ابن عطية، لم يكن في الشاهد حجة لما ذهب إليه الطبري والزمخشري (1).
ومن الأمثلة قول الطبري: «وأولى القولين في ذلك بالصواب قول مجاهد؛ لأن العربَ تُسمِّي كُلَّ صانعٍ خالقًا، ومنه قول زهير:
وَلأَنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ … وبعضُ القومِ يَخلُقُ ثُمَّ لا يَفْري
ويُروى:
ولأَنتَ تَخْلُقُ ما فَريتَ … وبعضُ القومِ يَخلقُ ثُمَّ لا يَفري» (2).
ومن الأمثلة كذلك قول ابن عطية عند تفسيره لقوله تعالى: {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} [الأنفال: 42] (3): «وعلى نحو {حَيَّ} جاء قول الشاعر (4):
عَيّوا بِأَمْرِهِمُ كَمَا … عَيَّتْ بِبَيْضَتِهَا الحَمَامَة (5)
ومنهُ … قولُ المتلمس:
فهذا أَوانُ العِرْضِ حَيَّ ذُبَابُهُ … زَنَابيرُهُ والأَزْرَقُ المُتَلَمَّسُ (6)
ويُروى: جُنَّ ذُبَابُه» (7). وعلى الرواية الثانية لا شاهد في البيت، وقد نبه ابن عطية هنا على الرواية الثانية، ولا يضر ذلك لأن الشاهد لم يكن وحيدًا للاستشهاد في هذه المسألة وإنما جاء مع غيره من الشواهد الصحيحة، غير أنه يسقط الاستشهاد بهذا الشاهد.
وربَّمَا يرجعُ الخطأُ في الشاهد إلى الناسخ، من مثل ما ورد في «مجاز القرآن» المطبوع عند تفسير قوله تعالى: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ--------------------------------------------
(1) انظر: خزانة الأدب 5/ 430.
(2) تفسير الطبري (شاكر) 19/ 19.
(3) الأنفال 42.
(4) هو عبيد بن الأبرص.
(5) انظر: ديوانه 43.
(6) العِرْضُ وادٍ باليمامة. والبيت لجرير بن عبدالمسيح المعروف بالمتلمس الضبعي، وهو في ديوانه 123.
(7) المحرر الوجيز 8/ 77 - 78.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 141)
أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا} [المائدة: 2] (1): «مَجازهُ: ولا يَحملنَّكم ولا يُعدِينَّكُم، وقال:
ولقد طَعَنْتَ أَبَا عُيَينةَ طَعنةً … جَمَعَتْ فزارة بعدها أن يَغْضَبُوا (2)» (3).
والبيت بهذه الرواية محرَّف، ولا شاهد فيه، على هذه الرواية. ولم ينبه المُحققُ على هذا، فيغلب على الظن أن الخطأ طباعي.
وقد ورد هذا الشاهد عند الطبري بروايته الصحيحة وهي:
ولقدْ طعنتَ أَبا عُيينةَ طَعنةً … جَرَمَتْ فَزارةَ بعدها أَنْ يَغضبوا (4)
فالشاهد في قوله: «جَرَمَتْ»، بِمعنى حَمَلَتْ.
وكذلك هو عند ابن قتيبة (5)، والزمخشري (6)، وابن عطية (7)، والقرطبي. (8)
وقد عُنِيَ العلماء ببيان الروايات الأخرى للشاهد الشعري، وبعضهم عُنِيَ عناية خاصة ببيان الروايات الأخرى التي يبطل معها وجه الاستشهاد كما فعل ابن السيرافي في شرحه لشواهد سيبويه (9). وقد كان الشعراء أنفسهم ينشدون شعرهم مع تغيير بعض العبارات التي تؤدي معنى متقاربًا، ومن أمثلة ذلك أن ذا الرمة أنشد شعره يومًا فقال:
وظاهِرْ لَها مِنْ يابسِ الشَّخْتِ واستَعِنْ … عليها الصَّبا واجْعَلْ يَدَيكَ لَها سِتْرا (10)--------------------------------------------
(1) المائدة 2.
(2) البيت لأبي أسماء بن الضريبة، وقيل لعطية بن عفيف. انظر: الكتاب 3/ 138 حاشية المُحقق هارون.
(3) مجاز القرآن 1/ 147.
(4) انظر: تفسير الطبري (شاكر) 9/ 483.
(5) انظر: تأويل مشكل القرآن 550.
(6) انظر: الكشاف 2/ 421 ذكر الشطر الثاني فقط، وهو موضع الشاهد.
(7) انظر: المحرر الوجيز (طبعة قطر) 4/ 329.
(8) انظر: الجامع لأحكام القرآن 6/ 31 - 32.
(9) انظر: شواهد الشعر في كتاب سيبويه لخالد عبد الكريم جمعة 82.
(10) انظر: ديوانه 2/ 1642.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 142)
فقيل له: أنشدتنا بائس، فقال: يابس وبائس واحد. قال ابن جني تعقيبًا على هذا: «وهذا شعر ليست عليه مضايقة الشرع». بمعنى أنه ليس كالتغيير في القرآن من حيث المؤاخذة.
ويحدث مثل هذه التغيير في الأبيات من الرواة والعلماء، مثل ما حدث لابن الأعرابي حيث أنشد يومًا قول الشاعر (1):
ومَوضِعِ زَبْنٍ لا أُريدُ بَراجَه … كأَنِّي بِهِ مِنْ شِدَّةِ الرَّوعِ آنسُ (2)
فقال له أحد الملازمين لحلقته: ليس هكذا أنشدتنا يا أبا عبيدالله. قال: كيف أنشدتك؟ فقال له: وموضع ضيقٍ. فقال: سبحان الله! تصحبنا منذ كذا وكذا سنة ولا تعلم أن الزبن والضيق شيء واحد؟ قال ابن جني: «فهذا لعمري شائع لأنه شعر، وتحريفه جائز؛ لأنه ليس دينًا ولا عملًا مسنونًا» (3).
4 - جهالة قائل الشاهد الشعري.
جعل أبو البركات الأنباري الجهل بالقائل سببًا من أسباب رد الاستشهاد بكثير من شواهد الكوفيين في مواطن متعددة، وذلك في مثل قوله: «هذا الشعر لا يعرف قائله، فلا يكون فيه حجة» (4). ويقول: «وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما ما أنشدوه فهو مع قلته لا يعرف قائله؛ فلا يجوز الاحتجاج به» (5). وربما عضد جهالة القائل باحتمالات أخرى (6)، في حين تراه يحكم بصحة شواهد البصريين وخاصة شواهد سيبويه على الرغم من جهالة قائليها، ثقة في رواية سيبويه وكبار البصريين (7). وقد ردَّ شاهدًا شعريًا بحجة جهالة قائله، مع أنه رواه--------------------------------------------
(1) هو المرقش الأكبر.
(2) انظر: المفضليات 224، الخصائص 2/ 467.
(3) المحتسب 1/ 298.
(4) الإنصاف في مسائل الخلاف 294.
(5) المصدر السابق 350، 365.
(6) انظر: الإنصاف 462.
(7) انظر: الإنصاف 544، وأسرار العربية 228، 229.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 143)
الفراء، ونص على سماعه ممن يستشهد بكلامه في موضعين من المعاني. جاء في الأول: «أنشدني العكلي أبو ثروان .. » (1). وفي الثاني: «أنشدني أبو ثروان … » (2)، وهذا الشاهد هو قول الشاعر:
كلِّفَ من عَنَائهِ وشقوتِهْ … بِنتَ ثَماني عشرةٍ مِنْ حِجَّتِهْ (3)
حيث قال ابن الأنباري عنه: «فلا يعرف قائله، ولا يؤخذ به» (4). فكيف يستقيم لأبي البركات الأنباري رده، والفراء عالم ثقة (5)، وأبو ثروان العكلي أعرابي فصيح (6).
ويلاحظ أن كلام ابن الأنباري وغيره في التطبيق يخالفه في التنظير، فكتب التفسير كلها على خلاف ذلك وكذلك كتب النحو، فإذا أمكن التسليم أن الشاهد إذا جهل قائله، وجهل راويه رُدَّ الاستشهاد به (7) - إذ يترتب على ذلك جهالة حال القائل، ويحتمل أن يكون ممن يستشهد بكلامه، كما يحتمل أن لا يكون - فلا يُوافق في أن الشاهد إذا جهل قائله رد الاستشهاد به، وإن رواه علماء ثقات؛ ذلك أن العالم الثقة لم يكن ليرويه إلا لثقته في طرق ذلك الشاهد بعد التمحيص والتدقيق، أو لسماعه له ممن يستشهد بكلامه. ورد الشاهد للجهل بقائله منهج سار عليه الأنباري في «الإنصاف» مما جعل كثيرًا من الباحثين يتهمه بالتحامل على الكوفيين في ترجيحه وحكمه. ومن الشطط والتمحل مطالبة العلماء من النحويين والمفسرين وغيرهم بتعيين عين القائل فيما استشهدوا به، خاصة أن التزام العلماء بذكر السند في رواية الشعر قليل، إذ لم يكن يتصل بأمور دينهم، كما يتصل الحديث والتفسير، ولا يترتب عليه أمر من أمور التشريع، فهذا الأصمعي يورد قصيدة النابغة الذبياني:--------------------------------------------
(1) معاني القرآن للفراء 2/ 34.
(2) معاني القرآن للفراء 2/ 242.
(3) لنفيع بن طارق كما في شرح التصريح 1/ 275.
(4) الإنصاف 267.
(5) انظر: إنباه الرواة 4/ 7 - 23.
(6) انظر: الفهرست 73.
(7) انظر: لُمَع الأدلة 90 - 92.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 144)
أَمِنَ آلِ مَيَّةَ رَائحٌ أَو مُغتدِ … عَجلانَ ذا زادٍ وغيرِ مزودِ (1)
ثُمَّ يقول: «ليس عندي فيها إسناد، وهي له حقًا» (2). ويذكر الدكتور ناصر الدين الأسد أن الروايات المسندة التي يرتفع إسنادها إلى ما قبل علماء القرن الثاني قليلة نادرة، إذ كان جل اعتمادهم على الرواية الشفوية، فالغالب أن يقف إسناد الرواية الأدبية عند زمن أبي عمرو بن العلاء وحماد الراوية ومن عاصرهما، بل قد يوجد من العلماء المتأخرين من يهمل الإسناد، ومن هؤلاء المبُرِّد، فقد كان مشهورًا بحذف الإسناد في أحاديثه وأماليه (3)، ولذلك فإن الأمر يتعلق بالراوية الذي نقل الشاهد الشعري، فإما أن يُوثَّق فيقبل منه، وإما أن يُضعَّف فيهمل ما يرويه.
يقول ناصر الدين الأسد: «ولعلنا لا نعدو الصواب حينما نخلص من كل ذلك إلى أن الإسناد لم يكن - حتى في القرنين الثالث والرابع حين شاع وغلب - أصلًا ثابتًا من أصول الرواية الأدبية، ولم يكن أساسًا من الأسس التي يحتكم إليها في الاستشهاد على صحة الرواية الأدبية كما كان شأنه في رواية الحديث النبوي، فنحن نرى أن العلماء والرواة في اللغة والشعر والأخبار، كانوا يقدمون بين يدي ما يروونه بإسناد متصل إلى الطبقة الأولى من العلماء الرواة حينًا، وبإسناد منقطع حينًا آخر، يكتفون فيه بذكر شيخهم الذي أخذوا عنه هذا العلم، أو يتجاوزون شيخهم وربما شيخ شيخهم، ويقنعون بذكر أول من روي عنه هذا الشعر أو ذاك الخبر، مختصرين الإسناد اختصارًا إلى نهايته، ونراهم حينًا ثالثًا يحذفون الإسناد ويهملونه إهمالًا، ويلقون بالشعر أو الخبر قائمًا مجردًا.--------------------------------------------
(1) انظر: ديوانه 89.
(2) ديوان النابغة الذبياني بشرح الأعلم 27، مصادر الشعر الجاهلي 275.
(3) انظر: نزهة الألباء 194، مصادر الشعر الجاهلي 277.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 145)
وكان العلماء الرواة من معاصريهم وتلاميذهم يقبلون منهم كل ذلك ويوثقونه» (1).
وأبو البركات الأنباري في رده البيت المجهول مسبوق في ذلك بأبي العباس المبرد (285 هـ) حيث يعلِّق على قول الشاعر:
محمدُ تفدِ نفسَكَ كُلُّ نَفْسٍ … إذا ما خفتَ مِنْ شيءٍ تَبَالا (2)
بقوله: «وأما هذا البيت الأخير فليس بمعروف، على أنه في كتاب سيبويه على ما ذكرت لك» (3).
ونقل ابن السراج رأي المُبَرِّدِ في كتابه «الأصول» (4)، وكذا ابن الشجري في «أماليه» (5). وذهب كثير من النحويين إلى رد الاستشهاد بالشاهد المجهول القائل (6). ورجح سعيد الأفغاني إسقاط الاحتجاج بالشاهد مجهول القائل (7).
ومن أمثلة ذلك ما ذهب إليه الفراء من جواز كسر ياء المتكلم، واستشهاده بقول الشاعر:
قالَ لها: هَلْ لكِ يا تَا فِيِّ؟ … قالتْ له: مَا أنتَ بالمرضيِّ (8)
وقد أنكر عليه الزجاج استشهاده، ورد ما استدل به، وقال: «وهذا الشعر مما لا يلتفت إليه، وعمل مثل هذا سهل، وليس يعرف قائل هذا--------------------------------------------
(1) مصادر الشعر الجاهلي 279 - 280.
(2) الشاهد لأبي طالب كما في شرح شذور الذهب 211، ونسبه البغدادي له أو للأعشى في خزانة الأدب 9/ 11، وللأعشى أو لحسان أو لمجهول كما في الدرر اللوامع 2/ 71، وغير منسوب كما في الكتاب 3/ 8، والمقتضب 2/ 132، والإنصاف 418.
(3) المقتضب 2/ 132.
(4) انظر: الأصول 2/ 175.
(5) انظر: أمالي ابن الشجري 2/ 151.
(6) انظر: التبيين للعكبري 452، شرح جمل الزجاجي لابن عصفور 1/ 150، مغني اللبيب 1/ 292، الاقتراح 56 - 57، المزهر 1/ 141، خزانة الأدب 5/ 381.
(7) انظر: في أصول النحو 67.
(8) انظر: معاني القرآن 3/ 160.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 146)
الشعر من العرب، ولا هو مما يحتج به في كتاب الله عَزَّوَجَلَّ» (1).
واعتراض الزجاج من جهتين: أنَّ قول مثل هذا الشعر سهل، ومِنْ ثَمَّ فإن إمكان الصنعة فيه وارد، والأمر الثاني أنه لا يُعرفُ له قائل. وهذا لا يسلم للزجاج؛ لأن الفراء قد صرح بسماعه من العرب بقوله: «وقد سَمعتُ بعضَ العَربِ يُنشدُ .. » (2). يقول الفراء عندما وقف عند قوله تعالى: {مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ} [إبراهيم: 22] (3) بنصب الياء: «أي الياء منصوبة؛ لأن الياء من المتكلم تسكن إذا تحرك ما قبلها، وتنصب إرادة الهاء … فإذا سكن ما قبلها ردت إلى الفتح الذي كان لها، والياء من {بِمُصْرِخِيَّ} ساكنة، والياء بعدها من المتكلم ساكنة، فحركت إلى حركة قد كانت لها، فهذا مطرد في الكلام» (4).
وحينما قرأ الأعمش ويحيى بن وثاب الآية السابقة بخفض الياء أنكر قراءتهم، يقول: «ولعلها من وَهَمِ القراء طبقة يحيى؛ فإنه قل من يسلم منهم من الوَهَمِ، ولعله ظن أن الباء في {بِمُصْرِخِيَّ} خافضةٌ للحرف كله، والياء من المتكلم خارجة من ذلك … » (5). ولذا خالفت رواية الشاهد الشعري عند الفراء ما يرجحه، وكان الطعن فيها وردها مما يسند ما يذهب إليه، غير أنه قد وقف عند حدود سماعه، وهو ثقة، واستشهد برواية العربي لذلك البيت، سواء أكان العربي قائل الشاهد أم راويه، فإذا كان قول الشاعر العربي حجة، فإن قول الراوية العربي حجة أيضًا، وإن وقع منه شيء من التغيير والتبديل. أضف إلى ذلك أن الرضي صرح في شرح كافية ابن الحاجب أن كسر ياء المتكلم مع الياء قبلها لغة بني يربوع، وذلك لتشبيه الياء بالهاء بعد الياء، كما في «فيه»--------------------------------------------
(1) معاني القرآن وإعرابه 3/ 159 - 160.
(2) معاني القرآن 2/ 76.
(3) إبراهيم 22.
(4) معاني القرآن 2/ 75.
(5) معاني القرآن 2/ 75.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 147)
و «لديه»، وأورد الآية الكريمة، والشاهد الشعري (1)، ونقل عن غيره (2). كما ذكر البغدادي أن الشاهد غير مجهول القائل، وأنه رآه في ديوان الأغلب العجلي الراجز (3).
وقد كرر الزمخشري ذلك عند تفسير قوله تعالى: {مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ} [إبراهيم: 22] (4)، وقال: «الإصراخ: الإغاثة، وقرئ: «بمصرخيِّ». بكسر الياء، وهي ضعيفة، واستشهدوا لها ببيت مجهول:
قالَ لها: هَلْ لكِ يا تَا فِيِّ؟ … قالتْ له: مَا أنتَ بالمرضيِّ» (5).
ومن الأمثلة كذلك قول ابن عطية: «قال أبو علي وغيره: هذا أن كل موضع تلزم الحركة فيه ياء مستقبلة. فالإدغام في ماضيه جائز، ألا ترى أن قوله تعالى: {عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} [القيامة: 40] (6) لا يجوز الإدغام فيه؛ لأن حركة النصب غير لازمة. ألا ترى أنها تزول في الرفع وتذهب في الجزم. ولا يلتفت إلى ما أنشده بعضهم لأنه بيت مجهول:
وكأَنَّها بينَ النساءِ سبيكةٌ … تَمْشي بِسُدَّةِ بيتها فَتَعِيُّ» (7).
والحق أَنَّ الشاهد الذي لم يعرف قائلهُ إذا صدر مِمَّن يُحتجُّ بقوله، أو رواه عالم ثقةٌ صحَّ الاستشهادُ به، وقد استشهد الأصمعيُّ بِرَجَزٍ مشكوكٍ في نسبته للأغلب العجليِّ ثُمَّ قال: «إِن لم يكن له فهو لِغَيْره مِمَّن هو ثَبتٌ أو ثقة» (8).
والمفسرون الثقات الذين أوردوا هذه الشواهدَ المَجهولةَ، على--------------------------------------------
(1) انظر: شرح كافية ابن الحاجب 2/ 295.
(2) انظر: خزانة الأدب 4/ 434.
(3) انظر: خزانة الأدب 4/ 434، التصريح لخالد الأزهري 2/ 60، وديوان الأغلب العجلي 169.
(4) إبراهيم 22.
(5) الكشاف 2/ 551، خزانة الأدب 4/ 343.
(6) القيامة 40.
(7) المحرر الوجيز 8/ 78.
(8) انظر: الموشح 273.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 148)
درايةٍ ومعرفةٍ بِما قالهُ العلماء فيها من أهل الدراية الكاملة، والثقة التامة، ولو لم تكن مقبولةً عندهم لما رووها وأثبتوها في كتبهم، «والشاهد الذي جُهِلَ قائلهُ إِنْ أنشده ثقةٌ كسيبويه وابن السرَّاجِ والمُبَرِّدِ … ونحوهم فهو مقبولٌ يُعتمدُ عليه، ولا يَضرُّ جَهلُ قائلهِ، فإِنَّ الثقةَ لو لم يعلم أَنَّهُ من شعرِ مَنْ يصحُّ الاستدلالُ بكلامه لَمَا أَنشده» (1).
وجهالةُ عينِ قائلِ الشاهدِ لا تضرُّ في الاستشهاد إذا صحتْ نسبتهُ لزمنِ الاحتجاج، وإِنَّما تؤثرُ جهالةُ الحالِ، فلو جاء شعرٌ لجاهلي ولم يُعرف اسمهُ وصحَّ النقلُ فإِنَّهُ يُحتجُّ به، ولو جاء شعرُ مولدٍ معروفُ القائل لرُدَّ ولم يُحتجَّ به؛ إِذ العلةُ في ردِّ الشاهدِ المَجهولِ في اللغة هو الخوفُ من أن يكون لِمَنْ لا يُوثَقُ بفصاحته، كما صرَّح بذلك السيوطي (2)، والبغدادي (3). وعلى هذا فإن نسبة الشعر إلى قائله، أو معرفة الشاعر، ليست قضيةً تستحقُّ كلَّ هذا الاهتمام، فالمهمُّ هو صحة نسبة الشعر إلى من يُحتجُّ بشعره زمانًا ومكانًا، وثبوت روايته عن الثقات الأثبات. أَمَّا تعيينُ القائل، أو الاتفاق عليه، أو التوسع في إيراد أقوال السابقين في نسبته، والفخر بالوصول إلى نسبة بيتٍ أو أبيات فهو في غيرِ مكانه، وهو عَمَلٌ على هامشِ تَقعيدِ العربيةِ، إذ يكفي في النحوِ صحةُ الاحتجاج بالبيت. وخاصةً إذا كان أولئك العلماء من أهل البَصَرِ والمعرفةِ التامَّةِ بالشعرِ، كما قال ابنُ سلَّام: «وليس يُشكِلُ على أَهلِ العلم زيادةُ الرواةِ، ولا ما وضعوا، ولا ما وَضَعَ المولَّدون. إِنَّما عَضَّلَ بِهم أَنْ يقولَ الرجلُ من أهلِ الباديةِ مِن وَلَدِ الشعراءِ، أو الرجلُ ليسَ من ولدِهِم، فيُشكلُ ذلك بعضَ الإشكال» (4).--------------------------------------------
(1) خزانة الأدب 9/ 317.
(2) انظر: الاقتراح 55، والإصباح في شرح الاقتراح 123.
(3) انظر: خزانة الأدب 1/ 15.
(4) طبقات فحول الشعراء 1/ 40.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 149)
5 - انفراد الشاهد الشعري أو بعضه عن القصيدة.
قد يستشهد المفسر بشاهد شعري مفرد لا يعرف له سابق ولا لاحق، أو بجزء من الشاهد الشعري دون سائره. مما يجعل احتمال الخطأ في ضبط الشاهد الشعري واردًا. ولذلك حرص شراح الشواهد الشعرية على تتبع الأبيات السابقة واللاحقة للشواهد الشعرية؛ لتوثيق الشاهد، والاطمئنان إلى صحة ضبطه، وبالتالي صحة ما بني عليه. يقول البَطَلْيُوسيُّ (1) مبينًا سبب شرحه لشواهد أدب الكاتب: «وغَرضي أَنْ أَقرنَ بكلِّ بيتٍ منها ما يتصلُ به من الشِّعرِ مِن قبلهِ أو من بعدهِ، إِلَّا أبياتًا يسيرةً لا أعلم قائلَها، ولم أحفظ الأشعارَ التي وقعت فيها، وفي معرفة ما يتصلُ بالشاهد، وما يَجلو معناهُ، ويُعربُ عن فحواه، فإِنَّا رأينا كثيرًا من المُفسِّرين للأبياتِ المستشهدِ بِها قد غَلِطوا في معانيها، حينَ لَم يَعلموا الأشعارَ التي وقعت فيها؛ لأَنَّ البيتَ إذا انفردَ احتملَ تأويلاتٍ كثيرةً» (2). ويقول في مقدمة شرح أبيات الجمل: «وغَرضي أَنْ أَصِلَ بكلِّ بيتٍ منها ما يتصلُ به، ليكونَ أَبْيَنَ لغرضِ قائلهِ ومذهبه» (3).
ومما يدل على أن المفسرين قد يسشتهدون بالبيت أو جزئه من غير معرفة بالبيت كاملًا أو القصيدة التي هو منها ما ذكره الفراء في تفسير سورة (ص) حينما قال: «ومن العرب من يضيف «لات» فيخفض، أنشدوني:
لاتَ سَاعةَ مَنْدَمِ
ولا أحفظ صدره» (4). وقد عَلَّق البغدادي على قول الفراء فقال: «والبيت الذي لم يعرف صدره أنشده ابن السكيت في كتاب الأضداد،--------------------------------------------
(1) هو أبو محمد عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي (444 - 521 هـ)، نحوي لغوي من علماء الأندلس، من مصنفاته: الاقتضاب في شرح أدب الكتاب، الحلل في شرح أبيات الجمل وغيرها. انظر: وفيات الأعيان 3/ 96، إنباه الرواة 2/ 141.
(2) الاقتضاب 2/ 405.
(3) الحلل في شرح أبيات الجمل 13.
(4) معاني القرآن 2/ 397.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 150)
قال فيه: قال ابن الأعرابي: أخلاق مشمولة أي مشئومة، وأخلاق سوء، وأنشد:
وَلَتَعْرِفَنَّ خَلائِقًا مَشْمُوَلةً … وَلتَنْدَمَنَّ ولاتَ سَاعةَ مَنْدَمِ» (1).
في حين أن الجزء الذي أورده الفراء وقع في أشعار أخرى غير ما ذكره ابن السكيت (2).
وهذا العيب الذي يوجد كثيرًا في شواهد الشعر في كتب التفسير وغيرها، حرص المفسرون على الخروج منه بشرح الشاهد حين وروده لإزالة ما قد يقع فيه من سوء فهم أو تأويل، غير أنهم لم يلتزموا شرح كل الشواهد الشعرية التي ترد في التفسير، وقد ذكرت أمثلة لذلك في مبحث «منهج المفسرين في شرح الشاهد الشعري» وغيره من مباحث الباب الثاني، فلا أطيل هنا.
6 - اضطراب الوزن وعدم وضوح المقصود.
قد يختل وزن الشاهد الشعري في كتب التفسير، فيغمض المعنى على القارئ، ولا يتبين المعنى الذي أراده المفسر من إيراد الشاهد، ولا وجه الاستشهاد، وهذا العيب أمثلته قليلة جدًا في كتب التفسير، ولكنه يقع في باب الشعر، لا عتماده على الوزن واستقامته، فإذا اختلت دخله الوهم، وكثرة التأويلات.
ومن أمثلة ذلك أن أبا عبيدة قال في كتابه المجاز: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} [يونس: 1] (3) مجازها: هذه آيات الكتاب الحكيم، أي: القرآن. قال الشاعر:--------------------------------------------
(1) شرح أبيات المغني 5/ 29.
(2) انظر: رصف المباني للمالقي 334، شرح ابن عقيل 1/ 163، خزانة الأدب 4/ 168 - 175.
(3) يونس 1.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 151)
ما فهم من الكتاب أم آي القرآن» (1).
وهو بهذه الصورة مضطرب الوزن، ولذلك علق المحقق فقال: «لم أجده فيما رجعت إليه من المظان، وفي وزنه خلل، وفي معناه غموض» (2). وهذا الذي اضطرب على المحقق هو شطر من الرجز للعجاج الراجز، وهو من أبيات هي:
خَوادِبًا أَهوَنُهُنَّ الأَمُّ
ما فيهُمُ مِنَ الكِتابِ أُمُّ
وَما لَهُم مِن حَسَبٍ يَلُمُّ (3)
ومعناه كما شرحه أبو عبيدة بقوله: أي القرآن، وهو يقصد أن الكتاب في الشاهد الشعري بمعنى القرآن، بمعنى أنه ليس للأزد في القرآن أم وليس بظاهر لي هذا المعنى، في حين فسر هذا البيت الأصمعي فقال: «وقوله: ما فيهم من الكتاب أم، أراه يذهب إلى أن ليس لهم أصلٌ، كلهم طغامٌ» (4). وعلى هذا المعنى فلا وجه لا ستشهاد أبي عبيدة بهذا الشاهد.--------------------------------------------
(1) مجاز القرآن 1/ 272.
(2) مجاز القرآن 1/ 272 حاشية الشاهد رقم 305.
(3) انظر: ديوانه 377 - 378.
(4) شرح الأصمعي لديوان العجاج 378.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 152)
المبحث الخامس: مصادر الشعر المحتج به.
المَصْدَرُ لغةً اسمُ مَكانٍ مِن صَدَرَ إذا رَجَعَ، ومنه قوله تعالى: {قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ} [القصص: 23] بفتحِ الياءِ وضمِّ الدالِ (1)، أي: يرجعوا من سَقْيِهِمْ لماشيتهم (2).
فكما يردُ الشاربُ للماءِ ويصدرُ عنهُ، فيكون الماء مصدرًا له، فكذلك المفسرون قد وردوا موارد علميةً كثيرةً أخذوا منها العلمَ، وصدروا عنها وهم يحملون علمًا جمًا غزيرًا ظهر بعد في كتب التفسير واللغة التي حُفِظَت، ورواها العلماء. والذي يسعى هذا المبحثُ لدراسته هو تتبع تلك المصادر العلمية التي صدر عنها المفسرون، وأخذوا عنها شواهدهم الشعرية.
وقد تنوعت هذه المصادر بتنوع واختلاف العوامل المكانية، والزمانية، والعلمية للمفسرين. فقد كانت روايةُ الشعرِ شُغلًا شاغلًا للطبقة الأُولى من العلماء الرواة كأبي عمرو بن العلاء والأصمعيِّ، حتى قال المازنيُّ للأَصمعيِّ متعجبًا من سَعَةِ حفظه: إِنَّكَ لتحفظُ من الرَّجَزِ ما لا يحفظه أحدٌ! فقال الأصمعي: إنهُ كانَ هَمَّنَا وسَدَمَنا (3)، والسَّدَمُ هُوَ الحِرْصُ (4).--------------------------------------------
(1) القصص 23 وهي قراءة عاصم في رواية عنه، وقراءة ابن عامر، وأبي جعفر، وشيبة، وقتادة، وأبي عمرو. انظر: السبعة 492، حجة القراءات 543، النشر 2/ 341، إتحاف فضلاء البشر 542.
(2) انظر: مقاييس اللغة 3/ 337، لسان العرب 7/ 301 - 302.
(3) انظر: مراتب النحويين 95، المنصف لابن جني 3/ 335.
(4) انظر: المنصف لابن جني 3/ 335.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 153)
وقد قَسَّمَ الدارسون الرواية من حيثُ مراحلُها التاريخيةُ إلى مرحلتين:
المرحلة الأولى: مرحلة رواية الشعر خاصة. وذلك بحفظه ونقله وإنشاده، ولا تتجاوز ذلك إلى ضبطه وتحقيقه والنظر فيه وتمحيصه. وقد استمر مدلول هذه المرحلة حتى آخر القرن الأول، وبداية القرن الثاني.
قال محمد بن المنكدر التيمي المدني (1) المتوفى سنة 130 هـ: «ما كنا ندعو الرواية إلا روايةَ الشِّعرِ، وما كنا نقولُ هذا يروي أحاديثَ الحكمةِ إِلَّا عَالِم» (2).
وكان الغرض من هذه الرواية هو المتعة، وحفظ أمجاد القبيلة، مما كانت تحرص عليه العرب، وقد أثبتت الدراسات الحديثة «أن الجاهلية العربية عرفت الكتابة معرفةً قديمةً واسعةً، واستخدمتها في جُلِّ شُؤونها، وكتبت بعضَ شَعرِهَا وأَخبارِها وأنسابها ودونتها في صحف وكتب ودواوين، فالقول إذن بأمية الجاهلية فرض واهم يجب أن نسقط جميع ما ترتب عليه من نتائج باطلة» (3). غير أن الرواية الشفوية للشعر كانت منتشرة، فقد كان لكل شاعر جاهلي كبير على وجه التقريب راوية يصحبه، ويروي عنه أشعاره، وينشرها بين الناس.
المرحلة الثانية: مرحلة الرواية العلمية. وهي المرحلة التي بدأ فيها رواة الحديث يتصدرون للتحديث، فصار للمحدثين رواة، كما كان للشعر رواة، وأصبحت الرواية الشعرية في هذه المرحلة تقوم على الحفظ والنقل والإسناد، مع العناية بالضبط--------------------------------------------
(1) هو محمد بن المنكدر التيمي، من فضلاء التابعين، ثقة حافظ انظر: الكاشف للذهبي 2/ 224.
(2) جامع بيان العلم وفضله 2/ 47.
(3) مصادر الشعر الجاهلي 171.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 154)
والإتقان، والتحقيق والتمحيص للمرويات، والحرص على الشرح والتفسير (1). وقد بدأت هذه الرواية متأخرةً عن الأولى، حيث بدأت مع بداية القرن الثاني الهجري، حيث كان يبحث الراوي عن الأعرابي الفصيح ليسمع منه لغة قومه؛ لاستخراج القواعد والقوانين التي تضبط اللغة، وتصون اللسان عن الخطأ والزلل. وقد بذل الرواة وسعهم في البحث عن العرب الفصحاء، تلقفوهم في الحواضر الإسلامية، وبحثوا عنهم داخل أخبيتهم في الصحراء، وخلف ماشيتهم في العراء، وكانوا يطيرون فرحًا بكلمة يسمعونها من نبعها الصافي، لا يشوبها كدر، وقد كان يدفعهم إلى ذلك حرصهم على لغة كتابهم الكريم، وعصبيتهم للغة العرب، ولا سيما أن الدولة الأموية التي بدأت في عهدها الرواية كانت شديدة التعصب للعرب، وللغة القرآن (2). وقد كان الخلفاء الأمويون يستقدمون المؤدبين لأولادهم، فيروونهم شعر العرب، لتستقيم ألسنتهم، وتسلم من داء اللحن والعجمة، وربما أرسلوا أبناءهم إلى البادية ليسمعوا اللغة من مصدرها، مما دفع الرواة إلى الحرص على حفظ الشعر واللغة لنيل الحظوة عند أولئك الخلفاء.
ومِمَّا ينبغي ذكره هنا أن رواية اللغة روايةً علميةً نشأت أول ما نشأت على أيدي القراء والمفسرين، فكان القارئ أو المفسِّر إذا أشكل عليه لفظٌ أو معنى، استعان على إيضاح ذلك ببيت من الشعر، فهذا ابن عباس (68 هـ) كان يُسألُ عن أشياء من القرآن، فيجيب ويستشهد بالشعر على ذلك (3). وكانت رسل بني أمية تأتي قتادة كلَّ يومٍ من الشام إلى البصرة يسألونهُ عن معنى بيتٍ من الشِّعرِ، فيُفَسِّرَهُ لهم (4). وهذا أبو--------------------------------------------
(1) انظر: مصادر الشعر الجاهلي 189.
(2) انظر: العصبية القبلية وأثرها في الشعر الأموي 253 - 269.
(3) انظر: الجامع لأحكام القرآن 1/ 24.
(4) انظر: إنباه الرواة 3/ 37.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 155)
عمرو بن العلاء (154 هـ) كان قارئًا من القراء السبعة، ثم اتجه إلى تحصيل اللغة، حتى أصبح مَعْلَمًا بارزًا من معالمها، فالمتأمل لتاريخ اللغة والرواية يلحظ أن أبا عمرو بن العلاء كان نقطة تحول في تاريخ الرواية العلمية (1)، يقول شعبة بن الحجاج (2): «كنت أختلف إلى ابن أبي عَقْرَب فأسأله عن الفقه، ويسأله أبو عمرو بن العلاء عن العربية، فنقوم وأنا لا أحفظ حرفًا مما سأله، ولا يحفظ حرفًا مما سألته» (3). وهذا الأصمعي يلزم أبا عمرو بن العلاء ليأخذ قراءته، ثم يتأثر بأستاذه ليصبحَ عَلَمًا من أعلام رواية اللغة وشعر العرب (4). ويمكن القول: إنه قد مضى القرن الأول وجزء من الثاني ورواية اللغة يقوم بها القراء والمفسرون، ولم تنتقل إلى اللغويين إلا بعد ذلك.
ويمكن تقسيم مصادر الشواهد الشعرية التي اعتمد عليها المفسرون في تفسير القرآن الكريم، واللغويون في تقعيد القواعد اللغوية، وتأسيس علوم العربية، إلى قسمين:
الأول: مصادر مباشرة، وهي الأخذ عن الشعراء الذين يُحتجُّ بشعرهم مباشرةً.
الثاني: مصادر غير مباشرة، وهي كل ما عدا الشاعر من المصادر، ويندرج تحت ذلك، الرواة عن الشعراء، من العلماء، والأعراب، والمصنفات الأولى التي حفظت الشواهد الشعرية للأجيال التالية، من كتب التفسير واللغة وغيرها.--------------------------------------------
(1) انظر: أثر القراءات في الأصوات والنحو العربي لعبد الصبور شاهين 30 - 49.
(2) هو أبو بسطام شعبة بن الحجاج العتكي، من أئمة رواة الحديث، لقب بأمير المؤمنين في الحديث، توفي سنة 160 هـ. انظر: الكاشف للذهبي 1/ 485.
(3) طبقات النحويين واللغويين 31.
(4) انظر: المصدر السابق 167، وأخبار النحويين البصريين للسيرافي 74، وإنباه الرواة 2/ 197.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 156)
أولًا: المصادر المباشرة.
فأما القسم الأول من مصادر الشاهد الشعري، وهو الشعراء، فقد روى المفسرون واللغويون عن كثير من الشعراء مباشرةً، ومن أقدم الأمثلة لذلك عبدالله بن عباس رضي الله عنهما، فقد كان يستشهد بأشعار حسان بن ثابت (1)، ولبيد بن ربيعة (2)، وعبدالله بن رواحة (3)، وغيرهم من الصحابة الذين عاصرهم، وسمع منهم أو من بعضهم مباشرةً، وقد استشهد بأشعار عمر بن أبي ربيعة المخزومي (95 هـ) على تفسير القرآن الكريم. (4) وقد كان هذا الصنيع من ابن عباس أول عمل منظم لعملية الاستشهاد بالشعر في تفسير القرآن الكريم، وسيأتي مزيد بيان لذلك في مبحثٍ تالٍ.
وقد أدرك عبدالله بن أبي إسحاق الحضرمي (118 هـ)، وأبو عمرو بن العلاء (154 هـ)، شعراءَ الاحتجاج، كالفرزدق، والكُميت، وذي الرمة، والعجاج، ورؤبة وأضرابهم، وهم من طبقة شعراء الإسلام. (5)
يقول الخليل بن أحمد (170 هـ): «دفنَّا الشعر واللغة والفصاحة اليومَ، فقيل له: وكيف ذاك؟ فقال: هذا حين انصرفنا من دفن رؤبة بن العجاج». (6) وسئل يونس بن حبيب عن فصاحة رؤبة فقال: ما رأيت قط عربيًا أفصح منه. (7) ويقول الأصمعي: «ساقةُ الشعراءِ ابنُ ميَّادة--------------------------------------------
(1) انظر: إيضاح الوقف والابتداء 1/ 65، مسائل نافع بن الأزرق 62، 121.
(2) انظر: إيضاح الوقف والابتداء 1/ 89، مسائل نافع بن الأزرق 141.
(3) انظر: مسائل نافع بن الأزرق 140، 143.
(4) انظر: مسائل نافع بن الأزرق 91 - 92.
(5) انظر: معاني القرآن للفراء 2/ 183، الشعر والشعراء 1/ 89، 480، الموشح 238، 282، خزانة الأدب 1/ 4، 5/ 144.
(6) الأغاني 20/ 370، وخزانة الأدب 1/ 91.
(7) انظر: الأغاني 20/ 360.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 157)
(146 هـ)، وابنُ هَرْمَة (145 هـ)، ورؤبَةُ (145 هـ)، وحَكَمُ الخُضَريُّ، ومَكِيْنُ العُذريُّ (160 هـ)، وقد رأَيتهُم أَجْمعين» (1).
وقد أدرك أبو عبيدة رؤبةَ بن العجاج، وسأله عن قوله:
فيها خُطوطٌ مِنْ بَيَاضٍ وَبَلَقْ … كأَنَّهُ في الجلد توليعُ البَهَقْ (2)
حيث قال: «قلت لرؤبة: إن كانت خطوط فقل: كأَنَّها، وإن كانَ سوادٌ وبَلَقٌ فقل: كأَنَّهُما. فقال: كأَنَّ ذاكَ - ويلك - تَولِيعُ البَهَقْ» (3). وكذلك الأصمعيُّ روى الشواهدَ والأشعارَ عن رُؤبةَ وغيره (4).
ومن أئمةِ الكوفيين يحيى بن زياد الفراء الذي أدرك كثيرًا من الشعراء، وروى عنهم. ومن ذلك قوله: «وأنشدني بعض بني أسد يصف فَرَسَهُ:
عَلفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً باردَا … حَتى شَتَتْ هَمَّالةً عيناها» (5).
وهذا الشاهد من الشواهد السائرة في كتب النحو والتفسير، والشاهد فيه «وماءً» حيث نصبَ الماءَ بفعلٍ مقدرٍ هو «أَسْقَيْتُها»، ولم يذكره؛ لكون الماء لا يُعلفُ وإِنّما يُشرَبُ (6).
وأكثر من تهيأت لهم الرواية المباشرة عن الشعراء هم العلماء الرواة الذين أدركوا عصور الاحتجاج، وأولهم وأوثقهم أبو عمرو بن العلاء (154 هـ)، ومن طبقته حَمَّاد بن مَيْسَرة المعروفُ بِحَمَّاد الراوية--------------------------------------------
(1) الشعر والشعراء 2/ 753، وخزانة الأدب 1/ 8، 425.
(2) انظر: ديوانه 104.
(3) مجاز القرآن 1/ 43 - 44، والكشاف 1/ 149، 470، 4/ 15.
(4) انظر: الكشاف 1/ 149، 470، 4/ 15.
(5) معاني القرآن 1/ 14.
(6) انظر: الخصائص 2/ 431، شرح شذور الذهب 240، شرح الأشموني 2/ 140، الإنصاف 488، معجم شواهد النحو الشعرية 773 رقم 3716.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 158)
(156 هـ) (1)، وعن هذين أخذ سائر شيوخ العلم والرواية كخلف الأحمر (180 هـ)، والمفضل الضبي (178 هـ)، والأصمعي (215 هـ)، وأبي عبيدة (210 هـ)، وأبي عمرو الشيباني (206 هـ)، والفراء (207 هـ) وغيرهم، ثم أخذ عن هؤلاء من تلاهم كابن الأعرابي (231 هـ)، ومحمد بن حبيب (245 هـ)، وأبي حاتم السجستاني (255 هـ)، ثم أخذ عن هؤلاء أبو سعيد السكري (285 هـ)، وثعلب (286 هـ) وأضرابهما (2).
وأما من أتى بعدهم فقد اعتمدوا على الرواية عنهم وعن تلاميذهم، وعلى المصنفات التي دونها هؤلاء. يقول أبو الطيب اللغوي: «وكان في هذا العصر ثلاثةٌ، هُم أَئِمةُ النَّاسِ في اللغة، والشعرِ، وعُلومِ العرب، لم يُرَ مِثلُهُم قَبْلَهم ولا بَعدهم، عنهم أُخِذَ جُلُّ مَا في أَيدي الناس من هذا العلمِ بَلْ كُلُّهُ، وهُم أبو زيدٍ، وأَبو عبيدةَ، والأَصمعيُّ، وكلهم أخذوا عن أَبي عَمروٍ اللغةَ، والنحوَ، والشعرَ، ورَووا عنه القراءةَ، ثم أَخذُوا بعدَ أبي عمروٍ عن عيسى بنِ عُمرَ، وأَبي الخطابِ الأخفشِ، ويونسَ بن حبيب عن جماعةٍ من ثقاتِ الأعراب وعلمائهم» (3).
وهذا المصدر المباشر لم أجد له أثرًا ظاهرًا إلا في كتابي «مجاز القرآن» لأبي عبيدة، و «معاني القرآن» للفراء، حيث تقدم أخذهم مباشرةً من الشعراء، ونقلُهُم لعدد من الشواهد الشعرية، وستأتي الأمثلة على ذلك في هذا المبحث، وأثر هذا المصدر المباشر في تفسيرهم للقرآن الكريم، أما بقية كتب التفسير موضوع الدراسة فلم يدرك أحدٌ منهم شاعرًا يحتج بشعره.--------------------------------------------
(1) هو حَمَّاد بن ميسرة بن المبارك الديلمي الكوفي المعروف بالراوية، من أعلم الناس بشعر العرب وأخبارهم، قدمه خلفاء بني أمية، ولد سنة 95 هـ وتوفي سنة 155 هـ. انظر: معجم الأدباء 3/ 246 - 250.
(2) انظر: مصادر الشعر الجاهلي 252.
(3) مراتب النحويين 39 - 40.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 159)
ثانيًا: المصادر غير المباشرة.
وأما القسم الثاني من مصادر الشاهد الشعري، فهو المصادر غير المباشرة، وهي الأخذ عن غير الشعراء بأي طريقة، وهذه الطرق هي:
أولًا: الأخذ عن الرواة والعلماء:
وهي أوسع طرق رواية الشعر والشواهد، فقد كان الرواة هم الطريق الذي منه انتشرت رواية الشعر، ونقلت للأجيال التالية، وعنهم نقل كل الشعر الذي دُوِّن بعد ذلك. وقد قسم الباحثون رواة الشعر إلى ست طبقات: الرواة العلماء، والشعراء الرواة، ورواة القبيلة، ورواة الشاعر، ورواة مصلحين للشعر، ورواة وضاعين (1). وأوثق هذه الطبقات هي الطبقة الأولى، ومن أبرزهم أبو عمرو بن العلاء (154 هـ)، وحماد الراوية (156 هـ)، وسبب الثقة بهذه الطبقة أنها «اتخذت من الشعر موضوعًا علميًا، تدرسه دراسة، بعد أن تأخذه عن شيخٍ، أو أُستاذٍ في مدرسةٍ من مدارسِ علم الشعر وروايته آنذاك … وتكون طريقة الدرس هي الرواية الأدبية بدعامتيها: الكتاب والسماع، ثم تقوم بتمحيص ما تجمعه وتفحصه وتنقده، وتميز صحيحه من فاسده، والثابت النسبة من المشكوك فيه، وتنتهي من ذلك إلى تسجيل ما ترجح لديها صحته في نسخة خاصة تصبح هي رواية ذلك الشيخ الراوية العالم، ينقلها عنه تلاميذه وينسبونها إليه» (2).
وعلى هؤلاء العلماء الرواة تدور رواية معظم الشواهد الشعرية، وإليهم ينتهي علمها، وعلامة ذلك تكرر الشواهد الشعرية منذ عصرهم حتى اليوم، فلا يكاد المفسرون يستشهدون بغير تلك الشواهد الشعرية التي رواها أبو عمرو بن العلاء، وعنه أبو عبيدة والأصمعي، وطبقتهم،--------------------------------------------
(1) انظر: مصادر الشعر الجاهلي 628.
(2) انظر: المصدر السابق 628 - 629 بتصرف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 160)