لتشمل جَميع القضايا العلمية الأخرى كالنحو، والبلاغة، وغيرها.
فأما المرحلة الأولى فلما كان النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه، فقد كان مرجعهم في تبيين الكتاب، ولم يكونوا يصدرون عن سواه فيه فقد كفاهم، ولأنَّه «مِمَّا ينبغي أن يُعْلَمَ أن القرآن والحديث إذا عُرِفَ تفسيرُهُ من جهة النبي صلى الله عليه وسلم … لم يُحْتَجْ في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة ولا غيرهم» (1). ومن تمام تعليم رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن للناس بيان معانيه ومعرفة أحكامه، قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44] (2)، ومن ثَمَّ «فإن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم تُبَيّن القرآن، وتدل عليه، وتعبر عنه» (3). وقد كان الصحابة رضي الله عنهم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاء الوحي انتظروا بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفسيره فيما يحتاجُ إلى شرح وبيان وهو قليل، وربما عمدوا إلى سؤاله عما يشكل عليهم من الوحي. كما أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أباح لهم أن يفهموا القرآن؛ لأن الآلة كانت متحصلة لهم، وصوَّب لهم خطأهم فيما يخطئون فيه، دون أن يلوم أحدًا منهم أو يؤاخذه على فهمه، كما في قصة نزول قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} [الأنعام: 82] (4)، حين شقَّ ظاهرُها على الناس حتى كشف لهم النبي صلى الله عليه وسلم عن معناها كما في حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: لما نزلت {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: أيُّنا لا يظلم نفسه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس هو كما تظنون، إنما هو كما قال لقمان لابنه: {يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] (5)» (6).
وكما في قصة عدي بن حاتم رضي الله عنه عند نزول: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة: 187] (7)، حيث قال عدي: لما نزلت (وذكر--------------------------------------------
(1) فتاوى ابن تيمية 13/ 27.
(2) النحل 44.
(3) فتاوى ابن تيمية 13/ 29.
(4) الأنعام 82.
(5) لقمان 13.
(6) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم 32 ومواضع أخرى، ومسلم برقم 124
(7) البقرة 187.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 241)
الآية) عمدت إلى عقال أسود، وإلى عقال أبيض، فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلت أنظر في الليل فلا يستبين لي، فغدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك، فقال: «إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار» (1).
وكان تعليم النبي صلى الله عليه وسلم القرآن لأصحابه يقتضي تفهم معانيه، كما كانت قراءة الصحابة القرآن تقتضي الوقوف على معانيه، يدل على ذلك قول أبي عبدالرحمن السلمي (ت 74 هـ): «حدثني الذين كانوا يقرئوننا: عثمان بن عفان، وعبدالله بن مسعود، وأبي بن كعب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرئهم العشر، فلا يجاوزونها إلى عشر أخرى حتى يتعلموا ما فيها من العمل، فتعلمنا القرآن والعمل جميعًا» (2).
وقد اختلف العلماء في مقدار التفسير الذي بينه النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة، فمنهم من قال: إنه فسر عددًا من الآيات (3)، ومنهم من قال: إنه بين للصحابة معاني القرآن كما بين لهم ألفاظه (4). والخلاف في هذه المسألة قد يكون لفظيًا؛ لأن القرآن الكريم أنزل بلغة العرب، وكان لسان المخاطبين به من الصحابة عربيًا، فلم يحتاجوا إلى السؤال عن معاني كثير من آيات القرآن، قال أبو عبيدة: «إنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين … فلم يحتج السلف ولا الذين أدركوا وحيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يسألوا عن معانيه؛ لأنهم كانوا عرب الألسن، فاستغنوا بعلمهم به عن المسألة عن معانيه» (5).
وما قاله أبو عبيدة لا يعني أن الصحابة رضي الله عنهم لم يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم--------------------------------------------
(1) متفق عليه أخرجه البخاري برقم 1817، 4239، 4240، ومسلم برقم 1090.
(2) طبقات ابن سعد 6/ 172، السبعة 69.
(3) انظر: تفسير الطبري (شاكر) 1/ 37، الجامع لأحكام القرآن 1/ 31.
(4) انظر: مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية 35.
(5) مجاز القرآن 1/ 8.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 242)
عن معنى شيء من القرآن، أو أنه لم يبين لهم من معاني القرآن شيئًا، فقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بيَّن معاني كثير من آيات القرآن، لكنه لم يبين معاني جميع آياته؛ لأن من القرآن ما استأثر الله بعلمه، ومنه ما تعلمه العرب من لغاتها، ولا شك في أنه لم يفسر لهم ما يرجع فهمه إلى معرفة كلام العرب؛ لأن القرآن نزل بلغتهم، ولم يفسر لهم ما استأثر الله بعلمه، مما يجري مجرى الغيب التي لم يطلع الله عليها نبيه، وإنما فسر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خفي عليهم معناه، أو التبس المراد به، مما خصه الله بمعرفته، وأطلعه عليه (1).
ولم يدون شيء من التفسير في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن التدوين كان موجهًا إلى حفظ ألفاظ الوحي، وكان قد نهى أولًا عن كتابة شيء من كلامه غير القرآن، خشية اختلاطه بالقرآن، فقال: «لا تكتبوا عني شيئًا سوى القرآن، ومن كتب غير القرآن فَلْيَمْحُهُ» (2).
وقد نقل علماء الصحابة ما سمعوه من التفسير النبوي للقرآن الكريم، وقد حفظت تلك الروايات في كتب التفسير والحديث، وقد جمع السيوطي الروايات المنقولة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في التفسير، من كتب الحديث والتفسير، ورتبها على ترتيب سور المصحف، وقد بلغ مجموعها أكثر من مائتين وخمسين رواية بقليل (3). وقد كان التفسير اللغوي الذي حُفِظَ عن النبي صلى الله عليه وسلم قليلًا (4)، لما تقدم من فصاحة القوم، ولأن التطبيق العملي لأحكام القرآن الذي كانوا يشاهدونه ويشاركون فيه قد أغناهم عن السؤال عن معاني الآيات، ويمكن أن يضاف أمر آخر أسهم في تقليل مسائل الصحابة عن معاني القرآن هو قوة إيمانهم،--------------------------------------------
(1) انظر: التفسير والمفسرون 1/ 53.
(2) صحيح مسلم بشرح النووي 18/ 129، المصاحف لابن أبي داود 4.
(3) انظر: الإتقان 4/ 214 - 257.
(4) انظر: التفسير اللغوي للقرآن الكريم للطيار 64 - 66.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 243)
وصفاء عقيدتهم، وعمق يقينهم، فكرهوا لذلك السؤال عما تشابه من آي القرآن مما استأثر الله بعلمه، فلم يرو عنهم أنهم سألوا عنه رسول الله، واتجهوا إلى الجانب العملي من القرآن والسنة فسألوا عما خفي منه، واشتغلوا بتعلمه وروايته لمن جاء بعدهم رضي الله عنهم.
ومن أمثلة ذلك تفسير النبي صلى الله عليه وسلم، تفسيره لمعنى الوَسَطِ في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143] (1) بقوله: «الوسط: العدل» (2).
أما بعد وفاته صلى الله عليه وسلم فقد اتسعت البلاد، ودخل الناس في الإسلام أفواجًا، ودخلت العُجْمَةُ على الألسنة، فاحتاج المسلمون لشرح ما لم يكن الصحابة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم بحاجة إلى شرحه من القرآن والسنة، ففزعوا إلى خلفاء النبي صلى الله عليه وسلم في العلم من بعده من أصحابه، والذين صاروا أئمة الناس في شرائع الدين، وعنهم يصدرون، وبرز فيه منهم خلق كثير، رؤوسهم الخلفاء الأربعة، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وأُبَيُّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وعائشة، وأبو موسى الأشعري، ومعاذ بن جبل، وأبو الدرداء، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وأنس بن مالك، وأم سلمة، وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم أجمعين (3).
أمَّا الخلفاء فأكثر من روي عنه منهم علي بن أبي طالب، والرواية عن الثلاثة نزرة جدًا، وكأن السبب في ذلك تقدمُ وفاتهم، فلا يُحفظ عن أبي بكر رضي الله عنه في التفسير إلا آثارٌ قليلةٌ جدًا لا تكاد تجاوز العشرة (4).
وأمَّا علي فرويَ عنه الكثير وقد روى معمر عن وهب بن عبد الله--------------------------------------------
(1) البقرة 143.
(2) أخرجه البخاري 4/ 1632 برقم (4217)، وانظر: فتح الباري 8/ 21.
(3) انظر: الإتقان في علوم القرآن 2/ 1227 - 1228.
(4) انظر: المصدر السابق 2/ 1227.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 244)
عن أبي الطفيل قال شهدت عليًا يخطب وهو يقول: «سلوني عن كتاب الله، فإنه ليس من آية إلا وقد عرفتُ بليلٍ نزلت أم بنهارٍ، في سَهْلٍ أَم في جَبلٍ» (1).
أمَّا ابن مسعود فروي عنه أكثر مما روي عن علي وقد صحَّ عنه أنه قال: «والله الذي لا إله غيره ما أنزلت سورة من كتاب الله، إلا أنا أعلم أين أنزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا أنا أعلم فيم أنزلت، ولو أعلم أحدًا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه» (2).
وأما أُبّيُّ بن كعب فعنه نسخة كبيرة يرويها أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عنه، وهذا إسناد صحيح، وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم منها كثيرًا وكذا الحاكم في مستدركه وأحمد في مسنده (3).
وقد ورد عن جماعة من الصحابة غَيرِ هؤلاء اليسيرُ من التفسير كأنس بن مالك، وأبي هريرة، وابن عمر، وجابر بن عبد الله، وأبي موسى الأشعري، وورد عن عبد الله بن عمرو بن العاص أشياء تتعلق بالقصص وأخبار الفتن والآخرة وما أشبهها بأن يكون مِمَّا سَأَلَ عنهُ أهلَ الكتاب (4).
- تفسير النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة:
فأما ما روي من التفسير النبوي فلم يكن فيه استشهاد بالشعر، وأَمَّا مَا نُقِلَ من تفاسير الصحابة رضي الله عنهم فلا يوجد بينها إلا قليل من الروايات التي ورد فيها الاستشهاد بالشعر في تفسير القرآن الكريم، وذلك لقلة الحاجة للتفسير ولا سيما اللغوي، فقد كانوا أهل الفصاحة، وأصل--------------------------------------------
(1) طبقات ابن سعد 2/ 338.
(2) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم 4716، ومسلم برقم 2463.
(3) انظر: الإتقان 2/ 1228.
(4) انظر: الإتقان 2/ 1229.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 245)
العرب. ولا يمكن الاطمئنان إلى هذا العدد القليل من الروايات لتحديد ما يمكن أن يُمَثِّل منهجًا للصحابة في الاستشهاد بالشعر في تفسير القرآن الكريم - باستثناء ابن عباس وسيأتي الحديث عنه - لقلة ما روي عنهم من ذلك، وليس هناك إلا روايات مفردة لا يمكن أن تشكل منهجًا واضح القَسَمَات.
وقد رُوي عن ابن عباس أنه سأل تلاميذه عن معنى الحَرَجِ في قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] (1) وقال: إذا تعانيتم في شيء من القرآن فانظروا في الشعر، فإن الشعر عربي. ثم دعا ابن عباس أعرابيًا، فقال: ما الحرج؟ قال: الضيق. قال: صدقت (2). وقد ذكر ابن الأنباري بعد إيراده عددًا من المسائل عن عبد الله بن عباس، فكان ابن عباس يجيب عن كل سؤال، ويستشهد على جوابه ببيت من الشعر، كثرة ما روي من ذلك عن الصحابة فقال: «وهذا كثير في الحديث عن الصحابة والتابعين - أي الاستشهاد بالشعر في التفسير - إلا أَنَّا نَجْتَزئ بما ذكرنا كراهيةً لتطويل الكتاب، وإنما دعانا إلى ذكر هذا أَنَّ جَماعةً لا علم لهم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا معرفة لهم بلغة العرب، أنكروا على النحويين احتجاجهم على القرآن بالشعر» (3). وابن الأنباري قد ذُكِرَ في ترجمتهِ أَنَّهُ كان يحفظ ثلاثمائة ألف بيت من الشواهد الشعرية في تفسير القرآن الكريم (4). ورُبَّما يكون ما ذكره ابن الأنباري صحيحًا، غير أنه لم يُحفظ من هذه الروايات عن الصحابة إلا النَّزْرُ القليل.
أمثلة من تفسير الصحابة واستشهادهم بالشعر:
من تلك الروايات التي رويت عن الصحابة ما رُويَ عن عمر بن--------------------------------------------
(1) الحج 78.
(2) انظر: تفسير الطبري (هجر) 16/ 642.
(3) إيضاح الوقف والابتداء 1/ 99 - 100، والإتقان 1/ 149.
(4) انظر: معجم الأدباء 5/ 411.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 246)
الخطاب رضي الله عنه أنه قرأ على المنبر قوله تعالى: {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (47)} [النحل: 47] (1) فسأَلَ عن معنى التَّخُوّفِ. فقام رجلٌ من قبيلةِ هُذيلٍ وقال: «التخوفُ عندنا التنقصُ»، فلم يُسلِّم له عمر بن الخطاب بجوابه، وإنما طلب حُجةً وشاهدًا على صحة قوله كما هي عادته في التحقق والاستيثاق، فأنشدهُ الهذليُّ قولَ شاعرهم يصف ناقته:
تَخَوَّفَ الرَّحْلُ مِنها تَامِكًا قَرِدًا … كَمَا تَخَوَّفَ عُوْدَ النبَّعْةِ السَّفِنُ (2)
فقال عمر رضي الله عنه: «أيها الناس، تمسكوا بديوان شعركم في جاهليتكم فإن فيه تفسيرَ كتابكم» (3). وهذا التفسيرُ للتخوِّفِ هو المروي عن ابن عباس رضي الله عنهما، ومجاهد وغيرِهما (4) من المفسرين وأهل اللغة كابن الأعرابي واللحيانيُّ حيث قال: «تَخوَّفتُ الشيءَ: تنقصته، قال الله عَزَّوَجَلَّ: {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ} أي: على تَنقُّصٍ» (5).
وفَرَّقَ ابنُ عاشور بينَ: «تَخَوَّفَ» اللازم والمتعدِّي من حيث المعنى، فقال: «التخوُّفُ في اللغة يأتي مصدر «تَخَوَّفَ» القاصر بِمعنى: خافَ، ومصدر «تَخَوَّفَ» المتعدي بِمعنى: تنقَّص، وهذا الثاني لغة هذيل (6)، وهي من اللغات الفصيحة التي جاء بها القرآن» (7). وقد اختلف العلماء كما تقدم في نسبة الشاهد الشعري الذي يستدل به بعض المفسرين في قصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقد تقدم تخريجه، وفي--------------------------------------------
(1) النحل 47.
(2) تقدم تخريجه ص 58، وانظر: شرح ما يقع فيه التصحيف للعسكري 78.
(3) سبق تخريجه، ويضاف: الموافقات 1/ 58، تفسير الطبري (هجر) 14/ 236، إيضاح الوقف والابتداء 1/ 98، معاني القرآن للزجاج 3/ 201، الجامع لأحكام القرآن 10/ 109، المحرر الوجيز (قطر) 8/ 427 - 429.
(4) انظر: تفسير الطبري (هجر) 14/ 234 - 238، الجامع لأحكام القرآن 10/ 110، التفسير الصحيح لحكمت بشير 3/ 185.
(5) أمالي القالي 1/ 212، الجامع لأحكام القرآن 10/ 110.
(6) التحرير والتنوير 14/ 167.
(7) انظر: لغة هذيل للدكتور عبد الجواد الطيب 128.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 247)
القصة ما يرجح نسبته لشاعر من شعراء هذيل، قد يكون أبو كبير الهذلي وقد يكون غيره، ولذلك قال ابن عاشور: «نسب في الكشاف هذا البيت لزهير، وكذلك في الأساس، وليس زهير بهذلي، ونسبه صاحب اللسان إلى ابن مقبل وليس ابن مقبل بهذلي. وكيف وقد قال الشيخ الهذلي لعمر: قال شاعرنا، فهو هذلي، ووقع في تفسير البيضاوي أن الشيخ الهذلي أجاب عمر بقوله: نعم، قال شاعرنا أبو كبير. وقال الخفاجي: البيت من قصيدة له مذكورة في شعر هذيل، فنسبة البيت إلى أبي كبير أثبت» (1).
والظاهر أن هذه القصة قد وقعت في خلافة عمر رضي الله عنه، ولم أجد أقدم من هذا التفسير لهذه المفردة قبل هذه القصة، مما جعل بعض العلماء يقرر أن الصحابة لم يكونوا يُعنَون بالسؤال عن المعاني الدقيقة للمفردات القرآنية إذا كان السياق العام للآية بيّنًا وظاهرًا، وأن ذلك هو معهود العرب في كلامها وخطابها، وأن العرب «لا ترى الألفاظ تعبدًا عند محافظتها على المعاني، وإن كانت تراعيها أيضًا، فليس أحد الأمرين عندها بِمُلتزم، بل قد تبني على أحدهما مرة، وعلى الآخر أخرى، ولا يكون ذلك قادحًا في صحة كلامها واستقامته» (2). وهذا جارٍ في المعاني والألفاظ والأساليب.
وهذه القصة التي تقدمت عن خفاء معنى «التخوُّف» على عمر رضي الله عنه، ومثلها لفظة «الأبِّ» على أبي بكر رضي الله عنه (3)، ضعفها بعض العلماء (4)، بحجة أن الثقة بِها غير متحققة؛ فإنه من المستبعد أن تبقى غير واضحة لجمهور الصحابة ولاسيما القرشيون، وأبو بكر وعمر هما رأس--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير 14/ 167.
(2) الموافقات 2/ 131.
(3) انظر: الإتقان 2/ 4، فتح الباري 6/ 211.
(4) انظر: فتح الباري 6/ 211، المفردات لعبد الحميد الفراهي ص 46.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 248)
الصحابة، ويخفى عليهما هذا، في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يُسئل عن معانيها. وذلك أن القرآن الكريم ما نزل إلا للبيان، وقد قال الله تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ} [فصلت: 44] (1) ومعنى {فُصِّلَتْ آيَاتُهُ} وضحت، فإن هذا كان اعتراضهم، وأما كونها تفصيلًا لإجْمَالٍ فهذا لا قدح فيه. قال تعالى: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1)} [هود: 1] (2). وكذلك قوله تعالى: {أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ} أي بعيد عن العقل أن يأتي الرسول صلى الله عليه وسلم بكلام لا يفهمه قومه، فأيُّ فائدة لهذا الكلام؟ ولذلك قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم: 4] (3).
غير أنه يمكن القول: إن خفاء بعض الألفاظ على هؤلاء الصحابة وارد، ولا سيما إذا لم تكن من لغة قومهم، ولا يتعلق بمعرفتها حكم شرعي، وكان معناها العام مفهومًا من سياق الآيات. وفي قصة عمر بن الخطاب عندما قرأ قوله تعالى: {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (31)} [عبس: 31] (4) وقوله: «كل هذا قد علمناه، فما الأبُّ؟ ثم ضرب عمر بيده، ثم قال: لعمرك إن هذا لهو التكلف، واتبعوا ما يتبين لكم في هذا الكتاب … وما يتبين فعليكم به، وما لا فدعوه» (5). وقد عقب الزمخشري على هذه القصة بقوله: «ولكن القوم كانت أكبر همتهم عاكفة على العمل، وكان التشاغل بشيء من العلم لا يعمل به تكلفًا عندهم .... ثم وصى الناس بأن يجروا على هذا السنن فيما أشبه ذلك من مشكلات القرآن» (6).
وقد روى الحاكم أن عمر رضي الله عنه سأل ابن عباس رضي الله عنهما عن هذه الآية فقال: «هو نبت الأرض مما تأكله الدواب والأنعام، ولا يأكله الناس» (7). وقال ابن حجر في خبر أبي بكر: إنه منقطع، وفي خبر عمر:--------------------------------------------
(1) فصلت 44.
(2) هود 1.
(3) إبراهيم 4.
(4) عبس 31.
(5) تفسير الطبري (هجر)، فضائل القرآن لأبي عبيد 2/ 211، الكشاف 4/ 704 - 705.
(6) الكشاف 4/ 705.
(7) المستدرك 3/ 539.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 249)
هو صحيح عنه (1).
وقد تعرض أبو عبيدة لتفسير التخوف في هذه الآية فقال: «مَجازُهُ: على تَنقُّص» (2)، ثُمَّ استشهد بشاهدين من الشعر، الأول قول العباس بن مرداس:
أُلامُ عَلى الهِجَاءِ وكُلُّ يومٍ … يُلاقِيْنِي مِن الجِيْرانِ غُولُ
تَخَوَّفَ غدرُهُم مَالي وأُهدي … سَلاسلَ في الحُلوقِ لها صَليلُ (3)
أي تنقص قدرهم مالي. سلاسلُ: يريدُ القوافي تُنشَدُ فهو صليلُها، وهو قلائد في أعناقهم. والثاني قول طرفة:
وجَاملٍ خَوَّفَ مِنْ نَيبهِ زَجرُ المُعَلَّى أُصُلًا والسَّفيح (4)
خَوَّفَ مِن نِيبِهِ، أي: لا يَدَعُهُ يَزيدُ (5).
فأبو عبيدة قد وافق الهذلي في أن معنى التخوف التنقص، ولكنه لم يورد الشاهد الشعري الذي في قصة عمر، في حين أورد الطبري شاهد الهذلي، وشاهد أبي عبيدة معًا (6).
وهناك مثال آخر على هذا المنهج في التفسير، فقد اختلف عبد الله بن عباس مع معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وقيل--------------------------------------------
(1) انظر: فتح الباري 6/ 211.
(2) مجاز القرآن 1/ 360.
(3) انظر: الأغاني 14/ 314.
(4) روايةُ الديوان «خَوَّعَ»، وهي كذلك في لسان العرب، قال في اللسان مادة «خوع»: «والتَّخَوُّع: التَّنَقُّص. وخَوَّعَ مالُه: نَقَص، وخَوَّعَه هو وخَوَّعَ وخَوَّفَ منه؛ قال طرَفةُ ابن العَبد:
وجامِلٍ خَوَّعَ من نِيبِه … زَجْرُ المُعَلَّى، أُصُلًا، والسَّفِيحِ
يعني ما يَنحرُ في المَيْسِر منها … ويُروى: خَوَّف، والمعنى واحد. وكُلُّ ما نَقص، فقد خَوَّع». انظر: ديوانه 16، ملحق ديوان طرفة في ديوان الشعراء الستة 183، لسان العرب 4/ 247 - 248.
(5) انظر: مجاز القرآن 1/ 360.
(6) انظر: تفسير الطبري (هجر) 14/ 235.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 250)
عبد الله بن عمرو في قراءة قوله تعالى: {تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} [الكهف: 86] (1)، فكان معاوية وعمرو يقرآن: {حَامِيَة}، وكان ابن عباس يقرأ: {حَامِيَةً}. فطلبا من عبد الله بن عباس شاهدًا من الشعر على صحة ما ذهب إليه، فلم يستحضر شاهدًا، غير أنه بعد خروجه لقي نافع بن الأزرق، وكان نافع يحفظ شعر تُبَّع، فأنشده قوله:
فرأَى مغيبَ الشمسِ عند غُروبِها … في عَينِ ذي خُلُبٍ وثأطٍ حَرمدِ (2)
والخُلُب هو الطين، والثأط هو الحمأة، والحرمد هو الأسود (3). فأيد هذا الشاهدُ الشعريُّ قراءةَ ابن عباس (4).
وهذان المثالان اللذان تذكرهما كتب التفسير من استشهاد الصحابة بالشعر على تفسير مفردات قرآنية فحسب، يمكن اعتبارها بداية لطريقة أصبحت فيما بعد من الطرق التي اتبعها المفسرون في تفسيرهم للقرآن الكريم بلغة العرب.
ويمكن من خلال الأمثلة القليلة المتوفرة وصف طريقة الصحابة في الاستشهاد بالشعر على تفسير القرآن الكريم، في التالي:
1 - ذكر الشاهد الشعري مجردًا من الشرح. وذلك كالمثال السابق الذي نُقل عن عمر بن الخطاب، فقد سأل الهذلي عن الشاهد على صحة قوله: إنَّ التخوَّفَ عندهم هو التنقص، فذكر له الشاهد الشعري، فَسَلَّمَ له، ولم يطالبه بشرح بيت الشعر، مع أن الذين ذكروا البيت بعد ذلك شرحو معناه، لخفاء بعض عباراته مثل «التَّامِك» و «القَرِد» و «السَّفَن» (5).
وكذلك ابن عباس في مسائله فإنه لا يزيد على أن يقول ألم تسمع--------------------------------------------
(1) الكهف 86.
(2) ينسب هذا البيت لتُبَّع اليماني كما في تفسير القرطبي 11/ 49، والبحر المحيط 6/ 159، ويُنْسَب لأمية بن أبي الصلت كما في ديوانه 335.
(3) انظر: غريب القرآن لابن قتيبة 270.
(4) انظر: الكشاف 2/ 744.
(5) التامك: السنام المرتفع، والقَرِدُ: المرتفع، أو كثيرُ القردان، والسَّفَن: المِبْرَدُ الذي ينحت به الخشب. انظر: الموافقات للشاطبي 1/ 59 حاشية المحقق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 251)
قول الشاعر كذا، أو كما قال الشاعر كذا، من غير شرح وتفصيل. وهذا المنهج في الاستشهاد سببه أن المفسر من الصحابة كان إذا أحال السائل على الشاهد الشعري يحيله على شيء معلوم لديه تمام العلم، لأن الشعر كان هو العلم الذي أتقنته العرب، ولم يكن لهم علم سواه (1)، فكان الشعر سهل الفهم، واضح العبارات، فعندما يحال السائل إليه يكتفي ويستغني عن السؤال. ولذلك حث عمر رضي الله عنه على تعلم الشعر، والحرص عليه، لما فيه من توضيح كثير من ألفاظ القرآن الكريم.
2 - الاستشهاد بأشعار الجاهليين، والمخضرمين. فأبو كبير الهذلي الذي نُسِبَ إليه الشاهد في قصة عمر رضي الله عنه كان جاهليًا (2)، والبيت الآخر كان لأمية بن أبي الصلت وهو شاعر معاصر لهم (3).
3 - الاكتفاء بالشاهد الشعري الواحد في الجواب، فلا يطالب السائل بالمزيد من الشواهد الشعرية. ومن الأمثلة غير ما تقدم أن ابن عباس سئل عن معنى الآية: {وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (17)} [الانشقاق: 17] (4) فقال: ما جَمَعَ.
ألم تسمع قول الشاعر: (5)
مُسْتَوسِقَاتٍ لَمْ يَجِدْنَ سَائِقَا (6)
4 - نسبة الشعر إلى قائله، أو قبيلته. من مثل قول ابن عباس لما سُئِلَ عن معنى قوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4)} [المدثر: 4] (7) قال: لا تَلْبَسهَا على غَدْرَةٍ ولا فَجْرَةٍ. ثم قال: أَلا تسمعونَ قولَ غيلانَ بنِ سلمة (8):--------------------------------------------
(1) انظر: طبقات فحول الشعراء 1/ 22.
(2) انظر: الشعر والشعراء 2/ 670.
(3) انظر: المصدر السابق 1/ 369.
(4) الانشقاق 17.
(5) غير منسوب.
(6) انظر: مجاز القرآن 2/ 292، وانظر: تفسير الطبري (هجر) 24/ 247، إيضاح الوقف والابتداء 1/ 68 - 69
(7) المدثر 4.
(8) هو غيلان بن سلمة بن معتب الثقفي، من شعراء الطائف، مخضرم أدرك الإسلام وأسلم. انظر: طبقات فحول الشعراء 1/ 269.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 252)
إِنِّي بِحَمْدِ الله لا ثَوبَ فَاجرٍ … لَبِسْتُ ولا مِنْ غَدْرَةٍ أَتَقَنَّعُ (1)
فهو قد نسب الشاهد لقائله، لتأكيد المعرفة بالشعر وقائله، ولا يمكن القول لتأكيد صحة الاحتجاج، لعد ظهور مسألة عصور الاحتجاج بعد.
6 - عدم القناعة بغير شواهد الشعر، كما في قصة نافع فقد كانت كل الشواهد من الشعر. ولذلك يقول المبرد: ومِمَّا سأَلهُ - أي نافع بن الأزرق - عنه: {الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ} [البقرة: 1، 2] (2) فقال ابن عباس: تأويله: هذا القرآن. ثم قال المُبَرِّدُ: هكذا جاء، ولا أحفظ عليه شاهدًا عن ابن عباس، وأنا أحسبه لم يقبله إلا بشاهد (3).
فهو يعني أن نافعًا لم يكن ليقبل تفسير ابن عباس إلا بشاهد من شعر العرب، غير أنه لم يحفظ المبرد ذلك الشاهد.
ومن سمات الشواهد الشعرية في تفسير الصحابة أنها جميعها شواهد لغوية، ولم يرد عنهم شاهد على مسألة نحوية لعدم الحاجة إليها، ومن الأدلة على ذلك غير ما تقدم، المسائلُ التي سُئِلَ عنها ابن عباس من نافع بن الأزرق، فكلها شواهد لغوية (4). وستأتي.
وأما عبد الله ابن عباس فهو ترجُمان القرآن، وهو سيد المفسرين لمن بعده، ولم ينقل عن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في التفسير أكثر مما نقل عنه، وما آتاه الله من العلم بالقرآن إنما حصل له ببركة دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم له، حيث دعا له بقوله: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» (5). وقد كان مقدمًا على أقرانه عند أمير المؤمنين عمر بن--------------------------------------------
(1) انظر: إيضاح الوقف والابتداء 1/ 63، تهذيب اللغة 6/ 127.
(2) البقرة 1 - 2.
(3) انظر: الكامل 3/ 1149 - 1150.
(4) انظر: تاريخ التراث العربي لسزكين 1/ 41، مسائل نافع بن الأزرق لابن عباس 8.
(5) مسند الإمام أحمد برقم 2397، 2879، 3032، 3102، طبقات ابن سعد 2/ 365، صحيح ابن حبان برقم 7055، المستدرك برقم 6280، وأصل هذا الحديث في الصحيحين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 253)
الخطاب رضي الله عنه، حتى كان يجعله في العلم في مصاف البدريين مع صغر سنه (1). وكان فقيه الصحابة عبد الله بن مسعود يثني عليه بقوله: «نعم ترجمان القرآن ابنُ عباس» (2). وقد اشتهر عن ابن عباس أنه إذا سُئِلَ عن الشيء من عربية القرآن ينشد الشعر، ويقول إذا خفي عليكم شيء من القرآن فابتغوه في الشعر، فإنه ديوان العرب (3). ومعنى هذا أنه يُستشهد بالشعر على تفسير القرآن لا على القرآن نفسه (4).
ويُعَدُّ ابنُ عباس أولَ من فتح باب الاستشهاد بالشعر في تفسير القرآن الكريم، بمنهجية واضحة يصح أن يقال عنها منهج، وأشهر ما روي عنه من ذلك ما يُعرفُ بمسائلِ نافع بن الأزرق، التي نقلت إلينا، ولأهميتها، وكونها الوثيقة الأولى في هذا المنهج أُفرِدَ لها المبحث الثاني.--------------------------------------------
(1) انظر: صحيح مسلم، الأثر رقم 3024.
(2) طبقات ابن سعد 2/ 366، المصنف 12/ 111، فضائل الصحابة برقم 1562، 1863، تفسير الطبري 1/ 40.
(3) المصنف برقم 29974، زوائد فضائل الصحابة برقم 1916.
(4) فضائل القرآن لأبي عبيد الهروي 343، وينظر: مجالس ثعلب 317، وتفسير القرطبي 1/ 24.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 254)
المبحث الثاني: مسائل نافع بن الأزرق لابن عباس رضي الله عنهما. (1)
هذه المسائل مِنْ أَوَّلِ ما عُرِفَ في الاستشهاد بالشعر في تفسير القرآن الكريم، قال العسكري وهو يتحدث عن أولية التأليف في غريب القرآن: «أولُ من صنف في غريب القرآن أبو عبيدة معمر بن المثنى، صنف كتاب المَجاز، وأخذ ذلك من ابن عباس حين سأله نافع بن الأزرق عن أشياء من غريب القرآن، ففسرها له، واستشهد عليها بأبيات من شعر العرب، وهو أول ما روي في ذلك وهو خبر معروف» (2). وقد وُجِدَت إشارات مقتضبة إلى هذه المسائل في كتب السنة، والتفسير، والأدب، غير أنه لم يقم أحد منهم بالحكم عليها، ونقد أسانيدها ومتونها، ولذلك قام بعض الباحثين المعاصرين بإفراد هذه المسائل بالتأليف، والنظر إليها من زاوية التفسير البياني للقرآن الكريم (3)، أو من زاوية اللغة (4)، بطريقة توهم القارئ أن كل هذه المسائل صحيحة لا شك فيها، في حين قام بعض من الباحثين بالتشكيك في هذه المسائل، والطعن في ثبوتها (5)، دون أن يكون هذا الطعن مبنيًا على دراسة نقدية منصفة، تبحث في صحيح هذه الآثار من ضعيفها.--------------------------------------------
(1) كان حق هذا المبحث التقديم على سابقه، غير أن الخطة المعتمدة على هذه الصورة.
(2) الأوائل 261.
(3) انظر: الإعجاز البياني للقرآن ومسائل نافع بن الأزرق لبنت الشاطي 270.
(4) انظر: شواهد القرآن لأبي تراب الظاهري 1/ 13.
(5) انظر: في الشعر الجاهلي لطه حسين 51، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام لجواد علي 8/ 664 - 665.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 255)
* مادة المسائل:
هذه المسائل هي ألفاظ من غريب القرآن أشكلت على نافع بن الأزرق الخارجي (ت 65 هـ)، فجاء يسألُ عنها عبد الله بن عباس رضي الله عنهما (ت 68 هـ) وهو في مكة، واشترط على ابن عباس أن يأتيه على كل جواب بشواهد من الشعر العربي، تصدق ما فسر به ابن عباس تلك الكلمات، وكان من أمره أنه «خرج نافع بن الأزرق، ونجدة بن عويمر (1) في نفر من رؤوس الخوارج يُنَقِّرُونَ عن العلم ويطلبونه، حتى قدموا مكة، فإذا هم بعبدالله بن عباس قاعدًا إلى جنب زمزم عليه رِدَاءٌ لَه أْحْمَرُ، وقميصٌ أبيضُ، وإذا الناس قيام يسألونه عن التفسير، ويقولون: يا ابن عباس، ما تقول في كذا؟ فيقول: كذا وكذا.
فقال له نافع بن الأزرق: … إني أتيتك لأسألك. قال: هات يا ابن الأزرق» (2). وكان نافع طلب من ابن عباس أن لا يجيبه بجواب، إلا مستشهدًا له بشاهد من شعر العرب (3).
* وقت هذه المسائل:
لم أجد تحديدًا لتاريخ هذه المسائل في الكتب التي نقلتها أو أشارت إليها، ويمكن تقدير وقت هذه الأسئلة ما بين عامي خَمسةٍ وأربعينَ وخَمسةٍ وخَمسين من الهجرة (45 - 55 هـ)؛ وذلك للقرائن التالية:
1 - قُدومُ نافع بن الأزرق، مع نَجْدة بن عُويْمر في نَفَرٍ من الخوارج إلى ابن عباس يسألونه عن العلم، وهذا يدل على ظهور أمر--------------------------------------------
(1) هو نجدة بن عويمر العجلاني الحنفي البكري الوائلي، رأس فرقة النجدية من الحرورية، وإليه ينسبون بعد اختلافه مع نافع بن الأزرق، توفي سنة 69 هـ. انظر: الكامل 3/ 1102.
(2) مسائل نافع بن الأزرق 33.
(3) انظر: المصدر السابق 35.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 256)
الخوارج، وقد كان خروجهم على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ابتداء من سنة 37 هجرية بعد وقعة صفين (1).
2 - أنَّ هؤلاء الخوارج كانوا لا يزالون صفًا واحدًا قبل أن يفترق الأزارقة عن النجدية عام 64 هجرية (2).
3 - إنشاد عمر بن أبي ربيعة قصيدته الرائية بين يدي ابن عباس بحضرة نافع بن الأزرق، وهي قصيدة بديعة، يندر أن يكتبها الشاعر قبل العشرين من عمره، وهذه الحقبة توافق تحديد عمر الشاعر عمر بن أبي ربيعة فيما بين 22 سنة و 32 سنة، وهي فترة شبابه؛ حيث ولد سنة 23 هجرية، وأغلب من ذكر قصة هذه المسائل يصف ابن أبي ربيعة بأنه شاب (3).
4 - أَنَّ هذه المسائل فيما يبدو كانت قبلَ أنْ يُكَفَّ بَصَرُ ابن عباس رضي الله عنهما، والذي يمكن تحديده بعام 60 هجرية، وإن كانت العلاقة لم تنقطع بعد عمى ابن عباس رضي الله عنهما (4)، وعلى هذا فقد كانت هذه المسائل زمن خلافة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، حيث بويع له بالخلافة عام 40 للهجرة، وبقي حتى مات سنة 60 للهجرة (5).
* مصادر مسائل نافع بن الأزرق ورواياتها (6).
- المسائل في كتب التفسير وما تعلَّق به:
1 - ذكرها الإمام عبدالرزاق الصنعاني (ت 210 هـ) في تفسيره--------------------------------------------
(1) انظر: تاريخ الطبري 3/ 79.
(2) انظر: المصدر السابق 3/ 398.
(3) انظر: الأغاني 1/ 81، أمالي المرزوقي 345.
(4) انظر: تفسير الطبري (هجر) 8/ 407.
(5) انظر: تاريخ الطبري 3/ 166، 261.
(6) لهذه المسائل عدد من المخطوطات منها: مخطوطة المكتبة الظاهرية بدمشق رقم 3849 وعدد أوراقها 13 ورقة (107 - 119). ومخطوطة المكتبة الظاهرية رقم =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 257)
فقال: «أنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار قال: أخبرني مَنْ سَمِعَ ابنَ عباس يخاصم نافع بن الأزرق … ». (1) ولم تتضمن المسائل فيما أخرجه شواهد من الشِّعْرِ.
2 - أشار الإمام الطبري (ت 310 هـ) إلى هذه المسائل عند تفسير قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (42)} [النساء: 42] (2) حيث أخرج عن سعيد بن جبير بإسنادين مُختلفين، قال: «جاء رجل إلى ابن عباس فقال: أشياء تختلف عليّ في القرآن … » (3). ثم ذكر رواية ثالثة عن الضحاك - من غير طريق جويبر -: «أن نافع بن الأزرق أتى ابن عباس، فقال: يا ابن عباس، قول الله تبارك وتعالى: {يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (42)} وقوله: {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام: 23] (4)، فقال له ابن عباس: إني أحسبك قمت من عند أصحابك، فقلت: أُلقي على ابن عباس متشابه القرآن، فإذا رجعت إليهم فأخبرهم أن الله جامع الناس يوم القيامة في بقيع واحد، فيقول المشركون: إن الله لا يقبل من أحد شيئًا، إلا مِمَّنْ وَحَّدَهُ، فيقولون: تعالوا نجحد، فيسألهم فيقولون: والله ربنا ما كنا مشركين، قال: فيختم على أفواههم ويستنطق--------------------------------------------
= 6863، وتقع في خَمس عشرة ورقة، وهي ملخصة من الإتقان للسيوطي، وقد قام بتحقيقها معتمدًا على هاتين المخطوطتين الدكتور محمد الدالي. انظر: مسائل نافع بن الأزرق 13 - 14. ومخطوطة مكتبة طلعت في المجموع رقم 266 الأوراق 1 - 33. ومخطوطة دار الكتب المصرية بالقاهرة في المجموع رقم 166 م، الأوراق 132 - 143، وقد حقق هذه المخطوطة الدكتور إبراهيم السامرائي، وطبعت بمطبعة المعارف ببغداد عام 1968 م، ولها تحقيق آخر قام به محمد عبد الرحيم وأحمد نصرالله بعنوان «غريب القرآن في شعر العرب» ومخطوطة مكتبة برلين في المجموع 683، الأوراق 93 - 101، وهي نسخة مختصرة من المسائل التي نقلها السيوطي في الإتقان. انظر: تاريخ الأدب العربي 4/ 8 - 9
(1) تفسير عبدالرزاق الصنعاني 3/ 11، 3/ 103.
(2) النساء 42.
(3) تفسير الطبري (شاكر) 8/ 374.
(4) الأنعام 23.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 258)
جوارحهم، فتشهد عليهم جوارحهم أنهم كانوا مشركين، فعند ذلك تمنوا لو أن الأرض سويت بهم ولا يكتمون الله حديثًا (1).
ولم تتضمن روايات الطبري لهذه المسائل التي ذكر فيها نافع بن الأزرق شواهد من الشعر، وإن كان في مواضع أخرى لم يشر فيها إلى المسائل قد أورد الشواهد الشعرية عن ابن عباس.
3 - ثم جاء أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري (ت 328 هـ)، فأخرج بسنده مسائل ابن الأزرق بشواهدها الشعرية (2).
4 - ثم بعد القرن الرابع الهجري كثر رجوع المفسرين إلى هذه المسائل، والاستشهاد بها لغريب ألفاظ القرآن، ومِمَّنْ رجع إليها من المفسرين ابن العربي المالكي (ت 543 هـ) في كتابه «أحكام القرآن»، والبغوي في تفسيره (3)، والرازي في … تفسيره (4)، وأبو المظفر السمعاني في تفسيره (5)، وأبو عبد الله القرطبي (ت 671 هـ) في «الجامع لأحكام القرآن»، وابن كثير الدمشقي (ت 774 هـ) في «تفسير القرآن العظيم» (6).
فعند تفسيره لقوله تعالى: {وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً} [النحل: 72] (7) قال ابن العربي: « .... ويُروى أَنَّ نافعَ بنَ الأَزرقِ سأل ابن عباس عن قوله: {وَحَفَدَةً} قال: هم الأعوان، من أعانك فقد حفدك، قال: فهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم وتقوله، أما سمعت قول الشاعر (8):--------------------------------------------
(1) انظر: تفسير الطبري (شاكر) 8/ 375.
(2) انظر: إيضاح الوقف والابتداء 76 - 98، الأضداد 33، 34.
(3) انظر: معالم التَّنْزيل 3/ 204، 412، 479.
(4) انظر: تفسير الرازي 18/ 45، 157، 21/ 22، 24/ 94، 30/ 245.
(5) تفسير القرآن لأبي المظفر السمعاني 3/ 306، 4/ 87.
(6) انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير 1/ 499 - 500، 3/ 360، 4/ 97، 275.
(7) النحل 72.
(8) هو أمية بن أبي الصلت كما في مسائل نافع بن الأزرق 39 وليس في ديوانه، وقيل للفرزدق كما في الجمهرة 2/ 123، وقيل للأخطل كما في غريب الحديث لأبي عبيد =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 259)
حَفَدَ الوَلائدُ حَولَهُنَّ وأُلقيتْ … بِأَكُفِّهِنَّ أَزِمَّةُ الأَجْمَالِ (1)» (2).
5 - وذكرها النحاس في معاني القرآن (3)، دون ذكر شواهد شعرية.
6 - وذكرها ابن ناصر الدين الدمشقي عند تفسيره لقوله تعالى: {فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} [التين: 6] (4) حيث قال: «وفي مسائل نافع بن الأزرق الحنفي الحروري فقيه الخوارج لعبدالله بن عباس رضي الله عنهما، وسأله عن قول الله عَزَّوَجَلَّ: {فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} فقال ابن عباس: غير مقطوع. قال هل تعرف العرب ذلك؟ فقال: قد عرفه أخو بني يشكر حيث قال:
وَتَرى خَلْفَهُنَّ مِنْ سُرْعَةِ الرَّجْـ … ـعِ مَنِيْنًا كَأَنَّهُ أَهْبَاءُ (5)
يعني الغبار تقطعه قطعًا وراءَها، والمَنِيْنُ: الغبار الضعيف» (6).
7 - وأما كتب علوم القرآن، فقد احتفلت بِمَسائل نافع بن الأزرق عند الحديث عن غريب القرآن، فقد أشار إليها الزركشي (7) (ت 794 هـ)، وتوسع في عرضها السيوطي (ت 911 هـ) في كتابه «الإتقان» (8)، كما رجع إليها في كتابه الآخر «المُهذَّب فيما وقع في القرآن من المُعرَّب» (9)، وذكر السيوطي في كتابه «الوسائل في مسامرة الأوائل» أن «أول من صنف في--------------------------------------------
= 3/ 374 وليس في ديوانيهما، وقيل لجميل كما في مجاز القرآن 1/ 364، وقيل لحميد كما في تفسير الطبري (هجر) 14/ 298، وبلا نسبة كما في معاني القرآن للأخفش 2/ 591.
(1) مجاز القرآن 1/ 364، تفسير الطبري (هجر) 14/ 298، وانظر المصادر السابقة.
(2) أحكام القرآن 3/ 1162 - 1163.
(3) معاني القرآن للنحاس 4/ 348، 5/ 123.
(4) التين 6.
(5) من معلقة الحارث بن حِلِّزَةَ اليَشْكُريِّ. انظر: شرح القصائد السبع الطوال لابن الأنباري 443، شرح القصائد العشر للتبريزي 294.
(6) مجالس في تفسير قوله تعالى: {لقد مَنَّ اللهُ على المؤمنينَ إِذْ بَعَثَ فيهمْ رَسولًا مِنْ أَنْفُسِهِم} لابن ناصر الدين الدمشقي 247 - 248.
(7) انظر: البرهان في علوم القرآن 1/ 397.
(8) انظر: 1/ 121.
(9) انظر: لفظة «حُوب»، و «يَحُور» ص 55، 137.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 260)