الحجة الثانية: في القرآن ما لا يستنبط بالعقل ولا بالتفكير، وفيه ما لا يدرك بالوجدان ولا بالشعور
[في القرآن ما لا يستنبط بالعقل ولا بالتفكير، وفيه ما لا يدرك بالوجدان ولا بالشعور]
قد يقول قائل: إن الفطرة السليمة، والبصيرة النافذة لمحمد صلى الله عليه وسلم هي التي أهَّلته لإنتاج هذا القرآن.
والجواب: إنَّ في القرآن جانب كبير من المعاني النقلية البحتة التي لا مجال للذكاء والاستنباط فيها.
1 - الوقائع التاريخية لا مدخل للعقل والذكاء فيها.
من المعلوم أن الوقائع التاريخية لا يمكن وضعها بإعمال الفكر والفراسة، فالعلم بأحوال الأمم السابقة، وما حصل لهم، وبمجمل ما جرى من حوادث في تلك الأزمان، بل وبمفصل ما جرى أيضًا مع ذكر لأرقام دقيقة = كل ذلك لا يمكن أن يكون من ذكاء محمد صلى الله عليه وسلم، بل هو وحي أوحاه الله إليه.
ولقد كان ملاحدة الجاهلية أصدق تعليلًا لهذه الظاهرة من ملاحدة العصر، إذ قالوا عن هذه الأخبار: {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفرقان: 5].
وقد أجاب القرآن عنهم إجابة بليغة، فقال: {قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [يونس: 16].
2 - الحقائق الدينية الغيبية لا مدخل للعقل فيها.
إن القرآن قد فصل ذكر حدود الإيمان، ووصف الجنة ونعيمها، والنار وعذابها، ووصف عوالم أخرى كالملائكة والجن، بل ذكر بعض الأرقام في ذلك المجال؛ كعدد الملائكة الموكلة بالنار.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
أبعد هذا شك أن يكون القرآن قد افتُري من دون الله، إن القرآن تصديق الذي بين يديه، وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين.
3 - أنباء المستقبل الجازمة ودلالتها على مصدرية القرآن.
لقد جاء القرآن ببيان أن الدين قد كتب الله له البقاء والخلود، وأن هذا القرآن سيعجز العالم أجمع، وتحدى القرآن العرب كلهم بهذا، وثبت عجزهم، فمن أين لمحمد صلى الله عليه وسلم هذا الغيب، ومن أين له الجزم به؟
ومن الغيوب التي أخبر بها، والتي تكفي في صدقه، وصدق ما جاء به، ما أخبر عنه القرآن في قوله: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [المائدة: 67]، فأي ضمان هذا؟
وليس هذا فحسب، وإنما وقع هذا موقعه، فترك النبي صلى الله عليه وسلم اتخاذ الحراس بعد هذه الآية، وثبتت هذه العصمة له في غير موطن(1).
إنَّه لا بد أن يكون قد استقى هذه الأنباء من مصدر علمي وثيق، واعتمد فيها على اطلاع واسع ودرس دقيق، ولا يمكن أن تكون تلك الأنباء كلها وليدة عقله وثمرة ذكائه وعبقريته.--------------------------------------------
(1) انظر: صحيح البخاري: (4136)، والترمذي: (3046).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
الحجة الثالثة: أمية النبي صلى الله عليه وسلم، وعدم أخذه عن معلم من البشر، دليل على كون القرآن من عند الله
[أمية النبي صلى الله عليه وسلم، وعدم أخذه عن معلم من البشر، دليل على كون القرآن من عند الله]
لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ممن يرجع بنفسه لكتب العلم، ودوواينه، لأنه باعتراف الخصوم ولد أميًا، وفي القرآن نفسه: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} [العنكبوت: 48].
وليست القراءة والكتابة قيمة ذاتية، وإنما قيمة القراءة والكتابة قيمة غائيَّة تهدف إلى تحصيل العلم، وهو حاصل لمحمد صلى الله عليه وسلم عندنا - بالوحي.
ومع دلالة الآية السابقة على هذه المسألة، إلا أن مما يؤكد تلك القضية أمور، منها:
1 - اتخاذه كتابًا للوحي من خاصة صحبه.
2 - أنه لم يعرف موقع اسمه المكتوب في صلح الحديبية.
3 - الشهرة المستفيضة بعدم معرفته للكتابة.
وعلى أية حال، فإن من المتفق عليه؛ كونه صلى الله عليه وسلم لم يكن يمارس القراءة والكتابة قبل بعثته.
ولم يكن له معلم من الأميين من قومه، وهذا لا شبهة فيه لأحد، فإن هؤلاء فقدوا أساس العلم في أنفسهم حتى اشتق لهم من الجهل اسم!
وليس له معلم من غيرهم، ولا يمكن لأحد أن يدعي أن لمحمد معلمًا من البشر.
فأما من ادعى أنه أخذ هذا العلم عن بحيرى الراهب، أو ورقة بن نوفل، فقد ابتعد عن الصواب، وخالف الحق، فإن لقائه بحيرى الراهب أو ورقة بن نوفل لم يكن بمنأى عن الناس، فقد شاهده عمه أبو طالب، وزوجه خديجة، ولم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
يكن لقائه بهما إلا يسيرًا، فماذا حدثنا التاريخ عن هذا اللقاء، وما الذي يمكن أن يكون قد تحمَّله في هذه الدقائق؟!
أيكون هذا العلم أجمع؟!
ثم إن خصومه الألدَّاء لم يستخدموا هذا السلاح، ولا شهروه في وجه محمد، وقد كان هذا السلاح أقرب إليهم وأمضى من كل ما لجئوا إليه.
على أن التاريخ قد أخبرنا أن هذين الرجلين، استبشرا بلقيا محمد صلى الله عليه وسلم، وتوقع له أحدهما شأن عظيم، وتمنى الآخر أن يشهد بعثته فيكون من أنصاره!
* دعوى الأخذ عن اليهود والنصارى:
إن من المستحيل أن يكون القرآن قد أخذ عن اليهود والنصارى، ولينظر قائل تلك المقالة إلى حديث القرآن عن أهل الكتاب، وذكره لهم، وكيف يصور القرآن علومهم بأنها الجهالات، وعقائدهم بأنها الخرافات، وأعمالهم بأنها الجرائم والمنكرات.
ولقد كان القرآن بمثابة الأستاذ الذي يصحح لأهل الكتاب من اليهود والنصارى أغلاطهم، وينعي عليهم سوء حالهم.
ويضاف لذلك كله ما كان عليه أهل الكتاب من كتمان للحق، وتحريف للكلم عن مواضعه.
وأما الراسخون في العلم من أهل الكتاب فقد آمنوا بالقرآن.
* دعوى أهل الشرك بأن لمحمد معلمًا من البشر!
لما ضاقت بالمشركين دائرة الجد، ما وسعهم إلا فضاء الهزل، فادعوا أن محمدًا تعلم من غلام في مكة، وقد كان هذا الغلام نصرانيًّا تعرفه الحوانيت والأسواق، أعجمي اللسان مع ذلك؟!
ولنا أن نقول: ما الذي منع قومه - إن كان قولهم الحق - من أن يأخذوا كما أخذ محمد، والغلام بين ظهرانيهم، وبذلك يستريحون من عنائهم بمحمد،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
ويداوونه من جنس دائه، بل ما الذي منع الغلام نفسه من أن يتبوأ هذه المنزلة، أو يتولى بنفسه تلك القيادة؟
إن ذلك لا يفسَّر إلا بشيء واحد؛ أنه من تخرصات الجاهليين، إذ لم يجدوا ما يمكن أن يدحض الحجة الساطعة إلا بمثل هذا الهزل من القول.
= ومما سبق نصل إلى أنه لا يوجد للقرآن مصدر إنساني، لا في نفس صاحبه، ولا عند أحد من البشر، وأن كل من حاول أن يجعل القرآن (عملًا إنسانيًّا) أعياه أمره.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)
الحجة الرابعة: ظاهرة الوحي دليل على أن القرآن من عند الله
[ظاهرة الوحي دليل على أن القرآن من عند الله]
إن ظاهرة الوحي حالة غير اختيارية، وليست من الحالات المرضية التي قد تعرض لبعض الناس؛ لأنَّها مبعث نور لا ظلمة، فهي تمد صاحبها بعلم لا جهالة، بل يجيء معها من العلم والنور ما تخضع له العقول.
فقوة الوحي قوة خارجية، لأنها تتصل بنفس محمد حينًا بعد حين، وهي قوة عالمة، وهي قوة أعلى من قوته، لأنها تحدث آثارًا في بدنه، وهي قوة خيرة معصومة، لا توحي إليه إلا الحق.
فماذا عسى أن تكون تلك القوة إن لم تكن قوة ملك كريم؟! وهذه حجة لمن يؤمن بالغيب.
خلاصة الحجج الخارجية
[خلاصة الحجج الخارجية]
قصارى ما صنعناه أننا درسنا الطريق التي جاء منها القرآن؛ فما وجدنا في اعترافات صاحبه، ولا في حياته الخلقية، ولا في وسائله وصلاته العلمية، ولا في سائر الظروف العامة أو الخاصة التي ظهر فيها القرآن إلا شواهد ناطقة بأن هذا القرآن ليس له على ظهر الأرض مَنْ ننسبه إليه مِنْ دون الله.
وتلك كلها دراسات خارجية إنما يسلكها رجل وقف معنا على طرف صالح من هذه الحياة النبوية وملابساتها، وكان مع ذلك سليم الفطرة يتعرف الأشياء بمثالها ويهتدي إليها بأقرب أماراتها.
فمثل هذا سيرضى منا بهذا القدر ويهتدي به.
وأما الذين لا يعلمون عن تلك الحياة النبوية إلا قليلًا - وكثير ما هم - والذين يريدون أن يأخذوا حجة القرآن لنفسه من نفسه، فهؤلاء لا غنى لهم أن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)
نتقدم بهم خطوة أخرى نبين لهم فيها أن هذا الكتاب الكريم يأبى بطبيعته أن يكون من صنع البشر، وينادي بلسان حاله أنه رسالة القضاء والقدر، حتى إنه لو وجد ملقًى في صحراء لأيقن الناظر فيه أن ليس من هذه الأرض منبعه ومنبته، وإنما كان من أفق السماء مطلعه ومهبطه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)
القسم الثاني: الحجج الداخلية = البحث في القرآن نفسه (1)
ولب هذا القسم هو النظر في الإعجاز القرآني، وسنقسم هذه الحجة إلى عدة حجج، وهي:
الحجة الأولى: التحدي
[التحدي بالقرآن]
إن القرآن المجيد لم يستطع أحد من وقت نزوله إلى عصرنا أن يعارضه، وإن كبار علماء الأدب والبلاغة لم تزدهم معرفتهم بهذه العلوم إلا خضوعًا للقرآن الكريم، وإيمانًا بقدسيته، ومكانته.
وإن العرب - وهم أرباب الفصاحة والبيان - أعجزهم القرآن أن يأتوا بمثله، بل لم يستطع أحدهم أن يجاريه، ولا أن يطعن في عربيته.
وأي طعن يوجه للقرآن من جهة عربيته من طاعن متأخر عن أبي جهل، وأبي لهب وأضرابهم، فاعلم أنه باطل في ذاته؛ إذ لو كان صحيحًا لما غفل عنه هؤلاء الأعداء، وهم أبصر الناس باللغة، وأحرصهم على الطعن في القرآن.--------------------------------------------
(1) ينظر هذا القسم بأمثلته في كتاب: النبأ العظيم لزامًا، فإن هذا العرض ما هو إلا تجريد لما ذكره الشيخ رحمه الله، ولن تتصور هذا حق التصور إلا بمراجعة ما ذكره الشيخ بتمامه من الكتاب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
وقد تحداهم القرآن، وكرر عليهم التحدي في صور شتى:
فدعاهم أن يأتوا بمثله.
ثم أن يأتوا بعشر سور مثله.
ثم أن يأتوا بسورة واحدة مثله.
ثم أن يأتوا بسورة واحدة من مثله.
وأباح لهم - مع ذلك - أن يستعينوا بمن شاؤوا.
ومع ذلك كله؛ استيأسوا من قدراتهم، واستيقنوا عجزهم، فركبوا متن الحتوف، واستنطقوا السيوف بدل الحروف، ومضت القرون تلو القرون ولم يستطع أحد أن يقف أمام التحدي القائم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ولا يصح القول: إن العرب انصرفت هممهم عن معارضة القرآن، لأمور:
1 - لأنَّ الأسباب الباعثة على المعارضة كانت موفورة متضافرة، سيما مع استثارة حميتهم، والدعوة التي تكررت لهذه المعارضة، ولهي أهون عليهم مما قاموا به.
2 - أن العرب قعدوا حتى عن تجربة المعارضة، ولم يشرع منهم إلا أقلهم عددًا، وأسفههم رأيًا، إذًا: فلقد كانوا في غنى بهذا العلم الضروري عن طلب الدليل عليه بالمحاولات والتجارب.
لقد كان القرآن نفسه مثار عجبهم وإعجابهم، ولقد كانوا يخرون سجدًا لسماعه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)
الحجة الثانية: جديد لغة القرآن
[جديد لغة القرآن]
لم يخرج القرآن عن لغة العرب، ولا عن سَنَنِها في الكلام، ولكن الجديد في لغة القرآن: أنه في كل شأن يتناوله من شؤون القول يتخير له أشرف المواد، وأمسها رحمًا بالمعنى المراد، وأجمعها للشوارد، وأقبلها للامتزاج، ويضع كل مثقال ذرة في موضعها الذي هو أحق بها وهي أحق به، بحيث لا يجد المعنى في لفظه إلا مرآته الناصعة، وصورته الكاملة، ولا يجد اللفظ في معناه إلا وطنه الأمين، وقراره المكين. لا يومًا أو بعض يوم، بل على أن تذهب العصور وتجيء العصور، فلا المكان يريد بساكنه بدلًا، ولا الساكن يبغي عن منزله حِوَلًا .. وعلى الجملة يجيئك من هذا الأسلوب بما هو المثل الأعلى في صناعة البيان.
بل إن لغة القرآن لتختلف عن لغة مبلغ القرآن، وهو الرسول صلوات الله وسلامه عليه، نحن نرى الأسلوب القرآني فنراه ضربًا وحده، ونرى الأسلوب النبوي، فنراه ضربًا وحده لا يجري مع القرآن في ميدان إلا كما تجري محلقات الطير في جو السماء لا تستطيع إليها صعودًا، ثم نرى أساليب الناس فنراها على اختلافها ضربًا واحدًا لا تعلو عن سطح الأرض، فمنها ما يحبو حبوًا، ومنها ما يشتد عدوًا، ونسبة أقواها إلى القرآن كنسبة هذه (السيارات) الأرضية إلى تلك (السيارات) السماوية!
بل يمكن أن يستريب البليغ العالم في لفظة من الألفاظ النبوية، تشتبه عنده بألفاظ الصحابة والتابعين، لكنه لا يستريب البتة في الأسلوب القرآني، فإن له طابعًا لا يلتبس بغيره.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
الحجة الثالثة: النظام الصوتي، والجمال التركيبي
[النظام الصوتي، والجمال التركيبي]
* النظام الصوتي:
إن للقرآن خاصية في تأليفه الصوتي في شكله وجوهره، إنَّ أول شيء أحسته تلك الأذن العربية في نظم القرآن هو ذلك النظام الصوتي البديع الذي قسمت فيه الحركة والسكون تقسيمًا منوعًا يجدد نشاط السامع لسماعه، ووزعت في تضاعيفه حروف المد والغنة توزيعًا بالقسط الذي يساعد على ترجيع الصوت به وتهادي النفس به آنًا بعد آن، إلى أن يصل إلى الفاصلة الأخرى فيجد عندها راحته العظمى، وهذا النحو من التنظيم الصوتي إن كانت العرب قد عمدت إلى شيء منه في أشعارها فذهبت فيها إلى حد الإسراف في الاستهواء، ثم إلى حد الإملال في التكرير.
فإنها ما كانت تعهده قط ولا كان يتهيأ لها بتلك السهولة في منثور كلامها سواء منه المرسل والمسجوع؛ بل كان يقع لها في أجود نثرها عيوب تغض من سلاسة تركيبه، ولا يمكن معها إجادة ترتيله إلا بإدخال شيء عليه أو حذف شيء منه.
* الجمال التركيبي:
ترى في القرآن كلامًا ليس بالحضري الفاتر، ولا بالبدوي الخشن، بل تراه وقد امتزجت فيه جزالة البادية وفخامتها برقة الحاضرة وسلاستها، وقدر فيها الأمر تقديرًا لا يبغي بعضهما على بعض. فإذا مزيج منهما كأنما هو عصارة اللغتين وسلالتهما، أو كأنما هو نقطة الاتصال بين القبائل، عندها تلتقي أذواقهم، وعليها تأتلف قلوبهم.
ومن هذه الخصوصية والتي قبلها تتألف القشرة السطحية للجمال القرآني.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
الحجة الرابعة: الخصائص البيانية للقرآن الكريم
[الخصائص البيانية للقرآن الكريم]
إن الأسلوب القرآني (تلتقي عنده نهايات الفضيلة كلها على تباعد ما بين أطرافها).
وقد تعددت الخصائص البيانية في القرآن الكريم، ومنها:
1 - القصد في اللفظ، والوفاء بالمعنى.
فإنك تجد في القرآن بيانًا قد قدر على حاجة النفس أحسن تقدير، يؤدي من كل معنى صورة نقية وافية، وكتاب الله لو نزعت منه لفظة، ثم أدير لسان العرب على لفظة أحسن منها = لم توجد.
2 - الجمع بين خطاب العامة والخاصة.
فهو قرآن واحد يراه البلغاء أوفى كلام بلطائف التعبير، ويراه العامة أحسن كلام وأقربه إلى عقولهم لا يلتوي على أفهامهم، ولا يحتاجون فيه إلى ترجمان وراء وضع اللغة، فهو متعة العامة والخاصة على السواء، ميسر لكل من أراد.
3 - إقناع العقل، وإمتاع العاطفة.
في النفس الإنسانية قوتان: قوة تفكير، وقوة وجدان، وحاجة كل واحدة منهما غير حاجة أختها.
وفي القرآن وفاء هاتين الحاجتين على التمام، اقرأ مثلًا قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنبياء: 22] وانظر كيف اجتمع الاستدلال والتهويل والاستعظام في هذه الكلمات القليلة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
بل إنَّ الدليل نفسه جامع بين عمق المقدمات اليقينية، ووضوح المقدمات المسلمة، ودقة التصوير لما يعقب التنازع من (الفساد) الرهيب، فهو برهانيٌّ خَطَابيٌّ عاطفيٌّ معًا.
4 - الجمع بين البيان والإجمال.
وهذه عجيبة أخرى تجدها في القرآن ولا تجدها فيما سواه، تقرأ القطعة من القرآن فتجد في ألفاظها من الشفوف، والملاسة والإحكام والخلو من كل غريب عن الغرض ما يتسابق به مغزاها إلى نفسها دون كد خاطر ولا استعادة حديث، كأنك لا تسمع كلامًا ولغات، بل ترى صورًا وحقائق ماثلة، وهكذا يخيل إليك أنك قد أحطت به خُبرًا، ووقفت على معناه محدودًا؛ هذا ولو رجعت إليه كرة أخرى لرأيتك منه بإزاء معنى جديد غير الذي سبق إلى فهمك أول مرة.
5 - الوحدة الموضوعية.
لا يُستراب أن القرآن نزل مفرقًا حسب الوقائع والدواعي، وأن ترتيبه إنما وقع بوحي من الله، ولا شك أن القرآن أكثره يتناول شؤون القول، ويتنقل بين تلك الشؤون من وصف، إلى قصص، إلى تشريع، إلى جدل إلى ضروب شتى .. ومع ذلك، وكون هذا الانفصال الزماني، والاختلاف الذاتي يستتبعان تفكيك الكلام، وتقطيع أوصاله؛ إلا أنا نجد السورة من القرآن كالشيء الواحد لا انفصام بين قطعة وأخرى، ولا بين مفتتح وختام.
إنه لا يجرؤ في قرارة الغيب على وضع هذه الخطة المفصلة المصممة إلا أحد اثنين: جاهل جاهل في حضيض الجهل؛ أو عالم عالم فوق أطوار العقل، لا ثالث.
إنك لتقرأ السورة الطويلة المنجمة يحسبها الجاهل أضغاثًا من المعاني حشيت حشوًا، وأوزاعًا من المباني جمعت عفوًا؛ فإذا هي - لو تدبرت - بنية متماسكة قد بنيت من المقاصد الكلية على أسس وأصول، وأقيم على كل أصل منها شعب وفصول، وامتد من كل شعبة منها فروع تقصر أو تطول؛ فلا تزال
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
تنتقل بين أجزائها كما تنتقل بين حجرات وأفنية في بنيان واحد قد وضع رسمه مرة واحدة، لا تحس بشيء من تناكر الأوضاع في التقسيم والتنسيق، ولا بشيء من الانفصال في الخروج من طريق إلى طريق، بل ترى بين الأجناس المختلفة تمام الألفة، كما ترى بين آحاد الجنس الواحد نهاية التضامِّ والالتحاق.
كل ذلك بغير تكلفة ولا استعانة بأمر من خارج المعاني أنفسها، وإنما هو حسن السياقة ولطف التمهيد في مطلع كل غرض ومقطعه وأثنائه، يريك المنفصل متصلًا، والمختلف مؤتلفًا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
المقدمة الثالثة
موقفُ المسلمين من القرآن، وسلامةُ النص القرآني من التحريف
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
تمهيد
نعترف أننا لا نستطيع الوفاء بحق هذا المبحث في هذه المقدمة اليسيرة، لكننا سنحاول أن نضع الحجج الكافية لمن كان له قلب على سلامة النص القرآني مما حصل لغيره من الكتب(1).
[موقف الفرق الإسلامية من القرآن الكريم]
لقد اتفقت كلمة المسلمين جميعًا على أن القرآن كلام الله، وحجة من أعظم حججه على عباده، وأبلغها دلالة، وتقرَّر بينهم «أنه كلية الشريعة، وعمدة--------------------------------------------
(1) اعتمدنا في تدوين هذا المبحث بكامله على ثلاثة كتب رئيسة:
1 - الدليل النقلي، للدكتور أحمد قوشتي: (44 - 104)، ط. فكر.
2 - الصراع بين الأخباريين والأصوليين داخل المذهب الشيعي والإثني عشري، للدكتور أحمد قوشتي: (55 - 66)، ط. مركز تكوين.
3 - العقائدية، وتفسير النص القرآني، للدكتور ياسر المطرفي، ط. مركز نماء.
كما اعتمدنا على بعض مصادر الشيعة، وهي:
1 - محطات في تاريخ القرآن، مرتضى فرج، ط. دار الانتشار العربي، وهو كتاب مهم جدًا، لولا ما فيه من تشيع، وأحكام مسبقة، ومع ذلك فإن طالب العلم يستفيد منه فائدة كبيرة.
2 - نصوص في علوم القرآن، الأجزاء (3، 4، 9)، تأليف مجموعة من علماء الشيعة.
ويمكن الرجوع لمصادر أخرى، منها:
1 - دعاوى الطاعنين في القرآن الكريم، د. محسن المطيري، ط. دار البشائر الإسلامية.
2 - ثبوت القرآن بين أهل السنة والشيعة الإمامية، د. محمد الصياد، دار النور المبين.
3 - تاريخ القرآن عند الشيعة الاثني عشرية، عبد العزيز الضامر، ط. مركز تكوين.
4 - تنزيه القرآن الكريم عن دعاوى المبطلين، منقذ السقار، ط. مركز تكوين.
5 - موثوقية نقل القرآن، عبد الله رمضان موسى، ط. مكتبة التوعية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
الملة، وينبوعُ الحكمة، وآية الرسالة، ونور الأبصار والبصائر، وأنه لا طريق إلى الله سواه، ولا نجاة بغيره، ولا تمسك بشيء يخالفه»(1)، وهذا كله لا يحتاج إلى مزيد تقرير واستدلال؛ لأنَّه معلوم من الدين بالضرورة، وركيزة أساسية من ركائز العقيدة الإسلامية عند كل مقرٍّ بهذا الدين، ومُسلِّمٍ به.
كما أجمع المسلمون قديمًا وحديثًا على أن القرآن نُقِلَ إلينا بتمامه وكماله كلمةً كلمةً، وحرفًا حرفًا، سالمًا من النقصان أو التحريف، ومحفوظًا من عبث العابثين.
وقد حكى أبو محمد بن حزم (ت: 456)، وهو من المتثبتين في نقل الإجماع، ونسبته لأصحابه، الاتفاق على الأمرين السابقين من جميع الفرق المنتمية إلى الإسلام؛ كأهل السُّنَّة، والمعتزلة، والخوارج، والمرجئة، والزيدية، فكلهم يوجب «الأخذ بما في القرآن، وأنه هو المتلوُّ عندنا نفسه، وإنما خالف في ذلك قوم من غُلاة الروافض، هم كفار بذلك، مشركون عند جميع أهل الإسلام»(2).
فأمَّا اهتمام أهل السنة بالقرآن، وعنايتهم به، من زمان الصحابة رضوان الله عليهم = فمعلوم مشهور، صنفت فيه المصنفات، وقد اهتموا بالقرآن جمعًا، وإقراءً، وتفسيرًا، وعملًا(3).
يقول ابن الوزير (ت: 840): «فأمَّا كتابُ اللهِ تعالى، فإن نظرتَ في إعجازه، في بلاغته وأسلوبه، أو فيما اشتمل عليه من أخبار غيوبه، عرفت--------------------------------------------
(1) الموافقات: (3/ 200).
(2) الإحكام في أصول الأحكام: (1/ 91).
(3) انظر:
1 - المدخل إلى التعريف بالمصحف الشريف، د. حازم حيدر.
2 - العناية بالقرآن الكريم وعلومه من بداية القرن الرابع الهجري إلى عصرنا الحاضر، د. نبيل آل إسماعيل.
3 - دليل الكتب المطبوعة في الدراسات القرآنية، معهد الإمام الشاطبي.
4 - القرآن في حياة الصحب والآل، عمرو الشرقاوي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
بالضرورة العادية(1) عَجز جميعِ المخلوقين - من الجن والإنس أجمعين - عن الإتيان بمثله، أو سورةٍ من مثلِهِ. وما أوضحَ قولَه تعالى في ذلك: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 23].
وإن نظرتَ فيما اشتمل عليه، من المنع عن المفاسد، والأمر بالمصالح، والأخبار الصادقة، والأحكام العادلة، علمتَ بالبرهان - إن كنتَ مِنْ عارفيه -، وبالقرآن - إن كنت مِنْ متدبِّريه - صِدْقَ قولِ من أنزله سبحانه: {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (210) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (211) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ} [الشعراء: 210 - 212].
وقد جمع سبحانه في هذه الآية الشريفة - لمن تأمَّلها -: بينَ الوجوه الثلاثة المتقدمة، فأشار إلى الأول، وهو العجز عن مثله، بقوله: {وَمَا يَسْتَطِيعُونَ} [الشعراء: 211]، وإلى الثاني، وهو جهلُهُم بالغيب الذي فيه، بقوله: {إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ} [الشعراء: 212]، وإلى الثالث، وهو أنَّهُ لا يصدر منهم ما فيه الإرشاد إلى الخير، والمنع عن الشر، بقوله: {وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ} [الشعراء: 211]»(2).
وذكر أئمَّة أهل السنة أن أحق ما صُرفت إلى علمه العناية، وبلغت في معرفته الغاية، ما كان لله في العلم به رضا، وللعالم به إلى سبيل الرشاد هدى، وأنَّ أجمع ذلك لباغيه، كتاب الله الذي لا ريب فيه، وتنزيله الذي لا مرية فيه، الفائز بجزيل الذخر وسنى الأجر تاليه، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيلٌ من حكيم حميد(3).
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: 728) في أهمية الاهتمام بالقرآن، وفهم معانيه: «وأما في (باب فهم القرآن) فهو دائم التفكر في معانيه، والتدبر لألفاظه، واستغنائه بمعاني القرآن وحكمه عن غيره من كلام الناس، وإذا سمع--------------------------------------------
(1) لعل الأفصح: المعتادة.
(2) العواصم والقواصم: (1/ 203 - 204).
(3) جامع البيان، للطبري: (1/ 7).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
شيئا من كلام الناس وعلومهم عرضه على القرآن؛ فإن شهد له بالتزكية = قبله، وإلا رده، وإن لم يشهد له بقبول ولا رد = وقفه، وهمته عاكفة على مراد ربه من كلامه.
ولا يجعل همته فيما حجب به أكثر الناس من العلوم عن حقائق القرآن إما بالوسوسة في خروج حروفه وترقيقها وتفخيمها وإمالتها والنطق بالمد الطويل والقصير والمتوسط وغير ذلك = فإن هذا حائل للقلوب قاطع لها عن فهم مراد الرب من كلامه.
وكذلك مراعاة النغم وتحسين الصوت.
وكذلك تتبع وجوه الإعراب واستخراج التأويلات المستكرهة التي هي بالألغاز والأحاجي أشبه منها بالبيان.
وكذلك صرف الذهن إلى حكاية أقوال الناس ونتائج أفكارهم.
كذلك تأويل القرآن على قول من قلد دينه أو مذهبه فهو يتعسف بكل طريق حتى يجعل القرآن تبعًا لمذهبه، وتقوية لقول إمامه.
وكلٌّ محجوبون بما لديهم عن فهم مراد الله من كلامه في كثير من ذلك أو أكثره.
وكذلك يظن من لم يقدر القرآن حق قدره أنه غير كاف في معرفة التوحيد والأسماء والصفات وما يجب لله وينزه عنه؛ بل الكافي في ذلك عقول الحيارى والمتهوكين الذين كل منهم قد خالف صريح القرآن مخالفة ظاهرة، وهؤلاء أغلظ الناس حجابا عن فهم كتاب الله تعالى والله سبحانه وتعالى أعلم»(1)، وكلامهم في هذا يطول.
وكذلك، فإنَّ سائر الفرق الإسلامية على هذا الاعتقاد، لقد كان القرآن معظَّمًا كمرجعية عند عموم الطوائف المنتسبة للإسلام، فالقصاب (ت: 360) - والذي ينتسب لاتجاه أهل الحديث - يذكر مقصد تأليفه كتابه «نكت القرآن»،--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى: (16/ 50 - 51).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
فيقول: «هذا كتاب (نكت القرآن) الدالة على البيان في أنواع العلوم والأحكام والمبينة عن اختلاف الأنام في أصول الدين وشرائعه .. أودعتها - بعون الله تعالى - كتابي هذا عُدَّة على المخالفين، وحجة على المبتدعين؛ إذ هي بحمد الله شافية كافية»(1).
وكذلك الأمر عند الاتجاه الكلامي، فالمعتزلة - والتي تُعتبر أكثر المذاهب العقائدية اعتمادًا على العقل -، تؤكد هذه المرجعية، فيقول الخياط (ت: 300) فيما يحكيه عنهم: «من أخبار الله عند المعتزلة القرآن، وهو حجتهم على من خالفهم في توحيد، أو عدل، أو وعيد، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر»(2).
ويُقرِّرها القاضي عبد الجبار المعتزلي (ت: 415) بقوله: «فأمَّا ما يتضمنه القرآن من المعاني والدلالة، والأحكام الشرعية واستقامة جميع ذلك على النور والامتحان وزوال التناقض عند التفريع والاستنباط ووضوح القول في ذلك على الأوقات، حتى إنَّ أهل كل علم يلتجئون إليه في أصول علومهم، ويبنون عليه كتبهم؛ فإنَّ المتكلمين إنَّما بنوا الكلام في التوحيد على ما ذكره تعالى في كتابه، نحو قوله: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 190] .. وعلى قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ} [البقرة: 258] إلى غير ذلك؛ واعتمدوا في التوحيد والبعث، والنشور، والإعادة وفي حديث الأجسام وإثبات الأعراض ووجوب النظر والتفكير، على ما ذكره في كتابه ممَّا يطول ذكره .. »(3).
والأمر نفسه عند الاتجاه الشيعي، فالطوسي الإمامي (ت: 460) يذكر أنَّ أحد مقاصد تفسيره: ذكر الاستدلالات العقائدية التي فيها رد على المخالفين، فيقول: «الكلام على المتشابه والجواب عن مطاعن الملحدين، وأنواع المبطلين، كالمجبرة والمشبهة والمجسمة وغيرهم، وذكر ما يختص أصحابنا من الاستدلال بمواضع كثيرة منه على صحة مذهبهم في أصول الديانات وفروعها .. »(4).--------------------------------------------
(1) نكت القرآن، ابن القصاب: (1/ 77).
(2) الانتصار، ابن الخياط: (78).
(3) المغني، القاضي عبد الجبار: (16/ 325).
(4) تفسير البيان، الطوسي: (3/ 581).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)