«مستخرجه» في قصة رد الرجل على ابن عمر بتقديم الصوم، وفيه قول ابن عمر للرجل: اجعل صيام رمضان آخرهن، عكس ما ورد في «صحيح مسلم»، ورد ذلك ابن الصلاح بأن ما في «الصحيح» مقدم، فقال النووي دافعا قول ابن الصلاح: «هذا (يعني ما في «مستخرج أبي عوانة») محتمل أيضا صحته، ويكون قد جرت القضية مرتين لرجلين»(1).
كذا قال النووي، وقد أوغل جدا في تطلب تصويب جميع الرواة الثقات.
وذكر عمر للنبي صلى الله عليه وسلم أنه نذر في الجاهلية أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام، وفي بعض الروايات: يوما(2)، فقال النووي جامعا بين الروايتين: «هما واقعتان، كان على عمر نذران، ليلة بمفردها، ويوما بمفرده، فسأل عن هذا مرة، وعن الآخر أخرى»(3)، عقب عليه العلائي بقوله: «ففي هذا الحمل من أجل تحسين الظن بالرواة - تطرق الخلل إلى عمر رضي الله عنه … »(4).
ومع التزام النووي بهذا المنهج إلا أنه ربما تركه إلى منهج نقاد الحديث،--------------------------------------------
(1) «شرح صحيح مسلم» 1: 179.
(2) «صحيح البخاري» حديث (2032)، (2042 - 2043)، و (3144)، (4320)، (6697)، و «صحيح مسلم» حديث (1656)، و «سنن أبي داود» حديث (3325)، و «سنن الترمذي» حديث (1539)، و «سنن النسائي» حديث (3829 - 3931)، و «سنن النسائي الكبرى» حديث (3349 - 3355)، و «سنن ابن ماجه» حديث (2129)، و «مسند أحمد» 1: 37، 2: 10، 20، 35، 81، 153.
(3) «شرح صحيح مسلم» 11: 124.
(4) «النكت على كتاب ابن الصلاح» 2: 798.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 438)
ففي حديث أبي موسى الأشعري مرفوعا: «إنما جعل الإمام ليؤتم به … » الحديث(1)، تكلم النووي على زيادة: «وإذا قرأ فأنصتوا»، فضعفها، مستعينا بأقوال النقاد(2).
وكما أسلفت فقد انتشر هذا المذهب في الكلام على الأحاديث انتشارا واسعا، لسهولة تطبيقه، واشتغال أئمة الحديث المتأخرين بكتب ضخمة في تخريج أحاديثها، فنراه في تخريجات العراقي، والهيثمي، والبوصيري، وابن حجر، والسيوطي.
وقد رأيت لابن حجر كلاما في بعض تعليقاته أراد به أن يقرب مذهب الفقهاء من مذهب أئمة النقد، وأن الخلاف بينهما لفظي في النهاية، قال: «زاد أهل الحديث قيدي عدم الشذوذ والعلة، لأن أحدا لا يقول: إن الحديث يعمل به وإن وجدت فيه علة قادحة، غايته أن بعض العلل التي ذكروها لا يعتبرها الفقهاء، فهم إنما يخالفونهم في تسمية بعض العلل علة، لا في أن العلة توجد ولا تقدح، فأهل الحديث يشترطون في الحديث الذي اجتمعت فيه الأوصاف مزيد تفتيش، حتى يغلب على الظن أنه سالم من الشذوذ والعلة، والفقهاء لا يشترطون في الحديث ذلك، بل متى اجتمعت الأوصاف الثلاثة سموه صحيحا، ثم متى ظهر--------------------------------------------
(1) «صحيح مسلم» حديث (404)، و «سنن أبي داود» حديث (972 - 973)، و «سنن النسائي» حديث (829)، و (1063)، (1171 - 1172)، و (1279)، و «سنن ابن ماجه» حديث (901)، و «مسند أحمد» 4: 393، 394، 401، 405، 409، 410.
(2) «شرح صحيح مسلم» 4: 123، و «المجموع» 3: 298.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 439)
شاذا ردوه، فلا خلاف بينهما في المآل، وإنما الخلاف في تسميته في الحال بعد وجود الأوصاف الثلاثة، والفريقان مجمعون على أن العلة القادحة متى وجدت ضرت … »(1).
هكذا يقرر ابن حجر، وليت الأمر على ما قال، وأن الخلاف لفظي، يزول في النهاية إذا اطلع على علة، لكنه في الواقع لا يزول، لأن الاختلاف بين المنهجين هو في القواعد التي يحكم على العلة إذا وجدت بأنها قادحة أو غير قادحة، وبين المنهجين فرق كبير جدا في هذه القواعد، نتج عنه فرق كبير أيضا في الحكم على أفراد الأحاديث حين تطبيق المنهجين.
فأما القواعد نفسها فقد تقدم عن جمع من الأئمة ومنهم ابن حجر تحرير منهجي الفريقين، وأما أفراد الأحاديث فأكثر من أن تحصى، وسيأتي في ثنايا هذا الكتاب الإشارة إلى أثر المنهجين في الحكم على الأحاديث.
وقول ابن حجر: «لأن أحدا لا يقول: إن الحديث يعمل به وإن وجدت فيه علة قادحة … » لا يفيد شيئا في التقريب بين المنهجين، لأن الشأن في وجود الاختلاف في القواعد التي يتحاكم إليها الفريقان في النظر إلى العلل، وإنما يكون الاختلاف لفظيا لو كانت القواعد واحدة، والاختلاف في وجوب النظر فيها قبل إصدار الحكم، أو في جوازه حتى تظهر علة.
ومن العسير جدا رصد هذا المنهج، والحديث عن آثاره في مثل هذا المجال--------------------------------------------
(1) «النكت الوفية بما في شرح الألفية» للبقاعي 1: 81.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 440)
المختصر، لما تقدم، ولسبب آخر مهم جدا وهو استخدام بعض الأئمة للمنهجين جميعا، إما في كتب مختلفة، أو ربما في كتاب واحد، وبعضهم ربما نَظَّر شيئا وطبق غيره، فالحاكم -مثلا- له كلام في غاية القوة والصرامة في كتابه «علوم الحديث»، لكنه في «المستدرك» على النقيض من ذلك، تسامح جدا، ولم يعبأ بمخالفة الثقة ونحوه لغيره، وضده الخطيب البغدادي، مال في كتابه «الكفاية» -كما تقدم آنفا- إلى منهج الأصوليين والفقهاء، لكنه في كتبه التطبيقية مثل «تمييز المزيد في متصل الأسانيد»، و «الفصل للوصل المدرج في النقل» سلك منهج كبار أئمة النقد.
ومثل هذا يقال في ابن حجر، فإنه قرر أشياء كثيرة في كتابه «النكت على كتاب ابن الصلاح» على طريقة أئمة النقد، وكذا في بعض كتبه التطبيقية، مثل كتابه الذي لخص به كتاب الخطيب الآنف الذكر في الإدراج، وكتابه في الحديث المعلل: «الزهر المطلول في الخبر المعلول»، كما يشير إلى ذلك عزوه للكتابين، وفي كثير من تقريراته في كتبه الكبيرة كـ «فتح الباري»، و «التلخيص الحبير»، لكنه أيضا في كثير من تخاريجه وأحكامه على الأحاديث ينهج منهج النظر إلى الإسناد المفرد.
وهذا التذبذب بين المنهجين مرده إلى الطريقة التي دونت بها بعض قواعد المحدثين، وذلك بالتأثر بما كتبه الأصوليون والمتكلمون، إذ كان التأليف في أصول الفقه هو السابق، فالقارئ في بعض كتب المصطلح يرى أشياء متناقضة، فهو في (تعارض الوصل والإرسال)، و (تعارض الرفع والوقف)، و (زيادات الثقات)، يرى خليطا من الأقوال، وقد يُرجَّح له قول من يحكم للزائد في هذه الموضوعات، ثم في قضايا أخرى لا يمكن تقريرها وشرحها إلا على منهج واحد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 441)
وهو منهج كبار أئمة النقد، مثل (الشاذ)، و (المعلل)، و (المدرج)، و (المقلوب)، و (المزيد في متصل الأسانيد)، وغيرها، إذ هذه الأبواب قائمة على أحاديث الثقات، وإلا فقدت روحها ومضمونها، لأن أحاديث الضعفاء ضعفت بداية بسببهم.
والخلاصة أنه لأجل هذين الأمرين -عدم الدقة في تحرير منهج أئمة النقد، وانتشار مذهب الفقهاء والأصوليين- توارد جمع من الأئمة المتأخرين على شرح وإيضاح منهج وطريقة الأئمة المتقدمين أئمة النقد، والتأكيد على شرح موقفهم من الاختلاف، خاصة ما يتعلق بزيادات الثقات، فقال ابن دقيق العيد: «من حكى عن أهل الحديث -أو أكثرهم- أنه إذا تعارض رواية مرسل ومسند، أو واقف ورافع، أو ناقص وزائد، أن الحكم للزائد، فلم يصب في هذا الإطلاق، فإن ذلك ليس قانونا مطردا، وبمراجعة أحكامهم الجزئية يعرف صواب ما نقول»(1).
وقال ابن تيمية حين ذكر معارضة حديث للقرآن: «مع أن حذاق أهل الحديث يثبتون علة هذا الحديث من غير هذه الجهة، وأن راويه فلانا غلط فيه، لأمور يذكرونها، وهذا الذي يسمى: معرفة علل الحديث، يكون الحديث إسناده في الظاهر جيدا، ولكن عرف من طريق آخر أن راويه غلط فرفعه وهو موقوف، أو أسنده وهو مرسل، أو دخل عليه حديث في حديث، وهذا فن شريف، وكان يحيى بن سعيد الأنصاري (كذا في النسخة، وصوابه: القطان)، ثم صاحبه علي بن المديني، ثم البخاري، من أعلم الناس به، وكذلك الإمام أحمد، وأبو حاتم،--------------------------------------------
(1) «شرح الإلمام» 1: 27، وانظر: «النكت على كتاب ابن الصلاح» لابن حجر 2: 604.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 442)
وكذلك النسائي، والدارقطني وغيرهم، وفيه مصنفات معروفة»(1).
وقال في كلام له عن شرط البخاري ومسلم: « … وقد يترك من حديث الثقة ما علم أنه أخطأ فيه، فيظن من لا خبرة له أن كل ما رواه ذلك الشخص يحتج به أصحاب الصحيح، وليس الأمر كذلك، فإن معرفة علل الحديث علم شريف يعرفه أئمة الفن: كيحيى بن سعيد القطان، وعلي بن المديني، وأحمد بن حنبل، والبخاري صاحب «الصحيح»، والدارقطني، وغيرهم، وهذه علوم يعرفها أصحابها»(2).
وقال أيضا: «وكما أنهم (يعني أهل الحديث) يستشهدون ويعتبرون بحديث الذي فيه سوء حفظ - فإنهم أيضا يضعفون من حديث الثقة الصدوق الضابط أشياء تبين لهم أنه غلط فيها، بأمور يستدلون بها، ويسمون هذا: علم علل الحديث، وهو من أشرف علومهم، بحيث يكون الحديث قد رواه ثقة ضابط وغلط فيه … ، والناس في هذا الباب طرفان، طرف من أهل الكلام ونحوهم ممن هو بعيد عن معرفة الحديث وأهله، لا يميز بين الصحيح والضعيف … ، وطرف ممن يدعي اتباع الحديث والعمل به كلما وجد لفظا في حديث قد رواه ثقة، أو رأى حديثا بإسناد ظاهره الصحة - يريد أن يجعل ذلك من جنس ما جزم أهل العلم بصحته، حتى إذا عارض الصحيح المعروف أخذ يتكلف له التأويلات الباردة، أو يجعله دليلا له في مسائل العلم، مع أن--------------------------------------------
(1) «مجموع فتاوى ابن تيمية» 18: 19.
(2) «مجموع فتاوى ابن تيمية» 18: 42.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 443)
أهل الحديث يعرفون أن مثل هذا غلط»(1).
وقال ابن عبدالهادي في مناقشته لابن الجوزي وابن القطان في قولهما بتقديم من وصل الحديث أو رفعه دائما: «وهذه الطريقة التي سلكها المؤلف (يعني ابن الجوزي) ومن تبعه في أن الأخذ بالمرفوع والمتصل في كل موضع - طريقة ضعيفة، لم يسلكها أحد من المحققين وأئمة العلل في الحديث»(2).
وقال العلائي في كلامه على مسألة (تعارض الوصل والإرسال): «كلام الأئمة المتقدمين في هذا الفن -كعبدالرحمن بن مهدي، ويحيى بن سعيد القطان، وأحمد بن حنبل، والبخاري، وأمثالهم- يقتضي أنهم لا يحكمون في هذه المسألة بحكم كلي، بل عملهم في ذلك دائر مع الترجيح، بالنسبة إلى ما يقوى عند أحدهم في كل حديث حديث»(3).
وقال أيضا في كلامه على عموم اختلاف الرواة في الإسناد: «إذا كان رجال الإسنادين متكافئين في الحفظ أو العدد، أو كان من أسنده أو رفعه دون من أرسله أو وقفه في شيء من ذلك، مع أن كلهم ثقات محتج بهم - فههنا مجال النظر، واختلاف أئمة الحديث والفقهاء، فالذي يسلكه كثير من المحدثين -بل غالبهم- جعل ذلك علة مانعة من الحكم بصحة الحديث مطلقا، فيرجعون إلى الترجيح لإحدى الروايتين على الأخرى، فمتى اعتضدت إحدى الطريقين بشيء--------------------------------------------
(1) «مجموع فتاوى ابن تيمية» 13: 352.
(2) «تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق» 1: 119، وانظر أيضا: 1: 108 - 109.
(3) «النكت على كتاب ابن الصلاح» لابن حجر 2: 604.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 444)
من وجوه الترجيح حكموا لها، وإلا توقفوا عن الحديث وعللوه بذلك، ووجوه الترجيح كثيرة لا تنحصر، ولا ضابط لها بالنسبة إلى جميع الأحاديث، بل كل حديث يقوم به ترجيح خاص، وإنما ينهض بذلك الممارس الفطن، الذي أكثر من الطرق والروايات، ولهذا لم يحكم المتقدمون في هذا المقام بحكم كلي يشمل القاعدة، بل يختلف نظرهم بحسب ما يقوم عندهم في كل حديث بمفرده»(1).
وقال ابن حجر معقبا على الأقوال التي ذكرها ابن الصلاح في مسألة (تعارض الوصل والإرسال) عن الخطيب البغدادي، وقوله إن الصحيح في الفقه والأصول هو ترجيح الوصل دائما: «ثم إن ابن الصلاح خلط هنا طريقة المحدثين بطريقة الأصوليين، على أن لحذاق المحدثين في هذه المسألة نظرا آخر لم يحكه، وهو الذي لا ينبغي أن يعدل عنه، وذلك أنهم لا يحكمون فيها بحكم مطرد، وإنما يدورون في ذلك مع القرائن»(2).
وقال أيضا تعليقا على كلمة ابن طاهر: «لا خلاف نجده بين أهل الصنعة أن الزيادة من الثقة مقبولة»، قال: «أي لا نجد أحدا من أهل الفن إلا وقد قبل زيادة الثقات، ولو في مكان من الأماكن، فهم مجمعون بهذا الاعتبار بالفعل، ولكنهم مختلفون في التفاصيل، فتجد هذا يقبل في مكان لا يقبل فيه آخر، ويقبل في آخر غيره، ومن تأمل تصرفهم حق التأمل علم أنهم لا يحكمون في هذه المسألة بحكم كلي، ولكنهم دائرون في أفرادها مع القرائن، فتارة يرجحون الوصل،--------------------------------------------
(1) «النكت على كتاب ابن الصلاح» لابن حجر 2: 712.
(2) «النكت الوفية بما في شرح الألفية» للبقاعي 1: 426.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 445)
وتارة الإرسال، وتارة رواية من زاد، وتارة رواية من نقص، ونحو ذلك، وهذا هو المعتمد، وهو فعل جهابذة النقاد وأعلامهم»(1).
ونلحظ في كلام هؤلاء الأئمة حرصهم على التأكيد على منهج أئمة النقد في زيادات الثقات، وذلك لتعويل بعض الأئمة المتأخرين على كلمات وردت عن النقاد ذكروا فيها أن زيادة الثقة مقبولة، وربما عبر بعضهم بزيادة الحافظ، مثل ما ورد عن البخاري، وأبي زرعة، وأبي حاتم، والبزار، والدارقطني(2)، ويلهج بهذا أيضا كثير من المشايخ والباحثين المعاصرين، في سعيهم لنفي الخلاف بين منهج أئمة النقد ومنهج المتأخرين.
وهذه الكلمات لا دلالة فيها على المراد، أما من الناحية العملية فالأمر ظاهر، فعمل هؤلاء الأئمة وغيرهم في تعليل أحاديث الثقات وزياداتهم في الإسناد والمتن أشهر من أن يمثل له، وسيأتي في ثنايا الكتاب أمثلة كثيرة لهذا، وفي هذا يقول ابن رجب مجيبا عما نقل عن البخاري من ترجيحه وصل حديث، وتعليله بأن ذلك زيادة ثقة: «وهذه الحكاية إن صحت فإنما مراده الزيادة في هذا الحديث، وإلا فمن تأمل كتاب تاريخ البخاري تبين له قطعا أنه لم يكن يرى أن زيادة كل ثقة في الإسناد مقبولة، وهكذا الدارقطني يذكر في بعض المواضع أن الزيادة من الثقة مقبولة، ثم يرد في أكثر المواضع زيادات كثيرة من الثقات،--------------------------------------------
(1) «النكت الوفية بما في شرح الألفية» 1: 486.
(2) «مسند البزار» حديث (2)، (23 م)، (2087)، و «علل ابن أبي حاتم» 1: 465، 2: 302، 318، و «سؤالات السلمي للدارقطني» ص 370، و «علل الدارقطني» 3: 98، و «الكفاية» ص 413.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 446)
ويرجح الإرسال على الإسناد»(1).
وأما من الناحية النظرية فكذلك، جاءت عنهم كلمات أيضا تدل على أن الأمر ليس على إطلاقه، وأن المقصود بقبول زيادات الثقات أنها ليست كلها مردودة، فيقبل منها ما يقوم الدليل على ترجيح حفظه، ويرد منها ما ليس كذلك.
قال الشافعي: «إنما يُغَلَّط الرجل بخلاف من هو أحفظ منه، أو يأتي بشيء في الحديث يشركه فيه من لم يحفظ منه ما حفظ، وهم عدد، وهو منفرد»(2).
وذكر الدارقطني حديثا وقع فيه اختلاف على أحد رواته، ثم قال: «وإسماعيل بن جعفر أحفظ من يحيى بن أيوب، وإسماعيل بن عياش، وقد زاد عليهما، وزيادة الثقة مقبولة»(3).
وقال أيضا في كلامه على حديث آخر خالف فيه الثوري اثنين من الثقات: «لولا أن الثوري خالف لكان القول قول من زاد فيه لأن زيادة الثقة مقبولة»(4).
وإلى جانب هذه التنبيهات القيمة من هؤلاء الأعلام في شرح وتوضيح منهج أئمة النقد حين اختلاف الرواة - فقد كان لبعضهم جهد مشكور في جانب آخر، هو الأهم، أعني الجانب التطبيقي، فقد تتبع بعض الأئمة أحكام أئمة--------------------------------------------
(1) «شرح علل الترمذي» 2: 638.
(2) «اختلاف الحديث» ص 30.
(3) «العلل» 2: 182.
(4) «شرح علل الترمذي» 2: 638.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 447)
آخرين ساروا على منهج الفقهاء والأصوليين، ونقدوا تلك الأحكام على ضوء منهج أئمة النقد.
فمن هؤلاء الحافظ أبو بكر محمد بن حيدرة الشاطبي الأندلسي، المعروف بابن مفوز، المتوفى سنة 505 وقد جاوز الأربعين بثلاث سنين، قال فيه الذهبي: «كان حافظا للحديث وعلله، عالما بالرجال، متقنا … »(1).
ولابن مفوز رد على ابن حزم، وصفه ابن عبدالهادي بأنه رد حسن، وقال: «كتبته، وهو يدل على تبحره وإمامته»(2).
وهو كما قال ابن عبدالهادي، فقد نقل عنه ابن القيم مناقشته لابن حزم في تصحيحه لحديث خطأ أئمة الحديث فيه أبا إسحاق السبيعي، فرد عليهم ابن حزم، وزاد على ذلك فصحح روايتين متعارضتين عن أبي إسحاق، وحملهما على تعدد الواقعة، فرد عليه ابن مفوز ردا محكما، أشار فيه إلى منهج أئمة الحديث، ومنهج الفقهاء الذين لا يعتبرون الأسانيد ولا ينظرون الطرق(3).
ومن هؤلاء أيضا ابن عبدالهادي في كتابه: «تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق»، تتبع فيه ابن الجوزي في كتابه «التحقيق في أحاديث التعليق»، في الأحاديث التي نصر فيها منهج الفقهاء والأصوليين(4).--------------------------------------------
(1) «سير أعلام النبلاء» 19: 421.
(2) «طبقات علماء الحديث» 4: 27.
(3) «تهذيب سنن أبي داود» 1: 154.
(4) انظر مثلا: «التنقيح» 1: 311، 366، 385، 387، 388.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 448)
ونرى نماذج لذلك أيضا في كلام ابن رجب على أحاديث حسنها النووي في «الأربعين»، وناقشه ابن رجب بتعليلها على طريقة المتقدمين، ونقل كلامهم(1).
كما نرى نماذج لذلك أيضا في كلام ابن حجر على أحاديث يصححها بعض الأئمة، وهي معلولة عند أئمة النقد، فكثيرا ما يقول: «مشى فلان (كابن حبان مثلا) على ظاهر الإسناد، فصحح الحديث»(2).
واليوم -والعالم الإسلامي يشهد نهضة وإقبالا شديدا على دراسة السنة النبوية- يجد الباحث نفسه في ذات الموقف الذي اضطر بسببه جمع من الأئمة المتأخرين إلى تحرير منهج كبار أئمة النقد، إذ النهضة المعاصرة فتحت عينيها على حفظ وتطبيق ما في كتب المصطلح، وحمل الراية في بداية النهضة من أوغل جدا في سلوك منهج الفقهاء والأصوليين، والرد كثيرا على أئمة النقد، وإن حصل منهم إجماع أو ما يشبه الإجماع في الحديث المعين، أعني الشيخ أحمد شاكر.
ثم كثر المنتسبون إلى هذا العلم، المشتغلون بالأحاديث تصحيحا وتضعيفا كثرة بالغة، بسبب افتتاح أقسام الدراسات العليا في الجامعات الإسلامية، ومطالبة هذه الأقسام -حتى غير المتخصصة- الباحثين والباحثات بالحكم على الأحاديث، مع تأكيدهم عليهم أن يكون الحكم على الأسانيد مفردة، دون التعرض للعلل، لأن هذا من شؤون أئمة النقد كما يقولون.--------------------------------------------
(1) انظر مثلا: «جامع العلوم والحكم» الحديث الثاني عشر، والحديث التاسع والثلاثين.
(2) انظر مثلا: «النكت على كتاب ابن الصلاح» 2: 726، 782.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 449)
ولا بد من الإشارة إلى فرق جوهري بين ما كان عليه الأئمة المتأخرون السائرون على منهج الفقهاء الأصوليين، وبين الباحثين في العصر الحاضر، وهو أن أكثر أولئك ساروا على منهج مع علمهم بوجود منهج آخر وهو منهج أئمة النقد، كما تقدم في كلام ابن حزم، وابن الجوزي، وابن القطان، وأما الباحثون المعاصرون فأكثرهم لا يدرك ذلك، ويأنف أن يقال له: إنك تسير على غير ما سار عليه أئمة النقد، مع أن الأمر ظاهر، إذ هو يكثر من تصحيح أحاديث قد ضعفوها، فمن أين أتى هذا؟ .
وقد حاورني شخص حين سمع بوجود منهجين وقال في كلامه: أريد من نص على هذا، بشرط تجنب ذكر اثنين، فذكر أستاذا فاضلا معاصرا، له جهود مشكورة موفقة في التنبيه على بعض الخلل في الدراسات الحديثية عند المتأخرين، وذكر الحافظ ابن رجب.
فقلت له: أما الأستاذ المعاصر فلك الحق في استثنائه، لأن خلافك معه ومع أمثاله، وأما ابن رجب فهو الفحل لا يقذع أنفه، فلو افترضنا أنه تفرد بالتنبيه على مثل ذلك ما ضره، فإن الحق معه، وسبيل التأكد من صحة ما يقوله ليس بالعسير لمن وفقه الله تعالى، فهذه كتبهم، وهذا صنيع المتأخرين.
ومع ذلك فسأتنزل معك وأدع ابن رجب(1) ، ثم ذكرت له جماعة من الأئمة الذين نصوا على وجود المذهبين ممن تقدم نقل كلامهم آنفا، فما كان منه--------------------------------------------
(1) ينظر بحثه لهذه المسألة في «شرح علل الترمذي» 2: 630 - 643.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 450)
إلا أن قال: أين نحن عن هذا؟ ولم إنكار وجود مذهبين متميزين في الدراسات الحديثية؟ فأجبته: لا أجد مبررا لهذا إلا أن أعزوه لثلاثة أسباب: الأول: صعوبة التحول عما نشأ عليه الشخص، وتلقاه في فترة التعليم، واشتغل عليه فترة طويلة، ولهذا نرى بعض الباحثين قد سلم بوجود المنهجين، واقتنع بضرورة الالتزام بمنهج الأئمة النقاد، وربما شرحه وأوضحه، ولكنه عند التطبيق يدعه ويتكلم على الأحاديث بما نشأ عليه.
وقد قرأت كتابا لأحد الباحثين قدم له بمقدمة جيدة عن قرائن الترجيح عند الأئمة، وضرب لها الأمثلة، ثم في داخل الكتاب سرعان ما يدعها ويسلك مسلك الفقهاء والأصوليين، ومن سار على طريقتهم، بل ينقل أقوالهم وتقريراتهم على الأحاديث.
وتكلم باحث آخر في كتاب له نشره عن زيادة ثقة في متن الحديث، وضعفها، وكتب في ذلك صفحات مطولة، نقل فيها عن الأئمة المتأخرين تقريرهم لمنهج المتقدمين في قبول الزيادات أوردها.
ثم هو في أحاديث أخرى كأنه لم يقرأ حرفا مما سطره هنا، فحسن إسناد حديث فيه صدوق، قد خالف جماعة من الحفاظ، منهم سفيان الثوري، وشعبة، فزاد في الإسناد رجلا، ورواية الحفاظ بإسقاطه، فالإسناد منقطع، وأحاديث أخرى كثيرة ترك فيها ما أطال في تقريره والأخذ به في ذلك الموضع.
الثاني: خلل في التربية العلمية، فالاستعداد النفسي لتغيير الرأي متى ظهر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 451)
الحق في خلافه مفقود أو شبه مفقود، وكثير من الباحثين يظن أن من ينبه على وجود خلل في منهج ما إنما يقصد أصحابه بالتنقص والعيب.
الثالث: الطريقة التي سلكها بعض من تصدى للتنبيه على الخلل الموجود في مسيرة الدراسات النقدية للسنة، فقد سلك بعضهم -وهذا مما يؤسف له- مسلكا اتسم بالعنف والحدة، والغمز واللمز، بل والتعيير أحيانا، حتى مع بعض الأئمة، وعدم التماس الأعذار، ولا شك أن لهذا ردة فعل غير محمودة، فرأينا ردودا ومناقشات بعيدة عن الأدب العلمي، ورأينا التنابز بالألقاب، وأنا أبرأ إلى الله تعالى من الفريقين، وأحاول بقدر الاستطاعة أن أنتظم في سلك فئة قليلة في عددها كثيرة -بحول الله- بعدتها، تنبه ولا تعنف، تعذر ولا تعير، ترجح ما تراه الصواب، ترى العلم حقا مشتركا للجميع، لا يملكه أحد، هدفها خير الأمة وصلاحها، نسأل الله تعالى أن يسدد الخطا، وأن يوفق للصواب.
وسأعود إلى التأكيد على الفرق بين المنهجين في مناسبات لاحقة في بقية فصول هذا الباب (الاختلاف) يظهر فيها التطبيق العملي لهذا الفرق، مع غرض آخر قصدته وهو تنبيه الباحث حين يسير على نهج أئمة النقد على أن يكون شديد الحذر والانتباه، فقد تزل قدمه في إحدى مراحل النظر في الاختلاف، فيعود مرة أخرى إلى منهج المتأخرين، من حيث يعلم أو من حيث لا يعلم، فيقضي على جهده كله، وهذا أمر بالغ الأهمية، فالمشوار طويل، والطريق وعرة.
وفي ختام هذا المبحث أود أن أشير إلى قضيتين مهمتين، الأولى: ليس من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 452)
غرضي هنا أن أستدل لسلامة منهج أئمة النقد، وضعف منهج من خالفهم، فقد ذكرت في مناسبة سابقة أن مهمة من يبحث في قواعد النقد هي تحرير منهج أئمته، فإذا عرفنا منهجهم أو قاعدتهم في قضية ما انتهت مهمة الباحث هنا، وصار الاستدلال لهذا المنهج أو لتلك القاعدة من نافلة القول.
الثانية: اختلاف منهج المتأخرين عن منهج أئمة النقد ليس خاصا بقضية وقوع اختلاف بين الرواة، فقد تقدم مثله تماما في مسألة (التفرد)، في الباب الذي قبل هذا، ويأتي مثله أيضا في مسألة (الاعتضاد)، ومسألة (المعارضة).
وكل هذا يتعلق بمقارنة المرويات، وأما ما يتعلق بـ (الجرح والتعديل)، وقضايا (الاتصال والانقطاع)، فقد تقدم في الكتابين الأولين التنبيه في مناسبات عديدة إلى الخلل الواقع فيها في الدراسات النقدية المتأخرة.
والباب كله واحد، ينتظم عددا من المسائل، قد يشتهر بعضها ويخفى بعضها الآخر، غير أن المحصلة النهائية واحدة: ضعف متناه في نقد المرويات، ومجازفات لا حدود لها في التصحيح.
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 453)
الفصل الثاني
قرائن الترجيح والموازنة
وفيه مدخل، وأربعة مباحث:
المبحث الأول: القرائن في الرواة المختلف عليهم.
المبحث الثاني: القرائن في الرواة المختلفين.
المبحث الثالث: القرائن في صفة الرواية.
المبحث الرابع: المتابعات للمدار ومن فوقه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 455)
مدخل:
استخدم الأئمة في عصر النقد للموازنة والنظر حين يقع اختلاف بين الرواة في إسناد الحديث أو متنه قرائن كثيرة جدا يصعب حصرها، ولا سيما من باحث واحد، فالسبيل إلى ذلك أن تتضافر الجهود، وأن يحرص كل باحث اشتغل بالنظر في أحكام النقاد وتطبيقاتهم على تقييد ما يمر به من هذه القرائن والحصيلة النهائية الإلمام بهذه القرائن، أو بأكثرها.
وفي هذا الفصل كتبت ما وقفت عليه من هذه القرائن، ملتزما في ذلك شرطا مهما أكرره دائما، وهو أن القرينة لا تعد قرينة حتى ينص الناقد على استخدامها، لا أن تكون مستنبطة من كلامه، فمتى وقفنا على نص لناقد يصرح فيه باستخدامها، وأنها السبب فيما حكم به - صح لنا أن نعدها قرينة، وصح لنا أيضا أن نتلمَّسها في أحكامهم التي لم ينصوا فيها على علة الحكم، وأن نستخدمها نحن أيضا في دراستنا للاختلاف، وكل ذلك بحذر شديد ورويَّة.
وقد بدا لي أن هذه القرائن تنقسم في الجملة أربعة أقسام: الأول: في الرواة المختلف عليهم، والثاني: في الرواة المختلفين، والثالث: في صفة الرواية في الاختلاف، والرابع: المتابعات للمدار ومن فوقه، وعلى هذا الأساس سيكون هذا الفصل في أربعة مباحث.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 457)
المبحث الأول
القرائن في الرواة المختلف عليهم
الراوي المختلف عليه في حديث معين يمثل حلقة وصل بين الرواة المختلفين عليه، ومن فوقه في الإسناد، والباحث حين دراسته لحديث وقع فيه اختلاف له نظر في حلقة الوصل هذه من جهتين، الأولى: المحفوظ عن هذا الراوي ما هو؟ هل هو وجه واحد من وجوه الاختلاف، أو أكثر من وجه؟ وبعبارة أخرى: ما الذي حَدَّث به هذا الراوي أصحابه المختلفين عليه؟ وجه واحد، أو أكثر من وجه؟ ، والثانية: حال إسناد الوجه الراجح والدرجة اللائقة به، ابتداء من الراوي المختلف عليه صعودا إلى من فوقه في الإسناد، إلى أن يصل الإسناد إلى صاحب النص.
ومثال ذلك: أن يختلف أصحاب أيوب السختياني عليه في حديث ما، فيرويه بعضهم عنه، عن نافع، عن ابن عمر، ويرويه بعضهم عنه، عن أنس بن مالك، فيكون البحث عن الذي حَدَّث به أيوب ما هو؟ هل هو عن نافع، عن ابن عمر، أو عن أنس بن مالك؟ أو حدث بالإسنادين جميعا؟ فهذه جهة، والجهة الثانية بعد الفراغ من معرفة المحفوظ عن أيوب. يكون النظر في أيوب ومن فوقه في الإسناد المحفوظ عنه، لإعطاء الإسناد الدرجة اللائقة به إن كان المحفوظ عنه واحدا، أو إعطائهما الدرجة اللائقة بهما إن كان الوجهان محفوظين عنه.
والنظر في الجهة الثانية ليس هذا موضع الحديث عنه، فسيأتي له فصل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 458)
خاص به -بعونه تعالى- وهو الفصل الخامس، والحديث الآن عن النظر في الجهة الأولى، في المحفوظ عن الراوي المختلف عليه.
وشرح ذلك أن نعرف أن بعض الاختلافات على الرواة سببها الرواة المختلف عليهم أنفسهم، فالواحد منهم يروي الحديث مرة على وجه، ومرة على وجه آخر، وربما رواه على وجه ثالث، أو أكثر.
والراوي يروي الحديث على أوجه في الرواية لأسباب عديدة، منها أنه لم يضبط هذا الحديث، أو لكونه يحدث حفظا ثم راجع كتابه فوجده على صفة أخرى، أو يكون قد حدث بالحديث في مكان على صفة، ثم حدث به في مكان آخر على صفة أخرى، ومثل هذا يقال في الزمان، قد يكون حدث به أولا على صفة، ثم في الآخر على صفة أخرى.
أو يكون الراوي يرى في الحديث إشكالا في جهة ما، فيقفه أو يرسله أحيانا متعمدا، أو يرى شيخه ضعيفا فيتخوف ألا يكون حفظه، فيتعمد التقصير به.
ومن الأسباب كذلك أن يكون الراوي قد سمعه من شيخه هكذا على التردد، فهو أيضا يرويه تارة على صفة، وتارة على صفة أخرى، وقد ينبه على ذلك.
ومنها أن يكون سمع الحديث عن شيخه بواسطة، ثم سمعه منه مباشرة، أو العكس، فهو يحدث به على الوجهين، أو يكون سمعه عن الراوي بواسطة، فهو يذكرها تارة، ويحذفها أخرى.
ومنها كذلك أن يكون سمع الحديث من عدد من الشيوخ، فهو يرويه تارة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 459)