف، كأن يقال: الحكم لمن زاد، أو الحكم لمن نقص، أو الحكم للأكثر … الخ، وإنما كل حديث وجد فيه ذلك له عندهم نظر خاص به، يخضع الحكم النهائي فيه لمجموعة من القرائن والمرجحات يراعيها الإمام حين يصدر حكمه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 423)
وهذه المرجحات وتلك القرائن سيأتي الحديث عنها لاحقا، لكني هنا أعيد ما سبق آنفا من أن معظمها كان قد تمت دراسته وإنضاجه في خطوات سابقة عندهم، وهي الخطوات الأربع التي قبل هذه الخطوة، فهذه المرجحات والقرائن بعضها في الرواة الذي جرى بينهم الاختلاف، من حيث درجاتهم في أنفسهم، ومن حيث المقارنة بينهم، ومن حيث صلتهم بشيخهم الذي اختلفوا عليه، وبعضها في الشيخ نفسه الذي جرى عليه الاختلاف، وبعضها في المروي إسنادا أو متنا.
هذه صور تقريبية لطريقة النقاد في التعامل مع الاختلافات بين الرواة، ذكرتها هكذا ليسهل فهمها، لكنها في واقع الأمر ليست على هذا الترتيب المعين عندهم، فأساسها كلها: مقارنة المرويات، ثم كانت النتائج كلها ثمرة هذه المقارنة، سواء في درجات الرواة، والمقارنة بينهم، ومراتبهم في شيوخهم، أو في الأحاديث نفسها، وما أثمر ذلك كله من قواعد للوصول إلى درجة الحديث، وصحته من ضعفه، مثل قواعد التفرد، واختلاف الرواة، والاعتضاد، يذكرونها في بيانهم وتعليلهم لأحكامهم، فاستفاد منها من جاء بعدهم، وأراد أن يحكم على الحديث.
ولم يأت هذا من الناقد في يوم وليلة، فهو ثمرة جهد جهيد، وزمن طويل، من التحصيل والتتبع، والمقارنة، فالناقد يمضي سنوات عديدة في الرواية والرحلة، حتى تكتمل عنده أدوات النقد، فيعملها، ويصدر أحكامه، مع بقاء هذه الأحكام عرضة للمراجعة، بحسب ما يستجد عنده من دلائل، وما يقف عليه من طرق، فقد يتراجع، وقد يتردد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 424)
واستمر هذا طيلة عصر النقد، في طبقات متعددة من النقاد، يستفيد المتأخر من المتقدم، لكن لا يقلده، بل يعارضه أحيانا، حتى انتهى عصر الرواية، ودونت الكتب، وأصبحت الرواية لهذه الكتب فقط، فصار من يريد النظر في صحة الحديث وضعفه يعتمد على كلامهم، سواء في الرواة، أو في سماع بعضهم من بعض، أو في الأحاديث نفسها.
ومنهج أئمة النقد الذي ذكرته آنفا في الموازنة والنظر أشهر من أن يعرف به، فكل كلامهم على الأسانيد، وعلى الرواة أنفسهم مبني على المقارنة والموازنة، متمثلا بالخطوات الخمس التي أشرت إليها، فإذا قال الإمام عن حديث ما: الصواب فيه الوصل، أو الإرسال، أو الرفع، أو الوقف، أو قال عن راو إنه ثقة، أو ضعيف، أو متروك، أو ضعيف في فلان، أو ثقة لكن أحاديثه عن فلان مناكير، أو فلان أحفظ من فلان، أو أقوى منه في فلان، أو هما سواء، كل ذلك بناه على المقارنة والنظر، والباب كله واحد لا يختلف.
وقد حرصت جدا هنا على توضيح هذه الصورة وبيان شدة الارتباط بين الأعمال التي قام بها المحدثون النقاد، وهي تؤخذ في الدراسة مفرقة، بحيث يبدو الارتباط بينها ضعيفا، إن لم يكن مفقودا في أذهان كثير من الباحثين، وسأعود إلى هذه النقطة في مناسبات أخرى للحاجة إليها.
ومع وضوح طريقة عمل الأئمة عند اختلاف الأسانيد، وظهورها في كل عمل قاموا به، في مؤلفاتهم وفي إجاباتهم على أسئلة تلاميذهم، مع هذا كله فقد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 425)
اضطر الأئمة المتأخرون الذين سبروا عمل الأئمة في عصر النقد إلى توضيح وبيان طريقة أئمة النقد، فتوارد على هذا جمع من الأئمة المتأخرين.
وقبل أن أنقل شيئا من أقوالهم في تحرير منهج النقاد المتقدمين في اختلاف الرواة أود أن أشير إلى أن السبب الذي ألجأهم إلى تحرير ذلك المنهج، وشرحه وإيضاحه، وهذا يتلخص في شيئين:
الأول: عدم الدقة في تحرير منهج أئمة النقد في قضايا معينة متفرعة من الموضوع العام، وهو (اختلاف الأسانيد)، مثل (تعارض الوصل والإرسال)، و (تعارض الرفع والوقف)، و (زيادة الثقة)، وذلك في بعض كتب المصطلح، وفي كتب أخرى، أو ذكر مذاهب في المسألة ليس من بينها المذهب المهم وهو ما عليه أئمة النقد.
فمن ذلك ما ذكره الخطيب في مسألة (تعارض الوصل والإرسال)، فإنه قال: «فقال أكثر أصحاب الحديث: إن الحكم في هذا للمرسل، وقال بعضهم: إن كان عدد الذين أرسلوه أكثر من الذين وصلوه فالحكم لهم، وقال بعضهم: إن كان من أرسله أحفظ من الذي وصله فالحكم للمرسل … ، ومنهم من قال: الحكم للمسند إذا كان ثابت العدالة ضابطا للرواية فيجب قبول خبره، ويلزم العمل به، وإن خالفه غيره، وسواء كان المخالف له واحدا أو جماعة، وهذا القول هو الصحيح عندنا … »(1).--------------------------------------------
(1) «الكفاية» ص 411.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 426)
وقد عقب ابن رجب على ما ذكره الخطيب من الأقوال في هذه المسألة بقوله: «كلها لا تعرف عن أحد من متقدمي الحفاظ، إنما هي مأخوذة من كتب المتكلمين»(1).
ومن ذلك أن الخطيب أيضا قال في (زيادة الثقة): «قال الجمهور من الفقهاء وأصحاب الحديث: زيادة الثقة مقبولة إذا انفرد بها، ولم يفرقوا بين زيادة يتعلق بها حكم شرعي، أولا يتعلق بها حكم، وبين زيادة توجب نقصانا من أحكام ثبتت بخبر ليس فيه تلك الزيادة … » إلى آخر كلامه(2).
وما نسبه إلى أهل الحديث بعيد جدا عن قولهم، كما سبقت الإشارة إليه، وكما سيأتي تحريره من كلام الأئمة المتأخرين، ثم إن نسبة الخطيب هذا إلى الجمهور يتعارض مع ما تقدم عنه آنفا في مسألة (تعارض الوصل والإرسال)، فإنه ذكر عن أكثر أهل الحديث أن الحكم للمرسل، مع أن الواصل معه زيادة، وقد ذكروا في كتب المصطلح أجوبة عن هذا التعارض لا تخلو من تكلف(3).
ويشبه صنيع الخطيب في نسبته الحكم للمرسل إلى أكثر أهل الحديث صنيع ابن الجوزي في (تعارض الرفع والوقف، والوصل والإرسال) فإنه كرر القول إن مذهب المحدثين الوقوف مع من وقف أو أرسل احتياطا(4).--------------------------------------------
(1) «شرح علل الترمذي» 2: 638.
(2) «الكفاية» ص 424.
(3) «مقدمة ابن الصلاح» ص 186، 190، و «النكت على كتاب ابن الصلاح» 2: 695.
(4) «التحقيق في أحاديث التعليق» الأحاديث 163، 166، 190، و «صيد الخاطر» ص 224.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 427)
ومن ذلك قول النووي: «زيادات الثقة مقبولة مطلقا عند الجماهير من أهل الحديث والفقه والأصول … »(1).
وقال أيضا لما ذكر تعارض الوصل والإرسال وتعارض الرفع والوقف: «فالصحيح الذي قاله المحققون من المحدثين، وقاله الفقهاء وأصحاب الأصول، وصححه الخطيب البغدادي: أن الحكم لمن وصله أو رفعه، سواء كان المخالف له مثله أو أكثر أو أحفظ، لأنه زيادة ثقة وهي مقبولة … »(2).
وقال النووي أيضا في كلامه على انتقاد الدارقطني لـ «الصحيحين»: «ذلك الطعن مبني على قواعد لبعض المحدثين ضعيفة جدا، مخالفة لما عليه الجمهور من أهل الفقه والأصول وغيرهم، ولقواعد الأدلة، فلا تغتر بذلك»(3).
كذا قال النووي، نسب القواعد التي مشى عليها الدارقطني في انتقاده إلى بعض المحدثين، ثم ضعفها جدا، وليست المناقشة في الأمر الثاني، فهذا اختياره، وإنما في الأمر الأول، إذ تلك القواعد متفق عليها بين أئمة أهل الحديث، وقد يقع بينهم اختلاف في تطبيقها بحسب اجتهاد الواحد منهم، لا سيما عند تعارضها، ولا إشكال في ذلك كما سيأتي التنبيه عليه، ولذا فقد نقد ابن حجر كلمة النووي هذه، لكنه أجمل ذلك(4).--------------------------------------------
(1) «شرح صحيح مسلم» 1: 32.
(2) «شرح صحيح مسلم» 1: 23.
(3) «ما تمس إليه حاجة القاري لصحيح البخاري» ص 67.
(4) «هدي الساري» ص 346.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 428)
الثاني: وجود مناهج مختلفة تناولت نقد مرويات السنة النبوية، فيها مخالفة من بعيد أو قريب لمنهج أئمة النقد، وهذه المناهج يجمعها شيء واحد هو المحك في هذا الموضوع، وهو النظر إلى الأسانيد مفردة، وعدم الالتفات إلى تأثير بعض الأسانيد على بعضها الآخر، لا سيما حين يقع اختلاف.
ولا شك أنه من العسير جدا في هذه الدراسة المختصرة الإلمام بهذه المناهج، ودراسة جذورها، وبيان أثرها على الدراسات الحديثية، ونقد المرويات بصفة عامة، وأهم من ذلك أثرها في الغرض المهم من نقد المرويات، وهو التطبيق العملي، إذ لها أثر خطير جدا في الدراسات الفقهية، والعقدية، والنحوية، وغيرها، ففي النحو مثلا ذهب جماعة من النحويين ومنهم ابن مالك يستشهدون لقواعد نحوية -وقد تكون موضع اختلاف بين النحاة- بروايات مجردة في «صحيح البخاري»(1)، وقد اعترض عليهم في بعضها الحافظ ابن حجر في «فتح الباري»، مستخدما منهج أئمة النقد في مقارنة الروايات(2)، فهذا في النحو فما الظن بأثر ذلك في العلوم الشرعية؟ ، ولذا سأكتفي هنا بذكر ما يفي بالغرض دون إطالة.
ومن أهم ما يذكر هنا ما يعرف بمنهج (الفقهاء والأصوليين)، فهو مشهور--------------------------------------------
(1) انظر: «شرح التسهيل» لابن مالك 1: 391، 2: 116، 3: 52، 101، 334، 341، 374، و «شرح الكافية» لابن مالك 3: 1586، و «تكملة شرح التسهيل» لابنه 4: 91.
(2) انظر: «فتح الباري» شرح الأحاديث (35)، (555)، (4112)، (3677)، (5746)، (6579)، (6721).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 429)
عن جمهورهم، وذلك في مسائل مهمة متفرعة عما نحن فيه، مثل (تعارض الوصل والإرسال)، و (تعارض الرفع والوقف)، و (زيادات الثقات)، و (اشتراط انتفاء العلة في تصحيح الحديث)، ونحو ذلك، فإن للفقهاء والأصوليين منهجا معروفا في هذا، وهو أن الإسناد إذا اجتمعت فيه شروط الصحة الظاهرة وهي: عدالة الرواة، وضبطهم، واتصال الإسناد، فهو إسناد صحيح، وإن خولف بعض رواته، بأن رواه غيره من الثقات مرسلا مثلا، أو موقوفا، أو بحذف راو من الإسناد، أو بدون الزيادة.
وقد تقدم آنفا نسبة هذا إليهم عن الخطيب البغدادي، والنووي.
وممن نسبه إليهم أيضا: الحاكم أبو عبدالله، فقد قال في معرض حديثه عن أقسام الصحيح المختلف فيه: «القسم الثالث: خبر يرويه ثقة من الثقات عن إمام من أئمة المسلمين فيسنده، ثم يرويه جماعة من الثقات فيرسلونه»، وذكر مثالا له ثم قال: «وهذا قسم مما يكثر، ويستدل بهذا المثال على جملة من الأخبار المروية هكذا، هذه الأخبار صحيحة على مذهب الفقهاء، فإن القول عندهم قول من زاد في متن الإسناد إذا كان ثقة، فأما أئمة الحديث، فإن القول فيها عندهم قول الجمهور الذين أرسلوه، لما يخشى من الوهم على هذا الواحد … »(1).
وابن الصلاح، فقال بعد أن ذكر اختيار الخطيب في مسألة (تعارض الوصل والإرسال) الآنف الذكر: «وما صححه هو الصحيح في الفقه وأصوله»(2).--------------------------------------------
(1) «المدخل في أصول الحديث» ص 65.
(2) «مقدمة ابن الصلاح» ص 163.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 430)
وابن دقيق العيد، فقد قال في كلامه على الحديث الصحيح: «مداره
-بمقتضى أصول الفقهاء والأصوليين- على صفة عدالة الراوي، العدالة المشترطة في قبول الشهادة على ما قرر في الفقه، ومن لم يقبل المرسل منهم زاد في ذلك: أن يكون مسندا، وزاد أصحاب الحديث: ألا يكون شاذا ولا معللا، وفي هذين الشرطين نظر على مقتضى مذهب الفقهاء، فإن كثيرا من العلل التي يعلل بها المحدثون الحديث لا تجري على أصول الفقهاء»(1).
وقال ابن دقيق العيد أيضا في إيضاح شرطه في الأحاديث التي أودعها كتابه «الإلمام بأحاديث الأحكام»، مفرقا بين منهج أئمة الحديث، ومنهج أهل الفقه والأصول: «شرطي فيه ألا أورد إلا حديث من وثقه إمام من مزكي رواة الأخبار، وكان (يعني الحديث) صحيحا على طريقة أهل الحديث الحفاظ، أو أئمة الفقه النظار، فإن لكل منهم مغزى قصده وسلكه، وطريقا أعرض عنه وتركه، وفي كل خير»(2).
وقال أبو الحسن بن الحصار الأندلسي: «للمحدثين أغراض في طريقهم احتاطوا فيها، وبالغوا في الاحتياط، ولا يلزم الفقهاء اتباعهم على ذلك، كتعليلهم الحديث المرفوع بأنه قد روي موقوفا أو مرسلا»(3).
ولو كان المطاف انتهى بهذا المذهب عند الفقهاء والأصوليين لهان الخطب،--------------------------------------------
(1) «الاقتراح في بيان الاصطلاح» 1: 3.
(2) «الإلمام بأحاديث الأحكام» ص 3.
(3) «النكت على مقدمة ابن الصلاح» للزركشي ص 47.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 431)
لكنه تجاوز ذلك إلى بعض أهل الحديث المؤلفين فيه، ومن أشهر من ينسب إليه ممن ألف بالأسانيد ثلاثة أئمة: ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم.
أما ابن خزيمة، وابن حبان، فقد نصا على شرطهما فيما يخرجانه في «صحيحيهما» بعبارة متقاربة، فقال ابن خزيمة: «مختصر المختصر من المسند الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، بنقل العدل عن العدل، موصولا إليه صلى الله عليه وسلم، من غير قطع في أثناء الإسناد، ولا جرح في ناقلي الأخبار التي نذكرها بمشيئة الله تعالى»(1).
وقال ابن حبان: «نملي الأخبار بألفاظ الخطاب، بأشهرها إسنادا، وأوثقها عمادا، من غير وجود قطع في سندها، ولا ثبوت جرح في ناقليها»(2).
وقد علق ابن حجر على شرط ابن خزيمة وابن حبان بقوله: «حكم الأحاديث التي في كتاب ابن خزيمة وابن حبان صلاحية الاحتجاج بها، لكونها دائرة بين الصحيح والحسن، ما لم يظهر في بعضها علة قادحة، وأما أن يكون مراد من يسميها صحيحة: أنها جمعت الشروط المذكورة في حد الصحيح، فلا، والله أعلم»(3).
وما ذكره ابن حجر ظاهر جدا، لا سيما عند ابن حبان.
وأما الحاكم فقد أوضح شرطه في مقدمته أيضا، فإنه قال: «أجمع كتابا يشتمل على الأحاديث المروية بأسانيد يحتج محمد بن إسماعيل، ومسلم بن الحجاج بمثلها،--------------------------------------------
(1) «صحيح ابن خزيمة» 1: 3.
(2) «صحيح ابن حبان» 1: 104.
(3) «النكت على كتاب ابن الصلاح» 1: 291.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 432)
إذ لا سبيل إلى إخراج ما لا علة له، فإنهما رحمهما الله لم يدعيا ذلك … ، وأنا أستعين الله على إخراج أحاديث رواتها ثقات، قد احتج بمثلها الشيخان رضي الله عنهما أو أحدهما، وهذا شرط الصحيح عند كافة فقهاء الإسلام: أن الزيادة في الأسانيد والمتون من الثقات مقبولة»(1).
وكرر هذا في ثنايا الكتاب، مثل قوله حين أخرج حديثا اختلف في رفعه ووقفه: «فنحن على ما شرطنا في إخراج الزيادة من الثقة في الوصل والسند»(2)، وقوله حين ذكر حديثا اختلف في وصله وإرساله: «وهذا من الجنس الذي نقول: إن الثقة إذا وصله لم يضره إرسال غيره»(3).
ومثل هذا يقال فيما يصححه ابن السكن في «صحيحه»، والضياء المقدسي في «المختارة»، وغيرهما.
فهؤلاء الأئمة كلهم ممن خصص كتابا للأحاديث الصحيحة سار فيه على طريقة الفقهاء والأصوليين، على تفاوت بين هؤلاء في درجة تطبيقها.
وأما من سار عليه من المنتسبين للحديث غير هؤلاء فجمع لا يمكن حصره، فقد انتشر هذا المذهب انتشارا واسعا، في كتب التخريج وغيرها، بل تجاوز بعضهم إلى تخطئة منهج أئمة الحديث، وعيبه بعد نسبته إليهم.--------------------------------------------
(1) «المستدرك» 1: 2.
(2) «المستدرك» 1: 42.
(3) «المستدرك» 1: 49، وانظر أيضا 1: 48، 77، 86، 109، 112، وغيرها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 433)
فممن سار عليه وطبقه ونافح عنه كثيرا ابن حزم، عند بحثه لهذا الموضوع، وفي تطبيقاته له(1)، ومن أشد ما قاله في هذا: «وأما دعوى ابن معين أو غيره ضعف حديث رواه الثقات، أو ادعوا فيه أنه خطأ، من غير أن يذكروا فيه تدليسا - فكلامهم مطرح مردود، لأنه دعوى بلا برهان»(2).
وقال أيضا بعد أن ذكر حديثا اختلف فيه على المدار بزيادة راو وإسقاطه، وجزم ابن حزم بأنه سمعه مرة هكذا، ومرة هكذا: «وإلا فأي شيء في هذا مما يقدح في الرواية؟ وددنا أن تبينوا لنا ذلك، ولا سبيل إلا بدعوى فاسدة لهج بها قوم من أصحاب الحديث، وهم فيها مخطئون عين الخطأ، ومن قلدهم أسوأ حالا منهم»(3).
ومنهم ابن الجوزي في بعض كتبه، فمن ذلك قوله في جواب من أعل حديثا بالوقف: «الرفع زيادة، والزيادة من الثقة مقبولة … ، ومن عادة المحدثين أنهم إذا رأوا من وقف الحديث ومن رفعه - وقفوا مع الواقف احتياطا، وليس هذا مذهب الفقهاء»(4).
وقال مرة في كلامه على حديث: «قد ذكرنا أن مذهب المحدثين إيثار قول--------------------------------------------
(1) انظر: «الإحكام في أصول الأحكام» 1: 166، 264 - 271، 306، 327، و «المحلى» 1: 238، 2: 107، 6: 216، 234.
(2) «المحلى» 6: 9.
(3) «المحلى» 1: 238.
(4) «التحقيق في أحاديث التعليق» حديث (163).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 434)
من وقف الحديث احتياطا، وليس هذا بشيء»(1).
وقال في موضع آخر في موازنته بين مذهب الفريقين: «إن البخاري ومسلما تركا أحاديث أقوام ثقات، لأنهم خولفوا في الحديث، فنقص الأكثرون من الحديث وزادوا، ولو كان ثم فقه لعلموا أن الزيادة من الثقة مقبولة … ، وكل هذا سوء فهم، ولهذا لم يلتزم الفقهاء هذا، وقالوا: الزيادة من الثقة مقبولة، ولا يقبل القدح حتى يبين سببه، وكل من لم يخالط الفقهاء وجهد مع المحدثين تأذى وساء فهمه، فالحمد لله الذي أنعم علينا بالحالتين»(2).
كذا قال ابن الجوزي، وكلامه شبيه بكلام ابن حزم الآنف الذكر، وهو كلام في غاية البعد عن التحقيق العلمي والإنصاف، وابن الجوزي مع حدته في العبارة هنا فهو -سامحه الله- كثير التناقض في هذا الباب، يلجأ كثيرا إلى علل أهل الحديث حين يحتاج إليها(3).
ومنهم كذلك ابن القطان الفاسي، فإنه تبنى مذهب ابن حزم بحذافيره، وردد كثيرا من عباراته بمعناها، فمن ذلك قوله: «لا عيب على الحديث أن يروى تارة مسندا، وتارة مرسلا»(4)، وقوله: «إذا كان رافعه ثقة، وواقفه ثقة، فهذا--------------------------------------------
(1) «التحقيق في أحاديث التعليق» حديث (190)، وانظر أيضا: الأحاديث (141 - 143)، (161 - 162)، (164 - 166)، (223).
(2) «صيد الخاطر» ص 224.
(3) «التحقيق في أحاديث التعليق» الأحاديث (15)، (39)، (59)، (61)، (63).
(4) «بيان الوهم والإيهام» حديث (1034).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 435)
لا يضره، ولا هو علة فيه … ، فالقضاء للواقف على الرافع يكون خطأ»(1).
وقال مرة معقبا على كلام الترمذي في تعليل حديث بالوقف، مشيرا إلى تضعيفه مذهب المحدثين: «وهذا عند الترمذي عِلَّة، أن يروى مرفوعا وموقوفا، وليس ذلك بصحيح من قوله وقول من ذهب مذهبه»(2).
وقال مرة: «وهو نظر غير صحيح، أن تعل رواية ثقة حافظ وصل حديثا رواه غيره مقطوعا، أو أسنده ورواه مرسلا - لأجل مخالفة غيره له … ، وهذا هو الحق في هذا الأصل، وكما اختاره أكثر الأصوليين، فكذلك أيضا اختاره من المحدثين طائفة، وإن كان أكثرهم على الرأي الأول»(3).
ومنهم الإمام النووي جرى على مذهب الفقهاء والأصوليين في كتبه، مثل «المجموع»، و «رياض الصالحين»، و «الأذكار»، و «شرح صحيح مسلم»، و «الأربعون»، واعتمد على هذا المذهب في أجوبته عن الأحاديث التي انتقدها الدارقطني وغيره على مسلم، فسلك ضروبا من التجويز العقلي لتفادي تخطئة الرواة.--------------------------------------------
(1) «بيان الوهم والإيهام» حديث (1108).
(2) «بيان الوهم والإيهام» حديث (1194).
(3) «بيان الوهم والإيهام» حديث (2604)، وانظر أيضا الأحاديث: (1022)، (1024)، (1083)، (1114)، (1448)، (2462)، (2465)، (2468)، (2478)، (2493)، (2497)، (2517)، (2526)، (2552)، (2556)، (2565 - 2566)، (2568 - 2569)، (2585 - 2641).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 436)
ومن أغرب ما وقع له صنيعه في حديث ابن عمر: «بني الإسلام على خمس … »(1)، فقد جاء عن ابن عمر في «صحيح مسلم» إنكاره تقديم الحج على صوم رمضان في عدها، وأنه سمعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا بتقديم الصوم، ثم جاءت عنه روايات بتقديم الحج، فقال النووي مجيبا عن هذا: «الأظهر -والله أعلم- أنه يحتمل أن ابن عمر سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم مرتين، مرة بتقديم الحج، ومرة بتقديم الصوم، فرواه أيضا على الوجهين في وقتين، فلما رد عليه الرجل وقدم الحج قال ابن عمر: لا ترد علي ما لا علم لك به … ، وليس في هذا نفي لسماعه على الوجه الآخر، ويحتمل أن ابن عمر كان سمعه مرتين بالوجهين كما ذكرنا، ثم لما رد عليه الرجل نسي الوجه الذي رده فأنكره، فهذان الاحتمالان هما المختاران في هذا»(2).
فلكي يبعد نسيان أحد الرواة، أو روايته للحديث بالمعنى، اضطره ذلك إلى ما هو أعظم منه، إذ نسب النسيان إلى صحابي الحديث وهو ابن عمر، وقد ناقشه في ذلك العلائي، ثم ابن حجر(3).
وزيادة على ذلك، ففي هذا الحديث بعينه وردت رواية عند أبي عوانة في--------------------------------------------
(1) «صحيح البخاري» حديث (8)، (4513)، و «صحيح مسلم» حديث (16)، و «سنن الترمذي» حديث (2609)، و «سنن النسائي» حديث (5016)، و «مسند أحمد» 2: 26، 120، 143.
(2) «شرح صحيح مسلم» 1: 179.
(3) «النكت على كتاب ابن الصلاح» 2: 799، و «فتح الباري» 1: 50.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 437)