Arabic source text

📘 আশ-শাহিদুশ শিয়রী ফী তাফসীরিল কুরআনিল কারীম আহাম্মিয়্যাতুহু ওয়া আসারুহু ওয়া মানাহিজুল মুফাসসিরীন ফীল ইসতিশহাদি বিহি (আব্দুর রহমান বিন মুআজা আশ-শাহরি)

📘 الشاهد الشعري في تفسير القرآن الكريم أهميته، وأثره، ومناهج المفسرين في الاستشهاد به (عبد الرحمن بن معاضة الشهري)

📘 আশ-শাহিদুশ শিয়রী ফী তাফসীরিল কুরআনিল কারীম আহাম্মিয়্যাতুহু ওয়া আসারুহু ওয়া মানাহিজুল মুফাসসিরীন ফীল ইসতিশহাদি বিহি (আব্দুর রহমান বিন মুআজা আশ-শাহরি)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
معنى قوله: {وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} [يوسف: 49] إلى: وفيه يَنْجُونَ من الجَدْبِ والقَحْطِ بالغَيْثِ، ويزعم أنه من العَصَرِ والعُصْرَةِ التي بمعنى المنجاة، من قول أبي زبيد الطائي:
صَادِيًا يَستغيثُ غَيْرَ مُغَاثٍ … وَلَقَدْ كانَ عُصرَةَ المَنْجُودِ
أي المقهور، ومن قول لبيد:
فَبَاتَ وأَسْرَى القَومُ آخرَ لَيْلِهِمْ … ومَا كانَ وَقَّافًا بِغَيْرِ مُعَصَّرِ
وذلك تأويل يكفي من الشهادة على خطئه، خلافه قول جميع أهل العلم من الصحابة والتابعين» (1). فالطبري هنا يرد تفسير اللغة الذي ذهب إليه أبو عبيدة لمخالفته لتفسير الصحابة والتابعين، الذين فسروه بأن معناه تعصرون الزيت والسمسم، أو تحلبون الحليب (2). وهذا يعني أن التفسير اللغوي الذي ينفرد به أحد علماء اللغة كأبي عبيدة إذا خالف ما أجمع عليه السلف ممن قبله من الصحابة والتابعين وأتباعهم فإنه يرد، فالسلف هم أهل اللغة، وهم الذين شاهدوا التنْزِيل، وصحبوا الرسول صلى الله عليه وسلم، فكانوا أولى بإصابة الحق، وأولى بالاتباع، ولذلك قال الطبري في تعقبه لتفسير أبي عبيدة: «وذلك تأويل يكفي من الشهادة على خطئه، خلافه قول جميع أهل العلم من الصحابة والتابعين» (3).

‌‌ثانيًا: الاستدلال بالشاهد الشعري لبيان أساليب القرآن.
عُنِيَ المفسرون بدراسة الأساليب القرآنية، ووازنوا بينها وبين الأساليب العربية في الشواهد الشعرية، وكثيرًا ما تقرأ قولهم: «وهذا نظير قول الشاعر»، أو: «ومثله قول الشاعر». وذلك لأن القرآن الكريم فيه: «ما في الكلام العربي من الغريب والمعاني، ومن المُحتمل مِن--------------------------------------------
(1) تفسير الطبري (شاكر) 16/ 131.
(2) انظر: المصدر السابق 16/ 128 - 129.
(3) تفسير الطبري (شاكر) 16/ 131.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 201)

مَجَازِ ما اخْتُصِرَ، ومَجَازِ ما حُذِفَ، ومَجَازِ ما كُفَّ عَن خَبَره، ومَجَازِ ما جاء لفظهُ لفظَ الواحدِ وَوَقَعَ على الجمع، ومَجازِ ما جاء على الجمعِ ووقع معناه على الاثنين» (1).
ومن الأمثلة على ذلك قول أبي عبيدة في تفسير قوله تعالى: {تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ} [التوبة: 92] (2): «والعرب إذا بدأت بالأسماء قبل الفعل جعلت أفعالها على العدد، فهذا المُستعملُ، وقد يجوز أن يكون الفعل على لفظ الواحد كأَنَّهُ مقدمٌ ومؤخرٌ، كقولك: وتفيض أَعينُهُم.
كما قال الأعشى:
فَإِنْ تَعْهَدِيْنِي وَلِيْ لِمَّةٌ … فَإِنَّ الحَوادثَ أَودى بِهَا (3)
ووجه الكلام أن يقولَ: أَودينَ بِهَا، فلما توسَّعَ للقافيةِ جازَ على النَّكْسِ (4). كأنه قال: فإنه أودى الحوادث بها» (5). وهو هنا يشير إلى حال الفعل مع الفاعل في حال المثنى والجمع، وهذا من الأساليب النحوية.
وربما اختلفَ المفسرونَ في حَملِ الآية على معنى بعض الشواهد من شعر العرب، ومن ذلك أن أبا عبيدة قد ذهب في تفسير قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ} [البقرة: 34] (6) وأمثالها، إلى أن معناه: «وقلنا للملائكة، و «إذ» من حروف الزوائد، وقال الأسود بن يَعْفُر:
فَإِذَا وذلكَ لا مَهَاهَ لِذِكْرِهِ … والدهرُ يُعْقِبُ صَالِحًا بِفَسَادِ (7)
ومعناها: وذلك لا مَهَاهَ لِذِكْرِهِ، لا طعم ولا فضل، وقال عبد مناف بن رِبْعٍ الهُذَليُّ وهو آخر قصيدة:--------------------------------------------
(1) مجاز القرآن 1/ 18، وانظر: 1/ 8 - 17، وانظر: تأويل مشكل القرآن 20 - 21، 82، 86، 235.
(2) التوبة 92.
(3) انظر: ديوانه 221.
(4) لعل معناها: عكس الكلام.
(5) مجاز القرآن 1/ 267 - 268.
(6) البقرة 34.
(7) لا مَهَاه: أي لا بقاءَ، وهي بالهاء لا بالتاء. انظر: ديوانه 17، والمفضليات 220.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 202)

حتى إذَا أَسْلَكُوهُمْ في قُتَائِدَةٍ … شَلاًّ كمَا تَطردُ الجَمَّالةُ الشُرُدَا (1)
معناه: حتى أسلكوهم» (2). وهذان الشاهدان اللذان ذكرهما أبو عبيدة يصحان في (إِذَا) وليس في (إِذْ)، فالكلام هنا مختلف. وقد تعقبه الطبري فقال: «زعم بعض المنسوبين إلى العلم بلغات العرب من أهل البصرة، أن تأويل قوله: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ} [البقرة: 30] (3): وقال ربك. وأَنَّ (إِذْ) من الحروف الزوائد، وأن معناها الحذفُ. واعتلَّ لقوله الذي وصفنا عنه في ذلك ببيت الأسود بن يعفر … ». ثم ساق الشاهدين. ثم عقب على ذلك بقوله: «قال أبو جعفر: والأمر في ذلك بخلاف ما قال، وذلك أنَّ (إِذْ) حرفٌ يأتي بمعنى الجزاء، ويدل على مجهول من الوقت، وغير جائزٍ إبطال حرف كان دليلًا على معنى في الكلام. إذ سواء قيلُ قائلٍ: هو بمعنى التَطوُّل، وهو في الكلام دليل على معنىً مفهوم - وقيلُ آخر في جميع الكلام الذي نطق به دليلًا على ما أريد به: هو بمعنى التطوُّل.
وليس لما ادعى الذي وصفنا قوله في بيت الأسود بن يعفر أن (إذا) بمعنى التطول وجه مفهوم، بل ذلك لو حذف من الكلام لبطل المعنى الذي أراده الأسود بن يعفر من قوله:
............................ … فَإِذَا وذلكَ لا مَهَاهَ لِذِكْرِهِ
وذلك أنه أراد بقوله: «فإذا»: فإذا الذي نحن فيه، وما مضى من عيشنا. وأشار بقوله: «ذلك» إلى ما تقدم وصفه من عيشه الذي كان فيه «لا مَهَاهَ لذكره» يعني: لا طعمَ له ولا فضلَ؛ لإعقاب الدهر صالح ذلك بفساد. وكذلك معنى قول عبد مناف بن رِبْعٍ:
حتى إذَا أَسْلَكُوهُمْ في قُتَائِدَةٍ … شَلًّا .............................--------------------------------------------
(1) قُتَائِدَة أي: ثَنِيَّة، وكُلُّ ثَنِيَّةٍ قُتائدة، والجَمَّالَةُ: أصحاب الجمال. انظر: ديوان الهذليين 2/ 42.
(2) مجاز القرآن 1 - 36 - 37.
(3) البقرة 30.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 203)

لو أسقط منه إذا بطل معنى الكلام؛ لأن معناه: حتى إذا أسلكوهم في قتائدة سلكوا شلاًّ. فدل قوله: «أسلكوهم شلًّا» على معنى المحذوف، فاستغنى عن ذكره بدلالة (إذا) عليه فحذف، كما قد ذكرنا فيما مضى من كتابنا على ما تفعل العرب في نظائر ذلك، وكما قال النمر بن تولب:
فإِنَّ المنيَّةَ مَنْ يَخْشَهَا … فَسوفَ تُصَادفهُ أَيْنَمَا (1)
وهو يريد: أينما ذهب … الخ» (2).
وفي المثال السابق ما يدل على ما قد يقع من الخطأ في الاستشهاد بالشاهد الشعري، فأبو عبيدة قد استشهد بشواهد على «إذا»، في موضع كان ينبغي له أن يورد فيه شواهد على «إِذْ»، ولذلك تعقبه الطبري.
ومن أمثلة ذلك ما ذكره القرطبي حيث يقول: «قوله تعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ} [النساء: 83] (3) في «إذا» معنى الشرط، ولا يجازى بها وإن زيدت عليها «ما» وهي قليلة الاستعمال. قال سيبويه: والجيِّدُ ما قال كعب بن زهير:
وإذا مَا تشاءُ تبعثُ منها … مغربَ الشمسِ نَاشِطًا مَذعُورا (4)
يعني أن الجيد لا يجزم بإذا «ما» كما لم يجزم في هذا البيت» (5). فهو هنا قد اتخذ من الشاهد الشعري دليلًا على ما ذهب إليه من استحسان عدم الجزم بـ «إذا» كأسلوب من أساليب العربية، وأن الجيد هو رفع ما بعد إذا على ما يجب فيها، وهو أجود من الجزم بها (6). وهذا استدلال بالشاهد الشعري على الأسلوب اللغوي الجيد.--------------------------------------------
(1) البيت في الصناعتين 183، وخزانة الأدب 11/ 101.
(2) تفسير الطبري (شاكر) 1/ 439 - 442.
(3) النساء 83.
(4) انظر: ديوانه 33.
(5) الجامع لأحكام القرآن 3/ 188، 1/ 141.
(6) انظر: الكتاب لسيبويه 3/ 62.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 204)

‌‌ثالثًا: الاستدلال بالشاهد الشعري للحكم بعربية الألفاظ والأساليب.
يعقب المفسرون على بعض المفردات أو الأساليب بوصفها بالفصاحة، أو الجودة، أو ناسبين تلك اللغة إلى قبيلة من قبائل العرب، معتمدين في ذلك الحكم على شاهد من شواهد الشعر، ويكثر ذلك عند الموازنة بين القراءات القرآنية، ولا سيما الإمام الطبري.
ومن ذلك قوله رحمه الله: {يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (10)} [القيامة: 10] (1) وبفتح الفاء، قرأ ذلك قرأةُ الأمصار؛ لأن العين في «يَفْعِل» مكسورة، وإذا كانت العين من «يفعِل» مكسورة، فإن العرب تفتحها في المصدر منه، إذا نطقت به على «يَفْعِلُ»، فتقول: فَرَّ يَفِرُّ مَفَرًّا. بمعنى: فرارًا، كما قال الشاعر: (2)
يا لَبَكْرٍ أَنشِروا لي كُليبًا … يا لبَكْرٍ أينَ أينَ الفرارُ (3)
فإذا أُريد بهذا هذا المعنى من مَفْعلٍ قالوا: أين المَفَرُّ؟ بفتح الفاء. وكذلك المدَبُّ من دبَّ يَدِبُّ، كما قال بعضهم:
كأَنَّ بقايا الأَثْرِ فوقَ متونهِ … مَدَبُّ الدَّبَى فوق النَّقَا وهو سارحُ (4)
وقد يُنشَدُ بكسر الدال، والفتح فيها أكثر، وقد تنطق العرب بذلك، وهو مصدر بكسر العين، وزعم الفراء أنهما لغتان، وأنه سمع: جاءَ على مَدَبِّ السَّيلِ، ومَدِبِّ السيلِ، وما في قميصِهِ مَصَحٌّ ومَصِحٌّ» (5). فهو قد جعل الشاهد الشعري مستندًا في تصحيح اللغتين في الكلمة، وذلك بناء على رواية الفراء وهو ثقة لذلك عن العرب (6).
ومن الأمثلة كذلك قوله: «والصواب من القول في ذلك: أَنَّ--------------------------------------------
(1) القيامة 10.
(2) هو مهلهل بن ربيعة.
(3) انظر: ديوانه 24.
(4) لم أجده.
(5) تفسير الطبري (هجر) 23/ 482 - 483.
(6) انظر: معاني القرآن للفراء 3/ 210.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 205)

الشِّهابَ إذا أريد به أنه غيرُ القَبَسِ، فالقراءة فيه بالإضافة؛ لأَنَّ معنى الكلام حينئذ، ما بَيَّنَا من أنه شُعلَةُ قَبَسٍ، كما قال الشاعر (1):
في كفهِ صَعدةٌ مُثقفَةٌ … فيها سِنَانٌ كَشُعلةِ القَبَسِ (2)
وإذا أريد بالشهاب أنه هو القَبَسُ، أو أنه نعتٌ له، فالصواب في الشهابِ التنوينُ؛ لأنَّ الصحيح في كلام العرب تركُ إضافةِ الاسم إلى نعته، وإلى نفسه، بل الإضافات في كلامها المعروفةُ إضافةُ الشيء إلى غير نفسه وغير نعته» (3). وهذه مسألة نحوية.
ويقول الطبري: «ومعنى قولهم: {لَمْ يَتَسَنَّهْ} [البقرة: 259] (4) لم تأت عليه السنون فيتغير، على لغة من قال: أَسْنَهْتُ عندَكُم، أَسْنَهُ، إذا قامَ سَنَةً، كما قال الشاعر (5):
وليستْ بِسَنْهَاءٍ ولا رُجَّبِيَّةٍ … ولكنْ عَرايَا في السنينِ الجوائحِ (6)
فجعل الهاء في السنة أصلًا، وهي اللغةُ الفصحى» (7).
ومن الأمثلة كذلك قول القرطبي عند تفسير قوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (51)} [يس: 51] (8): «أي القبور.
وقُرئ بالفاء: (من الأَجْدَافِ) (9)، ذكره الزمخشري (10). يقال: جَدَثْ--------------------------------------------
(1) هو أبو زبيد الطائي.
(2) انظر: ديوانه 105.
(3) تفسير الطبري (هجر) 18/ 9.
(4) البقرة 259.
(5) هو سويد بن الصامت الأنصاري، ويقال: أحيحة بن الجلاح.
(6) الأمالي 1/ 21، سمط اللآلي 361.
(7) تفسير الطبري (شاكر) 5/ 461.
(8) يس 51.
(9) أنكرَ بعضُهم جَمع أجداف، وذكروا أنه لم ينقل عن العرب، وذهب آخرون إلى أن الفاء والثاء تتعاقبان على الموضع الواحد، وذهب السهيلي إلى أنه بالفاء أصلٌ. انظر: البحر المحيط 7/ 325، معجم القراءات للخطيب 7/ 499.
(10) انظر: الكشاف 4/ 20.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 206)

وجَدَفْ. واللغة الفصيحة الجدث بالثاء، والجمع أَجْدُثٌ وأَجْدَاثٌ، قال المتنخلُ الهُذَليُّ:
عَرَفْتُ بِأَجْدُثٍ فَنِعَافِ عِرْقٍ … عَلامَاتٍ كَتَحْبِيْرِ النِّمَاطِ (1)» (2).

‌‌رابعًا: الاعتماد على الشاهد الشعري في توجيه القراءات.
يعتني المفسرون في كتب التفسير بتوجيه القراءات القرآنية من حيث الإعراب، ويستعينون على ذلك بشواهد الشعر التي تؤيد مذاهبهم الإعرابية. وهذه المواضع من أكثر المواضع التي يلجأ فيها المفسرون إلى دعم ما يذهبون إليه من الآراء بالشواهد الشعرية، ولا سيما النحوية منها. ومن الأمثلة على ذلك:
عند تفسير ابن عطية لقوله تعالى: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9)} [البقرة: 9] (3) قال: «واختلف القُراءُ في {يُخَادِعُونَ} الثاني، فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: {يُخَادِعُونَ} … فوجهُ قراءة ابن كثير ومَنْ ذُكِرَ إحراز تناسب اللفظ، وأن يُسَمَّى الفعلُ الثاني باسم الفعل الأول المسبب له، ويجيء ذلك كما قال الشاعر (4):
ألا لا يَجْهَلَنْ أحدٌ علينَا … فنجهلَ فوقَ جهلِ الجَاهلينَا (5)
فجعلَ انتصارَهُ جَهْلًا» (6). حيث وَجَّهَ قراءة ابن كثير ومن وافقه أنه من باب تناسب اللفظ، وأن قوله {يُخَادِعُونَ} ههنا بِمعنى: {يَخْدَعُونَ}؛ «فإِنَّ فاعلَ قد جاءَ والفعلُ فيه من واحدٍ، كعاقبتُ اللصَّ، وطَارقتُ النَّعلَ، وإِنَّمَا جاء ههنا فَاعَلَ بِمعنى فَعَلَ لِيُشَاكِلَ لفظهُ لفظَ الأَوَّلِ، وإن--------------------------------------------
(1) أَجْدُث ونِعَافِ عِرْقٍ أسماء مواضع، والنِّمَاطُ جَمع نَمَطٍ، وتحبير أي تنقيش. انظر: شرح أشعار الهذليين 3/ 1266.
(2) الجامع لأحكام القرآن 8/ 28.
(3) البقرة 9.
(4) هو عمرو بن كلثوم.
(5) انظر: ديوانه 189.
(6) المحرر الوجيز 1/ 112.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 207)

كان المعنى غير الأول طلبًا لمزاوجة اللفظ». (1) واستشهد على صحة ذلك، وأن العرب تفعله، بقول الشاعر (2).
وقال ابن عطية عند تفسيره لقوله تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ} [الطلاق: 8] (3): «وقرأ ابنُ كثيرٍ وعبيد عن أبي عمرو: {وَكَائِنْ} ممدودٌ مهموزٌ (4)، كما قال الشاعر:
وكائِنْ بالأَبَاطحِ من صديفٍ (5)» (6) … .......................................
فقراءة أبي عمرو هنا صحيحة، وابن عطية يلتمس ما يشهد لهذه القراءة من اللغة، فاستشهد بالشاهد الشعري على صحة هذا الوجه لغةً.
وقال ابن عطية: «وقراءة أبي بن كعب فيما حكى الكسائي: {أو يُسْلِمُوا} بنصب الفعل على تقدير: أو يكون أن يسلموا، ومثله من الشعر قول امرئ القيس:
فقلتُ لهُ: لا تبكِ عَيناكَ إِنَّمَا … نُحاولُ ملكًا أو نَموتَ فَنُعذرا (7)
يروى: نَمُوتَ بالنصبِ، ونَموتُ بالرفع. فالنصبُ على تقدير: أو يكونَ أَنْ نَموتَ، والرفعُ على القطعِ، أَو نَحنُ نَموتُ» (8).
فهو هنا يشير إلى القراءة في قوله تعالى: {قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ} [الفتح: 16] (9) فقد قرأ الجمهور بإثبات النون رفعًا، وهو عطف على {تُقَاتِلُونَهُمْ}، أو على الاستئناف، على تقدير: أو هم يسلمون.--------------------------------------------
(1) الموضح في وجوه القراءات وعللها لابن أبي مريم 1/ 244 - 245.
(2) انظر: السبعة 141، ، النشر 2/ 207.
(3) الطلاق 8.
(4) انظر: السبعة 639.
(5) صدر بيت لجرير، وعجزه: يَراني لَو أُصِبْتُ هوَ المُصَابَا … انظر: ديوانه 1/ 649.
(6) المحرر الوجيز 16/ 43.
(7) انظر: ديوانه 245.
(8) المحرر الوجيز 15/ 102 - 103.
(9) الفتح 16.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 208)

وقرأ أُبَيُّ بن كعب، وزيدُ بن علي، وعبدالله بن مسعود {أَوْ يُسْلِمُوا} بحذف النون، وهو منصوب بتقدير (أن) في قول الجمهور من البصريين على تقدير: إِلَّا أَن يُسْلِموا. وعند الكسائي والجرمي على تقدير: (حتى يسلموا) (1).
ويقول القرطبي: «وقرأ طلحة بن سليمان: {يُدركُكُمُ} برفع الكاف على إضمار الفاء، وهو قليل لم يأت إلا في الشعر نحو قوله:
مَنْ يَفْعَلِ الحَسَنَاتِ اللهُ يَشكرُهُا (2)
أراد: فالله يشكرها» (3). وهو هنا يشير إلى قوله تعالى: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ} [النساء: 78] (4) وقد رَدَّ ابنُ مُجاهد هذه القراءة في العربية، وحكم عليها أبو حيان بالضعف (5). غير أن ابن جني لم يرتض ذلك وقال: «وهو لعمري ضعيف في العربية، وبابه الشعر والضرورة، إلا أنه ليس بمردود؛ لأنه قد جاء عنهم، ولو قال [أي ابن مجاهد]: مردود في القرآن لكان أصح معنى، وذلك أنه على حذف الفاء، كأنه قال: فيدرككم الموت … » (6).
وقد ظهر اهتمام المفسرين بالشعر في فهم الدلالة اللغوية للألفاظ القرآنية مبكرًا منذ بدء التفسير، فقد كان المفسرون من علماء اللغة الذين يحرصون على حفظ الشعر، وقراءة الدواوين ودراستها، حتى ذكر الواحدي أنه درس اللغة ودواوين الشعراء على شيخه العروضي ثم قال: «وقرأت عليه الكثير من الدواوين، وكتب اللغة، حتى عاتبني شيخي رحمه الله يومًا من الأيام، وقال: إنك لم تبق ديوانًا من الشعر إلا قضيت--------------------------------------------
(1) انظر: معاني القرآن للفراء 2/ 71، معاني القرآن للزجاج 5/ 24، إعراب القرآن للنحاس 3/ 191، الكشاف 3/ 138، البيان للأنباري 2/ 377، مغني اللبيب 624.
(2) تقدم تخريجه ص 000.
(3) الجامع لأحكام القرآن 3/ 182.
(4) النساء 78.
(5) البحر المحيط 3/ 299.
(6) المحتسب 1/ 193.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 209)

حقه، أما آن لك أن تتفرغ لتفسير كتاب الله العزيز، تقرأه على هذا الرجل الذي يأتيه البعداءُ من أقاصي البلاد، وتتركه أنت على قرب ما بيننا من الجوار، يعني الأستاذ الإمام أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي رحمه الله.
فقلتُ: يا أَبتِ! إِنَّما أَتدرَّجُ بِهذا إلى ذلك الذي تريدُ، وإذا لم أُحْكِمِ الأدبَ بِجِدٍّ وتَعَب، لم أَرْمِ في غَرضِ التفسيرِ عَنْ كَثَب … » (1).
وهذا الطبري يقول في التأكيد على أن الشواهد الشعرية الصحيحة عمدة المفسر في معرفة الدلالة اللغوية للألفاظ القرآنية فيقول في ذلك: «وأصحهم برهانًا فيما ترجمَ وبَيَّنَ من ذلك مما كان مدركًا من جهة اللسان، إما بالشواهد من أشعارهم السائرة، وإما من منطقهم ولغاتهم المستفيضة المعروفة .. » (2).
بل لم يكن هذا محل عناية المفسرين فحسب، بل إن ابن هشام في السيرة النبوية، يعرض لتفسير بعض الآيات مستعينًا على ذلك بالشعر، فمن ذلك: «قال ابن هشام: (أَيَّانَ مُرسَاها): متى مرساها. يعني بذلك: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي} [الأعراف: 187] (3) قال قيسُ بنُ الحداديةِ الخزاعيُّ (4):
فَجِئْتُ وَمَخْفَى السِّرِّ بَيْنِي وَبَيْنَهَا … لأَسْأَلَهَا أَيَّانَ مَنْ سَارَ رَاجِعُ (5)--------------------------------------------
(1) مقدمة تفسير البسيط للواحدي 1/ 228 - 229 رسالة دكتوراه بتحقيق الدكتور محمد بن صالح الفوزان.
(2) تفسير الطبري (شاكر) 1/ 93.
(3) الأعراف 187.
(4) هو قيس بن منقذ بن عمرو بن عبيد بن ضاطر الخزاعي، والحدادية أمه، من شعراء الجاهلية، كان فاتكًا شجاعًا خليعًا، خلعته خزاعة بعكاظ، فلا تحتمل جرائره. انظر: الأغاني 14/ 144.
(5) انظر: الأغاني 14/ 154.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 210)

ومرساها: منتهاها، وجَمعهُ: مَرَاسٍ، قال الكميت بن زيد الأسدي:
وَالمُصِيْبِيْنَ بَابَ مَا أَخْطَأَ النَّا … سُ وَمُرْسَى قَواعدِ الإِسْلامِ (1)
ومُرْسَى السفينةِ: حيثُ تَنْتهي» (2).
وكذلك أشار شُرَّاحُ الشعر، وجامعو المَجموعات الشعرية إلى أهمية الشعر في تفسير القرآن، قال القرشي في مقدمة مختاراته من شعر العرب: «هذا كتابُ جَمْهَرَةِ أشعار العرب في الجاهلية والإسلام الذين نزل القرآن بألسنتهم، واشتقت العربية من ألفاظهم، واتُّخِذَت الشواهدُ في معاني الحديث من أشعارهم» (3). وقال أبو هلال العسكري وهو يعدد فضائل الشعر: «ومن ذلك أيضًا أن الشواهد تنزع من الشعر، ولولاه لم يكن على ما يلتبس من ألفاظ القرآن، وأخبار الرسول شاهد» (4).--------------------------------------------
(1) انظر: ديوانه 2/ 178.
(2) السيرة النبوية 2/ 218.
(3) جمهرة أشعار العرب 11.
(4) الصناعتين 138.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 211)

‌‌المبحث السابع: الرد على التشكيك في الشعر الجاهلي وخطره على تفسير القرآن.
العربُ أهلُ فصاحةٍ وبَيَانٍ، وأهل شِعْرٍ وخَطَابة، وقد «كان الشعر في الجاهلية عند العرب ديوان علمهم، ومنتهى حكمهم، به يأخذون، وإليه يصيرون» (1)، وقد أنزل الله القرآن الكريم بلسان عربي مبين، وكان نزوله حادثة فريدة في تاريخ البشر، وفي تاريخ الأنبياء صلوات الله عليهم، ولذلك « … كان الذين آمنوا بهذا الكتاب - كتاب الله - هم العربُ الجاهليين أصحاب «الشعر الجاهلي»، فصورة هذا العصرِ، وصُورُ رِجَالهِ أَسَاسٌ لا غِنَى عنه في قضيةِ صحةِ الشعرِ الجاهلي، وفي قضية صحةِ روايته» (2).
وقد تَحدَّى الله العرب أن يأتوا بمثل هذا القرآن، وكان إعجاز القرآن الذي تحدى الله به العربَ إعجازًا بيانيًا مرتبطًا بلغتهم العربية، التي يُمثِّلُ الشعرُ أعلى مُستوياتِها، ولا سيما شعر الجاهلية «الذي هو أقوى الشعر وأفحله» (3)، وهو الأصل الذي انبثق منه الشعر العربي في سائر العصور، فكان الطعن في هذا الشعر طعنًا في لغة القرآن، وطعنًا في شواهدها التي عَوَّلَ عليها المفسرون، وذلك لأنَّ مطالبة العرب بأن يؤمنوا بأن محمدًا صلى الله عليه وسلم رسولٌ من الله أرسله إليهم، يبلغهم عن ربهم،--------------------------------------------
(1) طبقات فحول الشعراء 1/ 24.
(2) قضية الشعر الجاهلي في كتاب ابن سلام لمحمود شاكر 104.
(3) الصناعتين 137.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 212)

حقيقة تاريخية واقعة لا شك فيها؛ لأنه «مُحالٌ أن يفجأ الله عباده من عَربِ الجاهلية بهذا التبيُّنِ الذي طالبهم به، وهم خِلْوٌ من القدرة عليه، فكان لزامًا أن تكون لهم قدرة يعلمها سبحانه فيهم، وإن جهلوها هم من أنفسهم من قبل أن يطالبوا بهذا التبين، وإلا يكن ذلك كذلك، كانت المطالبة تعجيزًا محضًا لعباده، يسقط منهم التكليف الذي تقتضيه هذه المطالبة» (1).
وقد تعرض هذا الشعر في العصور المتأخرة إلى الطعن في صحته من قبل عدد من الباحثين من المستشرقين والعرب، ونظرًا لما لهذا الطعن من خطر على ما يرتبط بهذا الشعر من الاستشهاد به في تفسير القرآن الكريم، كان من الضروري التعرض لهذه المسألة بشيء من الاقتضاب الذي يعطي صورة واضحة للمسألة، وذلك في النقاط التالية:
أقسام الشعر الجاهلي من حيث الصحة:
الشعر الجاهلي كغيره من جوانب تاريخ الجاهلية كان يعتمد الرواة في نقله على الحافظة، والرواية الشفوية في معظمه، وقد اعتراه ما اعترى غيره من المسموعات من اختلافٍ في الرواية، أو تزيُّدٍ فيها أو في بعضها، وربَّمَا تعرَّضَ للوضعِ والاختلاق، ولذلك يُمكنُ تقسيم الشعر الجاهلي من حيث الصحة ثلاثة أقسام:
الأول: شعر صحيح لا سبيل إلى الشك فيه، وهو الذي أجمع العلماء الثقات على صحته، وفقًا لخبرتهم بهذا الشعر، وكانوا كثيرًا ما يعتمدون على حسهم الشعري النقدي، الذي اكتسبوه بعد معاناة شاقة في جمع تلك المادة ودراستها، التي أثمرت معرفة واسعة في تمييز صحيح الشعر من منحوله، ومن ذلك أنَّ حمادًا--------------------------------------------
(1) قضية الشعر الجاهلي في كتاب ابن سلام 111.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 213)

الراوية أنشد بلال بن أبي بردة شعرًا مدحه به، فقال بلال لذي الرمة: كيف ترى هذا الشعر؟ قال ذو الرمة: جيد، وليس له! قال بلال: فمن يقوله؟ قال: لا أدري، إلا أنه لم يقله، فلما قضى بلال حوائج حماد، قال له: أنت قلت هذا الشعر؟ قال: لا، قال: فمن يقوله؟ قال: بعض شعراء الجاهلية، وهو شعر قديم، وما يرويه غيري. قال: فمن أين علم ذو الرمة أن ليس من قولك؟ قال: عرف كلام أهل الجاهلية من كلام أهل الإسلام (1)، ولذلك ذهب ابن سلام إلى أن ما اتفق عليه العلماء فليس لأحد أن يخرج منه (2).
وما ذاك إلا لقوة تلك الملكة النقدية التي تميز بها العلماء والرواة في زمن الرواية الأول، والتي جعلت خلفًا الأحمر يقول حينما قال له قائل: إذا سمعتُ أنا بالشعر أستحسنه، فما أبالي ما قلت فيه أنت وأصحابك، فقال خلف رادًا عليه: إذا أخذت أنت درهمًا فاستحسنته، فقال لك الصرَّافُ: إنه رديء، فهل ينفعك استحسانك له؟ (3).
وهذا القسم يُمثِّلُ جُلَّ المحفوظِ مِن شعر الجاهلية، وهو الذي اعتمد عليه المفسرون واللغويون والنحويون في الاستشهاد والاحتجاج، وقد حُفظ عبر الرواية الصحيحة، واستقر في الدواوين الموثوقة حتى اليوم.
الثاني: شعر منحول مصنوع:
وهو شعر ساقط، لا يعتد به، تعددت أسباب وضعه فمنه ما وضعه القُصَّاص؛ لتحسين قصصهم بالشعر، إذ كانوا على معرفة تامة بمحبة العربي للشعر، وكان الشعر بمثابة الدليل على تأكيد صحة ما يقولون، ولذا وضعوا شعرًا على لسان آدم والأنبياء والعرب البائدة (4).--------------------------------------------
(1) انظر: الأغاني 6/ 88.
(2) انظر: طبقات فحول الشعراء 1/ 4.
(3) طبقات فحول الشعراء 1/ 7.
(4) انظر: طبقات فحول الشعراء 1/ 5.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 214)

وهناك أشعار وضعت على ألسنة الحيوانات (1)، وأشعار سبب نحلها العصبية القبلية، ورغبة أفراد القبيلة في رفع شأن عشيرتهم، فيذكرون من الأمجاد والوقائع ما ليس لهم (2).
والذي يعني البحث أن هذا الضرب من الشعر ساقط لا يُحْتَجُّ ولا يُستشهد به على ألفاظ القرآن ولا تفسير آياته، ولذلك يقول ابن سلام: «وفي الشعر مصنوع مفتعل موضوع كثير لا خير فيه، ولا حجة في عربيته … وقد تداوله قوم من كتاب إلى كتاب، لم يأخذوه عن أهل البادية، ولم يعرضوه على العلماء، وليس لأحد - إذا أجمع أهل العلم والرواية الصحيحة على إبطال شيء منه - أن يقبل من صَحِيفَةٍ، ولا يروي عن صَحَفي» (3).
وهذا القسم قد مَحَّصه العلماء، وأسقطوه من المصنفات منذ العصور المتقدمة، ومن ذلك أن ابن هشام (ت 218 هـ) قد أخذ على عاتقه مهمة تنقية سيرة ابن إسحاق مما شابها، فتعقب ابن إسحاق ونقد الشعر الذي أورده، وبيَّنَ الفاسدَ الموضوعَ وأسقطه، وأوضح نقد العلماء له، وذكر الروايات الصحيحة (4).
ولم يكن لهذا الضرب من الشعر تأثير في شواهد التفسير، بحيث يُشكِّلُ عِلَّةً قادحةً تُعَلُّ بِها قضية الاستشهاد بالشعر، وذلك لندرته في كتب التفسير، ومن أمثلته النادرة ما أورده المفسرون في مواضع متفرقة من تفاسيرهم، وهو قول الشاعر:
فَأَنْكَرتني ومَا كانَ الذي نَكِرَتْ … مِن الحوادثِ إِلَّا الشَّيبَ والصَّلعَا
فقد استشهد به المفسرون (5)، في حين قد اعترف أبو عمرو بن--------------------------------------------
(1) انظر: الكامل 2/ 731.
(2) انظر: طبقات فحول الشعراء 1/ 46.
(3) المصدر السابق 1/ 4.
(4) انظر: السيرة النبوية 1/ 4.
(5) مجاز القرآن 1/ 293، تفسير الطبري (هجر) 12/ 472، 23/ 595.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 215)

العلاء رحمه الله بوضعه، وإضافته لقصيدة الأعشى (1).
الثالث: شعرٌ مُخْتَلَفٌ فيه بين العلماء والرواة منذ الصدر الأول للرواية، حتى قال ابن سلام: «وقد اختلف العلماء بعدُ في بعض الشعر، كما اختلفت في سائر الأشياء فأما ما اتفقوا عليه فليس لأحد أن يخرج منه» (2). وهذا الضرب قد يبدو كثيرًا، غير أن الدراسات المتأنية قد أثبتت أنه ضئيل جدًا إذا ما قورن بما وثقه العلماء الأثبات، والرواة العدول، وقدكان للاختلاف بين العلماء أثر كبير في تضخيم هذا الضرب، وكثرة الدراسات حوله، ويمكن فهم مثل هذا الاختلاف إذا عُلِمَ أن الرواة لم ينهلوا من مصدر معيَّن وحيد، بل لكل راوية مصادر متعددة، فضلًا عن اختلاف المناهج التي تجعل المقبول عند راوية مرفوضًا بعينه عند راوية آخر، ناهيك عن النزاعات المذهبية التي وسعت دائرة هذا الضرب حتى أصبح كل فريق يرمي الآخر بالصنعة والوضع، انتصارًا للرأي، ورميًا للطرف الآخر بالانتحال. وقد اجتهد بعض الباحثين في جمع كل ما رمي بالوضع أو الانتحال في الشعر فلم يظفر إلا بعد قليل من الأبيات، ولم يَسْلَم له أكثرها (3).

‌‌التشكيك في الشعر الجاهلي بين القدماء والمعاصرين:
شكك بعض العلماء المتقدمين في بعض الأبيات والمقطعات الشعرية، ورموها بالوضع والصنعة، وانتقدوا عددًا من الرواة الذين عرفوا بالكذب في رواية الشعر، وكانوا يرمون من وراء ذلك إلى تنقية الشعر الجاهلي مما شابه من الكذب، والحرص على سلامته، والحرص قبل ذلك على لغة العرب التي هي لغة القرآن الكريم، وكان ذلك دليلًا على--------------------------------------------
(1) مجاز القرآن 1/ 293، وانظر: انظر: ديوان الأعشى 150.
(2) طبقات فحول الشعراء 1/ 4.
(3) انظر: الشعر المنحول للدكتور فضل العماري، ط. مكتبة التوبة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 216)

الأمانة العلمية التي تحلى بها أولئك النفر من العلماء الناقدين، والجهابذة العارفين بكلام العرب وأشعارها.
ولما جاء العصر الحديث، أَحيا بعضُ الباحثين قضيةَ الوَضْعِ في الشعر الجاهلي، واقتطعوا من كلام المتقدمين ما يوافق أهوائهم من الطعن في صحة الشعر الجاهلي، وكان الباعث عند هؤلاء المعاصرين من المستشرقين وأتباعهم هو الطعن في الشعر الجاهلي، واتخذوا ذلك مطية للطعن في القرآن الكريم ولغته، والمتأمل لدراسات المستشرقين يلحظُ رَغبةَ نَفَرٍ من المستشرقين في التعرض إلى مفتريات كاذبة تتجه وجهة الهدم في الإسلام، والطعن في النبوة والقرآن، دون أن يكون لهذه المفتريات صلة بالبحث الأدبي الخالص، بل تؤكد الحقائق الواضحة أنهم ما تكلموا في الأدب والشعر الجاهلي لوجه الأدب، بل من أجل الطعن في الإسلام والقرآن؛ ولذلك تصدَّى العلماء لرد هذه الأباطيل، وبالغوا في ذلك حياطة للقرآن، وحمايةً للغة العربية.
وفيما يلي عرض لقضية الانتحال في الشعر الجاهلي، وتاريخ هذه المسألة منذ كتب فيها العلماء المتقدمون ما يسعى في توثيق الشعر وحفظه، حتى المعاصرين الذين كتبوا ما يوهي من شأن هذا الشعر، ويشكك فيه، مع عرض أدلة الفريقين، وأقوالهم.

‌‌أولًا: القدماء:
كان للمفضل الضبي الكوفي (ت 168 هـ) (1)، والأصمعي (ت 216 هـ) (2) سبق في نقد الرواة الكذابين، وبيان ما كذبوا فيه، غير أن أول من بحث هذه القضية بحثًا منظمًا مستفيضًا هو محمد بن سلام الجمحي (ت 231 هـ)، وعزا أسباب الوضع إلى عاملين أساسيين: العصبية القبلية، والرواة الوضاعين، فقد رأى أن بعض القبائل كانت تتزيد في--------------------------------------------
(1) انظر: الأغاني 6/ 89.
(2) انظر: مراتب النحويين 46 - 48.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 217)

أشعارها، وتنحل شعراءها شعرًا لم يقولوه، فأوضح ذلك في قوله: «لما راجعت العرب رواية الشعر وذكر أيامها ومآثرها، استقل بعض العشائر شعر شعرائهم، وما ذهب من ذكر وقائعِهم، وكان قومٌ قد قَلَّتْ وقائعُهُم وأشعارُهم، وأرادوا أن يَلحقوا بِمَن لَهُ الوقائعُ والأشعار، فقالوا على ألسنِ شعرائهم، ثُمَّ كانت الرواة بعدُ فزادوا في الأشعار» (1). وقد بَيَّنَ ما أضافه القرشيون في شعر شعرائهم، فطولوا قصيدة لأبي طالب في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذَكَرَ ما حُمِلَ على حسان بن ثابت رضي الله عنه، وقد لَحَظَ أن بعض أبناء الشعراء الأعراب كانوا يفدون إلى المدن ويستنشدهم الرواةُ شعرَ آبائهم فينشدونهم، فإذا نفد ما لديهم زادوا في الأشعار، كما فعل داود ابن متمم بن نويرة. قال ابن سلام: «أخبرني أبو عبيدة، أن ابن داوود بن متمم بن نويرة، قدم البصرة في بعض ما يقدم له البدوي من الجلب والميرة … فسألناه عن شعر أبيه متمم، وقمنا له بحاجته وكفيناه ضيعته، فلما نفد شعر أبيه، جعل يزيد في الأشعار ويصنعها لنا، وإذا كلام دون كلام مُتَمِّم، وإذا هو يحتذي على كلامه فيذكر المواضع التي ذكرها متمم، والوقائع التي شهدها، فلما توالى ذلك علمنا أنه يفتعله» (2).، ولم يَخْفَ هذا الشعرُ المصنوعُ على الرواة الناقدين، فكانوا يرفضونه.

-‌‌ طرائق المتقدمين في التمحيص والتثبت:
‌‌1 - التنبيه على الرواة الكذابين:
بدأ نقد الرواة الكذابين بما قاله المفضل الضبي الكوفي (ت 168 هـ) الذي نقد حَمَّادَ الراوية وبيَّنَ أكاذيبهُ (3)، وكذلك فعل الأصمعي (ت 216 هـ) حين نقد خلفًا الأَحْمر. (4) ثم تصدى للأمر ابنُ سلَّام فنَبَّهَ--------------------------------------------
(1) طبقات فحول الشعراء 1/ 5.
(2) طبقات فحول الشعراء 1/ 47 - 48.
(3) انظر: الأغاني 6/ 89.
(4) انظر: مراتب النحويين 46 - 48.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 218)

على الرواة الكذابين كحمَّاد الراوية، ورفض مروياته، وبَيَّنَ فساد روايته، وحذَّرَ منه، فقال: «وكان أول من جمع أشعار العرب، وساق أحاديثها، حماد الراوية، وكان غير موثوق به، وكان ينحل شعر الرجل غيره، وينحله غير شعره، ويزيد في الأشعار» (1). وقال يونس بن حبيب: «العجب ممن يأخذ عن حماد، وكان يكذب ويلحن ويكسر» (2).

‌‌2 - التنبيه على من يحمل الشعر المزيف من غير الرواة:
وذكر ابن سلَّام صنفًا آخر من الرواة يحملون الشعر الزائف هم رواة الأخبار والسير، وأشار إلى ابن إسحاق راوي السيرة النبوية، فقال: «وكان مِمَّن أفسد الشعر وهجَّنه، وحَمَلَ كل غثاء منه محمد بن إسحاق بن يسار … وكان من علماء الناس بالسير … فقبل الناس عنه الأشعار، وكان يعتذر منها ويقول: لا علم لي بالشعر، أُتينا به فأحمله، ولم يكن ذلك له عذرًا، فكتب في السير أشعار الرجال الذين لم يقولوا شعرًا قط، وأشعار النساء فضلًا عن الرجال، ثم جاوز ذلك إلى عاد وثمود، فكتب لهم أشعارًا كثيرة، وليست بشعر، إنما هو كلام مؤلف معقود بقوافٍ، أفلا يرجع إلى نفسه، فيقول: مَنْ حَمَلَ هذا الشعر؟ ومَن أداه منذ آلاف السنين، والله تبارك وتعالى يقول: {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا} [الأنعام: 45] (3) أي: لا بقية لهم، وقال أيضًا: {وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (50) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (51)} [النجم: 50، 51] (4)؟ » (5).
وقال كذلك: «ولسنا نَعُدُّ ما يروي ابن إسحاق له - أي لأبي سفيان بن الحارث - ولا لغيره شعرًا، ولأن لا يكون لهم شعرٌ أحسن من أن يكون ذلك لهم» (6).
ولم يكن ابن سلام وحده الذي نبَّهَ إلى فساد الشعر الذي يحمله--------------------------------------------
(1) طبقات فحول الشعراء 1/ 48.
(2) المصدر السابق 1/ 49.
(3) الأنعام 45.
(4) النجم 50 - 51.
(5) طبقات فحول الشعراء 1/ 7 - 8.
(6) المصدر السابق 1/ 8.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 219)

ابن إسحاق ونقده، بل أخذ آخرون على عاتقهم مهمة تنقية الشعر مما شابه من الزائف المصنوع، مثل ابن هشام صاحب السيرة النبوية (ت 218 هـ) الذي عمل على تهذيب سيرة ابن إسحاق، وتعقب ابن إسحاق فنقد الشعر، وبين الفاسد المصنوع، وأسقط الشعر الفاسد، وأوضح نقد العلماء له، وذكر الروايات الصحيحة، وهكذا (1).
وقد اعتذر ابن إسحاق بأنه لا علم له بالشعر، وأنه يؤتى به فيحمله، ولم يرض ابن سلام بذلك العذر، فقال: «ولم يكن له ذلك عذرًا، فكتب في السيرة أشعار الرجال الذين لم يقولوا شعرًا قط، وأشعار النساء فضلًا عن الرجال، ثم جاوز ذلك إلى عاد وثمود، فكتب لهم أشعارًا كثيرة، وليس بشعر .... فلو كان الشعرُ مثلَ ما وُضِعَ لابن إسحاق، ومثل ما رواه الصحفيون ما كانت إليه حاجة، ولا فيه دليل على علم» (2).
ونقد ابنُ النديم ابنَ إسحاق كذلك، فقال: «ويقال كان يُعْمَلُ له الأشعارُ ويُؤتى بِهَا، ويُسْأَلُ أن يُدخلها في كتابه السيرة فيفعل، فضَمَّنَ كتابَه من الأشعار ما صار به فضيحةً عند رواة الشعر» (3).
هؤلاء العلماء الأثبات حين جرحوا الرواة وكذبوا الوضاعين وبينوا الشعر الفاسد المصنوع، وثقوا من ناحية ثانية الشعر الصحيح، وعدلوا الرواة الثقات، وشهدوا لهم بالدقة والأمانة والعلم. ففي الشعر الجاهلي والإسلامي، شعر منتحل موضوع، ولم يكن النقاد القدامى غافلين عنه، فقد نقدوه ومحصوه، وبينوا صحيحه من فاسده، ولكن ذلك الشعر المصنوع لم يكن من الكثرة بحيث يضطرب الدارسون في معرفته، أو يتخذون ذلك القليل الفاسد وسيلة لا تهام الشعر الجاهلي عامة، فإن من--------------------------------------------
(1) انظر: السيرة النبوية 1/ 4، مصادر الشعر الجاهلي 335 - 345.
(2) طبقات فحول الشعراء 1/ 8.
(3) الفهرست 36.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 220)