Arabic source text

📘 আন-নাবাউল আজিম - ত আমরুশ শারকাউই (মুহাম্মদ বিন আব্দুল্লাহ দ্রাজ - মৃত্যু 1377 হিজরী)

📘 النبأ العظيم - ت عمرو الشرقاوي (محمد بن عبد الله دراز - ت 1377 هـ)

📘 আন-নাবাউল আজিম - ত আমরুশ শারকাউই (মুহাম্মদ বিন আব্দুল্লাহ দ্রাজ - মৃত্যু 1377 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
وقد حكى ابن الوزير (ت: 840) في (ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان)(1)، عن الشيعة والزيدية والمعتزلة والأشعرية احتواء القرآن الدلائل الكافية.
ونسبه الفخر الرازي (ت: 606) في (الأربعين)(2) إلى كل الطوائف ب [عدم القدرة] على الزيادة في تقرير دلائل الاعتقاد على ما ورد في القرآن.
وسأفصِّل في هذا المدخل موقف بعض الفرق الإسلامية من القرآن الكريم، لنؤكِّد على إجماع أهل الإسلام على تلك المرجعية، والتأكيد على عظمة هذا الكتاب، وأن تعظيمه هو الموقف العام لدى الفرق الإسلامية على اختلافها.
وهذا من الأدلة المهمة على عدم تحريف القرآن الكريم، وعدم طروء تحريف في نص القرآن الكريم، وقبول الكافة لهذا النص، وأنه لا يوجد إلا قرآن واحد لجميع الفرق الإسلامية على تنازعها، لمن أكبر الحجج على صحة النص المنزل الموجود معنا(3).
* * *

‌‌أولًا: موقف المعتزلة من حجية القرآن وقطعية ثبوته.
[موقف المعتزلة من حجية القرآن وقطعية ثبوته]
تتابعت أقوال أئمة الاعتزال في بيان حجية القرآن الكريم، وإثبات دلالته على المسائل العقدية، وإمكانية الاحتجاج به، والتعويل عليه، سواء بالتصريح، وإقامة الأدلة والبراهين على ذلك، أو بالرد والتفنيد لأباطيل مَنْ طعن في القرآن، أو أثار الشُّبَه والشكوك حوله.
وقد عدَّ المعتزلة القرآن أحد المصادر التي يستشهد بها على معرفة الحقائق، والوصول إليها، يقول واصل بن عطاء: «الحق يعرف من وجوه أربعة: كتاب ناطق، وخبر مجتمع عليه، وحجة عقل، وإجماع»(4)، وحكت عنه زوجته--------------------------------------------
(1) ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان: (15 - 16).
(2) الأربعين: (304).
(3) انظر في هذا المعنى: المدخل إلى القرآن الكريم، د. دراز: (42).
(4) فضل الاعتزال: (234).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)

«أنه كان إذا جنه الليل صف قدميه يصلي، ولوح ودواة موضوعان بجانبه، فإذا مرت آية فيها حجة على مخالف جلس فكتبها، ثم عاد في صلاته»(1).
وقد صنَّف المعتزلة في تفسير القرآن، وكتبوا في إعجازه.
وقد سخر الجاحظ (ت: 255) قلمه السيال وبيانه الرفيع في نصرة مذهب المعتزلة، والرد على مخالفيه، ومن ذلك احتجاجه للقرآن ودفاعه عنه، وقد بلغت جهوده في هذا الصدد درجة دعت الخياط إلى المبالغة في الثناء عليه ومدحه، جازمًا بأنه ليس في المتكلمين أحد نَصَرَ الرسالة واحتجَّ للنبوة مثلما فعل الجاحظ، ولا يُعرف كتاب في الاحتجاج لنَظْمِ القرآن وعجيب تأليفه غير كتابه الموسوم ب «نظم القرآن»، وقد ذُكر أنه أجهد فيه نفسه، وبلغ أقصى ما يمكن لمثله في الاحتجاج للقرآن والرد على كل طعان(2).
وتتميز أقوال الجاحظ (ت: 255) بخصيصة ينفرد بها عن سائر أصحابه المتكلمين، تتجلى في فصاحته الواضحة، وبلاغته العالية، ولغته الجزلة، التي ترطب كثيرًا من جفاف الأسلوب الكلامي وعباراته المغلقة.
ففي حديثه عن القرآن وحجيته، وعظيم منزلته ومكانته، يصفه بأنه «حجة على الملحد، وتبيان للموحد، وقائم بالحلال المنزل، والحرام المفصل، وفاصل بين الحق والباطل، وحاكم يرجع إليه العالم والجاهل، وإمام تُقام به الفروض والنوافل، وسراج لا يخبو ضياؤه، ومصباح لا يخزن ذكاؤه، وشهاب لا يطفأ نوره، ومعدن لا تنقطع كنوزه»(3)، ولا يخفى الفرق بين الأسلوب وبين النهج الكلامي ذي التقسيمات، والتفريعات المتشعبة، والمسالك العقلية الدقيقة التي يستعصي فهمها إلَّا على قلة من المتخصصين.
وإذا انتقلنا إلى الجامعين بين الاعتزال والتشيع بفرعيه الزيدي والاثني عشري، فسوف نجدهم لا يخرجون عن موقف المعتزلة العام في تقرير حجية--------------------------------------------
(1) المنية، والأمل: (43 - 44).
(2) الجاحظ، حياته وآثاره: (321 - 326).
(3) أمراء البيان: (2/ 348).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)

القرآن، ومكانته في الاستدلال، والمطالِع لرسائل العدل والتوحيد يلحظ بوضوح تيارًا يتميز بكثرة الاستشهاد بالنص القرآني سواء من ناحية كم الآيات وعددها، أو من ناحية كيفية الاستدلال بها.
ونصل إلى القاضي عبد الجبار (ت: 415) الذي انتهى إليه التراث الاعتزالي عبر مراحله المختلفة فأصَّلَهُ، وأقام منه بناء يتسم بالتناسق الفلسفي، وبلور أصول المذهب، واستفاض في شرحها، والدفاع عنها، وموقفه من حجية القرآن كموقف سائر أصحابه، وإن تميز بنوع من البسط والتفصيل أعانه عليه عصره المتأخر - نسبيًّا- واطلاعه على تراث متقدمي أصحابه، ثم شعوره بكثرة ما وُجِّه إلى الفكر الاعتزالي من تهم تصفه بقلة الاهتمام بالنصوص، وعدم إنزالها منزلة الصدارة في الاستدلال، ومن ثم جاءت كتاباته لنفي هذه التهمة وما شابهها.
وينص القاضي (ت: 415) في أكثر من موضع على أهمية الاستدلال بالقرآن في مسائل العقيدة وسائر العلوم، مبينًا أن «أهل كل علم يلتجئون إليه في أصول علمهم، ويبنون عليه كتبهم، فإن المتكلمين إنما بنوا الكلام في التوحيد على ما ذكره تعالى في كتابه»(1).
ويتفق المعتزلة مع سائر الأمة في القول بقطعية ثبوت النص القرآني جملةً وتفصيلًا، ووصوله إلينا كما أُنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم، سالمًا من أي تحريف بالزيادة أو النقصان، ومن إنصاف أبي الحسن الأشعري (ت: 324) وأمانته العلمية: أنَّه لم يبخس المعتزلة حقهم في هذه المسألة، ولم يحمله ما بينه وبينهم من خصومة ونزاع على أن ينسب إليهم ما لم يقولوه، لا سيما وأن الموضوع يمس جانبًا خطيرًا من جوانب العقيدة، فعندما عرض لحكاية مذهب الرافضة في القرآن، وذكر أن بعضهم زعم وقوع النقص أو الزيادة فيه، عقَّب على إثر ذلك بإيضاح مذهب من تأثر بالمعتزلة من الرافضة، وأنهم يخالفونهم، ويعتقدون أن القرآن «ما نُقص منه، ولا زيد فيه، وأنه على ما أنزل الله تعالى على نبيه لم--------------------------------------------
(1) المغني، للقاضي: (16/ 329 - 330).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)

يُغيَّر، ولم يُبدَّل، ولا زال عما كان عليه»(1).
وأقوال المعتزلة الخلَّص أكثر تفصيلًا، وأوضح دلالة، فالجاحظ يدلي بدلوه في هذه المسألة، ويقطع بصحة النص الذي اجتمع عليه المسلمون سلفًا وخلفًا، والمتمثل في مصحف عثمان رضي الله عنه؛ حيث اتفق على صحته أول الأمة وآخرها، وما كان هذا حاله فهو ظاهر الصواب، واضح البرهان(2).
ويؤكد الحاكم الجشمي (ت: 494) أن سلامة النص القرآني من النقص أو الزيادة أظهر من أن يُتصور الخلاف فيها، وقد صدَّر كتابه «التهذيب في التفسير» بخطبة منبئة عن مذهبه، فالله سبحانه وتعالى «أنزل القرآن، وصانه عن التحريف والزيادة والنقصان، ونسخ به سائر الأديان»(3).
وحذا الزمخشري (ت: 538) حذو سابقيه؛ فعقد مقارنة بين حفظ الله للقرآن، وبين الكتب السماوية السابقة، التي لحقها أنواع من التغيير والتبديل، وأرجع السبب في ذلك إلى تكفل الله سبحانه وتعالى بحفظ القرآن، فكان «حافظه في كل وقت، من كل زيادة ونقصان، وتحريف وتبديل، بخلاف الكتب المتقدمة، فإنه لم يتولَّ حفظها، وإنما استحفظها الربانيين والأحبار، فاختلفوا فيما بينهم بغيًا، فكان التحريف»(4).
ومن جملة اعتقاد المكلف في القرآن عند القاضي عبد الجبار (ت: 415) أنَّه محروس عن المطاعن لا زيادة فيه ولا نقصان، وهو يحكم بالكفر - في أسلوب جازم، وعبارة قاطعة - على مَنْ ينكر شيئًا منه، سواء أكان سورة أم آية، وينسب حكم التكفير إلى المسلمين جميعًا، «فالأمة مكفِّرة لمن يجحد السورة منه والآية، كما يُكفِّرون مَنْ يجحد تحريم الخمر، والزنا، ووجوب الصلوات الخمس، وصوم شهر رمضان؛ لأنهم يعلمون ذلك بالنقل على سبيل الاضطرار كما يعلمون غيره»(5).--------------------------------------------
(1) مقالات الإسلاميين: (1/ 120).
(2) رسائل الجاحظ: (122).
(3) التهذيب، الورقة الأولى، عن الحاكم الجشمي، عدنان زرزور: (65)، وقد حُقِّق الكتاب ونُشر.
(4) الكشاف: (2/ 572).
(5) شرح الأصول الخمسة: (601 - 607).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)

وتبدو أهمية هذا النص في تحديده موقف المعتزلة من ثبوت النص القرآني على سبيل القطع واليقين، كما يقدم حجة قوية أمام الاتهامات التي طالتهم، بما نخلص من خلاله إلى أنهم لا يخرجون عن آراء بقية الأمة، وليس بينهم وبين أهل السُّنَّة خلاف يُذكر في هذه المسألة.
* * *

‌‌ثانيًا: موقف الأشاعرة من حجية القرآن وقطعية ثبوته.
[موقف الأشاعرة من حجية القرآن وقطعية ثبوته]
لا يحتاج الموقف الأشعري إلى مزيد إطالة في عرضه، أو التدليل عليه، فنصوص أئمة المذهب كثيرة ومتنوعة في هذا الصدد، وصلتهم بالدراسات القرآنية على اختلاف أنواعها - وخصوصًا التفسير - صلة بارزة، وواضحة للعِيَان، بدءًا من مؤسس المذهب أبي الحسن الأشعري (ت: 324)، ومرورًا بالباقلاني (ت: 403)، وابن فورك (ت: 406)، إلى أن نصل إلى أساطين المذهب من المتأخرين.
وكثير من أئمة التفسير من المتأخرين على مذهب الأشاعرة في العقيدة، ومصنَّفاتهم محررة جامعة، ومختصرة نافعة.
ويحكي الأشعري (ت: 324) إجماع سلف الأمة على التصديق بالقرآن، والإقرار بكل ما ورد فيه جملة وتفصيلًا، فقد «أجمعوا على التصديق بجميع ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتاب الله … والإقرار بنص مشكله ومتشابهه، وردِّ كل ما لم يحط به علمًا بتفسيره إلى الله مع الإيمان بنصه»(1)، والقول الأمثل والمنهج المختار عنده هو التمسك بكتاب الله وسُنَّة رسوله، وأقوال الصحابة والتابعين، وكتطبيق عملي لهذا المسلك النظري أورد الأشعري في كتابه «الإبانة» - مع صغر حجمه - ما لا يقل عن مائتين وخمسين آية، بحيث لا تكاد صفحة تخلو من ذكر آية أو أكثر، على عكس ما نراه في كتب المتكلمين من المتأخرين، والتي ربما مرت عشرات الصفحات ولا يُذكر فيها نص واحد، بل تقتصر على إيراد الحجج العقلية، وذكر الشبه، والرد عليها.--------------------------------------------
(1) رسالة إلى أهل الثغر: (98)، وأصول الدين، لعبد القاهر: (287).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)

ويعد الباقلاني (ت: 403) - المنظر الثاني للمذهب - أبرز مَنْ اهتم بهذه القضية من الأشاعرة؛ حيث أولاها عناية خاصة، وركز عليها، علمًا منه بأن دين الإسلام قائم في أساسه على القرآن الكريم، وأن أية محاولة للتشكيك في صحة هذا الكتاب والطعن فيه ليست إلَّا سلمًا للقضاء على الدين، وهدم ثوابته الرئيسية.
وقد خصها بكتابين مفردين، «إعجاز القرآن»، لإثبات أن القرآن كلام الله، موحًى به من عنده، وأنه حجة من أعظم الحجج، فيه الحكمة، وفصل الخطاب، مجلوة عليك في منظر بهيج، ونظم أنيق، ومعرض رشيق، غير معتاص على الأسماع، ولا متلو على الأفهام، ممتلئ ماء ونضارة، ولطفًا وغضارة، يسري في القلب كما يسري السرور، ويمر إلى مواقعه كما يمر السهم، ويضيء كما يضيء الفجر، ويزخر كما يزخر البحر، وكتابه هذا من الكتب الرائدة في باب إعجاز القرآن، وحظي بإعجاب الكثيرين، ودارت حوله دراسات عدة، ووُصِف بأنه باب في الإعجاز على حدة.
أما الكتاب الثاني، فقد أفرده لإثبات صحة نقل القرآن وقطعية ثبوته، وعنوانه يدل على مضمونه لأول وهلة؛ حيث أسماه «الانتصار لنقل القرآن» وعقد فيه فصولًا مطولة لإثبات صحة المصحف العثماني، والرد على شُبَه الرافضة التي أثاروها حوله، واتهاماتهم للصحابة بالنقص والزيادة فيه، كما تعرض لما دار من خلاف حول الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، والقراءات التي قُرئ بها، وغير ذلك من الموضوعات المختلفة المتعلقة بنقل القرآن، وكيفية جمعه، وطريقة أدائه، منتهيًا إلى أن «جميع القرآن الذي أنزله الله تعالى، وأمر بإثباته، ولم ينسخه، ولا رفع تلاوته، هو هذا الذي بين اللوحين، الذي حواه مصحف عثمان رضي الله عنه، ولم ينقص منه شيء، ولا زيد فيه شيء، نقله الخلف عن السلف»(1)، وقد نقل عنه ابن تيمية (ت: 728)، والزركشي (ت: 794)، والسيوطي (ت: 911)، وغيرهم.--------------------------------------------
(1) نكت الانتصار للقرآن: (65، 120، 239، 315).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)

ولأئمة الأشاعرة نصوص كثيرة في إثبات قطعية النص القرآني، وتكفير مَنْ يُنكر شيئًا منها، ومن ذلك قول الحليمي (ت: 403): «مَنْ أجاز أن يتمكن أحد من زيادة شيء في القرآن، أو نقصانه منه، أو تحريفه، أو تبديله؛ فقد كذَّب الله في خبره، وأجاز الوقوع فيه، وذلك كفر»(1).
* * *
وسائر الفرق الإسلامية على هذا الرأي، فقد عُرف عن الخوارج تعظيمهم البالغ لكتاب الله، ومواظبتهم على قراءته، والتعبد به، وصحيح أنه شابَ هذا التعظيم غلو وسوء فهم أدى بهم إلى ما وصلوا إليه من ابتداع وضلال، لكنه لا يؤثر على تعظيمهم للقرآن، واعتقادهم عدم تحريفه، وقد أشار ابن تيميَّة (ت: 728) إلى أن الخوارج يُعَظِّمون القرآن، ويُوجِبُون اتِّبَاعه(2).
* * *

‌‌ثالثًا: موقف الرافضة من القرآن الكريم.
[موقف الرافضة من القرآن الكريم]
قبل البدء في بيان هذه المسألة، يحسن بنا أن نعرف أن الاتجاه الشيعي الإمامي ينقسم من حيث المنهج إلى اتجاهين: الاتجاه الأخباري، والاتجاه الأصولي:
فالأخبارية هم: من يعتمد في استنباط الأحكام على الأخبار فقط، كما يعرفهم بذلك شيخ الأخباريين المتأخرين الإسترآبادي(3).
أي: إنَّه اتجاه يعتمد على النقل فقط، ولا يرى للعقل مكانًا واعتبارًا.
والأصوليون هم: «الذين يلجؤون في مقام استنباط الأحكام إلى الأدلة--------------------------------------------
(1) المنهاج في شعب الإيمان: (1/ 320).
(2) التسعينية، ضمن الفتاوى الكبرى: (5/ 152).
(3) انظر: الفوائد المدنية، الإسترابادي: (47، 48، 91)، ونظرية السنة في الفكر الإمامي، حيدر حب الله: (216)، ومصادر التلقي والاستدلال العقدية عند الإمامية الاثني عشرية، إيمان العلواني: (1/ 44).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)

الأربعة من الكتاب، والسنة، والإجماع، ودليل العقل»(1).

‌‌[الاتجاهين الإخباري، والأصولي]
وقد ظهر التمايز بين هذين الاتجاهين مع بداية دخول علم الكلام على المذهب الشيعي على يد المفيد والطوسي في القرن الرابع، ومن بعدهما الشريف المرتضى والرضي، ومن أقدم النصوص التي تدل على وجود هذا الانقسام، ما قاله المفيد مناقشًا شيخه الصدوق: «الذي ذكره الشيخ أبو جعفر رحمه الله في هذا الباب لا يتحصل، ومعانيه تختلف وتتناقض، والسبب في ذلك أنَّه عمل على ظواهر الأحاديث المختلفة، ولم يكن ممَّن يرى النظر، فيميز بين الحق منها والباطل، ويعمل على ما يوجب الحجة، ومَن عوَّل في مذهبه على الأقاويل المختلفة وتقليد الرواة كانت حاله في الضعف ما وصفناه»(2).
وله كتاب سماه: «مقابس الأنوار في الرد على أهل الأخبار»(3)، وهي تسمية صريحة تدل على وجود هذا التيار فيهم من زمن متقدم. ومن أجل ذلك عُرف هذا التيار الأخباري ب (أصحاب الحديث)، والذين منهم الصدوق الذي يصفه تلميذه المفيد - كما سبق - بأنَّه: «على مذهب أصحاب الحديث في العمل بظواهر الألفاظ، والعدول عن طريق الاعتبار»(4).
ويقول المرتضى ناقدًا أصحاب الاتجاه الأخباري: «ودعنا من مصنفات أصحاب الحديث من أصحابنا، فما في أولئك محتج، ولا من يعرف الحجة، ولا كتبهم موضوعة للاحتجاجات»(5).
ومن أصرح النصوص في ذكر هذا التقسيم وأقدمها، نص ابن المطهر الحلي (ت: 726)، حيث يقول: «أمَّا الإمامية؛ فالأخباريون منهم مع أن كثرة--------------------------------------------
(1) انظر: الأصوليون والأخباريون فرقة واحدة، لفرج العمران: (18)، ومصادر التلقي والاستدلال العقدية عند الإمامية الاثني عشرية، العلواني: (1/ 41).
(2) تصحيح اعتقادات الإمامية، المفيد: (49).
(3) رجال النجاشي، النجاشي: (401).
(4) تصحيح اعتقادات الإمامية، المفيد: (138).
(5) رسائل المرتضى: (1/ 26، 27).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)

الشيعة في قديم الزمان ما كانت إلَّا منهم لم يقولوا في أصول الدين إلَّا على أخبار الآحاد المروية عن الأئمة عليهم السلام، والأصوليون منهم كأبي جعفر الطوسي رحمه الله وغيره وافقوا على قبول خبر الواحد، ولم ينكره سوى المرتضى وأتباعه»(1).
وقد ذكر بعض أهل المقالات هذا التقسيم في المذهب الشيعي: كالشهرستاني (ت: 548)، وكلامه يُعتبر من أقدم النصوص في كتب المقالات التي تذكر أنَّ الأخبارية فرقة قائمة ضمن الكيان الإمامي، يقول عنهم: «وكانوا في الأول على مذهب أئمتهم في الأصول، ثم لمَّا اختلفت الروايات عن أئمتهم، وتمادى الزمان اختارت كل فرقة منهم طريقة فصارت الإمامية بعضها معتزلة إمَّا وعيدية، وإما تفضيلية وبعضها أخبارية، إما مشبهة، وإما سلفية، ومن ضل الطريق وتاه لم يبالِ الله به في أي وادٍ هلك»(2).
وذكرها كذلك الإيجي (ت: 756)(3) وغيره.
وهذه النصوص تدلُّ على تقدُّم وجود هذه الظاهرة بخلاف من يرى أنَّ وجودها كان متأخرًا على يد الإسترآبادي، (ت: 1036).
وبعد معرفة انقسام الشيعة الاثني عشرية إلى هذين الاتجاهين، فلك أن تعلم أن الشيعة انقسموا حول قضية وقوع التحريف في القرآن إلى اتجاهين أيضًا(4):
الاتجاه الأول: قول جل الأخباريين وعدد من علماء الأصوليين، وهم يرون وقوع التحريف في القرآن الكريم - عياذًا بالله - سواء أكان تحريفًا بالزيادة أو النقصان.
الاتجاه الثاني: قول جماهير الأصوليين، وهم يرون نفي وقوع التحريف، وسلامة القرآن من أي نوع من أنواع الزيادة أو النقصان.--------------------------------------------
(1) نهاية الوصول، الحلي: (296).
(2) الملل والنحل، الشهرستاني: (1/ 165).
(3) المواقف، الإيجي: (3/ 691).
(4) انظر أقوالهم في: أصول مذهب الشيعة، للقفاري: (1/ 200)، وما بعدها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)

وقد حاول بعض علماء الشيعة نفي هذا الاتهام، ونقل الإجماع على سلامة النص القرآني من وقوع التحريف بالزيادة أو النقص، غير أن هذا ما لا يمكن أن يكون، لا سيما مع وجود الكتب التي تصرح بوجود التحريف.

‌‌[ردود بعض علماء الشيعة على مسألة التحريف]
ولكن هذا يثبت شناعة هذا القول مما دفع علماء الشيعة أنفسهم إلى إنكار هذا الأمر، والتشنيع على قائله، وقد قال الشريف المرتضى(1): «إن العلم بصحة نقل القرآن كالعلم بالبلدان والحوادث الكبار والوقائع العظام والكتب المشهورة وأشعار العرب المسطورة، فإن العناية اشتدت والدواعي توفرت على نقله وحراسته، وبلغت إلى حد لم يبلغه فيما ذكرناه، لأن القرآن معجزة النبوة، ومأخذ العلوم الشرعية، والأحكام الدينية، وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية حتى عرفوا كل شيء اختلف فيه من إعرابه وقراءته وحروفه وآياته، فكيف يجوز أن يكون مغيرًا ومنقوصًا مع العناية الصادقة والضبط الشديد».
ثم ذكر أنه لو رام أحد الزيادة أو النقص من كتاب مشهور ككتاب سيبوبه والمزني لعرف ونقل، لأنَّ أهل العناية بهذا الشأن «يعلمون من تفصيلهما ما يعلمونه من جملتهما حتى لو أن مدخلًا أدخل في كتاب سيبويه بابًا في النحو ليس من الكتاب لعرف وميز، وعلم أنه ملحق، وليس من أصل الكتاب، وكذلك القول في كتاب المزني.
ومعلوم أن العناية بالقرآن وضبطه أصدق من العناية بنقل كتاب سيبويه ودواوين الشعراء».
وقد قام سائر علماء المسلمين بالرد عليهم، وتكاد كلمة المعتزلة والأشاعرة تتفق على وسمهم بتلك التهمة.
وقد أَلَّف يحيى بن الحسين، الزيدي المعتزلي، كتابًا اسمه: «الرد على من زعم أن القرآن قد ذهب بعضه»، ويظهر من عنوانه أنه في الردِّ على الشيعة الإمامية، كما يعطي إشارة إلى تبرئة الزيدية من تلك التهمة، كذلك شنَّ الخياط حملة شديدة على الروافض في كتابه «الانتصار»، واختصهم بالنصيب الأوفر من--------------------------------------------
(1) نقلًا عن أصول مذهب الشيعة: (1/ 293).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)

هجومه، وكرر في أكثر من موضع أنهم يزعمون أن: «القرآن بدِّل وغُيِّر، وزيد فيه ونقص منه، وحرِّف عن مواضعه»(1).
وفي عهد القاضي عبد الجبار (ت: 415) وصلت صلة التمازج، والتقارب السياسي والفكري، بفعل تراكم المؤثرات المتبادلة بين الاعتزال والتشيع بفرعيه: الزيدي، والاثنى عشري، إلى أقصى تطور لها؛ لكن هذا التواصل لم يحل بين القاضي وبين نقد الموقف الشيعي من القرآن.
وحينما عدَّد مخالفي المعتزلة في القرآن، جعل من بينهم الإمامية الروافض، الذين جوَّزوا وقوع الزيادة والنقصان، وزعموا أنه كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أضعاف ما هو موجود بيننا، وقد ألزمهم القاضي متابعةً للجاحظ بصحة المصحف العثماني استنادًا إلى إقرار علي رضي الله عنه به، وعدم إنكاره عليه(2)، كما وافق شيخه أبا علي الجبائي في استبعاد أن يكون قائل تلك المقالة مسلمًا؛ لأن الخطأ في الاجتهاد لا يصل بحال إلى هذه الهوة السحيقة من الطعن في القرآن، ونسبة التحريف إليه، فلا بد أن يكون مبتكرها ممن أكل الحقد على الإسلام قلبه فأنشأ هذا المذهب للطعن فيه تحت شعار التشيع، وحب أهل البيت(3).
وأئمة الأشاعرة بدورهم ينسبون القول بالتحريف إلى الرافضة، وإن اختلفوا في انطباق ذلك على المذهب كافة، أو على بعض أفراده فحسب(4).
وسنحاول فيما بقي من هذه المقدمة، تلخيص أوجه التسليم بعدم تحريف النص القرآني، ومبررات الإيمان بسلامته.--------------------------------------------
(1) الانتصار: (47، 48، 58، 114)، وغيرها.
(2) تثبيت دلائل النبوة: (1/ 45، 64، 121).
(3) المغني: (16/ 162)، وانظر: (16/ 162) (16/ 153) (20/ 38) وشرح الأصول الخمسة: (601، 602)، وتثبيت دلائل النبوة: (1/ 45، 46، 131).
(4) مقالات الإسلاميين: (1/ 119)، ونكت الانتصار: (426).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)

‌‌مبرِّرات الإيمان بسلامة النص القرآني
لقد اتفقت كلمة المسلمين جميعًا على أن القرآن كلام الله، وحجة من أعظم حججه على عباده، وأبلغها دلالة، ومن أكبر الحجج على صحة النص القرآني الموجود بين أيدينا(1):

‌‌الحجة الأولى: العناية بالقرآن في عهد النَّبي صلى الله عليه وسلم، وعهد الصحابة.
تمثلت العناية القصوى بالقرآن في عهد النَّبي صلى الله عليه وسلم في حفظ القرآن في قلوب الراسخين في العلم من أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم، وتدوينهم له، وتلاوتهم له آناء الليل وأطراف النهار.
ولما دعت الحاجة - وهي كثرة قتل القراء في موقعة اليمَامَة - كان الجمع الأول للقرآن في عهد أبي بكر رضي الله عنه.
وبعد جمع أبي بكر، بات القرآن الكريم محفوظًا في مصحف أبي بكر بين دفتين، وعدة صحف ومصاحف خاصَّة تجمع سوره وآياته كلها أو بعضها.
فأمَّا مصحف أبي بكر فقد انتقل من أبي بكر لعمر بن الخطاب، ومنه إلى بيت حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها.--------------------------------------------
(1) تفصيل هذه الحجج وبراهينها ومصادرها في شرح: «مواقع العلوم في مواقع النجوم»، للإمام البلقيني، بشرح المعتني بالكتاب، فانظره هناك.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)

ثم دعت الحاجة إلى جعل هذا المكتوب في مصاحف على صورة تسد باب اختلاف الذين لا يعلمون، فتمَّ جمعه والعناية الفائقة به في عهد عثمان رضي الله عنه.
وبعد ذلك حصلت عمليات تطوير خط المصحف الشريف، وظلت هذه المحاولات، وهذه الحياطة إلى زمان الطِّباعة، وانتِشَار المصاحف عبر الأقطَار الإسلامية، وانتقالها إلى المسلمين جيلًا بعد جيل.
وليس في القرآن بحمد الله خطأ استطاع أن يثبته أحدٌ كائنًا من كان من وقت تدوينه إلى زمان الناس، وما أُثير من شبهات حول الرسم، أو ما ادُّعي أنه مخالف للعربية، تصدى له علماء الإسلام بالبيان، والتمحيص، ومصنفاتهم حاضرة قريبة من طالبِ الحق والهدى.

‌‌الحجة الثانية: تَلَقِّي القرآن بالمشافهة.
لقد كان القرآن محفوظًا في الصدور كما هو مكتوب في الصحف، وكان الناس ولا يزالون يتلقون هذا القرآن عن أشياخهم، إلى أن يتصل السند بكبار أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء الصحابة أخذوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهذه الحجة مما يعرف تفصيلها من كتب تاريخ القراءات، وبيان جهود العلماء المبذولة في ضبط الأوجه القرآنية التي يقرأ بها القرآن.
فمن الذي يتصور وقوع التحريف في سورة الحمد (الفاتحة)؟ وهي السورة التي تقرأ في محاريب المسلمين كل يوم عدة مرات، وكذلك سائر القرآن كان يُقرأ في محاريب المسلمين مرة بعد مرة، أيتفق كل هؤلاء على التحريف، ولا نجد إنكارًا عليهم، سبحانك هذا بهتان عظيم!

‌‌الحجة الثالثة: عدم وجود فجوة تاريخية في مسار القرآن.
وهذا بخلاف التوراة التي انقطع سندها بعد موسى عليه السلام بستة قرونٍ على الأقل، وتعددت نسخها، واختلفت فيما بينها، وبخلاف الإنجيل الذي ظل يُتناقل شفهيًّا، وتعرض لكثير من التَّحريف حتى دوِّن متأخرًا بعد أن ناله ما ناله من التَّحريف.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)

لقد وصل القرآن إلينا، بلغته الأصلية التي كان عليها، فلم يتعرض لما قد تتعرض له الترجمة، من اختلاف، وكونها عرضة للاشتباه في الفهم، ونحو ذلك.
وقد نقل إلينا بالمشافهة، وتداوله عددٌ كبير من الناس، ودون في زمان النَّبي صلى الله عليه وسلم، وجمع بعده في دفتين بعد مدة وجيزة جدًّا، كما سلف، وإنَّ المطلع على المخطوطات الموجودة للمصحف الشريف، والتي هي عتيقة، وترجِع إلى العصور الأولى من نزول القرآن، يعلم كيف أن الله تعالى قد أحاط القرآن بعناية خاصَّة، لئلا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لأنه تنزيل من حكيمٍ حميد.
ومع كل العواصف التي عصفت بأمة الإسلام إلا أنَّ أحدًا منهم لم تمتد يده للقرآن ليحرفه، بل ولم يستطع، وأنَّى له ذلك، بل إنهم على اختلافهم وتناحرهم كانوا معظمين للقرآن معتنين بشأنه، كما يعرف من تاريخ كتابة المصحف والعناية به.
وبعد؛ فإنَّ أعظم دليل على عدم تحريف القرآن، هو القرآن ذاته، فقد احتفظ القرآن بكل خصائصه التي كان عليها زمان النبوة، لقد ظل مُؤثرًا في الأمة، ومعجزًا على مر الدهور، لا يزال الناس يأخذون منه، وَيَرِدُونَه فلا تنفد عجائبه، ولا يَخْلَقُ على كثرة الرد.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)

‌‌من أوجه عناية الأمة بالقرآن الكريم
احتفل المسلمون بكتاب الله سبحانه وتعالى احتفالًا لا يدانيه احتفال، واعتنوا به اعتناءً عظيمًا، كان وما يزال محل فخر واعتزاز على الأمم كلها(1).
1 - فجانب التفسير والعناية به كان مثالًا مشرقًا في هذه الأمة.
وتراجم الذين اعتنوا ببيان كتاب الله سبحانه وتعالى وشرحه - التي اطلعنا عليها والتي بين أيدينا - تزيد على أكثر من ألفي عَلَم اعتنوا بخدمة القرآن الكريم من حيث بيان معانيه وأحكامه، وإلا فأعداد من لم نقف على تراجمهم من المفسرين أعلى من ذلك بكثير، ونتاج الأمة في هذا المجال لاحِب وعظيم.
ومن المصنفات في علم التفسير ما هو مفقود لا نعلم عنه شيئًا، وإنما سمعنا عنه وقرأنا عنه في بطون الكتب، وهناك كتب لم تزل مخطوطة ولم تخرج إلى عالم الطباعة، وهناك كتب قد طبعت.
هذه الأقسام الثلاثة تكوِّن ما يزيد على أكثر من اثني عشر ألف مصنف، وهو رقم تقريبي، وكان لمجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة محاولة يسيرة في إحصاء ما كتب حول كتاب الله سبحانه وتعالى شرحًا وتفسيرًا من صدر الإسلام إلى عام (1424 هـ)، فخرج هذا الجهد بإحصائية زادت على سبعة آلاف كتاب تناولت بيانَ كلام الله سبحانه وتعالى باللغة العربية فقط(2)، فما بالك باللغات--------------------------------------------
(1) انظر: مدخل إلى التعريف بالمصحف الشريف، د. حازم حيدر: (31 - 39)، بتصرف.
(2) وخرج هذا العمل بكتاب مطبوع في ثلاث مجلدات بعنوان: «فِهرست مصنفات تفسير القرآن الكريم».

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)

الأخرى؟ لغاتِ الشعوب الإسلامية، أو اللغات العالمية الأخرى، ممن تعاطى إيضاح معاني كلام الله أو شرحه.
ومن أهمِّ اتجاهات التفسير العنايةُ بنقل آثار الصحابة والسلف في بيان كلام الله سبحانه وتعالى، والتفاسير التي تجمع أقوال الصحابة والتابعين ومَن بعدهم من السلف، ممن تصدى لبيان كلام الله كما يقول الحافظ ابن حجر (ت: 852) أربعة:
التفسير الأول: تفسير عَبْد بن حُمَيد الكَشِّي (ت: 249)، وطبعت منه قطعة.
التفسير الثاني: تفسير «جامع البيان» لابن جرير الطبري (ت: 310)، وهو مطبوع متداول.
التفسير الثالث: تفسير القرآن لمحمد بن إبراهيم بن المنذر النَّيسابوري (ت: 318)، وطبعت منه قطعة.
التفسير الرابع: تفسير ابن أبي حاتم الرازي (ت: 327)، وهو مطبوع.
يقول الحافظ ابن حجر (ت: 852): «فهذه التفاسير الأربعة قلَّ أن يَشِذَّ عنها شيء من التفسير المرفوعِ، والموقوفِ على الصحابة، والمقطوعِ عن التابعين»(1).
فلذلك مَنْ جاء بعدهم من العلماء؛ كالسيوطي (ت: 911)، والشيخ الأمير محمد بن إسماعيل الصنعاني (ت: 1182)، وغيرهم ممن اعتنوا بالناحية الأثرية في التفسير، لا يكادون يخرجون عن هذه التفاسير الأربعة، فمادة تصنيفهم وعلومهم التي سردوها في تفاسيرهم التي ألفوها - كالدر المنثور، ومفاتيح الرضوان - لا تخرج في جملتها عن هذه التفاسير الأربعة.
2 - ومن العلماء من اهتم ببيان أحكام القرآن فاعتنى بشرح هذه الأحكام وتبيينها، سواء وَفق ترتيب القرآن الكريم، وتسلسله، من سورة الفاتحة والبقرة وما تلاهما من سور، أو اعتنى ببيان هذه الأحكام بطريقة موضوعية؛ كالإمام--------------------------------------------
(1) العجاب في بيان الأسباب، للحافظ ابن حجر العسقلاني: (1/ 203)، ونقله عن السيوطي في آخر تفسيره ((الدر المنثور)) (15/ 820).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)

أبي جعفر أحمد بن محمد الطَّحاوي (ت: 321) الذي انبرى لتفسير أحكام القرآن الكريم وَفْق المنهج الموضوعي في التفسير، على غرار مصنفات كتب الفقهاء؛ إذ تناول الآيات التي تتكلم على الطهارة في موضع، والآيات التي تتكلم على الصلاة في موضع، والآيات التي تتكلم على الزكاة في موضع، ثم شرحها وفسرها، بخلاف جمهرة من اعتنى بتفسير آيات الأحكام، إذ كانوا يفسِّرون الآيات وَفق ترتيب سور القرآن الكريم، فيتناولون ما في سورة البقرة من آيات الأحكام، ثم ما في سورة النساء من آيات الأحكام، وغيرهما من السور، التي فيها أحكام فقهية بارزة.
3 - وهناك تفاسير في تاريخ علم التفسير فيها شيء من اللَّطافة، يَجدُر أن نقف عندها ولو وقفةً يسيرة، من هذه التفاسير:
* تفسير القرآن الكريم لأحد أمراء سِجستان، يسمَّى: خَلَف بن أحمد السَّجِسْتاني، وفاته سنة (399)، هذا الأمير ألَّف تفسيرًا كبيرًا بمشاركة أهل العلم من بلده، وكان يأتي بهم وينفق عليهم، وينقلون أقوال أهل العلم في هذا التفسير من الفقهاء والقرَّاء والنحويين وأهل اللغة وأهل البيان والمعاني، ويسطرونها بإشرافه ومعونته، حتى أكمل هذا التفسير، ويقال: إنه كان يقارب مائة وعشرين مجلدًا(1).
* (أنوار الفجر المنير)، وهو تفسير كبير جدًّا لابن العربي المالكي (ت: 543) رحمه الله غير كتابه: (أحكام القرآن) الموجود بين الأيدي، وغير كتابه الآخر المسمى: (قانون التأويل) المطبوع الذي يُمثِّل رحلة علمية له مع سرد شيء من علوم القرآن الكريم، ويقال: إن هذا التفسير يقع في ثمانين مجلدًا، ويقول الذهبي (ت: 748): «أتى فيه بكل بديع»(2)، يعني أتى في هذا التفسير بكل رائق ومستحسن.--------------------------------------------
(1) انظر: سير أعلام النبلاء: (17/ 116)، والأعلام، للزركلي: (2/ 309).
(2) سير أعلام النبلاء: (20/ 199)، وانظر: طبقات المفسرين، للداوودي: (2/ 165).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)

* ومن التفاسير اللطيفة كتاب لأحد العلماء في القرن الثامن معروف بابن النَّقَّاش الدُّكَّالي (ت: 763)، يقول الحافظ ابن حجر (ت: 852): «التزم فيه ألا ينقل حرفًا عن كتابٍ من تفسير أحدٍ ممن تقدم»(1)، وهو اشتراط فيه شيء من الغرابة والندرة.
* ويشابه هذا الكتاب حاشيةٌ من حواشي تفسير البيضاوي، وتفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) من أشهر التفاسير وأكثرها سيرورةً في القرن الماضي، وكان لأهل العِلْم أيام الخلافة العثمانية اعتناءٌ عظيم بهذا التفسير، بل قيل: إن من الشروط المهمة لمن أراد أن يتولى منصب مشيخة الإسلام في الدولة العثمانية أن يكون مُلِمًّا ومُطَّلعًا وعارفًا بدقائق تفسير البيضاوي.
فهذا التفسير أقيمت عليه شروح وحواشٍ وتعليقات وتعقيبات تربوا على الثلاثة آلاف حاشية، ومن حواشيه حاشيةٌ لأحد العلماء الدمشقيين، هو: محمد أمين بن عابدين (ت: 1252)، صاحب حاشية (رد المحتار على الدر المختار) في الفقه الحنفي، الذي التزم في حاشيته على البيضاوي: أن لا يذكر شيئًا ذكره المفسرون(2)، مثلما اشترط ابن النقاش الدكالي (ت: 763).
* ومن اللطائف أيضًا في هذا الجانب، وهذه النماذج أذكرها لبيان هذه العنايات، وتنوع هذه الجهود في خدمة هذا الكتاب العظيم، تفسيران أيضًا من تفاسير القرآن الكريم كلاهما فسَّر القرآن الكريم بالحروف المهملة؛ بمعنى: أنه ليس فيهما مثلًا حرف (ج)، ولا حرف (خ)، ولا حرف (غ)؛ أي: ليس فيهما حرف منقوط يذكر في أثناء التفسير، إنما فيهما حروف مهملة، مثل حرف الحاء، والعين، والصاد، ونحوها.
وهو أمر فيه غرابة، فأول هذين التفسيرين (سواطع الإلهام) لفيض الله بن مبارك الأكبرابادي، (ت: 1004)، وتفسيره مطبوع، وإن كان الرجل فيه انحرافًا عقديًّا، لكنه نحا في تفسيره هذا المسلك.--------------------------------------------
(1) الدرر الكامنة: (5/ 236).
(2) انظر: حلية البشر، للبيطار: (3/ 1230)، ومعجم المفسرين: (2/ 496).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)

والتفسير الثاني: لعالم من علماء دمشق المتأخرين وهو: ابن حمزة الدمشقي: محمود بن محمد نَسِيب الحَمْزاوي (ت: 1305)، له كتاب اسمه (در الأسرار) طبع منه مجلد، فسر فيه القرآن بالحروف المهملة، إذ لم يذكر حروفًا منقوطة في تفسيره، ولم يُفد من تفسير الهندي شيئًا(1).
وتاريخ علم التفسير حافل طويل، وقد حاول السيوطي رحمه الله (ت: 911) أن يذكر شيئًا من تاريخ التأليف في هذا الجانب وعناية الأمة به في مقدمة حاشيته على تفسير البيضاوي، التي سماها: «نواهد الأبكار وشوارد الأفكار»، والتي رصد في مقدمتها تاريخ التأليف في علم التفسير وعناية العلماء به(2).
ثم جاء العالم التركي الحاج خليفة (ت: 1067) - وهو مشهور بين العرب بحاجي خليفة، ومعروف عند الأتراك بكاتب جلبي - وألف كتابًا سماه: «كشف الظنون»، جمع فيه أسماء الكتب المؤلفة في العلوم الإسلامية والعربية ونبذة عن محتوياتها، وأخذ ما قاله السيوطي (ت: 911) في مقدمة حاشيته على تفسير البيضاوي كاملًا ثم زاد عليه، مع إفادته كذلك من مقدمة تفسير الثعلبي، الذي وصف عددًا من التفاسير وكُتُب غريب القرآن ومُشْكله(3).
4 - ومن أهل العلم من صنف في بعض علوم القرآن بصورة مفردة؛ كفضائل القرآن، ومنهم من ألف في الناسخ والمنسوخ، ومنهم من ألف في فنون متعددة كثيرة مفرقة.
5 - ومنهم من تكلم على مباحث علوم القرآن وأنواعه بشكل مجموع ومنحصر في مكان واحد، أمثال الحارث بن أسد المحاسبي (ت: 243) رحمه الله في كتاب سماه: (فَهم القرآن)، ويُشعِر الكتاب مِنْ أول وَهْلة أنه يتكلم على التفسير، أو كيف نفهم القرآن، ولكنه وضعه في أبواب تكلم فيها على أنواع مختلفة من علوم القرآن(4).--------------------------------------------
(1) انظر: نموذج من الأعمال الخيرية لمحمد منير آغا: (396).
(2) انظر: مقدمة نواهد الأبكار: (682 - 693).
(3) انظر: مقدمة تفسير الثعلبي: (20/ 60)، وكشف الظنون ([(1/ 427) - (2/ 432) - (1475 - 1480)]).
(4) وهو مطبوع مع كتاب (العقل) للحارث نفسه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 74)

وتلا الحارث المحاسبي جماعة من أهل العلم؛ كابن الجوزي (ت: 597) في (فنون الأفنان)، والسَّخاوي (ت: 643) في (جمال القرَّاء)، والزركشي (ت: 794) في (البرهان في علوم القرآن)، والسيوطي (ت: 911) في عدد من كتبه.
ومن أوسع من كتب في أنواع علوم القرآن بشكل مجموع ومنضبط في مكان واحد، أحد علماء مكة في القرن الثاني عشر، وهو ابن عَقِيلة المكي (ت: 1150)، الذي ألف كتابًا سماه: (الزيادة والإحسان) جمع فيه نحو (154) نوعًا من أنواع علوم القرآن، أصولها في كتاب السيوطي (ت: 911) (الإتقان)، لكنه فرَّع عليها، وعدَّد وزاد وهذَّب ونَقَّح فيها(1).
6 - ومن علماء هذه الأمة من اهتم بقراءات القرآن الكريم، وضبط أحكامها وقواعدها في كتب مفردة، وهو جانب عظيم من عناية الأمة في هذا المضمار، وعناية أهل العلم في هذا الجانب يصعب حصرها، وتعسر الإحاطة بها، فهناك كتب عظيمة وكثيرة جدًّا في علم القراءة القراءات تجاوز عددها الآلاف.
ومن أجمع هذه الكتب، وأكثرها حشدًا لذكر قراءات القرآن الكريم كتاب (الكامل) لأبي القاسم يوسف بن جُبارة الهُذَليّ (ت: 465)(2) حوى القراءات العشر المشهورة، وأضاف إليها أربعين قراءة أخرى من قراءات الصحابة ومَن بعدهم.
ولأحد العلماء من مكة وهو: عبد الكريم بن عبد الصمد الطَّبَري، معروف بكنيته: أبي معشر، كتابٌ يقال له (سَوق العروس)، ضمنه مؤلفه (1550) رواية وطريقًا، وهو مخطوط(3)، لكن يَفتقد الجزء الأخير منه، وهو من سورة المطففين إلى آخر الكتاب.--------------------------------------------
(1) حقق في خمس رسائل جامعية في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وطبعتها جامعة الشارقة، ومركز تفسير.
(2) بتحقيق: جمال ابن السيد رفاعي الشايب، مؤسسة سما للنشر والتوزيع.
(3) انظر: ملحق التراث، جريدة المدينة، العدد (9046)، مقالة لفضيلة الدكتور أيمن سويد بعنوان: (مرة أخرى: جامع أبي معشر ما زال مخطوطًا ولم يحقق).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 75)