الشاهد بقوله: «يُريد: إذا ما تَتابعَ القُبَلُ، فأدغمَ إحدى التاءينِ في الأخرى، فلمَّا أدغمت التاءُ في الدالِ فجُعِلتْ دالًا مثلَها، سَكَنَتْ، فَجلَبوا أَلِفًا لِيَصِلوا إلى الكلام بِها، وذلكَ إِذ كانَ قبلَهُ شيءٌ؛ لأنَّ الإدغامَ لا يكون إِلَاّ وقبلَهُ شيءٌ» (1).
وذكر السَّمينُ الحلبيُّ أَنَّ «هذا مُطَّرِدٌ في كل فِعْلٍ على تَفاعَلَ أو تَفَعَّلَ، فَاؤهُ دالٌ نحو: تَدَايَنَ وادَّايَنَ، وتَدَيَّنَ وادَّيَّنَ، أو ظاء أو طاء، أو ضاد أو صاد، نحو: تَطَايَرَ واطَّايَر، وتَطَيَّرَ واطَّيَّرَ، وتَظَاهَرَ واظَّاهَر، وتَطَهَّرَ واطَّهَّرَ. والمصدرُ على التَّفَاعُلِ أو التَّفَعُّلِ نحو: تَدَارُؤ وتطهُّر نَظرًا إلى الأصلِ، وهذا أَصلٌ نافعٌ في جَميعِ الأبوابِ فليُتأَمَّل» (2).
فالفراء والطبري قد تواردا على الاستشهاد بالشاهد الشعري السابق على مسألة صوتية وهي الإدغام في لفظتين من آيتين مُختلفتين من القرآن الكريم، غير أَنَّ وجهَ الاستشهادِ واحدٌ، ولم يستشهد السمين الحلبي بالشاهد الشعري مع عنايته بمسائل الصرف في كتابه.
5 - الشواهد البلاغية.
وهي كل ما استشهد به المفسرون من الشعر لتوضيح وبيان مسألة بلاغية. وشواهد البلاغة لا تُعَدُّ شواهدَ بالمعنى الاصطلاحي الدقيق (3)، فكثير منها قد ورد من باب التمثيل للقواعد التي وضعها البلاغيون. وقد بدأ أبو عبيدة في «مجاز القرآن» بوضع اللبنات الأولى لعلم البلاغة بمباحثه المعروفة، وشاركه بعد ذلك الفراء في «معاني القرآن»، وقد--------------------------------------------
(1) تفسير الطبري (شاكر) 2/ 224، 14/ 252، ومجاز القرآن 1/ 260. وانظر: معاني القرآن للفراء 2/ 204، المحرر الوجيز 11/ 45.
(2) الدر المصون 1/ 434 - 435، 6/ 49، معجم مفردات الإبدال والإعلال في القرآن الكريم للخراط 343.
(3) انظر: مقدمة شواهد العربية لعبدالسلام هارون 12.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 81)
استعان كل منهما بالشواهد الشعرية يستشهد بها على ما يذهب إليه، ويدعم بها رأيه وتفسيره. ثم جاء بعدهما الإمام ابن قتيبة ولا سيما في كتابه «تأويل مشكل القرآن». فخطا بعلم البلاغة خطوة بعيدة، وقد استطاع أن يعيد تنظيم ما كتبه أبو عبيدة والفراء في كتابيهما، والاستشهاد على ذلك بشواهد من الشعر سبق أن استشهدا بها غير أنه أضاف إليها شواهد جديدة لم يسبق إليها، وقد تداولتها كتب البلاغة بعد ذلك، وأصبحت هي الشواهد السائرة لتلك المباحث البلاغية.
وقد عُنِيَ المفسرون بالشواهد البلاغية، وأوردوا كثيرًا منها في مواضع متفرقة من تفاسيرهم، وبعضهم كان أكثر عناية بها من غيره كالزمخشري في «الكشاف»، الذي أشار في مقدمة تفسيره إلى أهمية علم البلاغة للمفسر، والحاجة الماسة إلى تعلمه لفهم كتاب الله، وقد شَنَّعَ على من يتصدى للتفسير وهو غيرُ بصيرٍ بهذا العلم (1).
وفي زمن أبي عبيدة (209 هـ) والفراء (207 هـ) لم تكن مصطلحات البلاغة قد اتضحت تمامًا واستقر عليها الأمر؛ ولذلك جاءت المباحث البلاغية في كتابيهما متفرقةً، غَيْر ملتزمةٍ بِمصطلحات البلاغةِ التي عُرِفت فيما بَعدُ، حيث يعدُّ كتابَ الأول منهما أولَ خطوةٍ وصلت في علم البلاغة، فقد تعرض لمباحث التقديم والتأخير، والتشبيه، والكناية، والتمثيل، والاستعارة، والالتفات (2).
ثم جاء بعدهما ابن قتيبة (276 هـ) فاستطاع في كُتبهِ وخاصةً كتابهُ «تأويل مشكلِ القرآنِ» أن يُجلي كثيرًا من مسائل علوم البلاغة، مستشهدًا على ذلك بعدد من الشواهد الشعرية البلاغية، مع بيان وجه الشاهد وتوضيحه، وقد دفعه إلى ذلك الرد على الملاحدة وأشباههم الذين كانوا--------------------------------------------
(1) الكشاف 1/ 3.
(2) انظر: المباحث البلاغية في ضوء قضية الإعجاز لأحمد جمال العمري 42 - 49.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 82)
يطعنون في القرآن الكريم، ويتهمونه بالتناقض والفساد في النظم والإعراب، والناظر في كتابه يدرك بيسر وسهولة أنه قد استوعب ما ورد في «مجاز القرآن» لأبي عبيدة، و «معاني القرآن» للفراء وأخرجهما في ثوب جديد، أكثر ترتيبًا وتنظيمًا (1)، وتأثر به تلاميذه ومن جاء بعده من المفسرين (2). ولم يَخْلُ تفسير من التفاسير المطوَّلةِ والمتوسطة بعد ذلك من مباحثِ البلاغة، والاستشهاد عليها بشواهد الشعر البلاغية، كتفسير الطبري (310 هـ)، والزمخشري (538 هـ)، وابن عطية (542 هـ)، والقرطبي (671 هـ) وغيرهم.
فمن أمثلة الشواهد البلاغية في كتب الدراسات القرآنية ما ذكره أبو عبيدة في تفسير قوله تعالى: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ} [التوبة: 1] (3)، حيث قال: «{بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ} ثم خاطب شاهدًا فقال {فَسِيحُوا} [التوبة: 2] (4)، مَجازُهُ: سِيْروا وأَقبِلوا وأَدبِروا، والعَربُ تفعل هذا، قال عنترة:
شَطَّتْ مزارُ العاشقين فأصبحتْ … عَسِرًا عليَّ طِلابُكِ ابنةَ مَخرمِ (5)» (6).
وهو يشير هنا إلى ما سَمَّاه البلاغيونَ «الالتفات» وهو «انصرافُ المتكلمِ عن المُخاطَبةِ إلى الإخبارِ، وعن الإخبار إلى المخاطبة وما يشبه ذلك». (7) ومن أول من أشار إليه وإن لم يسمه باسمه أبو عُبيدة بقوله: «والعربُ قد تُخاطبُ فتُخبِر عن الغائبِ والمعنى للشاهدِ، فترجعُ إلى الشاهدِ فتخاطبه» (8)، كما أشار الفراء إليه وإن لم يسمِّه باسمه (9). ولعلَّ--------------------------------------------
(1) انظر: أثر النحاة في البحث البلاغي للدكتور عبدالقادر حسين 117.
(2) انظر: نقد الشعر عند ابن قتيبة للدكتور عبدالكريم محمد حسين 396 وما بعدها.
(3) التوبة 1.
(4) التوبة 2.
(5) انظر: ديوانه 16، شرح القصائد السبع الطوال 299.
(6) مجاز القرآن 1/ 252، 2/ 139.
(7) معجم المصطلحات البلاغية لأحمد مطلوب 174، الصناعتين للعسكري 392.
(8) مجاز القرآن 2/ 139.
(9) انظر: معاني القرآن للفراء 1/ 60، 195، 460.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 83)
أولَ من سَمَّاه التفاتًا الأصمعي (1)، ثم شرحه ابن قتيبة وأدخله في باب «مخالفة ظاهر اللفظ معناه»، وقال: «ومنه أن تخاطب الشاهدَ بشيء ثم تجعلُ الخطابَ له على لفظ الغائب، كقوله عَزَّوَجَلَّ: {حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا} [يونس: 22] (2)، قال الشاعر (3):
يا دارَ ميَّةَ بالعلياءِ فَالسَّنَدِ … أَقوتْ وطالَ عليها سالفُ الأَبَدِ (4)
وكذلك أيضًا تجعلُ خطابَ الغائبِ للشاهد، كقول الهذلي (5):
يا ويحَ نفسي كانَ جِدَّةُ خَالدٍ … وبياضُ وجهكَ للترابِ الأَعفرِ (6)» (7).
وانتفع المفسرون بعد ذلك بما سبق إليه هؤلاء فهذا الزمخشري يقول: «وقد التفت امرؤ القيس ثلاث التفاتات في ثلاثة أبيات … وتلك على عادة افتنانهم في الكلام وتصرفهم فيه، ولأن الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب كان ذلك أحسن تطرية لنشاط السامع وإيقاظًا للإصغاء إليه من إجرائه على أسلوب واحد، وقد تختص مواقعه بفوائد» (8). والشواهد - كما قال الطبري - من الشعر وكلام العرب في الالتفات أكثر من أن تحصى (9).
ومن الأمثلة ما أورده الطبري عند تفسير قوله تعالى: {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ} [البقرة: 93] (10) وهو قول زهير:
فصحوتُ عنها بعدَ حُبٍّ داخلٍ … والحُبُّ تُشْرِبُهُ فؤادَك داءُ (11)
حيث استشهد به على أن معنى الآية: أُشْربوا حُبَّ العجل، وأنه ترك ذكر الحب اكتفاءً بفهم السامع لمعنى الكلام «إذ كان معلومًا أَنَّ--------------------------------------------
(1) انظر: الصناعتين 392.
(2) يونس 22.
(3) هو النابغة الذبياني.
(4) انظر: ديوانه 14.
(5) هو أبو كبير الهذلي.
(6) انظر: ديوان الهذليين 2/ 101.
(7) تأويل مشكل القرآن 289 - 290، تفسير الطبري (شاكر) 1/ 154.
(8) الكشاف 1/ 14.
(9) انظر: تفسير الطبري (شاكر) 1/ 154.
(10) البقرة 93.
(11) انظر: ديوانه 339.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 84)
العِجْلَ لا يشرب القلب، وأَنَّ الذي يشرب القلب منه حُبُّه، كما قال جلَّ ثناؤه: {وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ} [الأعراف: 163] (1)، {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا} [يوسف: 82] (2)، وكما قال الشاعر (3):
أَلا إِنَّني سُقِّيتُ أَسودَ حَالكًا … أَلا بَجَلِى مِنَ الشَّرابِ أَلا بَجَلْ (4)
يعني بذلك: سُمًّا أسودًا، فاكتفى بذكر «أسود». عن ذكر السُّمّ؛ لمعرفة السامع معنى ما أراد بقوله: سُقِّيتُ أسودَ» (5).
وما ذكره الطبري هنا هو ما سماه البلاغيون بعد ذلك «المَجَاز»، قال ابن عطية: «والمعنى: جعلت قُلوبُهم تَشربُه، وهذا تشبيهٌ ومَجازٌ، عبارةٌ عن تَمكُّنِ أمرِ العِجْل في قُلوبِهم» (6)
والشواهد البلاغية التي أوردها الإمام الطبري، ومِن قَبلهِ أبو عبيدة، والفراء، وابن قتيبة، ومن بعده الزمخشري، وابن عطية، والقرطبي تُعَدُّ من الشواهد عند البلاغيين لهذا الأسلوب العربي (7). ونظائر هذه الشواهد البلاغية كثيرة في كتب التفسير (8).
6 - الشواهد الأدبية:
وهي الأبيات من الشعر التي يتمثلُ بِهَا المفسرُ في تفسيره على معنى من المعاني التي تعرض لها في تفسيره، فهي للتمثل لا للاستشهاد--------------------------------------------
(1) الأعراف 163.
(2) يوسف 82.
(3) هو طرفة بن العبد البكري.
(4) بَجَلِى: بِمعنى حَسْبِي من الشراب. انظر: ديوانه 75، أشعار الشعراء الستة للشنتمري 2/ 84.
(5) تفسير الطبري (شاكر) 2/ 359.
(6) المحرر الوجيز 1/ 294.
(7) مجاز القرآن 1/ 47، معاني القرآن للفراء 1/ 61 - 62، تأويل مشكل القرآن 210، الكشاف 1/ 166، 2/ 496، 737 - 740، الجامع لأحكام القرآن 2/ 23.
(8) للاستزادة: الكشاف 1/ 113، 118، 181، 2/ 176، 3/ 548، المحرر الوجيز 1/ 148، 2/ 89، 9/ 66، 11/ 71، الجامع لأحكام القرآن 1/ 45، 95.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 85)
فلا تندرج تحت الشواهد اللغوية ولا النحوية، وإنما أوردها المفسر لإيضاح المعنى الذي يرمي إليه ويقصده. وميدان التمثل بالأشعار باب واسع، لاستحسان الناس لها، وحفظهم لها، وربما تكون المناسبة التي ورد فيها الشاهد قريبة من المعنى الذي تعرضت له الآية المفسَّرة. وهذه الشواهد تكثر في تفاسير المتأخرين كالزمخشري والقرطبي، وتقل عند المتقدمين كأبي عبيدة والفراء والطبري. وأكثر ما يوردها المفسرون في مواضع الوعظ والوعد والوعيد، والتذكير بالآخرة والحث على مكارم الأخلاق وحسن الأدب، ونحو ذلك. فهي لا تعد من الشواهد بمعناها الاصطلاحي الذي اصطلح عليه اللغويون والنحويون، وإن كانت تدخل تحت ما ذكره الجاحظ من أن غاية رواة الأخبار أنهم يروون كل شعر فيه الشاهد والمثل (1)، وأن مدار العلم على الشاهد والمثل (2).
ومن أمثلة هذه الشواهد الأدبية عند المفسرين ما أورده القرطبي وهو يقرر أن الواجب على من تصدى لتعليم الناس أن يقف حيث وقف به العلم، ولا يتعدى ذلك إلى القول بغير علم. (3) وذلك عند تفسيره لقوله تعالى: {قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32)} [البقرة: 32] (4)، من قول الشاعر (5):
إذا ما تَحدثتُ في مَجْلِسٍ … تناهَى حَديثي إلى ما عَلِمْتُ
ولم أَعْدُ عِلْمِي إلى غَيْرهِ … وكانَ إذا ما تناهى سَكَتُّ (6)
ومن الأمثلة على هذا النوع من الشواهد الأدبية في كتب التفسير ما استشهد به القرطبي عند تفسيره لقوله تعالى: {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ--------------------------------------------
(1) البيان والتبيين 4/ 24.
(2) المصدر السابق 1/ 271.
(3) الجامع لأحكام القرآن 1/ 197 - 198، وانظر: أبيات الاستشهاد لابن فارس ضمن نوادر المخطوطات لعبد السلام هارون 1/ 174 حيث ذكر ابن فارس أنه يتمثل به عندما يلاجك أحد أو يطاولك.
(4) البقرة 32.
(5) هو يزيد بن الوليد بن عبدالملك.
(6) انظر: عيون الأخبار 2/ 125.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 86)
عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (22)} [فصلت: 22] (1)، على أَنَّ الجوارح تشهد على الإنسانِ بما عمل، وهي قول الشاعر (2):
العمرُ ينقصُ والذنوبُ تزيدُ … وتُقَالُ عَثراتُ الفَتَى فَيَعُودُ
هل يَستطيعُ جُحودَ ذَنبٍ واحدٍ … رَجُلٌ جَوارِحُهُ عليهِ شُهُودُ
والمرءُ يُسألُ عَن سَنيهِ فيَشتَهي … تَقلِيلَها وعَن المَماتِ يَحِيدُ (3)
ويوجد عند بعض المفسرين إيراد لشواهد شعرية يتمثل بها أهل التصوف وتكثر في كتبهم، وهي تدخل تحت الشواهد الأدبية، ومن الأمثلة على ذلك ما أورده القرطبي عند قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (23)} [التوبة: 23] (4)، حيث قال: «وخصَّ الله سبحانه الآباء والإخوة إذ لا قرابة أقرب منها، فنفى الموالاة بينهم كما نفاها بين الناس بقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ} [المائدة: 51] (5) ليبين أنَّ القربَ قربُ الأديانِ، لا قُربُ الأبدان. وفي مثله تُنشدُ الصوفيَّةُ:
يقولونَ لي دارُ الأَحبةِ قد دَنتْ … وأَنتَ كئيبٌ إنَّ ذا لعجيبُ
فقلتُ: وما تغني ديارٌ قريبةٌ … إذا لم يكن بين القلوب قريبُ
فكم من بعيد الدار نال مراده … وآخر جار الجنب مات كئيب» (6)
ويكثر هذا النوع في تفسير القشيري (7) المسمى بـ «لطائف الإشارات»، حيث ملأه بأمثال هذه الأبيات الشعرية التي يقصد بها معاني--------------------------------------------
(1) فصلت 22.
(2) هو عبد الله بن عبد الأعلى الشامي.
(3) الجامع لأحكام القرآن 15/ 230.
(4) التوبة 23.
(5) المائدة 51.
(6) الجامع لأحكام القرآن 8/ 60 - 61، والأبيات غير معروفة القائل.
(7) هو عبد الكريم بن هوازن بن عبدالملك القُشَيْرِيُّ النيسابوريُّ الصوفي (375 - 465 هـ)، كان زاهدًا وَرِعًا، اشتغل بالتفسيرِ وصنَّفَ فيه كتبًا منها لطائف الإشارات. انظر: تاريخ بغداد 11/ 83، سير أعلام النبلاء 18/ 227.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 87)
بعيدة كما هي حال الصوفية في التفسير الإشاري. والصوفية يكثرون من الاستناد إلى الأشعار في تحقيق المعاني العلمية والعملية، ويجري ذلك في كتبهم، وفي بيان مقاماتهم، «فينتزعون معاني الأشعار، ويَضعونَها للتخلِّقِ بِمُقتضاها، وهو في الحقيقة من المُلَحِ؛ لِما في الأشعار الرقيقةِ من إمالةِ الطِّباعِ، وتَحريكِ النفوس إلى الغرض المطلوب، ولذلك اتخذهُ الوعاظُ دَيدنًا، وأدخلوه في أثناء وعظهم» (1).
ومن الأمثلة في تفسير القشيري عند تفسيره لقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة: 189] (2) قال: «الأَهِلَّةُ جَمعُ هلالٍ، مواقيت للناس، لأشغالِهم ومُحاسباتِهم. وهي مواقيتُ لأهلِ القِصَّةِ - أي الصوفية - في تفاوت أحوالهم، فللزاهدين مواقيتُ أورادهم، وأَمَّا أقوامٌ مَخصوصونَ فهي لهم مواقيتُ لحِالاتِهم، قال قائلهم (3):
أَعُدُّ الليالي ليلةً بعد ليلةٍ … وقد كنتُ قدمًا لا أعدُ اللياليا (4)
وقال آخر:
ثَمانٍ قد مضين بلا تلاقٍ … وما في الصبر فضلٌ عن ثَمانِ (5)
وقال آخر (6):
شُهورٌ يَنقضينَ وما شَعرْنَا … بأنصافٍ لهنَّ ولا سرارِ (7)» (8)
فهو هنا أورد ثلاثة أبيات من الشعر، يقصد بها معنى إشاريًا يفهمه الصوفية، غير المعنى الذي تدل عليه بظاهرها.--------------------------------------------
(1) الموافقات 1/ 116.
(2) البقرة 189.
(3) هو قيس بن الملوح، المشهور بِمَجنون ليلى.
(4) انظر: ديوانه 34.
(5) لم أعثر على قائله.
(6) هو الشاعر الأموي الصمة بن عبدالله القشيري المتوفى سنة 95 هـ.
(7) السِّرار: الليلة التي يَسْتَسِرُّ فيها القمرُ أي يَختفي. انظر: الأغاني 6/ 5، لسان العرب 6/ 235 (سرر)
(8) لطائف الإشارات للقشيري 1/ 144.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 88)
وقد أحصيت الشواهد الشعرية في تفسير القشيري هذا فبلغت 683 شاهدًا شعريًا ساقها كلها مساقًا إشاريًا، غير المعنى الظاهر. وكثير من هذه الأبيات الشعرية التي أوردها قد اعتراها اختلال في الوزن، وربما يكون الخلل من الناسخ. وقد أورد كثيرًا من الشواهد الشعرية التي يوردها غيره من المفسرين، مع اختلاف وجه الاستشهاد.
مثال ذلك قوله عند تفسيره لقوله تعالى: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 54] (1): «وقد توهم بعض الناس أن توبة بني إسرائيل كانت أشق، ولا كما توهموا؛ فإن ذلك كان مقاساة القتل مرة واحدة، وأما أهل الخصوص من هذه الأمة ففي كل لحظة قتل، ولهذا:
ليسَ مَنْ مات فاستراح بِمَيْتٍ … إِنَّمَا المَيْتُ مَيّتُ الأحياءِ (2)
وقتلُ النفسِ في الحقيقةِ التَّبَرِّي عن حَولِها وقُوتِها أو شهود شيءٍ منها، ورَدِّ دعواها إليها … فأَمَّا بقاءُ الرسومِ والهياكلِ فلا خَطَرَ لَهُ ولا عِبْرَة به» (3).
في حين أَنَّ المفسرين يوردون هذا الشاهد الشعري للاستشهاد به على التفريق بين صيغةِ «مَيْت» بالتخفيف، و «مَيّت» بالتشديد. فذهب جَماعةٌ من اللغويين إلى أَنَّ «التشديد والتخفيف في مَيّت ومَيْت لغتان» (4)، ولا فرق بينهما في المعنى، وقد اختاره الطبري (5).
وذهب آخرون إلى أَنَّه بالتشديد يدلُّ على ما لم يَمُت بعدُ،--------------------------------------------
(1) البقرة 54.
(2) البيت للشاعر الجاهلي عَديّ بن رعلاء الغساني، والرعلاء أمه. والبيت مع ترجمة الشاعر في معجم الشعراء للمرزباني 86، ونسبه ياقوت الحموي لصالح بن عبدالقدوس كما في معجم الأدباء 3/ 420.
(3) لطائف الإشارات للقسطلاني 1/ 75.
(4) تفسير الطبري (شاكر) 3/ 318، المحرر الوجيز 2/ 47 - 48، الجامع لأحكام القرآن 1/ 146.
(5) تفسير الطبري (شاكر) 3/ 319.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 89)
وبالتخفيف يدلُّ على مَنْ قد ماتَ ومَنْ لَم يَمت بعدُ. قال ابن عطية: «هكذا هو استعمالُ العرب، ويشهد بذلك قول الشاعر .. ثم ذكره وشرحه فقال: «استراحَ: من الراحةِ، وقيل: من الرائحةِ، ولم يقرأَ أحدٌ بالتخفيف فيما لم يَمُت إلا ما رُوى البزيُّ عن ابن كثيرٍ: {ومَا هُوَ بِمَيْتٍ} والمشهورُ عنه التثقيلُ» (1).
ويظهر الفرق جليًا بين إيراد القُشيريِّ للشاهد الشعري اللغوي، وصرفهِ إلى معناهُ الإشاريِّ البعيدِ لتأييدِ تفسيره الإشاري الصوفي للآيات، وبين إيراد غيره من المفسرين لهذا الشاهد الشعري، واستشهادهم اللغوي به (2).
7 - الشواهد التاريخية:
كان تاريخ مغازي الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرته مادةً من مواد المفسر يلجأ إليها حين يعرض لأسباب نزول الآية، أو للأخبار والحوادث المتصلة بها، وكل ذلك ينقل فيه أبيات من الشعر حجة لإثبات الخبر أو نفيه، أو لضبط زمانه، أو مكانه.
وقد كانت السيرة والتاريخ مجالًا واسعًا للاستشهاد بالشعر، بل لقد كان الشعر ضرورةً لازمةً لها يزينها ويكسبها ثقة وقوة في نفوس المستمعين والقارئين، كأنما كان الشعر دليلًا على صدق ما يروى من خبر، حتى لقد رووا أنَّ معاويةَ بن أبي سفيانَ رضي الله عنه طلب من عَبِيد بن شَريَّةَ (3) - حينما كان يقص عليه أخباره المتضمنة في كتاب «أخبار عبيد بن--------------------------------------------
(1) المُحرر الوجيز 2/ 48.
(2) الكشاف 1/ 201، 303، 471، 2/ 518، المحرر الوجيز 3/ 59، الجامع لأحكام القرآن 16/ 59.
(3) هو عَبِيْدُ بن شَريَّة الجُرهُمي، من المعمَّرين والقصاص المشهورين، عاش في الجاهلية وأدرك الإسلام وأسلم، وجالس معاوية رضي الله عنه بعد أن استقدمه من صنعاء إلى دمشق، وإن صح خبره فهو أول من دون الكتب من العرب، فقد أملى كتابين هما كتاب =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 90)
شرية» - أَنْ يُوردَ في أخباره وقصصهِ كلَّ ما يتصل بها مِن شعرٍ، وقال له: وسألتكَ أَلا تَمرَّ بشعرٍ تَحفظهُ فيما قالهُ أَحدٌ إلا ذكرتَه.
ومع أن عبيدًا كان لا يقصر في الاستشهاد بالشعر، فقد عاد معاوية يُلحِفُ عليهِ بقولهِ: وسألتك إِلا شددتَ حديثك ببعض ما قالوا من الشعرِ ولو ثلاثة أبيات. وحينما ذكرَ عَبيدُ أَنَّ يَعْرُبَ كان يقولُ الشعرَ قال له معاويةُ: اذكر الشعرَ الذي قال يَعْرُبُ. وكان معاويةُ كلما سَمِعَ الشعر الذي قيل في إحدى الحوادثِ اطمأَنَّ إلى صحةِ الخَبَرِ، وقال لعَبيد: لقد جئتَ بالبُرهانِ في حديثك يا عبيد، أو للهِ درُّكَ فقد جئت بالبُرهان (1).
وهذا الشعبيُّ (2) يسأل ابن عباس رضي الله عنهما عن أول الناس إسلامًا، فيجيبه ابن عباس: أو ما سَمِعتَ قول حسان بن ثابت:
إذا تذكرتَ شَجْوًا مِنْ أَخِي ثِقَةٍ … فاذكرْ أخاكَ أَبَا بَكْرٍ بِمَا فَعَلا
خَيْرَ البَرِيَّةِ أَتقاها وأعدَلَهَا … بعدَ النَّبِيِّ وأَوفَاهَا بِمَا حَمَلا
الثاني التالي المحمود مشهده … وأول الناس منهم صدق الرسلا (3)
وهذا هو المقصود بالشاهد الشعري التاريخي، وقد وردت في كتب التفسير كثيرٌ من الشواهد التي تشهد لوقائع تاريخية، وقد أوردها بعض المفسرين عند حديثهم عن الحوادث التاريخية في كتب التفسير.
ومن هذه الشواهد التاريخية الغريبة في كتب التفسير ما أورده--------------------------------------------
= الملوك وأخبار الماضين، وكتاب التيجان وملوك حمير، وقد طبعا باسم أخبار عبيد بن شرية في أخبار اليمن وأشعارها وأنسابها، والثاني كتاب الأمثال. وقد عاش إلى زمن عبد الملك بن مروان. انظر: المعمرون لأبي حاتم السجستاني 22، معجم الأدباء 12/ 72 - 78.
(1) انظر: مصادر الشعر الجاهلي 599 - 600.
(2) هو التابعي الجليل عامر بن شراحيل الشعبي. انظر: سير أعلام النبلاء 4/ 294.
(3) الجامع لأحكام القرآن 8/ 236، تاريخ الطبري 2/ 214، محاضرات الأدباء للراغب الأصفهاني 4/ 474، والأبيات في ديوان حسان بن ثابت 177.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 91)
الطبري في تفسيره وفي تاريخه كذلك عن آدم عليه السلام حيث نقل الطبري عن علي بن أبي طالب رضوان الله عليه: لَمَّا قتلَ ابنُ آدم أخاه بَكى آدمُ فقال:
تَغَيَّرتِ البلادُ ومَنْ عَليها … فَلَونُ الأَرضِ مُغْبَرٌّ قَبيحُ
تَغيَّرَ كلُّ ذِي لونٍ وطعمٍ … وقَلَّ بشاشةَ الوجهُ المليحُ
فأجيب آدم عليه السلام:
أَبا هابيلَ قَد قُتِلا جَميعًا … وصَارَ الحَيُّ كالميتِ الذَّبيحِ
وجاءَ بِشِرَّةٍ قد كان منها … على خَوفٍ فجاءَ بِها يَصيِحُ (1)
قال ابن عطية: «وكذا هو الشعر بنصب بشاشة، وكف التنوين» (2). وهذا الشعر مِمَّا انتُقِدَ على ابن إسحاق إيراده له، إذ كيف يكون حُفِظ عن آدم شعرٌ؟ ! (3)
ومن الأمثلة على هذا النوع من الشواهد عند المفسرين ما نقله القرطبي عن ابن إسحاق في قصة غزوة أحد: «قال ابن إسحاق: فبقرت هند عن كبد حمزة فلاكتها ولم تستطع أن تسيغها، فلفظتها ثم علت على صخرة مشرفة فصرخت بأعلى صوتها فقالت:
نحنُ جزيناكمْ بيوم بدرِ … والحرب بعد الحرب ذات سعرِ
ما كان عن عتبة لي من صبرِ … ولا أخي وعَمِّهِ وبِكْرِي
شفيتُ نفسي وقضيتُ نذري … شَفيتَ وَحشيُّ غليلَ صدري
فشكرُ وحشيٍّ عليَّ عُمري … حتى تَرِمَّ أعظمي في قبري»
ثم ذكر بعد ذلك أشعارًا تاريخية كثيرة حول هذه الغزوة (4).--------------------------------------------
(1) تفسير الطبري 10/ 209، وتاريخ الطبري 1/ 92.
(2) المحرر الوجيز 5/ 80 - 81.
(3) طبقات فحول الشعراء 1/ 7 - 8.
(4) الجامع لأحكام القرآن 4/ 121 - 122، 12/ 133.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 92)
8 - الشواهد المشتركة.
وهي شواهد شعرية تتضمن عددًا من مواطن الاستشهاد في مفرداتها اللغوية، أو تركيبها، وترد في كتب التفسير وغيرها، فيستشهدون بها على أكثر من وجهٍ، فهي شواهدُ صرفية، ولغوية معجمية، وتاريخية، أوردها المفسرون في مواضع متفرقة بحسب الحاجة، مع تعدد وجه الاستشهاد، وربما يكون فيها أكثر من استشهاد على جانب واحد كالجانب اللغوي مثلًا. ولكونها متعددة الجوانب حسُنَ إفرادُها بالذكر للتنبيه عليها، والحث على حفظها والعناية بها.
1 - من الأمثلة على هذا النوع قول الفرزدق، ونُسِبَ لغيره:
بَنُونَا بَنُو أَبْنَائِنَا، وبَنَاتُنَا … بَنُوهُنَّ أَبناءُ الرِّجَالِ الأَبَاعِدِ (1)
فهو شاهدٌ عند النحويين «على أَنَّ المبتدأَ والخَبَر إذا تساويا تعريفًا وتَخصيصًا يَجوزُ تأخيرُ المبتدأ إذا كان هناكَ قرينةٌ معنويةٌ على تعيين المبتدأ، فإِنَّهُ قَدّم الخبر هنا على المبتدأ لوجود القرينةِ من حيثُ المعنى، فإنك عرفت أنَّ الخَبَر هو مَحطُّ الفائدة، فما يكون فيه التشبيه الذي تذكر الجملة لأجله فهو الخبر، وهو قوله: بنونا، إذ المعنى: أَنَّ بَنِي أَبنائِنا مثلُ بَنينا، لا أَنَّ بَنِينا مثلُ بني أَبنائِنا» (2).
وشاهدٌ عند البلاغيين على أَنَّهُ جاء على عكسِ التشبيهِ. قال ابنُ هشام: «قد يُقال: إِنَّ هذا البيتَ لا تقديمَ فيهِ ولا تأخير، وإِنَّهُ جاء على عكس التشبيه» (3).--------------------------------------------
(1) انظر: ديوانه 217، خزانة الأدب 1/ 445، دلائل الإعجاز 374.
(2) خزانة الأدب 1/ 445. وانظر: شرح ابن عقيل للألفية 1/ 202، الإنصاف في مسائل الخلاف 62، شرح الأشموني 1/ 210، شرح المفصل لابن يعيش 1/ 99، 9/ 132، تخليص الشواهد 198، شرح التصريح 1/ 173، الدرر اللوامع للشنقيطي 1/ 76، همع الهوامع 1/ 102.
(3) انظر: خزانة الأدب 1/ 446، دلائل الإعجاز 374.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 93)
وشاهد عند الفُقهاء (1)، والفرضيين (2) في بابي الوصية والانتساب للآباء دون الأمهات. قال الجاحظ: «خبَّرني النُّوشِروانيّ قال: قلت للحسن القاضي: أوصي جدِّي بثلث ماله لأولاده، وأنا من أولاده، قال: ليس لك شيء، قلت: ولم؟ قال: أو ما سمعت قول الشاعر … » (3).
يقول العيني في شرح الشاهد: «هذا البيتُ استشهدَ به النحويونَ على جواز تقديم الخَبَرِ، والفرضيون على دخول أَبناءِ الأبناء في الميراثِ، وأَنَّ الانتسابَ للآباءِ، والفقهاءُ كذلك في الوصيَّةِ، وأهلُ المعاني والبيان في التشبيهِ، ولم أَر أحدًا منهم عزاهُ إلى قائلهِ» (4).
2 - ومن أمثلة هذه الشواهد في كتب التفسير قول الشاعر:
ولست لإنسيٍ ولكن لملأكٍ … تَنَزَّل من جو السماءِ يصوبُ (5)
استشهد به أبو عبيدة، والطبري، والقرطبي عند تفسير قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30] (6) استشهادًا لغويًا على هَمز كلمةِ «الملائكةِ» في قوله: لِمَلأَكٍ، وذلك عند بيانِ أَصلِ اشتقاقِ كلمةِ الملائكة (7).--------------------------------------------
(1) انظر: المغني لابن قدامة 8/ 204، الشرح الكبير 16/ 465، .
(2) انظر: المغني 9/ 11، إعلام الموقعين 3/ 371، جلال الأفهام 386، 406.
(3) الحيوان 1/ 346.
(4) خزانة الأدب 1/ 445، شرح الحماسة للمرزوقي 2/ 520 الحاشية.
(5) اختلف في نسبته، فنسب لعلقمة بن عبدة كما في ملحق ديوانه ص 118، وإلى متمم بن نويرة كما في ديوانه 87، ونسب لغيرهما كما في ارتشاف الضرب لأبي حيان 5/ 2383 حاشية رقم 4 وقد استوفى المحقق تخريجه ولعل نسبته لرجل من بني عبدالقيس أولى لأن أبا عبيدة أنشده له، وأنشد قبله مباشرة بيت علقمة على وزنه وقافيته، مما يعني معرفته ببيت علقمة وأن هذا الشاهد ليس له. وانظر: مجاز القرآن 1/ 33.
(6) البقرة 30.
(7) مجاز القرآن 1/ 35، تفسير الطبري (هجر) 1/ 473، الجامع لأحكام القرآن 1/ 263.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 94)
واستشهد به أبو عبيدة، والطبري، وابن عطية عند تفسير قوله تعالى: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ} [البقرة: 19] (1) استشهادًا صرفيًا على أَنَّ «صَّيّب» بِمَعنى مطرِ، مأخوذٌ من صابَ يصوبُ، قال ابن عطية: «وأصلُ صَيِّبْ: صَيْوِب، اجتمعت الواو والياء، وسُبِقَت إحداهُما بالسكونِ، فقُلِبَت الواو ياءً، وأدغمت كما فُعِلَ في سَيِّد ومَيِّت» (2).
والأمثلة على هذا النوع كثيرة في كتب التفسير (3).
* * *--------------------------------------------
(1) البقرة 19.
(2) المحرر الوجيز (قطر) 1/ 189 - 190، مجاز القرآن 1/ 33، تفسير الطبري (هجر) 1/ 351.
(3) مجاز القرآن 1/ 20، 183، 307، 341، 378، معاني القرآن للفراء 1/ 99، 2/ 202، تأويل مشكل القرآن 199، تفسير الطبري (شاكر) 1/ 105، 3/ 306، 312، 4/ 424، 5/ 120، 8/ 444 - 445، 9/ 332، 11/ 223، 13/ 521، 15/ 179، 529 - 530، تفسير الطبري (هجر) 6/ 225، 22/ 150، معاني القرآن للنحاس 2/ 55، الكشاف 1/ 448، 4/ 41، 818، المحرر الوجيز 1/ 46 - 47، 2/ 45، المحرر الوجيز (قطر) 1/ 111، الجامع لأحكام القرآن 1/ 101.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 95)
المبحث الثالث: الشاهد الشعري المُحتجُّ بهِ في التفسير.
كان لأهلِ العربيةِ سَبْقٌ وعنايةٌ بوضع المعايِيْرِ الدقيقةِ التي يُقبلُ الشاهدُ الشعري أو يُرفض بناءً عليها، وذلك للحدِّ من التوسعِ في قبَولِ ما لا يُطمأَنُّ إليهِ منها، ولم يَخرُج المفسرونَ في كتبهم عن تلك المَعايِيْر التي وضعها علماء اللغة؛ للعلاقة الوثيقة بين اللغة والتفسير، وأَهمُّ هذه المعايير هي:
أولًا - المعيار الزمني:
وُضِعَ حدٌّ زمنيٌّ لما يصح الاحتجاج به من أقوال العرب شعرًا أونثرًا، فاتُّفِقَ على جَعْلِ منتصف القرن الثاني للهجرة نِهايةً لعصر الاحتجاج بشعراء الحاضرة، وذكروا أَنَّ آخرَهمْ إبراهيمُ بنُ هَرْمَة (ت 176 هـ) (1)، وجَعْلِ منتصف القرن الرابع الهجري حدًا لشعراء البادية (2).
وقد حاول العلماء بالشعر واللغة، تصنيف الشعراء الذين يُحتجُّ بِهم إلى طبقاتٍ، كما صَنَعَ علماءُ الحديثِ (3)، وقد صنف في ذلك الأصمعي كتابه فحولة الشعراء، فقَسَّمَ الشعراء طَبَقتيْن: الفحول، وغير الفحول.--------------------------------------------
(1) هو إبراهيم بن علي بن سَلمة بن عامر بن هَرْمَةَ، ينتهي نسبه إلى الحارث بن فهر، وفهرُ أصلُ قريشٍ، شاعرٌ مشهورٌ من مُخضرمي الدولتين الأموية والعباسية، ولد سنة 90 هـ، ولشعره قيمةٌ عند اللغويين والنحويين، إذ وقفوا بالاستشهاد بالشعر على مسائل اللغة والنحو عنده، توفي سنة 170 وقيل 176 هـ. انظر: الشعر والشعراء 2/ 753، طبقات الشعراء لابن المعتز 20، الأغاني 4/ 367، الخزانة 1/ 204
(2) انظر: المزهر 2/ 484
(3) انظر: طبقات الشعراء في النقد الأدبي للدكتور جهاد المجالي 35.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 96)
فجاء بعده محمد بن سلَّام (ت 231 هـ) (1) واستفاد من تقسيم الأصمعي، وحذا حذوه في تخير طبقة الفحول من الشعراء، وقال: «فاقتصرنا من الفحول المشهورين على أربعين شاعرًا» (2). وقد قسم ابن سلَاّم الشعراءِ إلى طبقتين:
الأولى: طبقات فحولِ الجاهلية.
والثانية: طبقات فحول الإسلام.
وفرَّقَ الشعراءَ المخضرمين على هاتينِ الطبقتيْن (3). غير أن تقسيمه هذا لم يحظ بالقبول لكونه تقسيمًا رأسيًا مغلقًا (4). والذي استقرَّ عليه أمر تقسيمِ الشعراءِ حسبَ عصورهم الزمنية، هو تقسيمهم إلى أربع طبقات:
- الطبقة الأولى: طبقة الشعراء الجاهليين، وهم من عاش قبل الإسلام كامرئ القيس بن حُجر، وزُهَيْر بن أبي سُلْمى، وغيرهما.
- الطبقة الثانية: طبقةُ المخضرمين، وهم الذين أدركو الجاهلية والإسلام كلبَيدِ بن ربيعةَ، وحَسَّانِ بن ثابت رضي الله عنهما.
- الطبقة الثالثة: طبقة الإسلاميين، وهم الذين عاشوا في صدر الإسلام ولم يدركوا الجاهلية، كجرير، والفرزدق.
- الطبقة الرابعة: طبقة المُولَّدين، ويقال لهم المُحدَثون كبشارِ بن برُد (5)،--------------------------------------------
(1) هو أبو عبد الله مُحمَّدُ بن سلَاّم بن عُبيد الله بن سالم البَصريُّ الجُمَحيُّ، علَاّمةٌ بالشعر واللغة، من تلاميذه ثعلب وغيره، من أشهر كتبه المطبوعةِ كتاب طبقات فحول الشعراء، توفي سنة 231 هـ ببغداد. انظر: تاريخ بغداد 5/ 327، إنباه الرواة 3/ 143.
(2) طبقات فحول الشعراء 1/ 24.
(3) انظر: طبقات فحول الشعراء 1/ 24.
(4) انظر: طبقات الشعراء في النقد الأدبي للدكتور جهاد المَجالي 67.
(5) هو أبو معاذ، مولى بني عُقَيل، أحد الشعراء المطبوعين العُميان، ورأس الشعراء المُحدَثين، نشأ في البصرة وانتقل إلى بغداد، توفي سنة 168 هـ انظر: الشعر والشعراء 2/ 757، تاريخ بغداد 7/ 112.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)
وأبي نُواس (1)، وغيرهما. (2)
- فأَمَّا طَبقةُ الشعراءِ الجاهليين، والمُخضرَمين، فقد أَجْمعَ أهلُ العربيةِ على الاستشهادِ بشعرِهم، ونُقل الإِجْماعُ على ذلك (3).
- وأما طبقة الإسلاميين، فقد انقسم أهل العربية في صحة الاستشهاد بشعرهم إلى فريقين:
الأول: الذين يردُّونَ الاستشهاد بشعر هذه الطبقة. ويُمثِّلُ هذا الفريق أبو عمرو بن العلاء (4)، وعبدالله بن أبي إسحاق الحضرميُّ، والأصمعيُّ (5)، حيث كانوا يُلَحِّنونِ الفرزدقَ، والكُميتَ، وذا الرُّمَّةِ وأَضرابَهم، وهم من شعراء الإسلام (6). ويذكر الأصمعيُّ أَنَّهُ جلس إلى أبي عمرو بن العلاء ثَماني حِججٍ فما سَمعه يَحتجُّ ببيتٍ إسلامي (7). ويُعلِّقُ ابنُ رشيق على ذلك فيقول: «هذا مذهب أبي عمرو وأصحابه،--------------------------------------------
(1) هو الحسن بن هانئ، مولى الحكم بن سعد العشيرة، من اليمن، نشأ في البصرة، وطلب فنون العلم، أكثر من وصف الخمر وسبق إلى معان لم يسبقه إليها أحد في وصفها. انظر: الشعر والشعراء 2/ 796.
(2) انظر: العمدة في صناعة الشعر ونقده 1/ 179، خزانة الأدب 1/ 5 - 6.
(3) انظر: خزانة الأدب 1/ 4.
(4) هو أبو عمرو بن العلاء بن عمَّار بن العريان التميمي، اختلف في اسمه على واحد وعشرين قولًا، منها: أبو العلاء، وزبان، والعريان، ويحيى. كان أعلم الناس بالقراءات، والعربية، والشعر، وأيام العرب، وهو أوثق رواة الشعر، وبلغت كتبه التي كتبها إلى سقف بيته، ثم تنسك فأحرقها. توفي عام 154 هـ. ومن تلاميذه أبو عبيدة والأصمعي، وغيرهما. انظر: طبقات اللغوويين والنحويين 35، معجم الأدباء 11/ 156، سير أعلام النبلاء 6/ 407، وقد كتب عنه الدكتور حسن بن محمد الحفظي رسالة الماجستير بعنوان «آراء أبي عمرو بن العلاء النحوية واللغوية» بكلية اللغة العربية بجامعة الإمام عام 1402 هـ.
(5) انظر: العمدة في صناعة الشعر ونقده 1/ 90، وإنباه الرواة 4/ 133.
(6) انظر: سؤالات أبي حاتم 69، الموشح 236، 238، 249، 250، 268، 282، وطبقات اللغويين والنحويين 244 - 245، ومجالس العلماء 150.
(7) انظر: العمدة في صناعة الشعر ونقده 1/ 90، وإنباه الرواة 4/ 133.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 98)
كالأصمعيِّ وابنِ الأعرابيِّ، أَعني أَنَّ كلَّ واحدٍ منهم يذهبُ في أهلِ عصرهِ هذا المذهب، ويقدم من قبلهم، وليس ذلك إِلَّا لحاجتهم في الشعر إلى الشاهدِ، وقِلَّةِ ثقتهم بِما يأَتي به المُولَّدون، ثُمَّ صارت لجاجةً». (1) وقصةُ عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي مع الفرزدق مشهورة (2).
الثاني: الذين يرون صحة الاستشهاد بشعر هذه الطبقة، وهم جُمهورُ أهلِ اللغةِ كالخليلِ بن أحْمد (3)، ويونس بن حبيب، وسيبويه وغيرهم. فقد كان يونسُ يُفضِّلُ الفرزدق، ويقول: «لولا الفرزدقُ لذهب شعرُ العرب» (4). وابن سلَّام (231 هـ) يفضلُ جَريرًا والفرزدقَ، على ذي الرمةِ، ويقول عنه: «هو دُونَهما ويساويهما في بعضِ شعره» (5). ويقول البغداديُّ: «وقد أَجْمعَ علماءُ الشِّعْرِ على أَنَّ جريرًا والفرزدق والأخطلَ، مُقدَّمونَ على سائر شعراء الإسلام» (6).
والذي استقرَّ عليه الأمرُ، وسار عليه المفسرون واللغويون، جوازُ الاستشهاد بشعر هذه الطبقة، وهو ما سار عليه أهل العربية (7)، وكثير من شواهد التفسير منسوبةٌ لشعراءِ هذه الطبقةِ، فهم في كتب التفسير يكادون--------------------------------------------
(1) العمدة في صناعة الشعر ونقده 1/ 91.
(2) انظر: الشعر والشعراء 1/ 89، 480، معاني القرآن للفراء 2/ 183، وخزانة الأدب 5/ 144 - 145.
(3) احتجَّ الأصبهانيُّ على أَنَّ كتاب العين لم يكن كُلُّه من تصنيف الخليل بقوله: «ومِمَّا يدلُّ على هذا استشهادهم بأشعارِ المولَّدين، مِمَّا لم يكن الخليلُ يلتفت إليه، ولا يَستشهدُ بِمِثلهِ. وقد علَّمت في العين والحاء والراء وغيرها على أكثر من أربعين بيتًا للمحدثين، مثل سليمان بن يزيد العدوي، وصالح بن عبدالقدوس، وسابق وبشار ومن في طبقتهم، بل وجدت فيه شيئًا من شعر أبي دلامة، والحسن بن هانئ، وهذا أدل دليل على أنَّ الكتابَ مُفْسَدٌ مَزيدٌ فيه». انظر: شرح ما يقع فيه التصحيف 58 - 59.
(4) خزانة الأدب 1/ 220.
(5) طبقات فحول الشعراء 2/ 550 - 551.
(6) خزانة الأدب 1/ 76.
(7) انظر: خزانة الأدب 1/ 5.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)
يتساوون - من حيث عدد الشواهد - مع طبقة الجاهليين، ويزيدون على طبقة المخضرمين (1).
ففي «مجاز القرآن» لأبي عبيدة احتج بثلاثةٍ وخَمسينَ شاعرًا من طبقة الإسلاميين، في حين احتجَّ بِخمسةٍ وستين شاعرًا من طبقةِ الجاهليين، وواحدٍ وأربعين شاعرًا من المُخضرمين. واحتجَّ الفراء في «معاني القرآن» باثني عشر شاعرًا إسلاميًا، مقابلَ الاحتجاج بتسعةِ شعراء من العصر الجاهلي وثَمانيةٍ من المخضرمين. والطبريُّ في تفسيره احتجَّ بثلاثةٍ وستينَ شاعرًا إسلاميًا. ولذلك يقول البغدادي عن طبقة الإسلاميين: «والصحيحُ صحةُ الاستشهاد بكلامها» (2).
والمظنونُ بالعلماء الذين لم يستشهدوا بشعر هؤلاء الشعراء أَنَّهم إِنَّما كانوا يُظهِرونَ التعصبَ للمُتقدمين ترغيبًا للناس في حفظ أشعارهم، وروايتِها؛ لأنَّها حُجةٌ في لغةِ العَربِ، فإِنَّ الشعرَ القديمَ - حتى الردئَ منهُ - صالِحٌ للاحتجاجِ به في تثبيتِ اللغةِ وقواعدِها، وتفسير القرآن والسنة، بِخلافِ شعر المتأخر فإِنَّهُ وإن كانَ جيّدًا لا يصلحُ للحُجةِ، فكان العلماء يرون أَنَّ حفظ أشعار المتقدمين والترغيب في حفظها وروايتها وإِنْ كان فيها ما هو رديءٌ من الفروض المتعينة لحفظ لغة القرآن، بِخلاف أشعار المتأخرين، يدلكَ على هذا أَنَّ العلماء كانوا يعيبون كثيرًا من أشعار المتقدمين من شعراء الجاهلية ومَنْ بعدَهم كما تراه في كتاب الموشح للمرزباني، وفي صدر كتاب الوساطة للجرجاني (3). ويدلك على ذلك أَنَّ رجلًا أَنشدَ ابنَ الأعرابيِّ شِعرًا لأبي نُواس، فسكتَ ابنُ الأعرابي، فقال له الرجلُ: أَما هذا مِنْ أحسنِ الشِّعرِ؟ قال: بَلى، ولكنَّ القَديمَ أَحبُّ إليَّ (4).--------------------------------------------
(1) انظر: «مدى اعتماد المفسرين على الشاهد الشعري» من هذا البحث ص 207.
(2) خزانة الأدب 1/ 6.
(3) انظر: الموشح 1، الوساطة 4 - 5.
(4) انظر: الموشح 384.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 100)