وهذا النص منقول عن «الصحاح» للجوهري (1).
وينقل عن أبي بكر بن الأنباري في قوله: «قلتُ - أي القرطبي: قد ذكر أبو بكر الأنباريُّ في كتاب «الزاهر» له لمَّا تكلم على معنى الفِسْقِ قولَ الشاعر (2):
يَذْهَبْنَ في نَجْدٍ وغورًا غائرا … فواسقًا عن قَصدِها جَوائِرا (3)» (4).
وهذا النص في كتاب أبي بكر بن الأنباري المشار إليه (5).
وينقل قول الخليل بن أحمد في قوله: «وأنشد الخليلُ:
يَمَّمْتُهُ الرمحَ شَزْرًا ثُمَّ قلتُ لهُ: … هَذي البَسَالةُ لا لُعْبُ الزَّحَاليقِ
قال الخليل: من قال في هذا البيت: أَمَّمْتُهُ فقد أَخطأَ؛ لأنه قال: شزرًا. ولا يكون الشَّزْرُ إلا من ناحيةٍ، ولم يقصد أمامه» (6).
ويعتمد في مواضع على شرح الطبري للشاهد الشعري، كما في قوله: «وأما قول الشاعر:
................................ … إِنِّي على الحسابِ مُقيتُ (7)
فقال فيه الطبري: «إِنَّهُ من غير هذا المعنى المُتقدِّمِ، وإِنه بِمعنى المَوقوف» (8). وهذا الشاهد في تفسير الطبري، وكلام الطبري بتمامهِ: «وأَما المُقيتُ في بيت اليهوديِّ - هو السموأل - الذي يقولُ فيه:
لَيْتَ شِعْرِي وأَشْعُرَنَّ إِذَا مَا … قَرَّبُوهَا مَطويَّةً ودُعِيتُ
أَلِيَ الفَضلُ أَمْ عَليَّ إِذَا حُوْ … سِبْتُ إِنِّيْ عَلى الحِسَابِ مُقِيْتُ
فإن معناه: فإني على الحساب موقوفٌ، وهو من غير هذا--------------------------------------------
(1) انظر: 6/ 2479.
(2) هو رؤبة بن العجاج.
(3) انظر: ديوانه 190، الزاهر لابن الأنباري 1/ 120.
(4) الجامع لأحكام القرآن 1/ 170، وانظر: 1/ 74.
(5) انظر: الزاهر 1/ 120.
(6) الجامع لأحكام القرآن 3/ 150.
(7) للسموأل بن عادياء كما في ديوانه 81.
(8) المصدر السابق 3/ 191.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 181)
المعنى» (1). وأظن الطبري قد نقل هذه الأبيات عن أبي عبيدة (2).
ويقول القرطبي: «قال ابن الشجريِّ هبةُ اللهِ بنُ عليِّ (3): ومن العَربِ مَن يأتي بالجامعِ بلفظِ الواحدِ، كما قال (4):
وَإِنَّ الذي حَانَتْ بِفَلْجٍ دِمَاؤُهُمْ … هُمُ القَومُ كُلُّ القَومِ يَا أُمَّ خَالدِ (5)» (6).
وهذا النصُّ منقول من «أمالي ابن الشجري» (7).
وينقل القرطبي عن الجوهري كما في قوله: «قال رؤبة:
لو أَنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مَعَا … وعَادَ عَادٍ واستَجَاشُوا تُبَّعَا (8)
ذكره الجوهري» (9). وهو في الصحاح للجوهري كما ذكر (10).
وربما نقل الكلام متفرقًا، ثم أحال على عدة مصادر كما في قوله: «أن العرب استعملت «لعل» مجردة من الشك بمعنى لام كي، فالمعنى: لتعقلوا ولتذكروا ولتتقوا، وعلى ذلك يدل قول الشاعر:
وقُلْتُمْ لَنَا كُفُّوا الحُرُوبَ لَعَلَّنَا … نَكُفُّ وُوَثَّقْتُم لَنَا كُلَّ مَوْثِقِ
فَلمَّا كَفَفْنَا الحَرْبَ كَانَتْ عُهُودُكُمْ … كَلَمْعِ سَرابٍ في الفَلا مُتَأَلِّقِ (11)
المعنى: كفوا الحروب لنكفَّ، ولو كانت «لعل» هنا شكًا لم يوثقوا--------------------------------------------
(1) تفسير الطبري 7/ 273.
(2) انظر: مجاز القرآن 1/ 135.
(3) هو هبة الله بن علي بن محمد بن حمزة الحسني العلوي، ولد ببغداد سنة 450 هـ وتوفي سنة 542 هـ، لغوي نحوي، يعرف بابن الشجري، واختلف في نسبته هذه، من مؤلفاته الأمالي في اللغة والنحو. انظر: نزهة الألباء 404، إنباه الرواة 3/ 356.
(4) هو الأشهب بن رميلة.
(5) انظر: ديوانه ضمن كتاب (شعراء أمويون) 231.
(6) الجامع لأحكام القرآن 1/ 148.
(7) انظر: أمالي ابن الشجري 3/ 57.
(8) انظر: ديوانه 92.
(9) الجامع لأحكام القرآن 6/ 38.
(10) انظر: الصحاح 5/ 145.
(11) البيتان غير منسوبين، وهما في أمالي ابن الشجري 1/ 77، والحماسة البصرية 1/ 87 وقد استوفى المحقق تخريجهما.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 182)
لهم كُلَّ موثق. وهذا القول عن قطرب والطبري» (1). وهذا الذي نقله في تفسير الطبري (2).
كما ينقل القرطبي عن ابن قتيبة كما في قوله: «وأنشد القتبيُّ (3):
يَسُدُّونَ أَبوابَ القِبَابِ بِضُمَّرٍ … إِلى عُنُنٍ مُستوثقاتِ الأَوَاصِرِ (4)» (5).
وهذه المصادر التي تقدمت للشاهد الشعري عند المفسرين، تشترك مع مصادر الشاهد الشعري عند النحويين واللغويين، وذلك أن الدراسات اللغوية في بدايتها كانت من أجل القرآن الكريم وتفسيره، وهذه المصادر هي التي صرح المفسرون بذكرها في تفاسيرهم، وربما أغفلتُ ذكر بعض المصادر التي لم يشر إليها، وإن كان المفسر قد أخذ عنها. ولا شك أن حصر مصادر العلماء في تلك الموسوعات التفسيرية بدقة فيه عسر، لاختلاف مناهجهم، وإغفالهم لكثير من المصادر التي أخذوا عنها بطريقة أو بأخرى.
وأختم بالإشارة إلى أهمية الرجوعِ لمصادر الشعر الجاهلي والإسلامي في العصر الراهن، وانتزاع الشواهد الشعرية اللغوية والنحوية منها، والاستدلال بِها على قواعد ومسائل لم يسبق للمتقدمين الاستشهاد بها، أو دعم المسائل القديمة بشواهد إضافية دون الاقتصار على شواهد المتقدمين التي أصبحت مُمِلَّةً عند بعض الطلاب.
وقد كان عبد الحميد الفراهي (6) يفعل هذا في مصنفاته في التفسير--------------------------------------------
(1) الجامع لأحكام القرآن 1/ 158.
(2) انظر: تفسير الطبري 1/ 387.
(3) لم أجده عند ابن قتيبة في المطبو ع من كتبه.
(4) البيت لِسَلمَةَ بن الخَرشب الأَنْماري.
(5) الجامع لأحكام القرآن 3/ 9.
(6) هو عبدالحميد بن عبدالكريم بن قربان الفراهي الهندي ولد سنة 1280 هـ وتوفي سنة 1349 هـ، له تفسير نظام الفرقان، وله كتاب المفردات في غريب القرآن، وغيره. انظر: ترجمة الفراهي بقلم السيد سليمان الندوي في مقدمة كتاب إمعان في أقسام القرآن للفراهي 15.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 183)
واللغة، ويستدرك على المفسرين المتقدمين أشياء استنادًا إلى الشواهد الشعرية التي أخذها من هذه المصادر.
وسأمثل لذلك بِما قاله في تفسير معنى «الآلاء» وكيف جَمعَ الشواهد الشعرية لتأييد رأيه الذي ذهب إليه، وخالفَ فيه المتقدمين. (1) قال: «الآلاءُ، أَجْمعوا على أَنَّ معناه: النِّعَمُ، ولكنَّ القرآن، وأشعار العرب يأباهُ. والظاهرُ أَنَّ معناه: الفِعالُ العَجيبةُ … ولَمَّا كان غالبُ فِعالهِ تعالى الرَّحْمةَ، ظنُّوا أَنَّ الآلاءَ هي النعم. والروايةُ عن ابن عباس رضي الله عنهما حَملتهم على هذا. ولكنَّ السَّلفَ إذا سُئلوا أجابوا حسب السؤال، والمراد المخصوص في موضعٍ مسؤول عنه … أما القرآن فقوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (55) هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (56)} [النجم: 55، 56] (2)، بعد ذكر إهلاك الأقوام. وهكذا في سورة الرحمن.
وأَمَّا كلامُ العَربِ، فقال طَرَفَةُ:
كامِلٍ يَحْمِلُ آلآءَ الفَتَى … نَبَهٍ سَيِّدِ ساداتٍ خِضَمّْ (3)
وقالت مَيَّةُ بنتُ ضرارٍ تَرثي أَخاها:
كَرِيْمٍ ثَناهُ وآلاؤُهُ … وكافِي العَشِيْرَةِ ما غَالَها (4)
وقال المهلهلُ أخو كُليبٍ يَرثي أَخاهُ كُليبًا:
الحَزْمُ والعَزْمُ كانا مِنْ طَبائِعِهِ … ما كُلُّ آلآئِه يا قَومِ أُحْصِيها (5)
وقال رَبيعةُ بنُ مَقرومٍ، أَحدُ بَنِي غَيظ بن السِّيد:
ولولا فَوارِسُنا ما دَعَتْ … بِذاتِ السُّلَيْمِ تَميمٌ تَميما
وما إِنْ لأُوئِبَها أَنْ أَعُدَّ … مآثرَ قَومِي ولا أَنْ أَلوما--------------------------------------------
(1) سأنقل تخريجات المحقق الدكتور محمد أجمل الإصلاحي للشواهد باختصار، وأدع الشرح طلبًا للاختصار.
(2) النجم 55 - 56.
(3) انظر: ديوانه 110.
(4) انظر: شاعرات العرب 400.
(5) انظر: ديوانه 90.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 184)
ولكنْ أُذَكِّرُ آلآءَنا … حَدِيثًا وما كانَ مِنَّا قَدِيْما (1)
وقال الأجدع الهمداني:
ورضيتُ آلآءَ الكُميتِ فَمَنْ يَبِعْ … فَرَسًا فَليسَ جَوادُنا بِمُباعِ (2)
قال الجوهريُّ في هذا الشِّعرِ: «آلآؤهُ: خِصالُهُ الجميلةُ». ولكنَّهُ لَم يَتثبَّت (3) على هذا المعنى الذي هو أَصلُهُ، فقال في مادةِ أَلا: «والآلاءُ: النِّعَمُ، واحدُها: أَلا بالفتحِ، وقد يُكسَرُ ويُكتبُ بالياء، مِثالهُ: مِعى وأَمعاء» (4). فاتَّبعَ ما فَهِمَ المفسرون عن ابن عباس رضي الله عنه. وقال فَضالةُ بنُ زيدٍ العدواني، وهو من المُعَمّرين:
وفي الفَقْرِ ذُلٌّ للرِّقابِ، وقَلَّما … رَأَيتُ فَقيرًا غَيْرَ نِكْسٍ مُذَمَّمِ
يُلامُ وإِنْ كانَ الصَّوابُ بِكَفِّهِ … ويُحْمَدُ آلآءُ البَخيلِ المُدَرْهَمِ (5)
أي: يَحمدون صفاتِ البخيلِ وفِعالهِ. وهذا البيتُ أوضحُ دَلالةً مِمَّا ذكرنا قبلَهُ على معنى الآلاءِ. وقال الحماسيُّ (في المراثي، ولم يُسمِّهِ أبو تَمَّام):
إذا ما امرؤٌ أَثْنَى بِآلآءِ مَيّتٍ … فلا يُبْعِدِ اللهُ الوليدَ بنَ أَدْهَما
فَما كان مِفْراحًا إذا الخَيْرُ مَسَّهُ … ولا كان مَنَّانًا إذا هُو أَنْعَما (6)
فَفَسَّر ما أرادَ من الآلاءِ بذكر أَنَّهُ لم يكن مِفراحًا إذا مَسَّه الخيرُ، ولا مَنَّانًا إذا أَنعمَ. وقالت الخنساءُ:
فَبَكى أَخاكَ لآلآئهِ … إذا المَجدُ ضَيَّعَهُ السَّائِسُونا (7)» (8).
فهذه ثمانية شواهد شعرية ينتمي غالبها للعصر الجاهلي، توضِّحُ--------------------------------------------
(1) انظر: المفضليات 184.
(2) انظر: الأصمعيات 69.
(3) هكذا، ولعلها: يَثْبُت.
(4) الصحاح 3/ 1189.
(5) انظر: الحماسة البصرية 2/ 713، وذكر المحقق مصادر أخرى.
(6) انظر: شرح الحماسة للمرزوقي 925.
(7) انظر: أنيس الجلساء 243.
(8) مفردات القرآن 125 - 133.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 185)
المعنى الدقيق للآلاء بدون شرحٍ، وقد أضافُ المُحققُ ستة شواهد شعرية جاهلية أخرى تؤيد هذا المعنى. وهذه الشواهد مأخوذة من مصادر الشعر الجاهلي الموثوقة، كحماسةِ أبي تَمَّام والمفضليات والأصمعيات ودواوين الشعراء.
يقول مُحققُ كتابهِ المُفردات: «ثُمَّ إِنَّ عددًا كبيرًا من شواهد المؤلف شواهد جديدة لم تَرِد في مظانِّها من كتب التفسير والغريب والمعاجم، مع أَنَّها وردت في الدواوين المشهورة التي رواها علماءُ اللغة، وكانت خليقةً بالتقييد لكونِها تَهدي إلى معنىً جديد لبعض الكلمات، أو وجهٍ جديدٍ من وجوهه، أو تفسيرٍ أدقّ من تفسيره المعروف» (1). وقد ذكر المترجِمون له أَنَّهُ كان يدرسُ الشعر الجاهلي دراسةً عميقةً من أجل هذه الغاية، وهي فهم القرآن الكريم فهمًا دقيقًا، والتوصل لذلك عن طريق الاستشهاد والاحتجاج بالشواهد الشعرية من الشعر الجاهلي. وقد بلغ في علم العربية مبلغًا يلحظه من تأمل مؤلفاته في ذلك. وهذا الباب يفتحُ مجال الاجتهاد والتدرب على مُمارسةِ كلام المتقدمين وشعرِهم، والغوصِ على أسراره.--------------------------------------------
(1) مفردات القرآن 65.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 186)
المبحث السادس: صلة الشاهد الشعري بالتفسير اللغوي.
التفسير اللغوي للقرآن الكريم أحد أنواع التفسير، فقد ذكر المتقدمون أنواعًا للتفسير، حيث يقول الإمام عبدُ الرزاق الصنعانيُّ: «حدثنا الثوري عن ابن عباس رضي الله عنهما أَنَّهُ قَسَّمَ التفسير إلى أربعة أقسام: قسم تعرفه العرب في كلامها، وقسم لا يُعذَرُ أحدٌ بِجَهالتهِ، يقول من الحلال والحرام، وقسمٌ يعلمه العلماءُ خاصةً، وقسم لا يعلمه إِلَّا اللهُ، ومن ادَّعى عِلمَه فهو كاذِبٌ» (1).
وقد شرح الطبري القسم الأخير منها فقال: «وهذا الوجه الرابع الذي ذكره ابن عباس من أَنَّ أحدًا لا يُعذَرُ بِجهالته، معنىً غير الإبانة عن وجوه مطالب تأويله، وإِنَّما هو خَبَرٌ على أَنَّ من تأويله ما لا يَجوزُ لأَحدٍ الجهلُ به» (2). وزاد الماوردي في الإبانة عن عبارة ابن عباس بأكثر من هذا في تفسيره (3).
والتفسير الذي تعرفه العرب من كلامها هو ما يَفهمهُ العربيُّ بسليقتهِ، ويُرجعُ فيه إلى لسانهِ بعد انقضاء زمنِ الاحتجاج. قال الزركشي: «فأما الذي تعرفه العربُ، فهو الذي يُرجَعُ فيه إلى لِسَانِهِم، وذلك شأنُ اللغةِ والإعراب» (4). فقد جعل الزركشي رحمه الله التفسيرَ اللغويَّ--------------------------------------------
(1) تفسير عبدالرزاق 1/ 24، وانظر: تفسير الطبري (شاكر) 1/ 75، إيضاح الوقف والابتداء 1/ 101، دقائق التفسير 6/ 448.
(2) تفسير الطبري (شاكر) 1/ 75 - 76.
(3) انظر: النكت والعيون 1/ 36 - 37.
(4) البرهان في علوم القرآن 2/ 306.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 187)
مما يعول فيه على معرفة العربي، والأمر الآخر هو التركيب النحوي الذي يدركه العربي الفصيح بداهةً.
والتفسير اللغوي للقرآن الكريم هو بَيَانُ معاني القرآن بِمَا وردَ في لغةِ العَربِ، ويشملُ ذلك ألفاظها وأساليبها التي نزل بِهَا القرآن الكريم (1). يقول الشاطبي: «فإن قلنا: إن القرآن نزل بلسان العرب، وإنه عربي، وإنه لا عُجمةَ فيهِ، فيعني أنه أنزل على لسان معهود العرب في ألفاظها الخاصة وأساليب معانيها، وأنها فيما فُطرت عليه من لسانها تخاطب بالعام يراد به ظاهره، وبالعام يراد به العام في وجه والخاص في وجه، وبالعام يراد به الخاص، وظاهر يراد به غير الظاهر، وكل ذلك يعرف من أول الكلام أو وسطه أو آخره … » (2).
وقد نشأت الحاجةُ إلى تفسير ألفاظ القرآن الكريم لما اتسعت رقعة الفتح الإسلامي، وانتشر الإسلام خارج الجزيرة العربية التي يعرف أهلها القرآن بفطرتهم، وقد بدأ ذلك مبكرًا في عهد الصحابة، ثم لم تزل الحاجة في ازدياد حتى صنَّفَ العلماءُ في ذلك المصنفات الخاصة بشرح ألفاظ القرآن الكريم شرحًا لغويًا، وكانت في أولها تتناول غريب ألفاظ القرآن، حتى وصلت بعدُ إلى استقصاء معاني مفردات القرآن الكريم (3).
فأما الغريبُ في اللغة فهو الغامضُ من الكلام (4). وفي اصطلاح المفسرين الألفاظِ الغامضة في القرآن لقلةِ استعمالِها عند قومٍ مُعينين في حقبةٍ مُحددةٍ من الزَّمنِ. (5)--------------------------------------------
(1) انظر: التفسير اللغوي للقرآن الكريم للدكتور مساعد الطيار 38، 39.
(2) الموافقات 5/ 45.
(3) انظر: مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصبهاني، عمدة الحفاظ للسمين الحلبي.
(4) انظر: العين 4/ 411، تهذيب اللغة 8/ 115.
(5) انظر: تفسير غريب القرآن لزيد بن علي، مقدمة المحقق 10، وسيأتي مزيد بيان لمصطلح الغرابة ص 553.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 188)
وألفاظ القرآن الكريم ليست على درجة واحدة من حيث وضوح المعنى، قال أبو حيان: «لغاتُ القرآن العزيز على قسمين: قسمٍ يكادُ يشترك في فَهْمِ معناهُ عامَّةُ المستعربة وخاصتهم، كمدلول السماء والأرض، وفوق وتحت. وقسمٍ يَختصُّ بمعرفته مَنْ له اطلاعٌ وتبحرٌ في اللغة العربية، وهو الذي صنَّفَ أكثرُ الناس فيه، وسَمَّوهُ غريبَ القرآن» (1).
ولهذا بدأ التأليف في الغريب في وقت مبكر لكون الحاجة إليه جاءت مبكرة أيضًا، فقد نُسب كتابٌ في غريب القرآن إلى عبدالله بن عباس رضي الله عنهما (2)، وقام السيوطي بجمع أقوال ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير مفردات القرآن مما روي من طريق علي بن أبي طلحة (ت 120 هـ) في فصل مفرد (3). ولا شك أن مرويات ابن عباس رضي الله عنهما في التفسير هي التي مهدت للتدوين في علم غريب القرآن في وقت مبكر، وهيأت المادة الأولى لكل من ألف فيه فيما بعد، ثم توالى التصنيف فيه بعد ذلك، فكتب فيه أبان بن تغلب البكري (ت 141 هـ) كتابه «غريب القرآن»، وكتب فيه محمد بن السائب الكلبي (ت 146 هـ)، وكتب فيه أبو روق عطية بن الحارث الهمداني. وكل هؤلاء الثلاثة من طبقةٍ واحدةٍ، حيث يقول ياقوت في ترجَمة أبانِ: «صنَّفَ كتابَ «الغريب في القرآن»، وذكر شواهدَهُ من الشعر، فجاء فيما بعدُ عبدُالرحمن بنُ مُحمد الأزدي الكوفي، فجَمَعَ من كتاب أبان ومحمد بن السائب وأبي روق عطية بن الحارث، فجعله كتابًا فيما اختلفوا فيه وما اتفقوا عليه، فتارةً يَجيءُ كتابُ أبان مفردًا، وتارة يَجيءُ مشتركًا على ما عَمِلَهُ عبدُ الرحمن» (4).--------------------------------------------
(1) تحفة الأريب 27.
(2) ذكر فؤاد سزكين أن كتابًا لابن عباس بتهذيب عطاء بن أبي رباح يوجد مخطوطًا في مكتبة عاطف أفندي بعنوان غريب القرآن. انظر: تاريخ التراث العربي 1/ 67.
(3) انظر: الإتقان في علوم القرآن 2/ 6 - 54.
(4) معجم الأدباء 1/ 38.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 189)
ويُعدُّ الشاهد الشعري جزءًا من التفسير اللغوي للقرآن الكريم، وقد وضح ابن عباس رضي الله عنهما العلاقة بين المعنى اللغوي لألفاظ القرآن الكريم والشعر العربي، فقال: «إذا أعيتكم العربية في القرآن فالتمسوها في الشعر فإنه ديوان العرب» (1). وقوله كذلك: «إذا سألتموني عن غريب القرآن فالتمسوه في الشعر فإن الشعر ديوان العرب» (2). وقد سبقه إلى ذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عندما سأل عن معنى التخوف في قوله تعالى: {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (47)} [النحل: 47] (3) فقام رجل من هذيل، فقال: هذه لغتُنَا، التَّخَوُّفُ: التَّنَقُصُ، فقال عمر: هل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ قال: نعم، قال شاعرنا يصف ناقته:
تَخَوَّفَ الرَّحْلُ منها تَامِكًا قَرِدًا … كَمَا تَخَوَّفَ عُودَ النَّبْعَةِ السَّفِنُ (4)
فقال عمر: «عليكم بديوانِكم لا تَضِلُّوا. قالوا: وما دِيوانُنا؟ قال: شعرُ الجاهليَّةِ؛ فإِنَّ فيهِ تفسيرُ كتابِكُم، ومَعاني كلامِكُم» (5). غير أن ابن عباس قد أكثر من الاستشهاد بالشعر في التفسير، مما جعل هذا المنهج ينسب إليه كأَوَّلِ مَن فتح هذا الباب، ونهجه للمفسرين من بعده (6)، فقد تابعه على هذا المنهج من أخذ عنه من التابعين، ثم من بعدهم حتى حُفظَ هذا المنهجُ وتطبيقُهُ في أوائل كتب التفسير، ولغة القرآن مثل «مجاز--------------------------------------------
(1) إيضاح الوقف والابتداء 1/ 101.
(2) المصدر السابق 1/ 62، ومجالس ثعلب 317.
(3) النحل 47.
(4) سبق تخريجه ص 58. وانظر: شرح التبريزي للمفضليات 3/ 1256.
(5) قال المناوي في الفتح السماوي 2/ 755: لم أقف عليه، وقال ابن حجر في فتح الباري 8/ 368: وروي بإسناد فيه مجهول عن عمر، أنه سأل عن ذلك، فلم يجب، فقال عمر: ما أرى إلا أنه على ما ينتقصون من معاصي الله. قال: فخرج فلقي أعرابيًا، فقال: ما فعل فلان؟ قال: تخوفته - أي: تنقصته. فرجع، فأخبر عمر، فأعجبه». ثم قال: «وفي شعر أبي كبير الهذلي ما يشهد له».وهو يعني الشاهد الشعري المتقدم. وورد نحوه عن ابن عباس في المستدرك عند الحاكم 2/ 499، وعند البيهقي في الأسماء والصفات 345.
(6) سيأتي تفصيل ذلك في الفصل التالي ص 224.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 190)
القرآن» لأبي عبيدة، و «معاني القرآن» للفراء، وتفسير الطبري وغيرها.
وقد أحصيتُ الشواهد الشعرية في كتب التفسير والمعاني والغريب محل الدراسة، فكانت على النحو التالي:
الكتاب … المؤلف … عدد الشواهد
مجاز القرآن … أبو عبيدة «ت 210 هـ» … 952
معاني القرآن … الفراء «ت 207 هـ» … 785
غريب القرآن … ابن قتيبة «ت 276 هـ» … 182
تأويل مشكل القرآن … ابن قتيبة «ت 276 هـ» … 361
تفسير الطبري … محمد بن جرير «ت 310 هـ» … 2260
الكشاف … الزمخشري «ت 538 هـ» … 901
المحرر الوجيز … ابن عطية «ت 542 هـ» … 1981
الجامع لأحكام القرآن … القرطبي «ت 671 هـ» … 4807
ويمكن تسجيل بعض السمات لتعامل هؤلاء المفسرين مع الشواهد الشعرية:
أولًا: أول هذه الكتب من حيث التأليف هو كتاب «مجاز القرآن» ظهر فيه الاعتماد على الشاهد الشعري بشكل ملحوظ؛ مما جعل بعض العلماء حينذاك يعارضونه معارضةً شديدةً (1)، وقد ذكر العسكري أَنَّ أبا عبيدة تأثر في منهجه هذا بما حُفِظَ عن ابن عباس من مسائل نافع بن الأزرق فقال عن أبي عبيدةَ: «صنَّفَ كتابَ المَجازِ، وأَخَذَ ذلك من ابن عباس حينَ سأله نافعُ بن الأزرق عن أشياءَ من غريب القرآنِ، ففسَّرها لَهُ واستشهد عليها بأبياتٍ من شعر العربِ، وهو أَوَّلُ ما رُوي في ذلك، وهو خَبَرٌ معروفٌ» (2).--------------------------------------------
(1) انظر: طبقات النحويين واللغويين 167.
(2) انظر: الأوائل للعسكري 261.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 191)
ثانيًا: الصفة المميزة لكتاب أبي عبيدة اعتمادُهُ الدليلَ اللغوي أصلًا ثابتًا ورئيسًا في التفسير، ولعله تأثر في ذلك بشيخه أبي عمرو بن العلاء، الذي اقتبس منه هذه الطريقة في تفسير القرآن الكريم، والاستشهاد على ذلك بشعر العرب (1). حيث كان الشعر بعد القرآن من أهم ما تلقى أبو عبيدة عن أبي عمرو (2).
ثالثًا: أغفل أبو عبيدة أصولًا تفسيرية أخرى كان الإجماع منعقدًا عليها عند المفسرين من قبل، كالعناية بتفسير السلف؛ مما جعل تفسيره تفسيرًا لغويًا محضًا، وقد اعتبر هذا المسلك خروجًا على ما كان عليه علماء اللغة والتفسير الذين كانوا يتحرجون أشد الحرج ويلتزمون بآثار السلف. وقد تعقبه الطبري في كثير من المواضع التي فسر فيها القرآن الكريم، ووصفه بأنه «مِمن ضعفت معرفته بتأويل أهل التأويل، وقلت روايته لأقوال السلف من أهل التفسير» (3). مشيرًا بذلك إلى اكتفاء أبي عبيدة باللغة في التفسير، دون غيرها من المصادر.
وقد تَحرَّجَ كثيرٌ من السلف من تفسير القرآن الكريم خوفًا من الدخول في الوعيد الذي ثبت في ذلك في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من تكلم في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ» (4). غير أن كثيرًا من العلماء نبه إلى أن التفسير بما ثبت في لغة العرب إذا لم يرد في الآية تفسير عن النبي صلى الله عليه وسلم أو الصحابة ليس من التفسير بالرأي المذموم، وإنما هو تفسيرٌ بِعِلْمٍ؛ فإن القرآن نزل {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195)} [الشعراء: 195] (5)، ولذلك قال الماوردي نافيًا أن يكون التفسير باللغة من التفسير بالرأي المذموم وذلك تعليقًا على الحديث السابق: «قد حَمَلَ بعضُ المتورعة هذا--------------------------------------------
(1) انظر: مجالس العلماء 333، مجاز القرآن 1/ 152، 287، 352.
(2) انظر: أخبار النحويين البصريين 22.
(3) تفسير الطبري (شاكر) 1/ 44 - 45.
(4) أخرجه أبو داود في السنن، كتاب العلم 4/ 63، والترمذي في السنن، كتاب تفسير القرآن 4/ 268.
(5) الشعراء 195.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 192)
الحديث على ظاهره، وامتنع من أن يستنبط معاني القرآن باجتهاده، ولو صحبتها الشواهد، ولم يعارض شواهدها نص صريح. وهذا عدول عمَّا تُعبدنا بمعرفته من النظر في القرآن واستنباط الأحكام منه، كما قال تعالى: {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83] (1)» (2). بل إن في عمل المفسرين من الصحابة والتابعين وأتباعهم ما يدل على أن الأخذ بلغة العرب في التفسير يشبه أن يكون إجماعًا عندهم، وقد حُكِيَ هذا الإجماعُ عنهم (3).
وإذا عُلِمَ «أن ما تكلمت به العرب من جيد المنثور أكثر مما تكلمت به من جيد الموزون، فلم يُحفظْ من المنثور عُشرُهُ، ولا ضاع من الموزون عُشرُهُ» (4) فإنَّ أكثر ما حُفظ من كلام العرب قبل الإسلام هو الشعر لا النثر، وذلك «أن العرب الذين هم أصل الفصاحة كانَ جُلُّ كلامهم شعرًا، ولا نجد الكلام المنثور في كلامهم إلا يسيرًا، ولو كثر فإنه لم ينقل عنهم، بل المنقول عنهم هو الشعر … والكلام المنثور بالنسبة إليه قطرة من بحر» (5) وتحقيق ما أُمِرَ به المسلمُ من تدبر القرآن الكريم، يحوج إلى دراسة اللغة العربية، بناءً على أَنَّ مَا لا يتمُّ الواجب إِلَّا بهِ فهو واجبٌ، وحيث إِنَّ الشعرَ يأتي في الذروة مما حفظ من لغة العرب فلزم العناية به، وخاصة ما نقله العلماء من الشواهد الشعرية، التي تعد صفوة ما يمكن أن ينتقى للاستشهاد والاحتجاج. ويمكن إبراز صلة الشاهد الشعري بالتفسير اللغوي للقرآن الكريم من خلال الأوجه التالية:--------------------------------------------
(1) النساء 83
(2) البرهان في علوم القرآن 2/ 304.
(3) انظر: المباني في نظم المعاني بتحقيق آرثر جفري 20
(4) من كلام لعبدالصمد بن الفضل الرقاشي، أورده الجاحظ في البيان والتبيين 1/ 287، العمدة في صناعة الشعر ونقده 1/ 10
(5) المثل السائر 3/ 221.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 193)
أولًا: الاستدلال بالشاهد الشعري على المعنى اللغوي.
وظَّفَ المفسرون شواهد الشعر في شرحهم ألفاظ القرآن، وتبين دلالتها، ومعرفة المعاني اللغوية التي تدل عليها هذه الألفاظ عند العرب قبل نزول القرآن الكريم، وذلك لتتضح دلالة هذه الألفاظ لمن لا يعرف لغة العرب من جهة، وللرد على من طعن في عربية بعض ألفاظ القرآن الكريم من جهة ثانية (1).
وقد كان لإيراد الشاهد الشعري والاستعانة به في شرح معاني ألفاظ القرآن صور متعددة في كتب التفسير، من أهمها:
- أن يجيء الشاهد الشعري وحده مفسرًا الدلالة اللغوية، دون الحاجة إلى شرح للفظة القرآنية، ومن أمثلة ذلك أن أعرابيًا جاء إلى ابن عباس، يشكو أخاه فقال:
تَخَوَّفَنِي مَالي أَخٌ لِيَ ظَالِمٌ … فَلا تَخْذُلَّنِي اليومَ يَا خَيرَ مَنْ بَقِيْ (2)
فقال ابن عباس: تَخوَّفَكَ، أَي: تَنَقَّصَكَ؟ قال: نعم. قال: الله أكبر، {يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ} [النحل: 47] (3) أي تَنَقُّصٍ مِن خِيارهم (4). فقد جَمع ابن عباس بين معنى اللفظة في الشعر الذي سَمِعه، وفي الآية القرآنية، فكان في ذلك تفسيرًا لهذه اللفظة. ويكثر التأكيد من المفسرين على أن معنى اللفظة في هذه الآية أو تلك هو نظير معناها في الشاهد الشعري الذي أورده.
* أن تذكر الدلالة اللغوية، ثم يؤتى بالشاهد الشعري شاهدًا لها. وذلك مثل قول الطبري في معنى «زَنِيْم» في قوله تعالى: {عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13)} [القلم: 13] (5) حيث قال: «الزَّنيمُ في كلام العرب: المُلْصَقُ بالقَومِ وليس منهم، ومنه قول حسان بن ثابت:--------------------------------------------
(1) انظر: مجاز القرآن 1/ 17.
(2) لم أجده، ولعله للأعرابي.
(3) النحل 47.
(4) انظر: أمالي القالي 2/ 112، المزهر 2/ 311.
(5) القلم 13.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 194)
وَأَنْتَ زَنِيمٌ نِيْطَ في آَلِ هَاشِمٍ … كَمَا نِيْطَ خَلْفَ الرَّاكبِ القَدَحُ الفَرْدُ (1)
وقال آخر:
زَنِيْمٌ ليسَ يُعْرَفُ مَنْ أَبوُهُ … بَغِيُّ الأُمِّ ذُو حَسَبٍ لَئِيْمِ (2)» (3).
ومن الملحوظ أن السلف من الصحابةِ والتابعينَ ومن بعدهم بقليل كانوا يكتفون بإيراد الشاهد من الشعر دون الحاجة لشرحه للسائل، وهذا يعود إلى أنَّ فَهْمَ الشِّعْرِ كان أمرًا شائعًا في تلك الطبقات، حتى قال عمر رضي الله عنه: «كانَ الشعرُ علمَ قومٍ لم يكنْ لهم علمٌ أصحّ منه» (4). فلم يكن العربي الذي يستمع إلى الشعر حينئذٍ بحاجةٍ إلى من يفسِّر له المراد باللفظ في بيت الشعر. ومن الأمثلة على ذلك قول ابن عباس لمن سأله عن معنى قوله تعالى: {وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (17)} [الانشقاق: 17] (5) فقال: ما جَمَعَ، ألم تسمع قول الشاعر: (6)
مُسْتَوسِقَاتٍ لَمْ يَجِدْنَ سَائِقَا (7)
حيث اكتفى بتذكير السائلِ بالشاهد من الشعرِ، دونَ أَن يزيد على ذلك، اكتفاءًا بسليقةِ السائلِ، وثقةً في فهمه للشعر.
ومن الأمثلة قول ابن عطية: «وأما قوله: {فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ} [التوبة: 72] (8). فمعناه في جنات إقامة وثبوت، يقال: عَدَنَ الشيءُ في المكانِ إذا أقام به وثبت، ومنه المعدن أي موضع ثبوت الشيء. ومنه قول الأعشى:--------------------------------------------
(1) ديوانه 118، وانظر: إيضاح الوقف والابتداء 1/ 65.
(2) لم أقف على قائله، وهو في الجامع لأحكام القرآن 18/ 234.
(3) تفسير الطبري (هجر) 23/ 164.
(4) كنْز العمال 3/ 853، طبقات فحول الشعراء 1/ 24، 524، العمدة في صناعة الشعر ونقده 1/ 22.
(5) الانشقاق 17.
(6) لم أعرفه.
(7) انظر: مجاز القرآن 2/ 292، وانظر: تفسير الطبري (هجر) 24/ 247، إيضاح الوقف والابتداء 1/ 68 - 69.
(8) التوبة 72.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 195)
وإِنْ يَسْتَضِيفُوا إلى حِلْمِهِ … يُضافوا إلى راجِحٍ قد عَدَنْ (1)
هذا الكلام اللغوي» (2). وهناك رواية أخرى للبيت «وَزَن» بدل «عَدَن»، وقد نبَّه عليها الطبريُّ. (3) فقول ابن عطية هنا: «هذا الكلام اللغوي»، معناه: التفسير اللغوي، كما في الشاهد الشعري دون أن يشرح ابن عطية اللفظة في الشاهد الشعري؛ اتكالًا على فهم القارئ للشِّعر، فإن لم يتمكن القارئ من فهم العلاقة بين الشواهد والآية، فليرجع إلى شروح تلك الأشعار في مظانها.
وفي هذه الصورةِ رُبَّما أطال المفسِّرُ في توضيح المفردة القرآنية بالشواهد الشعرية بعد تفسيرها كما في تفسير ابن عطية لقوله تعالى: {وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (13)} [مريم: 13] (4)، حيث فسر معنى الحنَان فقال: «والحنانُ: الرَّحْمَةُ، والشَّفَقَةُ، والمَحبَّةُ، قاله جُمهور المفسرين، وهو تفسيرُ اللغةِ … ومن الشواهد في الحَنَانِ قول امرئ القيس:
وتَمنحُها بنو شَمَجَى بنِ جَرْمٍ … مَعِيْزَهُمُ حَنَانَكَ ذا الحَنَانِ (5)
وقال النابغة:
أبا منذرٍ أفنيتَ فاستبقِ بعضَنَا … حنَانيكَ بعضُ الشَّرِّ أهونُ منْ بَعضِ (6)
وقال الآخر:
فقالت حنانٌ ما أَتى بكَ هَا هُنَا … أَذُو نَسبٍ أم أنتَ بالحيِّ عَارِفُ (7)» (8).--------------------------------------------
(1) رواية الديوان:
وإِنْ يُسْتَضَافُوا إلى حُكْمِهِ … يُضَافُوا إِلى هَادِنٍ قدْ رَزَنْ
انظر: ديوانه 69.
(2) المحرر الوجيز 8/ 230، وانظر: مجاز القرآن 1/ 264.
(3) انظر: تفسير الطبري (هجر) 11/ 559.
(4) مريم 13.
(5) انظر: ديوانه 143.
(6) انظر: ديوانه 152.
(7) سبق تخريجه ص 158.
(8) المحرر الوجيز 11/ 17.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 196)
فهو هنا قد أورد ثلاثة شواهد شعرية لتوضيح معنى الحنان في اللغة، بعد أن بَيَّنَ دلالته اللغوية، وهذا الغالب في إيراد الشواهد الشعرية عند المفسرين، حيث يورده المفسرون بعد إيضاح الدلالة اللغوية للفظة، فيكون شاهدًا للمعنى يُفَسِّرُه.
* أن تتعدد الدلالة اللغوية، ولبعضها شواهد دون بعض. وذلك مثل تفسير «السَّكَرِ» في قوله تعالى: {تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا} [النحل: 67] (1)، حيث قال أبو عبيدة في تفسيرها: «أي: طُعْمًا، ويقال: جعلوا لك هذا سَكَرًا، أي: طعمًا، وهذا سَكَرٌ، أي: طُعْمٌ، وقال جَنْدَلُ (2):
جَعَلْتَ عَيْبَ الأَكْرَمينَ سَكَرا (3)» (4).
وقد اعترضه الزجاج في دلالة اللفظ، فقال: «وقالوا في تفسير قوله: {سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا}: إنه الخمرُ قبل أن تُحَرَّم، والرزق الحسن يؤكل من الأعناب والتمور. وقيل: إن معنى السَّكَرِ: الطُّعمُ، وأنشدوا:
جَعَلْتَ عَيْبَ الأَكْرَمينَ سَكَرا (6)
أي: جعلت دمهم (5) طُعْمًا لك، وهذا بالتفسير الأول أشبه، والمعنى: جعلت تَتَخَمَّرُ بأَعراض الكرام، وهو أَبْيَنُ فيما يقالُ: الذي يَتَبَرك (6) في أعراض … الناس». (7) وفي لغة العرب: «وقيل: السَّكَرُ ---------------------------------------------
(1) النحل 67.
(2) هو جندل بن المثنى الطهوي، شاعر إسلامي راجز. انظر: سمط اللآلي للبكري 2/ 644.
(3) لم أجده عند أحد قبل أبي عبيدة، وهو في تفسير الطبري 4/ 84، والزجاج في معانيه 3/ 209.
(4) مجاز القرآن 1/ 363.
(5) هكذا، ورُبَّمَا تَكونُ: ذَمَّهم؛ لمناسبتها للسياق.
(6) هكذا في المعاني، ولعل صوابها: يَبْتَرِكُ كما نقلها الأزهري عن الزجاج في تهذيب اللغة 10/ 58.
(7) معاني القرآن وإعرابه 3/ 209.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 197)
بالتحريك - الطعامُ، وأنكر أهلُ اللغة هذا، والعرب لا تعرفه». (1) في حين عدَّ الطبريُّ هذا المعنى أحد معاني السَّكَرِ عند العرب (2).
ومن الأمثلة كذلك تفسير الطبري للتلاوة في قوله تعالى: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} [البقرة: 102] (3)، حيث قال: «ولقول القائل: هو يتلو كذا، في كلام العرب معنيان:
أحدهما الاتباع، كما يقال: تلوت فلانًا، إذا مشيت خلفه، وتبعت أثره. كما قال جل ثناؤه: {هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ} [يونس: 30] (4) يعني بذلك: تتبع.
والآخر: القراءة والدراسة، كما تقول: فلانٌ يتلو القرآنَ، بمعنى: أنه يقرأه ويدرسه، كما قال حسان بن ثابت:
نَبِيٌّ يَرَى مَا لايَرَى النَّاسُ حَوْلَهُ … ويَتْلُو كِتَابَ اللهِ في كُلِّ مَشْهَدِ (5)» (6).
فالطبري أورد دلالتين لغويتين للتلاوة، فاستشهد على الأولى بقراءة من القراءات المتواترة، واستشهد على الدلالة الثانية بشاهد شعري.
* أن تتعدد الدلالة اللغوية، ولجميعها شواهد. ومن ذلك تفسير المَخْمَصَةِ في قوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 3] (7) حيث يقول الطبري: «في مخمصة، يعني: في مجاعةٍ، وهي مفعلةٌ … مِنْ خَمَصِ البَطْنِ، وهو اضطماره، وأظنه هو في هذا الموضع، معنيٌّ به اضطماره من الجوع وشدة السَّغَبِ، ولكنْ مِنْ خِلْقَةٍ، كما قال نابغة بني ذبيان في صفة امرأة بِخَمَصِ البطن:--------------------------------------------
(1) لسان العرب 6/ 145 (سكر).
(2) انظر: تفسير الطبري (هجر) 14/ 284.
(3) البقرة 102.
(4) يونس 30، وهذه قراءة حمزة والكسائي وخلف ويعقوب. تتلو بتاءين. انظر: السبعة 325، التيسير 121.
(5) انظر: ديوانه 88.
(6) تفسير الطبري (شاكر) 2/ 411.
(7) المائدة 3.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 198)
والبَطْنُ ذُو عُكَنٍ خَمِيصٌ لَيّنٌ … والنَّحْرُ تَنْفُجُهُ بثَدْيٍ مُقْعَدِ (1)
فمعلومٌ أنه لم يرد صفتها بقوله: «خميصٌ» بالهُزالِ والضر من الجوع، ولكنه أراد وصفها بلطافة طي ما على الأوراك والأفخاذ من جسدها؛ لأن ذلك مما يحمد من النساء. ولكن الذي في معنى الوصف بالاضطمار والهزال من الضر من ذلك قول أعشى بني ثعلبة:
تَبِيتُونَ في المَشْتَى مِلاءً بُطُونُكُمْ … وَجَارَاتُكُمْ غَرْثَى يَبِتْنَ خَمَائِصَا (2)
يعني بذلك: يَبِتْنَ مُضطمراتِ البطون من الجوع والسَّغَبِ والضُّرِّ، فمن هذا المعنى قوله: في مَخْمَصةٍ» (3).
وهذا الاستقصاء الدقيق لمعاني المخمصة في الشعر العربي، والمعنى المناسب منها لدلالة اللفظة في الآية الكريمة عليه حُسْنُ بَصَرٍ من الطبري رحمه الله بالتفسير والشعر معًا، بل إن شرحه لبيت النابغة أوفى من شرح شارح الديوان (4).
بواعث الاستشهاد:
- قد يكون الباعث على الاستشهاد هو غموض دلالة اللفظة، كما فعل أبو عبيدة في تفسير الطلح في قوله تعالى: {وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (29)} [الواقعة: 29] (5)، حيث قال: «زعم المفسرونَ أَنَّهُ الموزُ، وأَمَّا العربُ فالطلحُ عندهم شَجَرٌ عظيمٌ، كثيرُ الشوك، وقال الحادي: (6)
بَشَّرَهَا دَليلُها وقَالا … غَدًا تَرَيْنَ الطلحَ والحِبَالا (7)» (8).
فأبو عبيدة ذكر قول المفسرين أولًا في المراد بالطلح وأنه الموز، ولكنه ذكر معنى آخر للطلح عند العرب وهو نوعٌ من الشجر، وقد استند--------------------------------------------
(1) انظر: ديوانه 66.
(2) انظر: ديوانه 109.
(3) تفسير الطبري (شاكر) 9/ 532 - 533.
(4) انظر: ديوان النابغة الذبياني 92.
(5) الواقعة 29.
(6) هو النابغة الجعدي كما في تفسير القرطبي 17/ 135.
(7) ليس في ديوانه.
(8) مجاز القرآن 2/ 250.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 199)
في ذلك التفسير إلى شاهد شعريٍّ، ، وهذا المعنى غامض، مما دفع الطبريّ للتعقيب على كلام أبي عبيدة بقوله: «وأما الطلح فإن معمر بن المثنى كان يقول: هو عند العرب شَجَرٌ عِظَامٌ، كثير الشوك. وأنشد لبعض الحداة … وأما أهل التأويل من الصحابة والتابعين فإنهم يقولون: إنه الموزُ» (1).
فتفسير أبي عبيدة اللغوي اعتمد على شاهد شعري، مع ذكره تفسير ابن عباس وغيره من الصحابة والتابعين، ولكن الطبري عاب أبا عبيدة بذلك في مواضع كثيرة من تفسيره، وقد كثرت تعقبات الطبري لأبي عبيدة في فهمه للشواهد الشعرية (2).
- وقد يكون الاستشهاد للاشتراك في معنى اللفظة، ومن أمثلة ذلك أن أبا عبيدة عند تفسير قوله تعالى: {ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49)} [يوسف: 49] (3) قال: «أي به يَنْجُونَ، وهو من العَصَرِ، وهي العُصْرَةُ أيضًا، وهي المَنْجَاةُ، قال: (4)
................... … وَلَقَدْ كَانَ عُصْرَةَ المَنْجُودِ (5)
أي المقهور المغلوبُ، وقال لبيد:
فَبَاتَ وأَسْرَى القَومُ آخرَ لَيْلِهِمْ … ومَا كانَ وَقَّافًا بِغَيْرِ مُعَصَّرِ (6)» (7).
فتعقبه الطبري بقوله: «وكان بعض من لا علم له بأقوال السلف من أهل التأويل، ممن يفسر القرآن برأيه على مذهب كلام العرب، يوجه--------------------------------------------
(1) تفسير الطبري (هجر) 22/ 310.
(2) ينظر لتعقبات الطبري لأبي عبيدة: تفسير الطبري (شاكر) 1/ 224، 227، 320.
(3) يوسف 49.
(4) هو أبو زبيد الطائي.
(5) عجز بيت، وصدره:
صَادِيًا يَستغيثُ غَيْرَ مُغَاثٍ … ............................
وهذه القصيدة من المجمهرات. انظر: جمهرة أشعار العرب 583.
(6) انظر: ديوانه 65.
(7) مجاز القرآن 1/ 313 - 314.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 200)