Arabic source text

📘 আন-নাবাউল আজিম - ত আমরুশ শারকাউই (মুহাম্মদ বিন আব্দুল্লাহ দ্রাজ - মৃত্যু 1377 হিজরী)

📘 النبأ العظيم - ت عمرو الشرقاوي (محمد بن عبد الله دراز - ت 1377 هـ)

📘 আন-নাবাউল আজিম - ত আমরুশ শারকাউই (মুহাম্মদ বিন আব্দুল্লাহ দ্রাজ - মৃত্যু 1377 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
الأجزاء أنفسها، والاطمئنان على صلة كلٍ منها بروح المعنى، وأنها نقيَّة من الحشو، قليلة الاستطراد، وأن أطرافها وأوساطها تستوي في تراميها إلى الغرض، ويستوي هو في استهدافه لها، كما تستوي أبعاد نقط الدائرة بالقياس إلى المركز، ويستوي هو بالقياس إلى كل منها.
تلك حال المعنى الواحد الذي تتصل أجزاؤه فيما بينها اتصالًا طبيعيًّا.
فما ظنُّك بالمعاني المختلفة في جوهرها، المنفصلة بطبيعتها؟ كم من المهارة والحذق، بل كم من الاقتدار السحري يتطلبه التأليف بين أمزجتها الغريبة واتجاهاتها المتشعبة؟ حتى لا يكون الجمع بينها في الحديث كالجمع بين القلم والحذاء والمنشار والماء؛ بل حتى يكون لها مزاج واحد واتجاه واحد، وحتى يكون عن وحداتها الصغرى وحدة جامعة أخرى.
إنَّه من أجل عزَّة هذا المطلب نرى البلغاء وإن أحسنوا وأجادوا إلى حد مَا في غرض غرض، كان منهم الخطأ والإساءة في نظم تلك الأغراض كلًّا أو جلًّا.
(فالشعراء) حينما يجيئون في القصيدة الواحدة بمعان عدة، أكثر ما يجيئون بها أشتاتًا لا يلوي بعضها على بعض، وقليلًا ما يهتدون إلى حسن التخلص من الغرض إلى الغرض، كما في الانتقال من النسيب إلى المدح .. (والكتَّاب) ربما استعانوا على سد تلك الثغرات باستعمال أدوات التنبيه أو الحديث عن النفس؛ كقولهم: (ألا وإنَّ - هذا ولكن - بقي علينا - ولننتقل - نعود - قلنا - وسنقول).
هذا شأن الأغراض المختلفة إذا تناولها الكلام الواحد في المجلس الواحد. فكيف لو قد جيء بها في ظروف مختلفة وأزمان متطاولة؟ ألا تكون الصلة فيها أشد انقطاعًا، والهوة بينها أعظم اتساعًا؟
فإن كنت قد أعجبك من القرآن نظام تأليفه البياني في القطعة منه، حيث الموضوع واحد بطبيعته، فهلمَّ إلى النظر في السورة منه حيث الموضوعات شتى والظروف متفاوتة، لترى من هذا النظام ما هو أدخل في الإعجاب والإعجاز.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 245)

ألست تعلم أن ما امتاز به أسلوب القرآن من اجتناب سبيل الإطالة والتزام جانب الإيجاز - بقدر ما يتسع له جمال اللغة - قد جعله هو أكثر الكلام افتنانًا، نعني أكثره تناولًا لشؤون القول وأسرعه تنقلًا بينها(1)، من وصف، إلى قصص، إلى تشريع، إلى جدل، إلى ضروب شتى، بل جعل الفن الواحد منه يتشعب إلى فنون، والشأن الواحد فيه تنطوي تحته شؤون وشؤون.--------------------------------------------
(1) والأعجبُ أنه مع كونه أكثر الكلام افتنانًا وتنويعًا في الموضوعات، هو أكثره افتنانًا وتلوينًا في الأسلوب في الموضوع الواحد.
فهو لا يستمر طويلًا على نمط واحد من التعبير، كما أنه لا يستمر طويلًا على هدف واحد من المعاني، ألا تراه كما يتنقل في السورة الواحدة من معنى إلى معنى يتنقل في المعنى الواحد بين إنشاء وإخبار، وإظهار وإضمار، واسمية وفعلية، ومضيٍّ وحضور واستقبال، وتكلم وغيبة وخطاب؛ إلى غير ذلك من طرق الأداء، على نحو من السرعة لا عهد لك بمثله ولا بما يقرب منه في كلام غيره قط.
ومع هذه التحولات السريعة المستمرة التي هي مظنة الاختلاج والاضطراب، بل مظنة الكبوة والعثار، في داخل الموضوع أو في الخروج منه، تراه لا يضطرب ولا يتعثر، بل يحتفظ بتلك الطبقة العليا من متانة النظم وجودة السَّبك حتى يصوغ من هذه الأفانين الكثيرة منظرًا مؤتلفًا، فأيُّ امرئ يحسن العربية وينظر في نظم القرآن هذه النظرة ثم لا يرى فيه من أثر القدرة الباهرة سرًّا من أسرار التحدي والإعجاز؟!
وأنت فقد تسمع بعض المبتدئين في تذوق جمال القرآن والبحث عن منابع جماله يتساءلون: ما سرُّ تلك الحال النفسية التي يجدها تالي القرآن وسامعه من طراوة وتجدد في نشاطه مع كل مرحلة منه، حتى لا يعرف الملل مهما أمعن السير فيه؟ فنبئهم أن تلك الظاهرة العجيبة لها في القرآن منابع جمة قد أشير قبل إلى طرف منها (فيما تقدم لنا من الحديث عن خاصة القرآن الصوتية).
وهذه الخاصَّة التي نشير إليها فيها منبع آخر أعمق وأغرز، غير أنه لا يقدرها حق قدرها إلا من نظر في كلام البلغاء ووقف على مبلغ افتنانهم في أساليبهم ومبلغ افتنانهم في أغراضهم، ثم جاء ليتدبر هاتين الناحيتين من نظم القرآن.
فهنالك يرى نفسه أمام نهاية لم يجاوز البلغاء بدايتها، إذ يرى أنَّه لا ينتقل فيه من خطوة إلى خطوة إلا استعرض في الخطوة التالية من مذاهب المعنى وألوان الأسلوب جديدًا إثر جديد، فكيف يعرف الملل سبيلًا إلى قلبه مع دوام هذه النظرة والتجديد؟ كل امرئ يستطيع أن يجرب نفسه حين يطول به الوقوف أمام منظر واحد جميل، هل يجد لديه من هزة الاستحسان في هذا الاستمرار ما يجده لو اعترض سلسلة من المناظر الرائعة قد صنفت فيها ضروب الفوائد والمتع، ثم جعلت تمر به منوعة في أبدع تنسيق وأحسن تقويم؟ اللهم، لا. فذلك كذلك.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 246)

‌‌[تنجيم القرآن على السنين ودلالته على الإعجاز]
أوَ لست تعلم أن القرآن - في جُلِّ أمره - ما كان ينزل بهذه المعاني المختلفة جملة واحدة، بل كان يتنزل بها آحادًا مفرقة على حسب الوقائع والدواعي المتجددة، وأن هذا الانفصال الزماني بينها؛ والاختلاف الذاتي بين دواعيها، كان بطبيعته مستتبعًا لانفصال الحديث عنها على ضرب من الاستقلال والاستئناف لا يدع بينها منزعًا للتواصل والترابط؟
ألم يكن هذان السببان قوتين متظاهرتين على تفكيك وحدة الكلام وتقطيع أوصاله إذا أريد نظم طائفة من تلك الأحاديث في سلك واحد تحت اسم سورة واحدة؟
خذ بيدك بضعة متون كاملة من الحديث النبوي كان التحديث بها في أوقات مختلفة، وتناولت أغراضًا متباينة؛ أو خذ من كلام من شئت من البلغاء بضعة أحاديث كذلك. وحاول أن تجيء بها سردًا لتجعل منها حديثًا واحدًا، من غير أن تزيد بينها شيئًا أو تنقص شيئًا، ثم انظر: كيف تتناكر معانيها وتتنافر مبانيها في الأسماع والأفهام! وكيف يبدو عليها من الترقيع والتلفيق والمفارقة ما لا يبدو على القول الواحد المسترسل!

‌‌العجيبة الثالثة الكبرى التي خرجت بهذا التأليف القرآني عن طبيعة التأليف الإنساني:
وسببٌ ثالث كان أجدر أن يزيد نظم السورة تفكيكًا ووحدتها تمزيقًا، ذلك هو الطريقة التي اتبعت في ضم نجوم القرآن بعضها إلى بعض، وفي تأليف وحدات السور من تلك النجوم، وإنها لطريقة طريفة سنريك فيها العجيبة الثالثة الكبرى التي خرجت بهذا التأليف القرآني عن طبيعة التأليف الإنساني، فتعالَ وانظر!.
انظر إلى الإنسان حين يزاول صناعة ما من صناعاته التركيبية، ألا تراه يبدأ عمله دائمًا بتعرف أجزاء المركب ومقوماته، والوقوف على عناصره ومتمماته، قبل أن يبت الحكم في تحديد موقع كل جزء منها؟ هاتان مرحلتان تتنزل الثانية منهما منزلة الصورة من مادتها، فلا جرمَ أن عكس القضية فيهما لا يكون إلا سيرًا

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 247)

بالعقل البشري في غير سبيله، وإدلاجًا به في مزلة لا قرار للإقدام عليها، ولا هدى للسالك فيها، وهل رأيت أحدًا سلك هذه السبيل المؤتفكة، ثم استقام له الأمر عليها إلى نهايته(1)؟
بل انظر إلى الإنسان حين يأخذ في ترتيب أجزاء المركب بعد جمعها، ألا تراه خاضعًا لسنة السير الطبيعي التي يخضع لها كل سائر إلى غرض ما؛ حسي أو عقلي؟ فهو إن قطع سبيله خطوات لم يستطع أن يجتاز أخراها قبل أولاها، وإن صعد فيه درجات لم يستطع أن يؤخر أسفلها عن أعلاها.
تلك حدود رسمتها قوانين الفطرة العامة، فلا يستطيع أحد أن يتخطاها، سواء في صناعاته المادِّية أو المعنوية، فالبنَّاء والحائك والكاتب والشاعر في هذه الحدود سواء.
ونضرب لك مثلًا:

‌‌[مثلٌ في آية التنجيم للقرآن، ودلالته على المصدرية]
قدِّر في نفسك أن رجلًا نزل واديًا فسيحًا ليس عليه بنيان قائم، وليس به شيء من مواد البناء وأنقاضه، فما لبث أن أحسَّ برجفة أرضية أو عاصفة سماوية، وإذا قمة الجبل تنصدع قليلًا فتلقي بجانبه صخرًا أو بضعة صخور .. ثم تمضي فترة طويلة أو قصيرة، وإذا هزة ثانية أو ثالثة تلقي إليه شظيات من الحديد والحمم، أو نُثارات من الفضة والذهب .. أترى أن هذا الرجل أو أن أحدًا من--------------------------------------------
(1) نقول: هل رأيت عاقلًا تعجل بالقضاء في تحديد الموقع لجزء جزء من صنعته قبل أن يحيط بسائر أجزائها علمًا؟ وهل تراه لو فعل يكون قضاؤه في هذا الترتيب قضاءً مبرمًا؟ ثم هل تراه لو أصر على هذا الترتيب يتم له ما يشتهي لصنعته من نظام محكم؟، كلَّا، إن العاقل لو قام بهذه التجربة في بعض الأجزاء نزولًا على البديهة الحاضرة فإنما يتخذها تعلَّة وقتية، ريثما يبدو له عنصر آخر أحق بهذه الرتبة أو تلك؛ ثم لا يلبث أن يعود إلى الأول ليقصيه عن مكانه قليلًا أو كثيرًا، أو ليفصله عن هذه المجموعة إلى مجموعة أخرى، أو ليجعله كلًّا قائمًا برأسه .. وهكذا لا يزال يقلب وجوه الرأي في نظام تلك المواد، حتى إذا ما فرغ منها جمعًا وتحصيلًا، وانكشفت له جملة وتفصيلًا، فهنالك فقط يستطيع أن يقر كل جزء في مستقره الأخير، وأن يعطي المركب صيغته النهائية، وكل ترتيب تأخذه الآحاد قبل ذلك فإنه لا يجمعها إلا تلفيقًا، ولا يعطيها إلا صورة شوهاء، وكذلك كل نظام أقيم على غير أساس العلم المفصل بأجزاء المنظوم فأحرى به أن يكون مثالًا للضعف والاختلال، وإن بقي اليوم قائمًا لم يلبث أن ينهار غدًا.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 248)

العقلاء يستطيع منذ اللحظات الأولى أن يضع تصميمه على إقامة مدينة جامعة من تلك المواد المتناثرة ومما عساه أن يجيء من أمثالها؟ وأن يبدأ بالعمل في مهمة التخطيط والبنيان؟ فما يدريه لعل هذه الظواهر لا تتكرر أمامه نزلة أخرى، ثم ما يدريه أنها إن عادت كم مرة تعود، وما نوع المادة التي تتساقط معها في كل مرة، وكم عدة القطع في كل مادة من هذه المواد، وكم عدة الأبنية التي يمكن إقامتها منها، وما النظام الهندسي الخاص بكل بناء: سعة وارتفاعًا ونقشًا وزخرفًا، وما ذرع الفضاء الذي ستشغله هذه الأبنية جملة؟ ..
في هذا الجو المملوء غموضًا وإبهامًا لا يجرؤ عاقل أن يغامر بتصميمه في بناء كوخ حقير، فضلًا عن بلد كبير، فضلًا عن أن يهب من فوره لإنفاذ عزمه فيمضي في مهمة البناء منذ وصلت إليه تلك اللبنات الأولى.
ولئن افترضت إنسانًا غامر هذه المغامرة، وأن المقادير سارعت في هواه، وأسعفته بما شاء من مواد البناء الذي تخيله وتمناه، أتراه يعمد إلى مخاطرة أخرى؛ فيتخذ له في البناء أسلوبًا يُراغِم به قانون الطبيعة، بأن يؤلي على نفسه ألا يدع لَبِنة تصل إلى يديه إلا أنزلها - في ساعة وصولها - منزلها الخليق بها حيث كان؟ ذلك على حين أن تلك اللبنات لم تتساقط إليه متجانسة مرتبة على ترتيبها في وضعها المنتظر، بل جعلت تتناثر خفافًا وثقالًا، مختلفًا ألوانها وأحجامها وعناصرها وطاقاتها، فربما وقعت له الزخارف والشرفات، قبل أن تقع له بعض القواعد والسافات(1)، وربما وقعت له على التوالي أجزاء ناقصة لتوضع في أماكن متفرقة من أبنية متنائية، أفلا تراه إن ذهب يضع كل جزء ساعة نزوله في موضعه المعين لم يجد مناصًا من أن يبدد أجزاء البناء هنا وهنا على أبعاد غير متساوية ولا متناسبة، فيقارب بينها طورًا ويباعد طورًا، ويعلو بها تارة وينزل تارة أخرى، حتى لقد يبني أعلى البيت قبل أسفله، ويمسك المحمول معلقًا بدون حامله.
فكيف يطيق بشرٌ كائنًا من كان أن يضطلع بهذه المهمة؟ ثم كيف يمضي قدمًا في هذا الأمر إلى نهايته، فلا يعود إلى جزء ما ليزيله عن موضعه الذي أحله--------------------------------------------
(1) «كلُّ سطر من اللبِن أَوْ الطِّين فِي الجدارِ: سافٌ ومِدْمَاكٌ»، تهذيب اللغة: (13/ 63). (عمرو)

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 249)

فيه أول مرة، أو ليلتجئ فيه إلى كسر أو نحت أو حشو أو دعامة؟ ثم كيف تكون عاقبة أمره أنه في الوقت الذي يضع فيه آخر لبنة على هذا المنهاج يرفع يده عن مدينة منسقة ليس فيها قصر ولا غرفة ولا لبنة ولا جزء صغير ولا كبير إلا وقد نزل منزله الرصين الذي يرتضيه ذوق الفن، حتى لو تبدل واحد منها مكان غيره لاختل البنيان أو ساء النظام؟ أليس ذلك إن وقع يكون تحديًا للقدرة البشرية جمعاء؟

‌‌[تنزيل المثل على القرآن]
ألا فقد وقع مصداق هذا المثل في مسألتنا، إليك البيان:
(أمَّا) الرجل فهو هذا النبيُّ الأمِّي صلوات الله عليه.
(وأمَّا) المدينة الجامعة التي شرع في بنائها منذ وقعت له لبناتها الأولى فذلك الكتاب العزيز الذي أخذ هو منذ وصلت إليه باكورة رسائله يرتب أجزاءه ترتيب الواثق المطمئن إلى أنه سيكون له منها ديوان تام جامع.
(وأمَّا) القصور، والغرفات، واللبنات، فهي أجزاء هذا الديوان: من السور، والنجوم، والآيات.
(وأمَّا) تلك العوامل الفجائية التي جعلت تستنزل من مختلف معادن الجبال ما ركبت منه هذه القصور المشيدة فتلك هي الأحداث الكونية والاجتماعية، والمشاكل الدينية والدنيوية التي كانت تعترض الناس آنًا بعد آن في شؤونهم العامَّة والخاصَّة، فكان يتقدم بها المؤمن منهم مستفتيًا ومسترشدًا، والمكذب مستشكلًا ومجادلًا، وكان على وفق ذلك يتنزل الكلام نجمًا فنجمًا، بمعان تختلف باختلاف تلك المناسبات والبواعث، وبمقادير تتفاوت قلة وكثرة، وعلى طرق تتنوع لينًا وشدة .. ومن هذه النجوم المختلفة المتفرقة صارت تتألف تلك المجاميع المسماة بالسور، لا على أساس التجانس بين أجزاء كل مجموعة منها، بل على أن يأوي إلى الحظيرة الواحدة ما شئت من فصائل الجنس الواحد والأجناس المتخالفة.
(وأمَّا) الطريق العجب الذي اتبع في تأليف تلك الأبنية من أجزائها - وهو السبب الثالث الذي رفع المسألة من حد العسر إلى حدِّ الإحالة - فهو أن ذلك الذي نزل عليه الذكر لم يتربص بترتيب نجومه حتى كملت نزولًا، بل لم يتريث

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 250)

بتأليف سورة واحدة منه حتى تمت فصولًا، بل كان كلما ألقيت إليه آية أو آيات أمر بوضعها من فوره في مكان مرتب من سورة معينة. على حين أن هذه الآيات والسور لم تتخذ في ورودها التنزيلي سبيلها الذي اتبعته في وضعها الترتيبي؛ فكم من سورة نزلت جميعًا أو أشتاتًا في الفترات بين النجوم من سورة أخرى، وكم من آية في السورة الواحدة تقدمت فيها نزولًا وتأخرت ترتيبًا، وكم من آية على عكس ذلك.
نعم، لقد كان للنجوم القرآنية في تنزيلها وترتيبها ظاهرتان مختلفتان، وسبيلان قلَّما يلتقيان، ولقد خلص لنا من بين اختلافهما أكبر العبر في أمر هذا النظم القرآني.
فلو أنك نظرت إلى هذه النجوم عند تنزيلها، ونظرت إلى ما مهد لها من أسبابها، فرأيت كل نجم رهينًا بنزول حاجة ملمة، أو حدوث سبب عام أو خاص، إذًا لرأيت في كل واحد منها ذكرًا مُحدثًا لوقته، وقولًا مرتجلًا عند باعثته، لم يتقدم للنفس شعور به قبل حدوث سببه. ولرأيت فيه كذلك كلًّا قائمًا بنفسه لا يترسم نظامًا معينًا يجمعه وغيره في نسق واحد.
ولو أنك نظرت إليها في الوقت نفسه فرأيتها وقد أُعدَّ لكل نجم منها ساعة نزوله سياج خاص يأوي إليه سابقًا أو لاحقًا؛ وحدد له مكان معين في داخل ذلك السياج متقدمًا أو متأخرًا(1) إذًا لرأيتَ من خلال هذا التوزيع الفوري المحدود أن هنالك خطة تفصيلية شاملة قد رسمت فيها مواقع النجوم كلها من قبل نزولها، بل من قبل أن تخلق أسبابها، بل من قبل أن تبدأ الأطوار الممهدة لحدوث أسبابها، وأن هذه الخطة التي رسمت على أدق الحدود والتفاصيل قد أبرمت بآكد العزم والتصميم: فما من نجم وضع في سورة ما ثم جاوزها إلى غيرها، وما من--------------------------------------------
(1) فترى هذا النجم مثلًا يؤمر به عند نزوله أن يوضع في ختام سورة كذا، والنجم الذي بعده يؤمر به أن يجعل في أثناء تلك السورة نفسها على رأس عدد محدود من آيها، وهذا يُجعل صدرًا لسورة تأتي بعد حين، والذي يليه يأخذ جانبًا من سورة مضت منذ حين .. وهلم جرا.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 251)

نجم جعل في مكان من السورة آخرًا أو أولًا، ثم وجد عنه أبد الدهر مصرفًا ولا متحوَّلًا.
وهنا تقف موقف الحيرة في أمرك، وتكاد تنكر ما تحت سمعك وبصرك، ثم ترجع إلى نفسك تسائلها عن وجه الجمع بين ما رأيت وما ترى: أليس هذا التنزيل قد سمعته الآن جديدًا وليد يومه، ووحيدًا رهين سببه؛ فما لي أراه ليس جديدًا ولا وحيدًا؟ لكأني به وبالقرآن كله كان ظاهرًا على قلب هذا الرجل قبل ظهوره على لسانه، وكان على هذه الصورة مؤلفًا في صدره قبل أن يؤلفه ببيانه. وإلا فما باله يؤلف هذا التأليف بين آحاد لا تتداعى إلى الاجتماع بطبائعها؟ لماذا لم يذرها كما جاءت فرادى منثورة؟ وهلا إذ أراد جمعها أدخلها كلها في مجموعة واحدة؟ أو هلا قسمها إلى مجاميع متساوية أو متجانسة؟ ترى على أية قاعدة بني توزيعها وتحديد أوضاعها هكذا قبل تمامها أو تمام طائفة منها؟ هل عسى أن تكون هذه الأوضاع كلها جارية على محض المصادفة والاتفاق؟ كلَّا، فقد ظهر في كل وضع منها أنه مقصود إليه بعينه، كما ظهر القصد في كل طائفة أن تنتظم منها وحدة محدودة ذات ترتيب ومقدار بعينه .. أم هل عسى أن تكون هذه الأوضاع - وإن قصدت - ليست وليدة تقدير سابق، وإنما هي تجربة اختبارية أثمرتها فكرة وقتية؟ كلَّا، فإن واضعها حين وضعها قد ضربها ضربة لازب، ثم لم يكر عليها بتبديل ولا تحويل، فعلام إذًا بنى ذلك القصد وهذا التصميم؟
ولن يكون الجواب الذي تسمعه من نفسك لو أصاخت إلى بديهة العقل إلا أن تقول:
إنَّه لا يجرؤ في قرارة الغيب على وضع هذه الخطة المفصلة المصممة إلا أحد اثنين:
جاهل جاهل في حضيض الجهل.
أو عالم عالم فوق أطوار العقل.
لا ثالث.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 252)

(فأمَّا) إن كان فرغ من نظام تأليفها وصورة تركيبها من قبل أن يستحكم له العلم بأسباب ذلك ومقاصده وأدباره وعواقبه، وإنما بنى أمره على الظن والتحسس وعلى التخيل والتمني، فذلك امرؤ بلغت به الجرأة على نفسه أن أعلن ملك ما لا يملكه وادعى علم ما ستكشف الأيام عن جهله، وما عليك إلا أن تتربص به قليلًا لترى بطلان أمره وفساد صنعته، فهيهات أن يلد الجهل نظامًا جاريًا، وإحكامًا باقيًا.
(وأمَّا) إن كان قد فصلها على علم وبصر، وأعطى كل جزء منها موقعه بميزان وقدر، فلا ريب أن سيكون نظامها مثال الإتقان وآية الجمال، ولكن واضعها إذًا لا يمكن أن يكون هو هذا الإنسان؛ إلا أن يكون قد استمدها من أفق أعلى من أفق نفسه ومحيط أوسع من محيط علمه؛ إذ أنى للإنسان وهو هذا المحكوم بطبيعة الدهر أن يكون عليها متحكمًا؟ أم كيف يتهيأ له وهو في جهله العتيد بمقدمات عمله أن يكون بنتائجها التفصيلية عالمًا؟ أفيكون بالشيء الواحد جاهلًا وعالمًا معًا؟ أم يكون من وجه واحد حاكمًا ومحكومًا معًا؟
وهل رأيت أو سمعت أن أحدًا من الكتاب أو الشعراء استطاع في مفتتح حياته الأدبية أن يحصي كل ما سيجيء على لسانه من جيد الشعر أو النثر في المناسبات المتنوعة إلى آخر عهده بالدنيا، وأن يضع من أول يوم منهاجًا لديوانه المنتظر، يفصِّله تفصيلًا لا يقنع فيه بتقدير أبوابه وفصوله حتى يقدر لكل باب عدة ما يحويه من خطاب أو قصيد، ويحدد لكل واحد من هذين مكانًا معلومًا لا يستقدم عنه ولا يستأخر، حتى إذا جاء عند داعيته رده إلى مكانه غير متلبث ولا متوقف، ثم ينجح في هذه التجربة نجاحًا مطردًا تنفذ فيه أحكامه وتتحقق به أحلامه، فيستقيم له النسق بين هذه المقطوعات كلها، من غير أن يقدم فيها شيئًا أو يؤخر شيئًا، ومن غير أن يزيد بينها أو ينقص شيئًا.
(لعمري) لئن صح هذا الفرض في أحد من البشر لصح مثله في نبي القرآن صلى الله عليه وسلم ولكن الإنسان هو الإنسان، ومن لم يحط علمًا بما سيعترضه في دهره من بواعث القول وفنونه فهو عن الإحاطة بنصوص هذا القول أبعد، وهو عن الإحاطة بمراتب هذه النصوص أشد بعدًا، بل الإنسان حين تحفزه

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 253)

باعثة القول وترد إليه سانحته لا يعدو فيها إحدى خطتين: فهو (إما) أن يدعها كما هي سانحة منعزلة، وكذلك يفعل في أمثالها، حتى إذا بلغ الغاية رجع أدراجه فأخذ فيها جمعًا وتفريقًا، وتبويبًا وترتيبًا.
(وإما) أن يأخذ في ضم هذه النصوص ولاءً على وفق ورودها الأول فالأول.
أما الثالثة وهي أن يجعلها هكذا (عزين)، ولا يزال يظاهرها من قريب وبعيد، عن أيمانها وعن شمائلها وفي خلالها، بهذه الطريقة المحددة، وبهذه الطريقة المشتتة المعقدة، على أن يجعل المكان الذي أحل كل سانحة فيه مكانًا مسجلًا لا تحول عنه ولا تزول، ثم يطمع أن يخرج له بتلك الصنعة ديوان كامل التقسيم والتبويب، جيد التنسيق والترتيب، مترابط متماسك في جملته وتفصيله، كلمة كلمة وحرفًا حرفًا، فتلك أمنية لا يظفر المرء منها إلا بعكس ما تمنى.
ها أنت ذا قد عرفت نهج التأليف الإنساني في صنعة البيان وغير البيان، ورأيت بُعْدَ ما بينه وبين نهج التأليف في نجوم القرآن، وعرفت ماذا كان يجب أن يحدث في النظم القرآني من جراء هذا النهج العجيب، في أسباب ثلاثة(1) من شأنها ألا يستقيم بها للكلام طبع، ولا يلتئم له معها شمل.
فانظر الآن هل استطاعت هذه الأسباب على تضافرها أن تنال شيئًا من استقامة النظم في السور المؤلفة على هذا النهج؟
أما العرب الذين تحداهم القرآن بسورة منه فلقد علمت لو أنهم وجدوا في نظم سورة منها مطمعًا لطامع، بله مغمزًا لغامز، لكان لهم معه شأن غير شأنهم، وهم هم.
وأما البلغاء من بعدهم فما زلنا نسمعهم يضربون الأمثال في جودة السبك وإحكام السرد بهذا القرآن حين ينتقل من فن إلى فن.--------------------------------------------
(1) - عناصر معنوية مختلفة.
- ظروف زمانية منفصلة.
- أوضاع تأليفية عَجلَى ومشتتة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 254)

وأما أنت فأقبل بنفسك على تدبر هذا النظم الكريم لتعرف بأي يد وضع بنيانه؟ وعلى أي عين صنع نظامه؟ حتى كان كما وصفه الله {قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ} [الزمر: 28].
[النظم القرآني في سوره، ومجموعه] اعمد إلى سورة من تلك السور التي تتناول أكثر من معنى واحد وما أكثرها في القرآن، فهي جمهرته - وتنقل بفكرتك معها مرحلة مرحلة، ثم ارجع البصر كرتين: كيف بُدِئَت؟ وكيف خُتِمَت؟ وكيف تقابلت أوضاعها وتعادلت؟ وكيف تلاقت أركانها وتعانقت؟ وكيف ازدوجت مقدماتها بنتائجها ووطَّئت أولاها لأخراها؟
وأنا لك زعيم بأنك لن تجد البتة في نظام معانيها أو مبانيها ما تعرف به أكانت هذه السورة قد نزلت في نجم واحد أم في نجوم شتى.
ولسوف تحسب أن السبع الطوال(1) من سور القرآن قد نزلت كل واحدة منها دفعة، حتى يحدثك التاريخ أنها كلها أو جلها(2) قد نزلت نجومًا.
أو لتقولن: إنها إن كانت بعد تنزيلها قد جمعت عن تفريق فلقد كانت في تنزيلها مفرقة عن جمع؛ كمثل بنيان كان قائمًا على قواعده فلما أريد نقله بصورته إلى غير مكانه قدرت أبعاده ورقمت لبناته، ثم فرق أنقاضًا فلم تلبث كل لبنة منه أن عرفت مكانها المرقوم، وإذا البنيان قد عاد مرصوصًا يشد بعضه بعضًا كهيئته أول مرة.
أجل، إنك لتقرأ السورة الطويلة المنجَّمة يحسبها الجاهل أضغاثًا من المعاني حشيت حشوًا، وأوزاعًا من المباني جمعت عفوًا؛ فإذا هي - لو تَدبَّرتَ ---------------------------------------------
(1) وإذا كانت هذه السور على طولها وكثرة نجومها لا يبدو عليها انفصال النظم، فما ظنك بما دونها إلى سور المفصل؛ حيث جرى التنجيم حتى في بعض القصار منها، كالضَّحى، واقرأ، والماعون، التي نزلت كل واحدة منها مفرقة على نجمين.
(2) هذا الترديد ناظر إلى اختلاف المفسرين في سورة الأنعام، ومذهب الجمهور أنها نزلت جملة واحدة، وقد روى الطبراني وغيره ذلك عن ابن عباس موقوفًا عليه، وروى عن أبي بن كعب مرفوعًا بسند فيه ضعف على أنه لو صح ما ذهب إليه الجمهور في هذه السورة لكانت من جملة الشواهد على اتحاد طريقة النظم في المنجمات وغيرها؛ لأن نظام الانتقال بين المعاني في سورة الأنعام مثله في السور المتفق على تنجيمها، سواء.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 255)

بنية متماسكة قد بنيت من المقاصد الكلية على أسس وأصول، وأقيم على كل أصل منها شعب وفصول، وامتد من كل شعبة منها فروع تقصر أو تطول؛ فلا تزال تنتقل بين أجزائها كما تنتقل بين حجرات وأفنية في بنيان واحد قد وضع رسمه مرة واحدة، لا تحس بشيء من تناكر الأوضاع في التقسيم والتنسيق، ولا بشيء من الانفصال في الخروج من طريق إلى طريق، بل ترى بين الأجناس المختلفة تمام الألفة، كما ترى بين آحاد الجنس الواحد نهاية التضامِّ والالتحام. كل ذلك بغير تكلفة ولا استعانة بأمر من خارج المعاني أنفسها، وإنما هو حسن السياقة ولطف التمهيد في مطلع كل غرض ومقطعه وأثنائه، يريك المنفصل متصلًا، والمختلف مؤتلفًا.
ولماذا نقول: إن هذه المعاني تنتسق في السورة كما تنتسق الحُجُرات في البينان؟ لا، بل إنها لتلتحم فيها كما تلتحم الأعضاء في جسم الإنسان، فبين كل قطعة وجارتها رباط موضعي من أنفسهما، كما يلتقي العظمان عند المفصل ومن فوقهما تمتد شبكة من الوشائج(1) تحيط بهما عن كثب، كما يشتبك العضوان بالشرايين والعروق والأعصاب؛ ومن وراء ذلك كله يسري في جملة السورة اتجاه معين، وتؤدي بمجموعها غرضًا خاصًّا، كما يأخذ الجسم قوامًا واحدًا، ويتعاون بجملته على أداء غرض واحد، مع اختلاف وظائفه العضوية.
فيا ليت شعري: إذا كانت كافة الأجزاء والعناصر التي تتألف منها وحدة السور منوطة بأسباب لم تكن كلها واقعة ولا متوقعة، وكان لا بد لتمام هذه الوحدة من وقوع تلك الأسباب كلها في عصر نزول القرآن ليتناولها ببيانه، فما الذي أخضع دورة الفلك لنظام هذه الوحدات وجعل هذه النوازل تتوارد بأسرها في إبان التنزيل؟ لماذا لم يتفق في حادثة واحدة منها أن تخلفت عن عالم الوجود يومئذ لينخرم هذا النظام، فتجيء سورة من السور مبتورة في مفتتحها أو في مختتمها أو فيما بين ذلك؟ أليس مطاوعة تلك الأحداث الكونية ومعاونتها بدقة--------------------------------------------
(1) «الوَشائجُ: جمع الوَشِيجِ، وَهُوَ (اشتِباكُ القَرَابةِ) والتفافُها»، تاج العروس من جواهر القاموس: (6/ 260).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 256)

دائمًا لنظام هذه الوحدات البيانية، شاهدًا واضحًا على أن هذا القول وذاك الفعل كانا يجيئان من طريق واحدة، وأن الذي صدرت هذه الكلمات عن علمه، هو نفسه الذي صدرت تلك الكائنات عن مشيئته(1)؟
بل ليت شعري لو أن هذا الإنسان الغريب الذي جاء القرآن على لسانه كان قد أحصى ما سوف يلده الزمان من مفاجآت الحوادث المستقبلة صغيرة وكبيرة في مدى دهره، ثم قدر ما سوف تتطلبه تلك النوازل من تعاليم الفرقان، فما علمه بالنظام البياني الذي ستوضع عليه صيغة تلك التعاليم؟ ثم ما علمه أي هذه التعاليم سيكون قرينة لهذا الجزء أو ذاك؛ ليتأهَّب لتلك القرائن قبل ورودها فيودع في كل جزء ساعة نزوله عروة لائقة بقرينته المعينة، حتى إذا قدمت استمسكت بعروتها فازدوجت بقرينها ذلك الازدواج المحكم؟ ولماذا حين وردت كل قرينة وجدت من قرينها جارًا لا يجور ولا يجار عليه، ووجدت بجانبه المكان الذي ينتظرها، لا ضيقًا فيزاحمها ويتبرم بها، ولا واسعًا فتنقطع الصلة بينهما، بل وجدته مقدرًا بمقدارها، حتى لا حاجة إلى الاستدراك على الماضي بمحو حرف، ولا بزيادة حرف، ولا بتبديل وضع، وحتى لا مجال هنا لقول: (ليت .. ) ولا (لو إن .. ).
بل كيف عرف كل جزء من هذه الأجزاء أين مجموعته، وأين مستقره بينها في رأس أو صدر أو طرف: من قبل أن تتبين سائر الآحاد والفصائل .. حتى إذا تم توزيع تلك الأجزاء المتفرقة، والأشلاء الممزقة، إذا الستار يرتفع في كل سورة عن دمية حسناء كاملة الأعضاء متناسقة الحلي؟
أيُّ تدبير محكم، وأي تقدير مبرم، وأي علم محيط لا يضل ولا ينسى، ولا يتردد ولا يتمكث؛ كان قد أعد لهذه المواد المبعثرة نظامها، وهداها في إبَّان تشتتها إلى ما قدره لها، حتى صيغ منها ذلك العقد النظيم، وسرى بينها هذا المزاج العجيب؟--------------------------------------------
(1) قل كل من عند الله سبحانه، لا معقب لحكمه، ولا مبدل لكلمته.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 257)

سبحان الله! هل يمتري عاقل في أن هذا العلم البشري؛ وأن هذا الرأي الأُنُف البدائي(1) الذي يقول في الشيء: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت لقلت أو فعلت، ولقدَّمت أو أخرت) لم يك أهلًا لأن يتقدم الزمان ويسبق الحوادث بعجيب هذا التدبير؟ أليس ذلك وحده آية بينة على أن هذا النظم القرآني ليس من وضع بشر، وإنما هو صنع العليم الخبير؟ بلى؛ {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82].

‌‌[مثال على الوحدة الموضوعية في السور القرآنية = سورة البقرة]
أمَّا إن طلبت شاهدًا من العيان على صحة ما أصلناه في هذا الفصل من نظام الوحدات في السور على كثرة أسباب اختلافها، وأما إن أحببت أن نريك نموذجًا من السور المنجمعة كيف التأمت منها سلسلة واحدة من الفكر تتلاحق فيها الفصول والحلقات، ونسق واحد من البيان تتعانق فيه الجمل والكلمات، فأي شيء أكبر شهادة وأصدق مثالًا من سورة نعرضها عليك هي أطول سور القرآن كافة، وهي أكثرها جمعًا للمعاني المختلفة، وهي أكثرها في التنزيل نجومًا، وهي أبعدها في هذا التنجيم تراخيًا.
تلك هي سورة البقرة التي جمعت بضعًا وثمانين ومائتي آية، وحوت فيما وصل إلينا من أسباب نزولها نيفًا وثمانين نجمًا، وكانت الفترات بين نجومها تسع سنين عددًا(2).
واعلم أنه ليس من همنا الآن أن نكشف لك عن جملة الوشائج اللفظية والمعنوية التي تربط أجزاء هذه السورة الكريمة بعضها ببعض، فتلك دراسة تفصيلية لها محلها من كتب التفسير.
ذلك ولو نشاء لأريناك في القطعة الواحدة منها أسبابًا ممدودة عن أيمانها--------------------------------------------
(1) «أي مستأنفٌ استئنافًا من غير أن يكون سبق به سابق قضاءٍ وتقدير»، انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر: (1/ 75).
(2) ففيها ذكر تحويل القبلة، وذكر صيام رمضان، وذكر أول قتال وقع في الإسلام فنزل بسببه قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ} [الآية: 217] وكل أولئك كان نزولهن في أوائل السنة الثانية من الهجرة. وفيها تلك الآية الخاتمة التي نزلت في آخر السنة العاشرة من الهجرة، وهي آخر آية نزلت من القرآن بإطلاق: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} [الآية: 281]، وفيها ما بين ذلك.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 258)

وعن شمائلها تمتُّ بها إلى الجار ذي القربى والجار الجنب، في شبكة من العلائق يحار الناظر إلى خيوطها، مع أيها يتجه؟ ولا يدري أيها هو الذي قُصد بالقصد الأول.
وإنما نريد أن نعرض عليك السورة عرضًا واحدًا نرسم به خط سيرها إلى غايتها، ونبرز به وحدة نظامها المعنوي في جملتها، لكي ترى في ضوء هذا البيان كيف وقعت كل حلقة موقعها من تلك السلسلة العظمى.
* * *

‌‌[السياسة الرشيدة في دراسة النسق القرآني]
بيد أننا قبل أن نأخذ فيما قصدنا إليه نحب أن نقول (كلمة) ساق الحديث إليها: وهي أنَّ السياسة الرشيدة في دراسة النسق القرآني تقضي بأن يكون هذا النحو من الدرس هو الخطوة الأولى فيه، فلا يتقدم الناظر إلى البحث في الصلات الموضعية بين جزءٍ جزءٍ منه - وهي تلك الصلات المبثوثة في مثاني الآيات ومطالعها ومقاطعها - إلا بعد أن يحكم النظر في السورة كلها بإحصاء أجزائها وضبط مقاصدها على وجه يكون معوانًا له على السير في تلك التفاصيل عن بينة؛ فقديمًا قال الأئمة(1): (إنَّ السورة مهما تعددت قضاياها فهي كلام واحد يتعلق آخره بأوله، وأوله بآخره، ويترامى بجملته إلى غرض واحد، كما تتعلق الجمل بعضها ببعض في القضية الواحدة. وإنَّه لا غنى لمتفهم نظم السورة عن استيفاء النظر في جميعها، كما لا غنى عن ذلك في أجزاء القضية).

‌‌[من الأخطاء الواقعة في دراسة المناسبات بين الآيات]
وبهذا تعرف مبلغ الخطأ الذي يتعرض له الناظرون في المناسبات بين الآيات حين يعكفون على بحث تلك الصلات الجزئية بينها بنظر قريب إلى القضيتين أو القضايا المتجاورة، غاضين أبصارهم عن هذا النظام الكلي الذي وضعت عليه السورة في جملتها، فكم يجلب هذا النظر القاصر لصاحبه من جور--------------------------------------------
(1) كأبي بكر النيسابوري، وفخر الدين الرازي، وأبي بكر بن العربي، وبرهان الدين البقاعي، وأبي إسحاق الشاطبي وغيرهم، أما النص المذكور هنا فمستنبط من كلمات للشاطبي في الموافقات، في المسألة الثالثة عشر من الكلام على الأدلة تفصيلًا، وقد عرض فيها سورة (المؤمنون) عرضًا إجماليًّا.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 259)

عن القصد، وكم ينأى به عن أروع نواحي الجمال في النظم؛ وهل يكون مثله في ذلك إلا كمثل امرئ عرضت عليه حلة موشية دقيقة الوشي ليتأمل نقوشها فجعل ينظر فيها خيطًا خيطًا ورقعة رقعة، لا يجاوز ببصره موضع كفه، فلما رآها يتجاور فيها الخيط الأبيض والخيط الأسود وخيوط أخر مختلف ألوانها اختلافًا قريبًا أو بعيدًا لم يجد فيها من حسن الجوار بين اللون واللون ما يروقه ويونقه.
ولكنه لو مدَّ بصره أبعد من ذلك إلى طرائف من نقوشها لرأى من حسن التشاكل بين الجملة والجملة، ما لم يره بين الواحد والواحد، ولتبين له من موقع كل لون في مجموعته بإزاء كل لون في المجموعة الأخرى ما لم يتبين له من قبل، حتى إذا ألقى على الحلة كلها نظرة جامعة تنتظم أطرافها وأوساطها بدا له من تناسق أشكالها ودقة صنعتها ما هو أبهى وأبهر، فكذلك ينبغي أن يصنع الناظر في تدبره لنظم السورة من سور القرآن.

‌‌[مهمات عن البحث في النسق القرآني]
(وكلمة أخرى) تمسُّ إليها حاجة الباحث في النسق إذا أقبل على تلك المناسبات الموضعية بين أجزاء السورة: وهي أن يعلم أن الصلة بين الجزء والجزء لا تعني اتحادهما أو تماثلهما أو تداخلهما أو ما إلى ذلك من الصلات الجنسية وحسب، كما ظنَّه بعض الباحثين في المناسبات، فجعل فريق منهم يذهب في محاولة هذا النوع من الاتصال مذاهب من التكلف والتعسف، وفريق آخر متى لم يجد هذه الصلة من وجه قريب أسرع إلى القول بأن في الموضع(1) اقتضابًا محضًا؛ جريًا على عادة العرب في الاقتضاب.--------------------------------------------
(1) بل زعم بعضهم أن الاقتضاب هو الأصل في القرآن كله، نقل السيوطي في الإتقان في بحث المناسبة بين الآيات والسور؛ عن أبي العلاء محمد بن غانم: «أن القرآن إنما وقع على الاقتضاب الذي هو طريقة العرب من الانتقال إلى غير ملائم»، وكذلك نقل عن عز الدين بن عبد السلام أنَّ النظر في مناسبة الآي لا يحسُن إلا في القضية التي نزلت على سبب واحد، أمَّا إذا اختلفت الأسباب فالربط بينها ضرب من التكلف؛ لأنَّ القرآن نزل في نيِّفٍ وعشرين سنة في أحكام مختلفة لأسباب مختلفة، وما كان كذلك لا يتأتى ربط بعضه ببعض» ا. هـ. وقد خالفهما الأئمة ووهموهما.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 260)

ألا إن هذا الرأي بشعبتيه لأوغل في الخطأ من سابقه(1)، وإن الأخذ به على علاته في القرآن لغفلة شديدة عن مستوى البلاغة التي تميز بها القرآن عن سائر الكلام.
فلو أن ذاهبًا ذهب يمحو تلك الفوارق الطبيعية بين المعاني المختلفة التي ينتظمها القرآن في سورة منه إذًا لجرده من أولى خصائصه، وهي أنه لا يسترسل في الحديث عن الجنس الواحد استرسالًا يرده إلى الإطالة المملة، كيف وهو الحديث الذي لا يمل؟
ولو أنه - من أجل المحافظة على استقلال هذه المعاني - ذهب يفرقها، ويقطع أرحامها، ويزيل التداعي المعنوي والنظمي من بينها، إذًا لجرده من خاصته الأخرى، وهي أنه لا ينتقل في حديثه انتقالًا طفريًّا يخرجه إلى حد المفارقات الصبيانية التي تجمع شتى الأحاديث على غير نظام، والتي لا تدع نفس السامع تستشرف إلى اختتام كلام وافتتاح كلام، كيف وهو القول الرصين المحكم؟
كلَّا، بل الحديث فيه كما علمت ذو شجون، ولكنه حين يجمع الأجناس المختلفة لا يدعها حتى يبرزها في صورة مؤتلفة، وحتى يجعل من اختلافها نفسه قوامًا لائتلافها، وهذا التأليف بين المختلفات ما زال هو (العقدة) التي يطلب حلها في كل فن وصنعة جميلة، وهو المقياس الدقيق الذي تقاس به مراتب البراعة ودقة الذوق في تلك الفنون والصناعات، فإن تقويم النسق وتعديل المزاج بين الألوان والعناصر الكثيرة أصعب مراسًا وأشد عناءً منه في أجزاء اللون الواحد والعنصر الواحد.
وعلى هذه القاعدة ترى القرآن يعمد تارة إلى الأضداد يجاور بينها، فيخرج بذلك محاسنها ومساويها في أجلى مظاهرها، ويعمد تارة أخرى إلى الأمور المختلفة في أنفسها من غير تضاد فيجعلها تتعاون في أحكامها بسوق بعضها إلى--------------------------------------------
(1) وهو تضييق دائرة البحث في المناسبات بالتماسها بين المعاني المتجاورة خاصة، فإذا أضيف إلى ذلك التزام طريق معين في المناسبة وهو أن تكون من قبيل التجانس المعنوي زادت المسألة ضيقًا وحرجًا؛ ولذلك أفضى هذا الرأي بأصحابه إلى أحد الطرفين المذمومين: التكلف أو الخروج.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 261)

بعض مساق التنظير أو التفريع، أو الاستشهاد أو الاستنباط، أو التكميل أو الاحتراس، إلى غير ذلك.
وربما جعل اقتران معنيين في الوقوع التاريخي، أو تجاور شيئين في الوضع المكاني، دعامة لاقترانهما في النظم، فيحسبه الجاهل بأسباب النزول وطبيعة المكان خروجًا وما هو بخروج، وإنما هو إجابة لحاجات النفوس التي تتداعى فيها تلك المعاني.
فإن لم يكن بين المعنيين نسب ولا صهر بوجه من هذه الوجوه ونحوها، رأيته يتلطف في الانتقال من أحدهما إلى الآخر إما بحسن التخلص والتمهيد، وإما بإمالة الصيغ التركيبية على وضع(1) يتلاقى فيه المتباعدان، ويتصافح به المتناكران.--------------------------------------------
(1) ولقد يعرض في هذا الوجه اللغوي أسرارًا دقيقة لو سئل المرء البيان عن وجه الحسن فيها لعجز عن وصفه، بل لو سئل أين موضع الوصل منها لصعب عليه تحديده بقاعدة علمية.
على أنه لو تناسى تلك الألقاب الاصطلاحية والأسئلة الفضولية وخلى نفسه ووجدانها ثم اتصل بهذه المواضع تلاوة أو استماعًا لما شعر بينها بشيء من الخروج أو الانتقال ينبو عنه الذوق أو يتعثر فيه السمع، بل يحس بينها بروح الاتصال وحلاوة الانتقال من قبل أن يهتدي لناحية محدودة أو علة معينة.
ومن طالت مزاولته لأساليب الكلام وتذوقه لطعومه حتى رسخت فيه ملكة التمييز بين الجيد منه والرديء وجد من نفسه أهلية هذا الحكم، إن لم يكن على نحو من الاستدلال المنطقي، فعلى ضرب من الاستحسان الفقهي، ولا سيما إن كان ممن بقيت في عروقهم قطرات من الدم العربي، وفي نفوسهم أثارة من الحاسة العربية، فمن أخطأه وجدان هذا الحسن الإجمالي في موضع ما من القرآن فلا يلومن إلا نفسه، ولا يعجلن بالحكم قبل أن يأخذ أهبته.
وليذكر دائمًا أنه بمقياس ما يجده نحو أسلوب القرآن من استحسان أو توقف إنما يختبر ما في مزاجه اللغوي من صحة أو اعتلال، وما في دراسته اللغوية من نقص أو كمال، وأنه ليس بأذواق القاصرين من المولدين أمثاله تختبر لغة القرآن، كيف وقد درج أهلها الذين سجدوا لبلاغته، وكان فيهم الحكم الذي ترضى حكومته هذا.
ولكم وقف علم التشريح عن إدراك سر الخلق في بعض الأعضاء الباطنة لعدم الاهتداء لوظيفتها، فهل وسع أحدًا من علماء التشريح إلهيين أو طبيعيين أن يحكموا بخلوها عن الحكمة والفائدة؟ كلَّا، فإنهم لما بهرتهم عجائب الصنعة في سائر أجزاء البدن لم يسعهم في القليل الذي جهلوه إلا أن يعترفوا على الجملة بأن له البتة حكمة لم يكشفها العلم، ثم لا يلبث أن يكشفها لمن أعانته همة البحث وأيده التوفيق.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 262)

وهذه كلها وجوهٌ حسنة لو نظر إليها بين آحاد المعاني لأغنى بعضها عن بعض في إقامة النسق.
على أن روعة النظم القرآني كما علمت لا تقوم دائمًا على حسن التجاور بين الآحاد، بل ربما تراه قد أتم طائفة من المعاني ثم عاد إلى طائفة أخرى تقابلها، فيكون حسن الموقع في التجاور بين الطائفتين موجبًا لحسن المقابلة بين الأوائل من كل منهما، أو بين الأواخر كذلك لا بين الأول من هذه والآخر من تلك.
وملاك الأمر في ذلك أن تنظر إلى النظام المجموعي الذي وضعت عليه السورة كلها كما وصيناك به من قبل. ونحن ذاكرون لك الآن نموذجًا منه لو وضعته نصب عينيك واحتذيته في سائر السور لكان ذلك نعم الدليل في دراستك.
وبالله التوفيق.

‌‌[نظام عقد المعاني في سورة البقرة]
اعلم أنَّ هذه السورة على طولها تتألف وحدتها من: مقدمة، وأربعة مقاصد، وخاتمة، على هذا الترتيب:
(المقدمة) في التعريف بشأن هذا القرآن(1)، وبيان أن ما فيه من الهداية قد بلغ حدًّا من الوضوح لا يتردد فيه ذو قلب سليم، وإنما يعرض عنه من لا قلب له، أو من كان في قلبه مرض.
(المقصد الأول) في دعوة الناس كافَّة إلى اعتناق الإسلام.
(المقصد الثاني) في دعوة أهل الكتاب دعوة خاصة إلى ترك باطلهم والدخول في هذا الدين الحق.
(المقصد الثالث) في عرض شرائع هذا الدين تفصيلًا.
(المقصد الرابع) ذكر الوازع والنازع الديني الذي يبعث على ملازمة تلك الشرائع ويعصم عن مخالفتها.--------------------------------------------
(1) عرفت في رأس البحث الأول أن لفظ القرآن يطلق على كله وعلى بعضه، فالإشارة هنا يصح أن تتوجه إلى القرآن جملة، وأن تتوجه إلى سورة البقرة خاصة، وقد أردنا بقاءها على هذا الاحتمال اقتداءً بالنص الكريم: {ذَلِكَ الْكِتَابُ} [البقرة: 2]؛ لأن الإشارة فيه على الاحتمال أيضًا.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 263)

(الخاتمة) في التعريف بالذين استجابوا لهذه الدعوة الشاملة لتلك المقاصد وبيان ما يرجى لهم في آجلِهم وعاجلِهم.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 264)