حق تلاوته، أليس هذا الاختتام نفسه مطلعًا تشرف النفس منه على هذا الافتتاح؟
ثم رأيت الحديث في الدور الأول منقسمًا إلى قسمين: قسم يتحدث فيه عن ماضي اليهود، وقسم يتحدث فيه عن حاضرهم. ألا يكون من حسن التقابل أن يقسم الحديث الثاني إلى القسمين. عن ماضي المسلمين وعن حاضرهم؟
ذلك هو ما تراه فيما يلي:
بل سترى ما هو أتم مقابلة ومشاكلة، فسيجري الكلام في القسم الأول هنا على سنن الخطاب مع بني إسرائيل، والكلام في القسم الثاني على سنن التحدث عنهم، كما جرى هنالك في القسمين سواء.
وأكبر من هذا كله أنك ترى الآيتين الكريمتين اللتين صدر بهما أول الحديث هناك قد صدر بهما أول الحديث هنا؛ ليدعوهم إلى اعتناق الحق بمثل ما دعاهم به إلى اجتناب الباطل، وليتقرر في نفس السامع من أول الأمر أن الحديث سيعود كما بدأ، ولكن في طريق يقابل ذلك الطريق، وبمعنى جديد هو عدل لذلك المعنى القديم {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (122) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (123) ? وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ} [البقرة: 122 - 124].
وهكذا أنشأ يدعو بني إسرائيل إلى طريق السلف الصالح، لا بأسلوب الأمر والتحريض الذي جرب من قبل فلم ينجع فيهم، بل بأسلوب قصصي جذاب يعرض فيه ذلك التاريخ المجيد لإبراهيم عليه السلام وأبنائه وأحفاده في العصور الذهبية التي لا يختلف أحد من أهل الكتاب ولا المشركين في تعظيمها ومحبتها ومحبة الانتساب إليها، مكررًا على لسانهم جميعًا تلك الكلمة العذبة التي تركها إبراهيم باقية في عقبه، فتوارثها أبناؤه وأحفاده يوصي كل منهم بها بنيه، كلمة (الإسلام لله رب العالمين).
وتراه في أثناء عرضه لتاريخ إبراهيم عليه السلام وإمامته للناس لا ينسى أن يحكي كلماته التي دعا بها ربه أن يجعل من ذريته إمامًا للناس كما جعله هو.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 285)
ثم تراه حين يروي قيام إبراهيم وابنه إسماعيل ببناء البيت المعظم الذي جعله الله حرمًا آمنًا ومثابة للناس وقبلة لصلاتهم، لا ينسى أن يحكي تضرعهما إلى الله أن يجعل من ذريتهما أمة مسلمة وأن يبعث فيهم رسولًا منهم يعلمهم ويزكيهم.
ممهدًا بهذا وذاك لتقرير تلك الصلة التاريخية المتينة التي تربط هذا النبي وأمته بذينك النبيين الجليلين؛ لا صلة النبوة النسبية فحسب، بل صلة المبدأ ورابطة الوحدة الدينية أيضًا، فهم من ذريتهما، ووجودهم تحقيق لقبول دعوتهما، وملتهم ملتهما؛ وقبلتهم قبلتهما، ومثابتهم في حجهم مثابتهما.
ومقررًا في الوقت نفسه انقطاع مثل هذه النسبة المشرفة عن اليهود الذين ينتسبون بالبنوة لإبراهيم ويعقوب، وهم عن ملتهما منحرفون ولوصيتهما مخالفون. فماذا يغني النسب عن الأدب؟ ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 141].
4 - ذكر حاضر المسلمين وقت البعثة (135 - 162):
واتصل ذكر الخلف بذكر السلف، وخرج الكلام من التلويح إلى التصريح، فأقبل يقرر -في جلاء- صلة هذه الأمة المسلمة بتلك الأمة الصالحة في أصول ملتها، وفي أهم فروعها، ويقص علينا ما يحاوله سفهاء الأحلام من بني إسرائيل وغيرهم لحرمان المسلمين من تلك الصلة، وذلك بدعوتهم المسلمين إلى اتباع ملتهم تارة، وبالطعن في قبلتهم تارة أخرى، ويكر على كلتا المحاولتين بالهدم والاستئصال.
وقد رأيت الحديث الآنف كيف امتزج فيه ذكر ملة إبراهيم بذكر قبلته فانظر كيف كان ذلك تأسيسًا قويًّا لما يبنى عليه هنا من ذكر ملة المسلمين وذكر قبلتهم.
قال في شأن الملة إن أهل الكتاب يدعونكم - بعد هذا البيان - أن تكونوا هودًا أو نصارى، فقولوا لهم: بل نتبع ملة إبراهيم حنيفًا، وعرفوهم جلية الأمر في هذه الملة الحنيفية، وأنها إيمان بالله وإيمان بكل ما أنزل على النبيين لا نفرق بين أحد منهم، هذه عقيدتنا بيضاء ناصعة، فأي ركنيها تنقمون منا؟ وفي أيها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 286)
تخاصموننا؟ أفي الله وهو ربنا وربكم، أم في إبراهيم وبنيه، وهم ما كانوا هودًا أو نصارى {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 141].
وكان هذا الترديد وحده كافيًا لإفحامهم وإغلاق الباب في وجوههم من هذه الناحية؛ إذ تبين أن أصول هذه الملة أمنع من أن نقبل الجدال في شيء منها.
فانتقل عنها وشيكًا إلى إبطال محاولتهم الأخرى في مسألة (الكعبة المعظمة) التي عليها يدور العمل بشعيرتين، هما أعظم شعائر الإسلام وأظهرها (الصلاة والحج)، والتي قد تقرر ما لها من الأصل الأصيل في الدين باتخاذ إبراهيم وإسماعيل إياها مثابة ومصلى.
ولكن هذا لم يكن كافيًا لإسكات المجادلين الذين اتخذوا من تحول المسلمين إليها وتركهم القبلة التي كانوا عليها مطعنًا على النبوة فتنوا به بعض ضعفاء المؤمنين، فمست الحاجة إلى مزيد بسط في شأنها تتقرر به الحجة وتدحض به الشبهة، ولذلك تراه يوجه إليها أكبر الشطرين من عنايته:
فيأمر النبي صلى الله عليه وسلم بادئ ذي بدء أن يجيب المتسائلين عن حكمة هذا التحويل جواب عزة وإباء، يرد الأمر فيه إلى من لا يسأل عما يفعل، قائلًا لهم: إن الجهات كلها سواء، يوجهنا الله منها إلى ما يشاء، وهو الذي يهدي إلى الصراط المستقيم.
ثم أخذ يأمر النبي صلى الله عليه وسلم تارة، والمؤمنين تارة، ويأمرهما معًا تارة أخرى، في أسلوب مؤكد مفصل أن يثبتوا على هذه القبلة حيث هم، وفي كل مكان يقيمون فيه حضرًا، وفي كل مكان يخرجون منه سفرًا.
وطفق ينثر في تضاعيف هذه الأوامر المؤكدة ما شاء من تعريف بأسرار التشريع القديم والجديد، فيقول: إن تشريع تلك القبلة الوقتية ما كان إلا اختبارًا لإيمان المهاجرين؛ ليتبين من يتبع الرسول صلى الله عليه وسلم ممن ينقلب على عقبيه، وأما تشريع هذه القبلة الباقية فإنه ينطوي على الحكم البالغة والمقاصد الجليلة، فهي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 287)
القبلة الوسطى التي تليق بكم أيتها الأمة الوسطى، وهي القبلة التي ترضاها يا أيها النبي والتي طالما قلبت وجهك في السماء مستشرفًا إلى الوحي بها، وهي القبلة التي يعلم أهل الكتاب أنها الحق من ربهم، وإن كان يكتمون ذلك حسدًا وعنادًا، وهي القبلة التي يشهد الله بأنها الحق من عنده، وأخيرًا هي القبلة التي لا يبقى لأحد من المنصفين حجة عليكم. أما الظالمون فلن ينقطع جدالهم في شأنها ما بقيت عداوتهم لكم، ولكن لا تخشوهم، بل وطنوا أنفسكم على التضحية في سبيل الله، واصبروا ولا تحزنوا على من سيقتل منكم في هذه السبيل؛ فإن الموت فيها هو الحياة الباقية.
ثم أومأ إلى أن الجدال في هذه القبلة ليس صدًّا عن الشعائر التي في داخل المسجد الحرام فحسب، بل هو كذلك صد عما حوله من الشعائر: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ الله} [البقرة: 158].
ثم أكد أمر هاتين الشعيرتين على نحو ما أكد أمر القبلة بالتعريض بأهل الكتاب الذين يعلمون أصلهما في تاريخ إبراهيم، ولكنهم يكتمون ما أنزله الله من البينات وهم يعلمون.
أرأيت هذه المراحل الأربع التي سلكها القرآن في دعوة بني إسرائيل كيف رتبها مرحلة مرحلة، وكيف سار في كل مرحلة منها خطوة خطوة.
فارجع البصر كرة أخرى إلى هذه المرحلة الأخيرة منها، لتنظر كيف استخدم موقعها هذا لتحقيق غرضين مختلفين، وجعلها حلقة اتصال بين مقصدين مُتنائِيين، فهي في جملتها مناجاة من الله للنبي والمؤمنين في خاصَّة شأنهم وفيما يعنيهم من أمر دينهم، ولكنه جعل لهذه النجوى طرفين، لوَّن كل طرف منها بلون المقصد الذي يتصل به، فالتقى المقصدان فيها على أمر قد قدر.
ألم تر كيف بدأها بأن قص على المؤمنين مقالة أعدائهم في بعض حقائق الإسلام، وعمد إلى هذه الحقائق التي تماروا فيها، فجعل يمسح غبار الشبهة عن وجهها حتى جلاها بيضاء للناظرين، فكانت هذه البداية كما ترى نهاية لتلك المعارك الطويلة التي حورب فيها الباطل في كل ميدان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 288)
ثم رأيت كيف ساق الحديث فجعل يثبت أقدام المؤمنين على تلك الحقائق النظرية والعملية، ويحرضهم على الاستمساك بها في غير ما آية … أفلا تكون هذه النهاية بداية لمقصد جديد بعدها يراد به هداية المؤمنين إلى تعاليم الإسلام مفصلة.
بلى .. إن ذلك هو ما توحي به سياقة هذه النجوى المتواصلة، التي مدت في خطاب المؤمنين مدًّا، وحولت مجرى الحديث معهم رويدًا رويدًا، حتى صار كل من ألقى سمعه إليها مليًّا، يسمع في طيها نداءً خفيًّا: أن قد فرغنا اليوم من الأعداء جهادًا، وأقبلنا على الأولياء تعليمًا وإرشادًا، وأن قد طوينا كتاب الفجار، وجئنا نفتتح كتاب الأبرار، وأن هذه الصفحة الأخيرة من دعوة بني إسرائيل لم تك إلا طليعة من كتائب الحق، تنبئ أن سيتلوها جيشه الجرار، أو شعاعة من فجر الهدى سيتحول الزمان بها من سواد الليل إلى بياض النهار، ألا ترى الميدان قد أصبح خاليًا من تلك الأشباح الإسرائيلية التي كانت تتراءى لك في ظلام الباطل تهاجمها وتهاجمك. هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزًا؟
أو لا ترى هذه الأشعة الأولى من شمس الشريعة الإسلامية قد انبعثت يسوق بعضها بعضًا.
أصولٌ جامعة نظرية، تتبعها طائفة من فروعها الكبرى العملية … ألم يأنِ لسائر الفروع أن تجيء من خلفها حتى تبلغ الشمس ضحاها.
هكذا تفتحت الآذان لسماع شرائع الإسلام مفصلة، فلو أنها أقبلت علينا الآن عدًّا وسردًا ما حسبنا الحديث عنها حديثًا مقتضبًا.
لكن القرآن، وقد وضع على أدق الموازين البيانية وأرفقها بحاجات النفوس، لم يشأ أن يهجم على المقصود مكتفيًا بهذا التمهيد بل أراد أن يقدم بين يديه شقة تستجم النفس فيها من ذلك السفر البعيد .. وتأخذ أهبتها لرحلة أخرى إلى ذلك المقصد الجديد .. فانظر فيما يلي:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 289)
المدخل إلى المقصد الثالث: في خمس عشرة آية (163 - 177):
نيف وعشر من الآيات الكريمة، هي بمثابة الدهليز بين الباب والدار يقطعها السائر في خطوات ثلاث: (الخطوة الأولى) تقرير وحدة الخالق المعبود. (الخطوة الثانية) تقرير وحدة الآمر المطاع. (الخطوة الثالثة) فهرس إجمالي للأوامر والطاعات المطلوبة.
(الخطوة الأولى) تقرير وحدة الخالق المعبود:
[تقرير وحدة الخالق المعبود]
لقد جاءت هذه الخطوة في أشد أوقات الحاجة إليها بين سابقها ولاحقها، فإن ما مضى من تعظيم أمر الكعبة والمقام والصفا المروة كان من شأنه أن يلقي في روع الحديث العهد بالإسلام معنى من معاني الوثنية الأولى في تعظيم الأحجار والمواد، ولا سيما وهذه الأماكن المقدسة كانت يومئذ مباءة للأصنام والأنصاب من حولها ومن فوقها؛ فوجب ألا يترك هذا التعظيم دون تحديد وتقييد، وألا نترك هذه الخلجات النفسية دون دفع وإبعاد، حتى لا يبقى شك في أن قيام المصلين عند مقام إبراهيم وتوجيه وجوههم نحو الكعبة، وتمسح الطائفين بأركانها، وطواف الحجاج والمعتمرين بين الصفا والمروة، كل أولئك لا يقصد به الإسلام توجيه القلوب إلى هذه الأحجار والآثار؛ تزلفًا بعبادتها أو رجاء لرحمتها أو طلبًا لشفاعتها، وإنما يقصد تعظيم الإله الحق وامتثال أمره بعبادته في مواطن رحمته ومظان بركته التي تنزلت فيها على عباده الصالحين من قبل، ثم تجديد ذكرى أولئك الصالحين في النفوس، وتمكين محبتهم في القلوب، باقتفاء آثارهم، والتأسي بحركاتهم وسكناتهم، حتى يتصل حاضر الأمة بماضيها، وحتى تنتظم منها أمة واحدة تدور حول محور واحد، وتتجه إلى مقصد واحد هو أعلى المقاصد وأسماها {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} [البقرة: 163] أتدرون من هو … ؟ إنه ليس الكعبة وليس الصفا والمروة، ليس إبراهيم ولا مقام إبراهيم، ولكنه {الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 163] الذي وسع كل شيء رحمة ونعمة {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} … {لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164] والذي بيده القوة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 290)
كلها والبأس كله: لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد {وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ} [البقرة: 165].
هذا من جانب المقصد الذي وقع الفراغ منه.
وأما من جانب المقصد الذي أقبلنا عليه فإن هذه الخطوة كانت أساسًا وتقدمة لا بد منها قبل الشروع في تفصيل الأحكام العملية، لتكون توجيهًا للأنظار إلى الناحية التي ينبغي أن يتلقى منها الخطاب في شأن تلك الأحكام. ذلك أن المرء إذا عرف له سيدًا واحدًا وأسلم وجهه إليه وجب ألا يصدر إلا عن أمره ولا يأخذ التشريع إلا من يده. ومن كانت له أرباب متفرقون، وتنازعت فيه شركاء متشاكسون تقاضاه كل واحد منهم نصيبه من طاعته، وكثرت عليه مصادر الأمر المطاع. فأمر للآباء والعشيرة، وأمر للعرف والعوائد الموروثة والمستحدثة، وأمر للسادة والكبراء، وأمر للشياطين والأهواء .. ولذلك عززها بالخطوة الثانية.
(الخطوة الثانية) تقرير وحدة الآمر المطاع:
[تقرير وحدة الآمر المطاع]
وهي ركن عقيدة التوحيد في الإسلام، فكما أن من أصل التوحيد ألا تتخذ في عبادتك إلهًا من دون الرحمن الذي بيده الخلق والرزق والضر والنفع، كذلك من أصل التوحيد ألا تجعل لغيره حكمًا في سائر تصرفاتك، بل تعتقد أن لا حكم إلا له، وأن بيده وحده الأمر والنهي والحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله، ومن استحل حرامه أو حرم حلاله فقد كفر. وكما أنه لا يليق أن يكون هو الخالق ويعبد غيره، والرازق ويشكر غيره، لا يليق أن يكون هو الحاكم ويطاع غيره.
{يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [البقرة: 168].
ولقد سلك في تقرير هذه الوحدة التشريعية نحوًا من مسلكه في تقرير وحدة الإلهية.
[طريقة القرآن في تقرير الوحدة التشريعيَّة]
(فبدأها) بأن تعرف إلى الناس بنعمة الله الشاملة ورحمته الكاملة في سهولة الشريعة وملاءمتها للفطرة، إذ إنه في سعة الاختيار لم يحرم عليهم من الطعام إلا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 291)
[الوحدة الشرعية]
أربعة أشياء كلها رجس خبيث، وأحل لهم ما وراء ذلك أن ينتفعوا بسائر ما في الأرض من الحلال الطيب، وفي ضيق الاضطرار جعل المحظورات كلها تنقلب مباحات مرفوعًا عنها الحرج {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 173]، وناهيك بهذا الأسلوب تليينًا للقلوب وحملًا لها على الخضوع لأمر هذا الرب الرؤوف بعباده. أفمن يحل لكم الطيبات ويحرم عليكم الخبائث أحق أن يطاع، أم من {إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 169]، أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع، أم من {لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} [البقرة: 170].
(ثم ختمها) بتعريفهم مبلغ غضبه وانتقامه ممن يكتم أمره ونهيه ويبدلهما بغير ما أمر ونهى ويأخذ على ذلك الرشا والسحت {أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 174].
والناظر في منهج هذا التقرير إذا تأمل في وجه اختيار حديث المطاعم والمكاسب من بين ضروب الحلال والحرام يرى من لطائف موقعه هنا ما يعرف به أنه هو العروة الوثقى التي شد بها وثاق البيان، وسدت بها الفروج بين خطواته السابقة واللاحقة.
فهو من الوجهة العملية أحد تلك الفروع التي سينتقل إليها الحديث عما قريب، فذكره ها هنا يعد إشعارًا بقرب الشروع في المقصد الجديد، ثم هو من الجهة الاعتقادية يتصل اتصالًا تاريخيًّا وثيقًا بعقيدة التوحيد التي هو بصددها، ذلك أن أهل الجاهلية من وثنيين وكتابيين لما اتبعوا خطوات الشيطان فأزلهم عن توحيد المعبود حتى اتخذوا من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله لم يطل عليهم الأمد حتى فتح لهم باب التشريك في التشريع بعد التشريك في العبادة. فجعلوا يحرمون من الحرث والأنعام حلالها، ويحلون حرامها، بل جعلوا عند ذبح أنعامهم يهلون بها لغير الله - يهتفون بأسماء آلهتهم - ويستحلون طعمتها بذلك، فجمعوا فيها بين مفاسد ثلاث: المعصية، والبدعة، والشرك الأكبر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 292)
(و) كأن باب التحريم والتحليل في المطاعم والمكاسب كان هو أول باب فتح في الجاهلية للتشريع بغير إذن الله، ولذلك كان هو أول باب سده القرآن بعد الشرك الأكبر. فترى النهي عنه والنص عليه وبيان الحق فيه تاليًا لذكر العقائد حتى في السور المكية كسورة الأنعام(1)، والأعراف، ويونس، والنحل، وغيرها.
ومما زاد موقعه هنا حسنًا أن مجيئه في سياق ذكر التوحيد وقع عدلًا لمجيء حكم القبلة في سياق ذكر ملة إبراهيم، فكلاهما فرع عظيم يتصل بأصل عظيم. ألا ترى كيف ختم الكلام في شأنه بمثل ما ختم به هناك من وعيد المعاندين {الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [البقرة: 174]؟ أو لا ترى كيف أن الإسلام جعل مسألتي القبلة والذبائح كليهما من الشعائر التي يتميز بها المسلم من غيره. كما يتميز بالشهادة والصلاة: «من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله ورسوله»(2).
على أن بدعة التحريم بالرأي في هذا الباب لم تقتصر على الفئة الخارجة عن الملة، بل إن بعض المسلمين في عصر النبوة كادت تصيبهم عدوى الأمم قبلهم، إذ هموا أن يترهبوا، ويحرموا على أنفسهم الطيبات من الطعام وغيره، لا تحريمًا لما أحل الله منها، بل زهادة فيها وحملًا للنفس على الصبر عنها بضرب من النذر أو اليمين أو العزيمة المصممة، فردَّ عليهم القرآن هذا الابتداع وأغلق بابه إغلاقًا، حتى لا يكون مدرجة لما وراءه، ونبههم إلى أن من قضية توحيدهم لله أن ينزلوا على حكمه فيما أحل لهم؛ قيامًا فيه بشريعة الشكر، كما--------------------------------------------
(1) اقرأ في سورة الأنعام سبعًا وعشرين آية أولها قوله: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا} الآيات [136 - 153]، وفي سورة الأعراف قوله: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ} [الآيتين: 31، 32]، وقوله: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى} [الآية: 169] وفي سورة يونس قوله: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا} [الآيتين 59، 60] وفي سورة النحل قوله: {وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} [الآية: 95]، وقوله: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ} [الآيتين: 115، 116].
(2) عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله، فلا تخفروا الله في ذمته»، رواه البخاري: (391).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 293)
نزلوا على حكمه فيما حرم عليهم قيامًا فيه بشريعة الصبر: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [البقرة: 172].
فانظر كيف كان خطاب الناس عامة بهذا الأصل ولواحقه توطئة لخطاب المؤمنين خاصة به وبما سيتلوه من الأحكام، كما أن خطاب الناس عامة بأركان الإسلام في صدر السورة كان توطئة لما تلاه من خطاب بني إسرائيل خاصة بدعوتهم إلى الدخول فيه قلبًا وقالبًا، هل ترى أحسن من هذا النسق المتقابل المتعادل؟
والآن؛ وقد أخذت النفس أهبتها لتلقي سائر الأوامر والنواهي انظر كيف خطا إليها الخطوة الثالثة والأخيرة.
(الخطوة الأخيرة) إجمال الشرائع الدينية:
[إجمال الشرائع الدينية]
وترى فيها عجائب من صنعة النسق:
1 - انظر إلى حسن التخلص في ربطه بين المقصد القديم، والمقصد الجديد على وجه؛ به يتصلان لفظًا، وبه ينفصلان حكمًا .. فهو في جمعها لفظًا كأنه يضع إحدى قدميك عند آخر الماضي، وثانيتهما عند أول المستقبل. ولكنه في تفريقها حكمًا بأداتي النفي والاستدراك كأنما يحول قدميك جميعًا إلى الأمام: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ} [البقرة: 177].
يقول: إن مسألة تعيين الأماكن والجهات في مظاهر العبادات - تلك المسألة التي شغلت بال المخالفين والمؤالفين نقدًا وردًّا - ليست هي كل ما يطلب الاشتغال به من أمر البر، بل هي شعبة واحدة من جملة الشعب التي تشتمل عليها خصلة واحدة من جملة خصاله، وإنما البر كلمة جامعة لخصال الخير كلها؛ نظرية وعملية، في معاملة المخلوق، وعبادة الخالق، وتزكية الأخلاق، فبتلك الخصال جميعها فلينشغل المؤمنون الصادقون.
2 - ثم انظر إليه حين أقدم على تفصيل تلك الخصال كيف أنه لم يقبل عليها دفعة واحدة، بل أخذ يتدرج إليها في رفق ولين، فتقدم بكلمة فوق الإجمال ودون التفصيل هي بمثابة فهرس لقواعد الإيمان ولشرائع الإسلام {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ} [البقرة: 177].
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 294)
3 - وانظر إلى سرد قواعد الإيمان هنا كيف عدل بها عن ترتيبها المطبوع الذي راعاه في صدر السورة غير مرة، فتراه هنا يجمع بين الطرفين (الإيمان بالله واليوم الآخر) وختم بالواسطة (الإيمان بالملائكة والكتاب والنبيين)؛ ذلك لأنَّ من هذه الوسائط تعرف الأحكام الشرعية، وعن يدها تؤخذ، فأخرها لتتصل بها تلك الأحكام؛ حتى لا يحول بين الأصل وفرعه حائل؛ ولذلك راعى ترتيب أركان هذه الواسطة فيما بينها. فصدر بالملائكة وهم حملة الوحي، وثنى بالكتاب وهو الوحي المحمول، وثلث بالنبيين وهم مهبط الوحي. ومن هنا اتصل ببيان تلك الشرائع التي وصلت إلينا عن طريق النبوة.
* * * * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 295)
المقصد الثالث من مقاصد السورة: في ست ومائة آية (178 - 283)
[بسط شرائع الإسلام]
بعد إرساء الأساس، تكون إقامة البنيان؛ وبعد الاطمئنان على سلامة الخارج، يجيء دور البناء والإنشاء في الداخل ..
نعم، لقد تم (إصلاح العقيدة) التي هي روح الدين وجوهره؛ فليبدأ (تفصيل الشريعة) التي هي مظهر الدين وهيكله .. لقد أزيلت شبهة المعاندين، وأقيمت الحجة عليهم فلم يبق إلا إنارة السبيل للسالكين، وإيضاح المحجة بين يديهم .. كانت العناية من قبل، موجهة إلى بيان (حقائق الإيمان) فلتتوجه الآن، إلى بسط (شرائع الإسلام).
وأنت فقد رأيت كيف مهدت السورة لهذا التحول، إذ وضعت برزخًا يربط أطراف الحديث، ويلتقي فيه سباقها وسياقها .. ولو أنك تلفتَّ الآن التفاتة يسيرة إلى جانبك، لرأيت أدنى هذا البرزخ إليك تلك الآية الجامعة (آية البر) التي انتظمت أصول الدعوة بشطريها: النظري، والعملي؛ ولرأيت أدنى هذين الشطرين إليك، هو هذا الشطر العملي.
فاعلم الآن، أن هذا الشطر العملي، الذي لمحناه من قبل مطويًّا في فهرس موجز، سنراه فيما يلي، مبسوطًا في بيان مفصل.
ففي نيف ومائة آية، سنرى فنًّا جديدًا من المعاني، مهمته رسم نظام العمل للمؤمنين، وتفصيل الواجب والحرام والحلال لهم في شتى مناحي الحياة: في شأن الفرد، وفي شأن الأسرة، وفي شأن الأمة .. بيانًا مؤتنفًا تارة، وجوابًا عن سؤال تارة أخرى، متناولًا في جملته عشرات من شعب الأحكام.
هذه الحكمة العامة في تأخير إقامة البنيان، ريثما أرسيت قواعده، وفي تأجيل الفروع حتى أحكمت أصولها، ستبدو من ورائها حكم جزئية، وأسرار دقيقة، لمن أقبل على هذه الفروع، ينظر إلى تلاصق لبناتها في بنيتها، وتناسق
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 296)
حباتها في قلادتها، ثم رجع ينظر في وجه التقابل بين ذلك الإجمال السابق، وهذا التفصيل اللاحق ..
فلنأخذ في استعراض الحلقات الرئيسة لهذه السلسلة الجديدة:
لقد ختمت آية البر كما رأيت، بخصلة من خصال البر، ميزت في إعرابها تمييزًا، فكان ذلك تنويهًا بشأنها أي تنويه .. تلك هي خلة الصبر، التي شعبتها الآية المذكورة إلى ثلاث شعب: الصبر في البأساء، والصبر في الضراء، والصبر حين البأس .. فهل تعلم أنه الآن وقد بدأ دور التفصيل، ستكون هذه الخصلة بشعبها الثلاث، أول ما تُعنَى السورة بنشره من تلك الخصال، وأنها ستنشرها نشرًا مرتبًا ترتيبًا تصاعديًّا على عكس ترتيب الطي: الصبر حين البأس، ثم الصبر في الضراء، ثم الصبر في البأساء .. وهل تعلم أن هذا النظام التصاعدي نفسه سيتبع في سائر الخصال: الوفاء بالعهود والعقود.
ثم إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والبذل والتضحية في سبيل الله؟ .. إليك البيان مفصلًا:
* الصبر حين البأس (178 - 182):
لا تحسبنه هنا صبرًا على الجروح والقروح في الحرب، فذلك معنى سلبي استسلامي؛ ولا تحسبنه صبرًا في البطش والفتك بالأعداء، فذلك جهد عملي إيجابي حقًّا، ولكن مرده إلى قوة العضل والعصب، لا إلى قوة الخلق والأدب (ليس الشديد بالصرعة، ولكنه الذي يملك نفسه عند الغضب)(1) .. هكذا سيختار الله لنا من مثل الصبر أمثلها، ومن موازينه أوزنها في معايير القيم، ذلك هو ضبط النفس حين البأس، كفًّا لها عن الاندفاع وراء باعثة الانتقام، وردعًا لها عن الإسراف في القتل، ووقوفًا بها عند حد التماثل والتكافؤ العادل (القصاص: 178 - 179).--------------------------------------------
(1) عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»، رواه البخاري: (6114)، ومسلم: (2609).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 297)
وإذ كان تداعي المعاني يسوقنا من الحديث عن القتلى إلى الحديث عمن هم بشرف الموت، ناسب تتميم الكلام ببيان ما يجب على المحتضر من الوصية لأقاربه برًّا بهم (الوصية: 180 - 182).
* الصبر في الضراء:
وكذلك سيختار الله لنا من أبواب الصبر في الضراء أعلاها: ليس الصبر على الأمراض والآلام بإطلاق، ولكنه الصبر على الظمأ والمخمصة في طاعة الله (الصوم: 183 - 187) .. ، وينساق الحديث من الصوم المؤقت عن بعض الحلال، إلى الصوم الدائم عن السحت والحرام (188).
* الصبر في البأساء:
وعلى هذا النمط نفسه، سنرى الصبر في البأساء هنا ليس هو ذلك الصبر الاضطراري على الفقر والأزمات المالية والجوائح السماوية، ولكنَّه الصبر الاختياري على التضحية بالأموال؟ إنفاقًا لها في سبيل الله، والمثال الذي يختاره التنزيل الحكيم هنا مثال مزدوج(1)، ينتظم الصبر في البأساء والضراء جميعًا؛ إذ يجمع بين الجهاد بالنفس والجهاد بالمال (الحج إلى بيت الله: (189 - 203).
ولا تنسَ ها هنا أن تنظر إلى المعبرة اللطيفة التي انتقل بها الحديث من الصوم إلى الحج .. تلك هي مسألة الأهلة التي جعلها الله مواقيت للصوم وللحج جميعًا (189).
ولنقف بك ها هنا وقفة يسيرة، نشير فيها إلى شأن عجيب من شؤون النسق القرآني في هذا الموضع:
ذلك أنه حين بدأ بذكر الحج، لم تتصل به أحكامه ولاءً، بل فصل بين الشروع في الحديث عنه وحكمه(2) بست آيات في أحكام الجهاد بالنفس والمال--------------------------------------------
(1) بل إن شئت قلت: إنه مثلث الألوان؛ لأنه سيدخل في ثناياه الصبر حين البأس في مجاهدة أعداء الله (190 - 195).
(2) في نسخة: (بل فصل بين اسمه وحكمه بست آيات). (عمرو)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 298)
في قتال الأعداء (190 - 195) .. فاصلة يحسبها الجاهل رقعة غريبة في ثوب المعنى الجديد .. ولكن الذي يعرف تاريخ الإسلام وأسباب نزول القرآن، يعرف ما لهذه الفاصلة من شرف الموقع وإصابة المحزِّ، لا لمجرد الاقتران الزماني بين تشريع الحج وبين غزوة الحديبية في السنة السادسة من الهجرة؛ ولكن لأنَّ أداء المناسك في ذلك العام كان عزمًا لم ينفذ، وأملًا لم يتحقق، إذ أحصر المسلمون يومئذ عن البيت، وهموا أن يبطشوا بأعدائهم الذين صدوهم عنه؛ ولولا أن الله نهاهم عن البدء بالعدوان وأمرهم ألا يقاتلوا في المسجد الحرام إلا من قاتلهم فيه، فانصرفوا راجعين، مستسلمين لأمر الله، منتظرين تحقيق وعد الله .. فكذلك فلينصرف القارئ أو المستمع ها هنا وهو متعطش لإتمام حديث الحج على أن يعود إليه بعد فاصل، كما انصرف المسلمون إذ ذاك عن مكة وهم إليها متعطشون، على أن يعودوا إليها من عام قابل .. هكذا كانت هذه الآيات الفاصلة تذكارًا خالدًا لتلك الأحداث الأولى .. وهكذا كان القرآن الحكيم مرآة صافية نطالع فيها صور الحقائق من كل لون نقتبسها طورًا من تصريح تعبيره، وطورًا من نهجه وأسلوبه في تعجيل البيان أو تأخيره، ثم كانت هذه الآيات الفاصلة في الوقت نفسه درسًا عمليًّا في صبر المتعلم على أستاذه، لا يعجله بالسؤال عن أمر في أثناء حديثه؛ ولكن يتلبث قليلًا حتى يحدث له منه ذكرًا في ساعته الموقوتة .. وهكذا لن يطول بنا الانتظار حتى نرى أحكام الحج والعمرة تجيء في إثر ذلك على شوق وظمأ، فتشبع وتروي بالبيان الشافي الوافي (196 - 203)، وبتمام هذا البيان تتم الحلقة الأولى من الأحكام؛ أعني فريضة الصبر في البأساء والضراء وحين البأس.
استجمامة (204 - 214):
وشاءت حكمة الله وتلطفه بنا في تربية نفوسنا على طاعة أمره، ألا يصعد بنا إلى الحلقة الثانية من فورنا هذا، ولكن بعد استرواحة فيها شيء من الموعظة العامة، يثبِّت بها القلوب على ما مضى، ويوطئ لها السبيل إلى ما بقي .. وكان من حسن الموقع لهذه الموعظة العامة، أنها اتصلت بالموعظة الخاصة التي ختم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 299)
بها حديث الحج، والتي قسمت الناس من حيث آمالهم ومطامحهم إلى فريقين: فريق يطلب خير الدنيا ولا يفكر في أمر الآخرة، وفريق لا تنسيه دنياه مصالح أخراه (200 - 202) فجاءت الموعظة العامة تقسم الناس من حيث ما فيهم من خلق الأثرة أو الإيثار إلى فئتين: فئة لا تبالي أن تضحي في سبيل أهوائها بحياة العباد، وعمران البلاد، وفئة على العكس من ذلك لا تضن أن تضحي بنفسها في سبيل مرضاة الله (204 - 207).
وتخلص الآيات الحكيمة من هذا التقسيم، إلى توجيه النصح للمؤمنين بأن يخلصوا نفوسهم من شوائب الهوى، ويستسلموا بكليتهم لأوامر الله، دون تفريق بين بعضها وبعض؛ محذِّرة إياهم من الزلل عنها بعد أن هدوا إليها ووقفوا عليها، معزِّية لهم عما قد يصيبهم من البأساء والضراء في سبيل إقامتها، ضاربة لهم المثل في ذلك بسنة السلف الصالح من الأمم السابقة (208 - 214).
هنا تمت الاسترواحة بالموعظة العامة.
(و) ستكون الحلقة التالية في تفصيل الخصلة الثانية من الخصال العملية التي أُجملت في آية البر، وهي الوفاء بالعهود والعقود؛ وستختار من بين هذه العقود أحقها بالعناية والرعاية: عقدة الزواج وما يدور حول محورها من شؤون الأسرة. أليست الأسرة هي المجال الأول للتدريب على حسن العشرة، وعلى التنزه من رذيلة الأنانية والأثرة؟ ثم أليست الأمور متى استقامت في هذا المجتمع الصغير، استقامت بالتدريج في المجتمع الكبير، ثم في المجتمع الأكبر؟
تفصيل الشؤون الأسرية المتشابكة: (الآيات من 215 إلى 237):
ترى كيف سيكون الانتقال إلى هذه الحلقة الثانية؟ هل يصعد القرآن بنا توًّا إلى تفصيل هذه الشؤون المنزلية المشتبكة المتشعبة؟ كلَّا إنَّ هذا البيان التربوي الحكيم لن يهجم بنا عليها دفعة، ولكنه سيتلطف في الوصول بنا إليها على معراج من الأسئلة والأجوبة، تتصل أوائلها بالأحكام الماضية: الإنفاق والجهاد (215 - 218) وتتصل أواخرها(1) بالأحكام التالية: مخالطة اليتامى، وشرائط--------------------------------------------
(1) ارجع البصر كرتين إلى هذا النظام الهندسي في البيان .. ثم سل نفسك هل كان في الإمكان أن يأتلف عقد نظامه لو لم تقع الأحداث التي اتخذت منها مادته، أو لو وقع بعضها وتخلف بعضها، أو لو وقعت كلها ولم تنبعث في روع القوم باعثة السؤال عن أحكامها .. ؟ لقد كان القدر يسير إذًا في ركاب هذا التنظيم، فأثار مادة حوادثه، وبعث حاجات النفوس إلى طلب بيانها .. ولم يبق إلا أن تقول معي: آمنت أن الذي بيده تصريف الزمان، هو هو الذي بيده تنزيل القرآن .. ألا له الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 300)
المصاهرة، وموانع المباشرة (220 - 222) .. وهكذا نصل في رفق ولين، دون اقتضاب ولا ابتسار إلى صميم الحلقة الثانية (223 - 237) حيث نتلقى في شأن الحياة الزوجية دستورًا حكيمًا مؤلفًا من شطرين؛ وشطره الأول يعالج شؤون الأسرة في أثناء اتصالها (223 - 232)، وشطره الأخير يعالج شؤونها في حال انحلالها وانفصالها (233 - 237).
فخذ هذه الحلقة الجديدة من السورة الكريمة، وتعرف أسباب نزولها، وانظر كيف كانت كل قضية منها فتيا في حادثة معينة منفصلة عن أخواتها؛ ثم عد لتنظر في أسلوبها البياني جملة؛ وحاول أن ترى عليه مسحة انفصال أو انتقال، أو أن تحس فيه أثرًا لصنعة لصق، أو تكلف لحام .. واعلم منذ الآن أنك ستحاول عبثًا؛ فإنك لن تجد أمامك إلا سبيكة واحدة يطرد فيها عرق واحد، ويجري فيها ماء واحد، على رغم أنها جمعت من معادن شتى ..
تأمَّل أول كل شيء في خط سير المعاني:
انظر كيف استهل الحديث بإرساء الأساس، وذلك بتقرير حق العشرة والمخالطة الزوجية (223) ثم انظر كيف تلاه النهي عن إدخال اليمين في أمثال هذه الحقوق المقدسة، سواء بالحلف على منع البر عن مستحقه، أو على قطع ما أمر الله به أن يوصل (224 - 225) وكيف عقبه بحكم فرع من فروع هذا المبدأ متصل بالعلاقة الزوجية، وهو حكم من حلف على الامتناع عن زوجته (226 - 227) وكيف اتصل من هنا بأحكام الطلاق وما يتبع الطلاق من حقوق وواجبات (228).
فإذا أعجبك هذا التسلسل المعنوي، وهذا التدرج المنطقي، في شؤون كانت متفرقة، ارتجلتها الحوادث ارتجالًا، فتعالَ معي لأضع يدك في هذه القطعة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 301)
على حرف واحد تلمس فيه مبلغ الإحكام في التأليف بين هذه المتفرقات، حتى صارت شأنًا واحدًا ذا نسق واحد:
ذلك هو موضع النقلة من فتيا الإيلاء إلى فتيا الطلاق: {وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 227] ألا ترى كيف أدير الأسلوب في حكم الإيلاء على وجه معين، يطل القارئ منه على أفق متلبد ينذر باحتمال الفراق؛ فلما جاء بعده الحديث عن أحكام الفراق لم يكن غريبًا، بل وجد مكانه مهيَّأً له من قبل؛ كأن خاتمة حكم الإيلاء كانت بمثابة عروة مفتوحة، تستشرف إلى عروة أخرى تشتبك معها؛ فلما جاءت فتيا الطلاق في إبانها كانت هي تلك العروة المنتظرة، وما هو إلا أن التقت العروتان حتى اعتنقتا وكانت منهما حلقة مفرغة لا يُدرى أين طرفاها، وهكذا أصبح الحديثان حديثًا واحدًا.
ترى من علم محمدًا - لو كان القرآن من عنده - أنه سوف يستفتى يومًا ما في تلك التفاصيل الدقيقة لأحكام الطلاق؟ ومن علَّمه أنه سيجد لهذا السؤال جوابًا، وأن هذا الجواب سيوضع في نسق مع حكم الإيلاء، وأنه ينبغي لاستقامة النسق كله أن يساق حكم الإيلاء الذي وقع الاستفتاء فيه الآن، على وجه يجعل آخر شقيه هو أدناهما إلى حديث الطلاق الذي سوف يسأل عنه بعد حين؛ لكي ينضمَّ الشكل إلى شكله متى جاء وقت بيانه؟ … هيهات أن يحوم علم البشر حول هذا الأفق الأعلى؛ فإنما ذلك شأن عالم الغيب والشهادة، الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى.
وتمضي السورة في هذا النمط الجديد، مفصلة آثار الطلاق وتوابعه كلها: عدة، ورجعة، وخلعًا، ورضاعًا، واسترضاعًا، وخطبة، وصداقًا، ومتعة .. إلى تمام هذه الحلقة الثانية (237).
(و) هنالك تبدأ الحلقة الثالثة {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [238 - 274].
فلننظر: كيف تمت النُّقلة بين هاتين الحلقتين؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 302)
إننا بمقدار ما رأينا من التلبُّث والتمكث، والاستجمام والتنفس بين الحلقة الأولى والثانية، سنرى على عكس ذلك بين الحلقة الثانية والثالثة، نقلة شبه خاطفة بل لفتة جد مباغتة، قد يحسبها الناظر اقتضابًا؛ وما هي باقتضاب إلا في حكم النظر السطحي .. أما من تابع معنا سير قافلة المعاني منذ بدايتها، وقطع معنا ثلثي الطريق الذي رسمته آية البر: من الوفاء بالعهود، والصبر في البأساء والضراء وحين البأس، فإنه لا ريب سوف يستشرف معنا إلى ثلثه الباقي: إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وبذل المال على حبه في سبيل الله، وسوف يرى أن هذه الحلقة الثالثة قد جاءت هنا في رتبتها وفي موضعها المقدر لها، وفق ترتيبها في الآية الجامعة.
سيقول قائل: نعم، لقد جاءت في موضعها ورتبتها، ولكن الانتقال إليها قد تم دون إعداد نفسي، ولا تمهيد بياني.
نقول: بل كان هذا الإعداد والتمهيد، في الآية الكريمة التي ختمت بها الحلقة السابقة: {وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [البقرة: 237] فهذه لو تدبرت معبرة ذهبية وضعت في وقت الحاجة إليها بعد أن استطال الحديث في تفصيل الحقوق والواجبات المنزلية؛ معبرة جيء بها لتنقلنا من ضوضاء المحاسبة والمخاصمة، إلى سكون المسامحة والمكارمة؛ فكانت معراجًا وسطًا صعد بنا إلى أفق أعلى، تمهيدًا للعروج بنا فيما يلي إلى الأفق الأعلى .. ألا تسمع إلى هذه الكلمات: {وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة: 237] (لا تنسوا .. الفضل .. بينكم).
إنَّ كل حرف في هذه الكلمات ينادي بأنها كلمات حبيب مودع، كان قد أقام بيننا فترة ما، ليفصل في شؤوننا؛ ثم أخذ الآن يطوي صحيفة أحكامه، ليتحول بنا عنها إلى ما هو أهم منها؛ فقال لنا وهو يطويها: دعوا المشادة في هذه الشؤون الجزئية الصغرى، سووها فيما بينكم بقانون البر والفضل، الذي هو أسمى من قانون الحق والعدل؛ وحولوا أبصاركم معي إلى الشؤون الكلية الكبرى، التي هي أحق بأن يتوفر عليها العزم والقصد، وأحرى أن يشتغل بها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 303)
العقل والقلب .. نعم، نعم. لقد كفاكم هذا حديثًا عن حقوق الزوج والولد، فاستمعوا الآن إلى الحديث عن حقوق الله والوطن:
حافظوا على الصلاة .. أنفقوا في سبيل الله .. جاهدوا في سبيل الله .. (وبعد) فهل حديث الصلاة هنا يعتبر مقصدًا أصليًّا مستقلًّا، أم هو جزء من مقصد آخر.
لكي نحسن الجواب عن هذا السؤال، يجمل بنا أن نرجع البصر كرة أخرى، لننظر في جملة الخصال التي جمعت في آية البر، والتي فصلت في الآيات من بعدها إلى قرب آخر السورة، ولنقارن بين حظوظها من عناية الذكر الحكيم، فماذا نرى؟
نرى التنويه بفضيلتي الإنفاق والجهاد في سبيل الله، لا يزال يعاد ويردد في مطالع الحديث ومقاطعه، في إجماله وفي تفصيله، ترديدًا ينادي بأنه هو المقصود الأهم، والهدف الأعظم، من التشريع في هذه السورة .. فلو أننا، في ضوء هذا الأسلوب، تمثلنا تلك البيئة وأحداثها، وتمثَّلنَا القوم وهم تتلى عليهم شرائع هذه السورة وأحكامها، لتمثلنا معسكرًا ثابتًا للجهاد المزدوج؛ المالي والبدني، ولتمثلنا على رأس هذا المعسكر قائدًا يقظًا حريصًا، لا يعزب عنه شأن من شؤون جنوده؛ خاصها وعامها، ولا يفتأ يلقي عليهم أوامره وإرشاداته في مختلف تلك الشؤون كلما فرغ من إفتائهم في نوازلهم العارضة الوقتية، رجع بالحديث إلى مجراه العتيد، في شأن مهمتهم الرئيسة ..
ضع هذه اللوحة الجندية أمام عينيك .. فلن يكون عندك عجب أن ترى الحديث في شأن الجهاد يبرز الآن على إثر تلك الشؤون؛ ذلك أن بساطه كان أبدًا منشورًا، وأن داعيته كانت دائمًا قائمة؛ فإذا عاد ذكره بعد أن زال ما حوله من الشواغل الوقتية، فإنما يجيء على أصله وسجيته؛ فلا يسأل عن علته ..
ماذا نقول؟ .. شأن الجهاد!! أليس الحديث سيفتتح الآن بشأن الصلاة، وعدة الوفاة، لا بشأن الجهاد؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 304)