Arabic source text

📘 আশ-শাহিদুশ শিয়রী ফী তাফসীরিল কুরআনিল কারীম আহাম্মিয়্যাতুহু ওয়া আসারুহু ওয়া মানাহিজুল মুফাসসিরীন ফীল ইসতিশহাদি বিহি (আব্দুর রহমান বিন মুআজা আশ-শাহরি)

📘 الشاهد الشعري في تفسير القرآن الكريم أهميته، وأثره، ومناهج المفسرين في الاستشهاد به (عبد الرحمن بن معاضة الشهري)

📘 আশ-শাহিদুশ শিয়রী ফী তাফসীরিল কুরআনিল কারীম আহাম্মিয়্যাতুহু ওয়া আসারুহু ওয়া মানাহিজুল মুফাসসিরীন ফীল ইসতিশহাদি বিহি (আব্দুর রহমান বিন মুআজা আশ-শাহরি)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
حَذِرًا أُمُورًا لا تَضِيْرُ وآمنٌ … ما ليسَ مُنجيهِ من الأَقْدارِ
وادَّعى اللاحقيُّ (1) تدليسَ هذا البيت على سيبويه» (2). وهو يشير إلى ما ذكره بعضُ النحويين من أَنَّ أبانَ اللاحقيَّ هو الذي صنع هذا البيت لسيبويه لغرض الاستشهاد به، دون أن يفطن سيبويه لذلك، وقد شاع هذا لدى كثير من المفسرين وأهل العربية. وعلة طعن العلماء في هذا الشاهد أنَّ كثيرًا منهم لا يرون أن صيغة «فَعِلَ» تعمل فيما بعدها، فحاولوا الطعن في الشاهد الشعري الذي ذكره سيبويه، في حين أن سيبويه أورد شاهدًا آخر على إعمال فعل، وهو:
أَو مِسْحَلٌ شَنِجٌ عِضَادَةَ سَمْحَجٍ … بِسَراتِهَا نَدَبٌ لَهُ وكُلُومُ (3)
فقد أعملَ «شَنِجٌ» في «عِضَادةَ». وأقدم من ردَّ هذا الشاهد هو المُبَرِّدُ، فقد قال عنه: «وهذا بيت موضوعٌ مُحْدَثٌ» (4). غير أَنَّ السيرافيَّ دافع عن هذا الشاهد فقال: «وقد زعمَ قومٌ أَنَّ أبا يَحيى اللاحقيَّ حكى أَنَّ سيبويه سأله عن شاهدٍ في إعمال فَعِلَ، فعملَ له البيت. وإذا حكى أبو يحيى مثلَ هذا عن نفسه، ورضي بأَنْ يُخبِرَ أنه قليلُ الأمانة، وأَنَّه اؤتِمِنَ على الرواية الصحيحة فخانَ، لم يكن مثلهُ يُقبلُ قوله، ويُعترَضُ به على ما قد أثبته سيبويه. وهذا الرجلُ أحبَّ أنْ يتجمَّلَ بأَنَّ سيبويه سأله عن شيءٍ، فخبَّرَ عن نفسه بأَنَّه فعلَ ما يُبطل الجَمَالَ، ويُثبتُ عليهِ عارَ الأَبَدِ. ومن كانت هذه صورته بَعُدَ في النفوس أن يسأله سيبويه عن--------------------------------------------
(1) هو أبو يحيى أبان بن عبدالحميد بن لاحق بن عفير الرقاشي، شاعر بصري مطبوع، توفي سنة 193 هـ. انظر: الفهرست 150، خزانة الأدب 8/ 173.
(2) المحرر الوجيز 12/ 62.
(3) البيت للبيد بن ربيعة كما في ديوانه 125، وليس لابن أحمر كما في الكتاب 1/ 112 ومعناه: يصف فحلًا من الحُمُر بأنه ملازم لأُتُنِهِ، ولشدته وصلابته قد لازمها، وقبض الناحية التي بينها وبينه، ولم يحجزه عن ذلك رَمْحُها وعَضُّها. وشَنِجٌ مبالغة شَانِج، أي ملازم. انظر: شرح الطوسي للديوان 125.
(4) المقتضب 2/ 117.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 121)

شيء» (1). وقد وُجِّهَ كلامُ اللاحقي بأنه يعني بوضع هذا البيت روايته لا اختلاقه وقوله، وأكثر العلماء يميلون إلى توثيق هذا الشاهد ثقة في نقل سيبويه (2).

‌‌ثانيًا: ما نص أحد العلماء على وضعه:
نص المفسرون على وضع بعض الشواهد الشعرية أو الشك في صحتها، ومن هؤلاء الزمخشري، فقد وقف مواقفَ نقدية مع عدد من الشواهد الشعرية التي يقال بوضعها. فمن ذلك قوله: «والله أعلم بصحة ما يقال: إن «طه» في لغة عك في معنى: يا رجل، ولعل عكًا تصرفوا في «يا هذا»، كأنهم في لغتهم قالبون الياء طاءً، فقالوا في «يا» «طا»، واختصروا هذا فاقتصروا على «ها»، وأثر الصنعة ظاهر لا يخفى في البيت المستشهد به:
إنَّ السَّفَاهةَ طَهَ في خَلائِقِكُمْ … لا قَدَّسَ اللهُ أخلاقَ الملاعين (3)» (4)
وقوله في موضع آخر: «ومن بدع التفاسير: تفسير «الجُزْء» بالإناث، وادعاء أن الجزء في لغة العرب: اسم للإناث، وما هو إلا كذب على العرب، ووضع مستحدث منحول، ولم يقنعهم ذلك حتى اشتقوا منه: أجزأت المرأة، ثم صنعوا بيتًا وبيتًا:
إِنْ أَجْزَأَتْ حُرَّةٌ يَومًا فلا عَجَبٌ (5) … .......................................--------------------------------------------
(1) شرح أبيات سيبويه 1/ 409 - 410.
(2) انظر: شواهد الشعر في كتاب سيبويه 233، شرح أبيات سيبويه 1/ 409 الحاشية رقم 1.
(3) البيت ليزيد بن المهلهل كما في الجامع لأحكام القرآن 11/ 111.
(4) الكشاف 3/ 50.
(5) صدر بيت مجهول، وهو بلا نسبة في الجامع لأحكام القرآن 16/ 46، والبحر المحيط 8/ 10، لسان العرب 2/ 269 (جزأ).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)

زُوِّجْتُهَا مِنْ بَنَاتِ الأَوسِ مُجْزِئَةً (1)» (2).
ومثله ابن عطية في إيراد الشاهد الأول مع إِتْمامهِ فقال: «يقالُ: أجزأت المرأةُ إذا ولدت أنثى، ومنه قول الشاعر:
إنْ أَجْزَأَتْ حُرَّةٌ يَومًا فلا عَجَبٌ … قَدْ تُجْزِئُ المرأةُ المِذْكَارُ أَحيانَا
وقد قيل في هذا البيت: إنه بيت موضوع» (3).
غير أن ابن قتيبة قد نقل عن أبي إسحاق الزجاج أن معنى الجزء هنا البنات، يقال له جزء من عيال، أي بنات. قال: وأنشدني بعض أهل اللغة بيتًا يدل على أن معنى «جزء» معنى إناث، قال: ولا أدري البيت قديم أم مصنوع:
إِنْ أَجْزأتْ حُرَّةٌ يومًا فلا عَجَبٌ … قد تُجزئُ الحُرَّةُ المِذكارُ أَحيَانَا
فمعنى: «أجزأت». أي آنثت، أي أتت بأنثى. وقال المفضل بن سلمة: حكى لي بعض أهل اللغة: أجزأ الرجل، إذا كان يولد له بنات. وأجزأت المرأة: إذا ولدت البنات. وأنشد المفضل:
زُوجتُها من بَنَاتِ الأَوسِ مُجزئةً … للعَوسجِ اللَّدنِ في أَبياتِهَا زَجَلُ» (4).
وربما اكتفى الزمخشري بإظهار شكه وارتيابه في صحة الشاهد، كما في قوله عند تفسير قوله تعالى: {خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} [الأنبياء: 37] (5): «وقيل: «العجل». الطين بلغة حِمْيَر، وقال شاعرهم:
والنَّخْلُ ينبتُ بينَ المَاءِ والعَجَلِ (6)--------------------------------------------
(1) صدر بيت، وعجزه:
......................... … لِلعَوْسَجِ اللَّدْنِ في أَبياتِها زَجَلُ.
وهو بلا نسبة في لسان العرب 2/ 269 (جزأ).
(2) الكشاف 4/ 241.
(3) المحرر الوجيز 14/ 246.
(4) غريب القرآن 396.
(5) الأنبياء 37.
(6) عجز بيت مجهول، وصدره: =

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)

والله أعلم بصحته» (1).
ومن الأمثلة كذلك ما ذكره الفراء من أن أبا البلاد النحوي (2) كان ينشده بيتًا:
عَسْعَسَ حتى لو يشاء إدَّنا … كان له من ضوئه مَقْبَسُ (3)
يريد: إذْ دَنَا، ثم يلقي همزة إذ، ويدغم الذال في الدال، وكانوا يرون أن هذا البيت مصنوع (4). ويعني بهم أهل رواية الشعر. وهذا الشاهد استشهد به الفراء هنا على أن عسعس في قوله تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (17)} [التكوير: 17] (5) في رأي بعض المفسرين بمعنى دنا من أوله وأظلم. وتابعه في ذلك الطبري، والقرطبي (6). وأعرض عنه أبو عبيدة، والزمخشري، وابن عطية (7).
ولابن عطية في تفسيره وقفات نقدية لبعض الشواهد المصنوعة من مثل قوله - عند تفسير معنى الإثم في قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ … } [الأعراف: 33] (8): «والإثم أيضًا لفظٌ عامٌ لجميع الأفعال والأقوال التي يتعلق بمرتكبها إثم، هذا قول الجمهور. وقال بعض الناس: هي الخمر، واحتج على ذلك بقول الشاعر:
شَرِبْتُ الإِثْمَ حتى طارَ عقلي (9)--------------------------------------------
= النَّخْلُ في الصخرةِ الصمَّاءِ مَنبتهُ … .................................
انظر: لسان العرب 9/ 65 (عجل).
(1) الكشاف 3/ 117.
(2) من علماء الكوفة ورواتها، كان أعمى معاصرًا لجرير والفرزدق. انظر: المزهر 2/ 407.
(3) نسبه القرطبي لامرئ القيس: الجامع لأحكام القرآن 19/ 156، ولم أجده في ديوانه.
(4) انظر: معاني القرآن 3/ 242.
(5) التكوير 17.
(6) انظر: تفسير الطبري (هجر) 24/ 162، الجامع لأحكام القرآن 19/ 156.
(7) انظر: مجاز القرآن 2/ 288، الكشاف 4/ 711، المحررالوجيز 16/ 242.
(8) الأعراف 33.
(9) صدر بيت مجهول، وعجزه: =

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)

قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا قولٌ مردودٌ؛ لأن هذه السورة - أي الأعراف - مكية، ولم تُعْنَ الشريعة بتحريم الخمر إلا بالمدينة بعد أُحُدٍ؛ لأن جماعة من الصحابة اصطحبوها يوم أُحُدٍ وماتوا شهداء، وهي في أجوافهم. وأيضًا فبيت الشعر يقالُ: إِنَّهُ مصنوعٌ مُختَلَقٌ، وإن صحَّ فهو على حذفِ مُضافٍ» (1). فابن عطية يشكك في صحة هذا الشاهد، ويرى أنه على افتراض صحته ينبغي تأويله.

‌‌ثالثًا: ما احتمل الوضع لسبب ما:
ومن الشواهد التي يحتمل دخول الوضع فيها أو في موطن الاستشهاد منها، وخاصة أن معظم كتب التفسير قد ذكرته، قول الشاعر:
تَرى السفيهَ بهِ عنْ كُلِّ مُحكمةٍ … زيغٌ، وفيهِ إلى التشبيهِ إِصغاءُ
وهذا الشاهد الشعري غير منسوب في كتب التفسير (2)، ولعل صواب رواية البيت كما في «شرح مقامات الحريري»، وقد نُسِبَ فيها لسابق البربري، مع ثلاثة أبيات في الحلم والتسفيه، وهي التي تدور حولها الأبيات، وهي:
لا تُظْهِرَنَّ لذي جَهْلٍ مُعاتبةً … فرُبَّمَا هُيّجَتْ بالشَّيءِ أَشياءُ
فالماءُ يُخْمِدُ حَرَّ النارِ يُطْفِئُها … وليسَ للجهلِ غَيْرُ الحِلْمِ إِطفاءُ
تَرى السَّفيهَ له عنْ كُلِّ مَحْلَمَةٍ … زَيغٌ، وفيهِ إلى التسفيهِ إِصغاءُ (3)
فأما المفسرون فقد استشهدوا به على معنى الإصغاء في اللغة،--------------------------------------------
= ........................................ … كذاكَ الإثمُ تذهبُ بالعقولِ،
وهو بلا نسبة في تهذيب اللغة 15/ 161، ولسان العرب 1/ 75.
(1) المحرر الوجيز (قطر) 5/ 488 - 489.
(2) انظر: تفسير الطبري (هجر) 9/ 504، الجامع لأحكام القرآن 7/ 46، البحر المحيط 4/ 207، الدر المصون 5/ 120.
(3) انظر: شرح مقامات الحريري للشريشي 5/ 279.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 125)

وذلك عند تفسيرهم لقوله تعالى: {وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113)} [الأنعام: 113] (1)، فيبقى الشاهد صالحًا لذلك بروايتيه (2).
أَمَّا المؤلفون في علوم القرآن، والأصوليون، والمؤلفون لكتب الاعتقاد، فقد أوردوه للاستشهاد به على معنى المُحكمِ والمتشابه، وهو بهذا لا يصلح الاستشهاد به، لوقوع التحريف فيه في موضع الشاهد منه. ويحتمل أن التصحيف قد دخل في هذا الشاهد في كلمتين، فتصحفت كلمة «مَحْلَمَة» إلى «مُحْكَمَةٍ»، وكلمة «التسفيه» إلى «التشبيه».
والتصحيف من عيوب الشاعر التي وقع كثير من العلماء فيها، وقد صحف أبو عبيدة بيتًا لامرئ القيس، وفسر بموضع التصحيق آية من كتاب الله على معنى خالفه فيه المفسرون. فقد روى أبو عبيدة قول امرئ القيس:
تَجاوَزتُ أَحراسًا إِلَيها وَمَعشَرًا … عَلَيَّ حِراسًا لَو يُسِرّونَ مَقتَلي (3)
فكان أبو عبيدة يرويه:
رِجالٌ حِرَاصٌ لو يُسِرُّون مَقتلي
بالسين غير المعجمة، وفَسَّرَ به قوله تعالى: {وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ} [يونس: 54] (4) أي: أظهروها. ورواية الأصمعي للبيت:
تَجاوَزتُ أَحراسًا إِلَيها وَمَعشَرًا … عَلَيَّ حِراسًا لَو يُشِرّونَ مَقتَلي
أي: يظهرون، يقال: أشررت الثوب إذا نشرته، وشررته أيضًا (5).
وقد قَبِلَ بعضُ العلماء الاستشهاد بالشعر المنحول رغم صنعته، واشترطوا لقبوله شرطين:--------------------------------------------
(1) الأنعام 113.
(2) انظر: تفسير الطبري (هجر) 9/ 504، الجامع لأحكام القرآن 7/ 46، البحر المحيط 4/ 207.
(3) انظر: ديوانه 19.
(4) يونس 54.
(5) انظر: شرح ما يقع فيه التصحيف للأصبهاني 87.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 126)

1 - أَن يكونَ مُحاكيًا للأَصلِ، ويُمَثِّلُ جانبًا من واقعهِ. (1)
2 - أن يكون قائله من أهل المعرفة بشعر العرب، ومذاهب الشعراء (2).

°‌‌ القسم الثاني: العيوب المضعفة للشاهد الشعري.
وأما القسم الثاني من عيوب الشاهد الشعري وهي العيوب المضعفة للشاهد الشعري، فهي تلك العيوب التي تضعف من قوة الشاهد الشعري ولكنها لا تسقط الاستشهاد به بالكلية للخلاف بين أهل العربية في ذلك. ومن هذه العيوب:

‌‌1 - رد الشاهد لكونه موضع ضرورة شعرية.
اختلف العلماء في حقيقة الضرورة في الشعر على عدة آراء:
الأول: مَنْ يرى أن الضرورة ما وقع في الشعر، سواء أكان للشاعر عنه مندوحة أم لا (3). ونسبه الألوسي إلى الجمهور (4).
الثاني: مَن يرى أن الضرورة ما وقع في الشعر مما ليس للشاعر عنه مندوحة، وهو ما أشار إليه ابن مالك (5)، ونسبهُ لَهُ جَماعةٌ من النحويين (6).
وبناء على ذلك فقد ذهب بعض العلماء إلى أن الشعر لا ينبغي أن يكون هو المستند الوحيد لبناء القواعد في لغة العرب، ولا أن ينفرد بالتأسيس لها؛ وذلك أنه موضع للضرورات التي لا يمكن أن يقاس عليها--------------------------------------------
(1) انظر: المفصل في تاريخ العرب لجواد علي 9/ 403 - 405.
(2) انظر: الزينة للرازي 1/ 118 - 122.
(3) انظر: الخصائص 3/ 59، ضرائر الشعر لابن عصفور 13، الاقتراح 32، خزانة الأدب 1/ 31، 33، 46.
(4) انظر: الضرائر 7.
(5) انظر: شرح التسهيل 1/ 201 - 202، شرح الكافية الشافية 1/ 299 - 300.
(6) انظر: ارتشاف الضرب 2/ 1014، ومغني اللبيب 1/ 49، والأشباه والنظائر 2/ 200، والمساعد على تسهيل الفوائد 1/ 150، وخزانة الأدب 1/ 33.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)

كلام الناس المنثور الخالي من هذه الضرورات. يقول الشاطبي (790 هـ): «أما الاعتمادُ على الشعر مجردًا من نثر شهيرٍ يضاف إليه، أو يوافق لغةً مستعملةً يُحمل ما في الشعر عليها، فليس بمعتمد عند أهل التحقيق؛ لأن الشعر محل الضرورات» (1). ومثله أبو حيان الغرناطي، فقد رد الشواهد التي استشهد بها من أجاز تقديم الحال على صاحبه المجرور على الرغم من كثرتها بقوله: «وهذا الذي استدلوا به من السماع - على تقدير أن لا يتصور تأويله- لا حجة فيه، لأنه شِعْرٌ، والشعر يجوز فيه ما لا يجوز في الكلام» (2).
ويقول ابن جني: «والشعر موضع اضطرار، وموقف اعتذار، وكثيرًا ما يُحَرَّفُ فيه الكَلِمُ عن أَبنيتهِ، وتُحال فيه المُثُلُ عن أوضاعِ صِيَغِها لأَجلِهِ» (3).
وبِما أَنَّ للشعر لغته الخاصة به، فإن الشاعر مقيَّد بِمراعاة أحكام الوزن، والخضوع لشروط القافية وإقامة الروي، وملزم بعدد من التفاعيل العروضية ليستقيم عروض البيت، فالشاعر «مضطر أن يسلك من السبل كل شاق بسبب إقامة الوزن، ولذلك خلت النصوص الفصيحة البليغة من أمثال هذه العثرات لأن ذلك يعرض للشاعر. وعلى ذلك فإن الشعر لا يمكن أن يكون شواهد لغوية قوية، وربما كان بسبب ذلك أننا نجد جميع العيوب التي تقدح في الفصاحة في الشواهد الشعرية» (4).
كذلك فإن الشعر يخضع للضرورة الشعرية التي تبيح للشاعر أن يخالف قواعد اللغة في حدود معروفة لأجل إقامة الوزن، فقد «أبيح للشاعر ما لم يبح للمتكلم من قصر الممدود، ومد المقصور، وتحريك--------------------------------------------
(1) الشواهد والاستشهاد للنايلة 135.
(2) المصدر السابق 135.
(3) الخصائص 3/ 188.
(4) النحو العربي نقد وبناء للسامرائي 91 - 92، وانظر: طبقات فحول الشعراء 1/ 56.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)

الساكن، وتسكين المتحرك، وصرف ما لا ينصرف، وحذف الكلمة ما لم تلتبس بأخرى» (1). كما إنه يحتمل في الشعر «وضع الشيء في غير موضعه دون إحراز فائدة، ولا تحصيل معنى» (2). وهذه الضرورة التي تعرض للشعر تهبط بفصاحته، وتبعده عن واقع اللغة المألوف للناس (3). وقد نبَّهَ سيبويه إلى ذلك بإشارتهِ إلى عدم جواز بعض الأساليب إلا في ضرورة الشعر (4). وقال عند قول كثير عزة:
لِمَيَّةَ مُوحشًا طللُ (5)
«وهذا كلام أكثر ما يكون في الشعر، وأقل ما يكون في الكلام» (6). فالاضطرار يجعل الشاعر ينطق بما لم يَرِدْ به سَمَاعٌ عن العرب (7).
وبعض العلماء لا يعد هذا عيبًا، وإنما يعدُّه من باب الرخصة في الشعر، كما عَقَدَ ابنُ رشيق لذلك بابًا سماه «الرخص في الشعر»، وجاء فيه قوله: «وأذكر هنا ما يجوز للشاعر استعماله إذا اضطر إليه» (8). ويذكر الألوسي أن الحكم النحوي ينقسم إلى رخصة وغيرها، والرخصة ما جاز استعماله لضرورة الشعر (9)، وجاء نحوه عند السيوطي (10).
وهناك من رأى عدم التفريق بين الشعر وغيره من اللغة، وأن ما جاز في الشعر جاز في اللغة من باب أولى؛ لأن الشعر أصل كلام العرب، وقد نقل أبو جعفر النحاس هذا الرأي فقال: «بعض أهل النظر يقول: كل ما يجوز في الشعر فهو جائز في الكلام؛ لأن الشعر أصل--------------------------------------------
(1) العقد الفريد 4/ 11 - 12.
(2) تحصيل عين الذهب 1/ 29.
(3) انظر: المزهر 1/ 188.
(4) انظر: الكتاب 1/ 51.
(5) لم أجده في ديوانه.
(6) الكتاب 2/ 123 - 124.
(7) انظر: الخصائص 1/ 396.
(8) العمدة في صناعة الشعر ونقده 2/ 269.
(9) انظر: الضرائر 14.
(10) انظر: الاقتراح 30.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)

كلام العرب، فكيف نتحكم في كلامها، ونجعل الشعر خارجًا عنه» (1).
وهناك من رأى أن ما ورد في الشعر مخالفًا لقواعد النحويين أخطاء لا مسوغ لها (2)، وعلى هذا الرأي فهي عيوب يعاب بها الشاهد الشعري، وإن لم تسقط الاستشهاد به، يقول ابن فارس: «وما جعل الله الشعراء معصومين، يوقون الخطأ والغلط» (3). ويذكر أبو هلال العسكري أن الشعراء المتقدمين قد وقعوا في مثل هذه الضرورات التي هي من الأخطاء لعدم علمهم بقبحها، ولو نقدت أشعارهم كما نُقِدَتْ أشعار المتأخرين، وعرفوا ذلك العيب فيها لتجنبوه (4). ويقول الأفغاني بعد إيراده لبعض الشواهد التي تحمل على الضرورات عند جمهور النحويين قال: «إلى شواهد كثيرة ألجأت فيها الضرورةُ الشاعرَ إلى خَللٍ في نظم تراكيبه، فهذا كله خطأ ارتكب ضرورة، حين كان الشعر يرتجل، فلا يجوز بناء حُكْمٍ عليه البتةَ» (5). وتسمية هذا بِخُصوصيةِ الشِّعْرِ بنَمَطٍ من الكلام أولى بسبب الاختلاف في مفهوم «الضرورة»؛ للتباين بين معناها اللغوي المعجمي، وبين ما اصطلح عليه جمهور النحويين (6).
ومن أمثلة ذلك ما ذكره الطبري عند تفسيره لقوله تعالى: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا} [البقرة: 88] (7) قال: «ولا يجوز تثقيلُ - أي تَحريك - عين «فُعُل» منه، إلا في ضرورةِ شِعْرٍ، كما قال طرفة بن العبد:
أيُّها الفتيانُ في مَجلِسِنَا … جَرِّدوا منها وِرَادًا وشُقُر (8)
يريد: شُقْرًا، إلا أَنَّ الشِّعرَ اضطرَّه إلى تَحريكِ ثانيهِ فحرَّكهُ» (9).--------------------------------------------
(1) إعراب القرآن 5/ 97.
(2) انظر: ذم الخطأ في الشعر لابن فارس 17.
(3) انظر: الصاحبي 468، وذم الخطأ في الشعر 6.
(4) انظر: الصناعتين 150.
(5) في أصول النحو 70.
(6) انظر: أصول التفكير النحوي لعلي أبو المكارم 276 - 277.
(7) البقرة 88.
(8) ديوانه 57.
(9) تفسير الطبري (شاكر) 2/ 324.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 130)

فهنا يشير إلى اضطرار الشاعر الى تحريك الساكن في المفردة أحيانًا، وهذا لا يعرض للنثر، ويشير بقوله: «لا يَجوزُ تثقيلُ عين «فُعُل» منه». إلى القراءة التي وردت في قوله تعالى في الآية: {غُلْفٌ} [البقرة: 88] (1) حيث قرأها بعضهم مضمومة اللام (غُلُفٌ) (2). والشاهد في البيت هو تحريك الساكن وهو القاف لإقامة الوزن.
ومن الأمثلة ما ذكره ابن عطية عند تفسيره لقوله تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 90] (3): «قرأ الجمهور: {مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ}، وقرأ ابن كثير وحده: {مَنْ يَتَّقِيْ ويصْبِر} بإثبات الياء. واختلف في وجه ذلك. فقيل: قدر الياء متحركة، وجعل الجزم في حذف الحركة. وهذا كما قال الشاعر:
أَلَمْ يِأْتيكَ والأنباءُ تَنْمِي … بِمَا لا قتْ لَبونُ بَنِي زِيَادِ
قال أبو علي: وهذا مِمَّا لا نَحْملهُ عليه؛ لأَنَّهُ يَجيءُ في الشِّعرِ لا في الكلام» (4). فانظر كيف استبعده أبو علي الفارسي من الاستشهاد على توجيه القراءة، لأن ما جاء في الشاهد الشعري من باب الضرورة التي لا تكون إلا في الشعر، وأما القرآن فلا يقال فيه ذلك.
وقد ذكر الدكتور خالد عبد الكريم جمعة مجموعة من الشواهد التي حملها جمهور النحويين على الضرورة، وورد فيها روايات مختلفة في موضع الشاهد تخرجها من باب الضرورة إلى باب الجائز في الكلام المنثور، ورجَّح أن بعضها أُصلح إصلاحًا متعمدًا من أجل تغيير موضع الاستشهاد، وتصحيح موضع الضرورة في الشاهد، ليوافق المطرد في اللسان العربي (5).--------------------------------------------
(1) البقرة 88.
(2) انظر: تفسير الطبري (شاكر) 2/ 324، معجم القراءات لعبد اللطيف الخطيب 1/ 149.
(3) يوسف 90.
(4) المحرر الوجيز 9/ 369، وانظر مثالًا آخر في المحرر الوجيز 4/ 105.
(5) انظر: شواهد الشعر في كتاب سيبويه 441 - 447.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 131)

ومن أمثلة تلك الشواهد. قول الشمَّاخِ بن ضرار: (1)
لَهُ زَجَلٌ كَأَنَّهُ صوتُ حَادٍ … إذا طَلَبَ الوَسِيقةَ أو زَمِيرُ (2)
وقد استشهد به سيبويه على هذه الرواية على حذف حركات الإشباع في الكلام، فالشاعر هنا حذف حركة الإشباع وهي الواو في «كأَنَّهُ»، حيث أصلها «كأَنَّهو» (3). وتابعه على نقل هذه الرواية كثير من علماء اللغة (4)، والتفسير (5).
أما رواية الشاهد في ديوان الشماخ:
لَهُ زَجَلٌ تقولُ: أَصَوْتُ حَادٍ … إذا طَلَبَ الوَسِيقةَ أو زَمِيرُ (6)
وهي على رواية الديوان لا شاهد فيها، وأما على رواية سيبويه فيصح الاستشهاد بها. والذي ينبغي قوله هنا أن الرواية التي رواها سيبويه حجة، ورواية الديوان كذلك. فقد ثبت أن سيبويه شافه الأعراب، وسمع منهم، فالروايات التي يرويها يُحتج بها، ولا تُرَدُّ بِمَا خالفها في الديوان، مع الثقة بما في ديوان الشماخ لكونه من الدواوين التي حظيت بالتوثيق من قِبَلِ العلماء (7).
وقد أجاب السيرافي على مثل هذه المؤاخذات على سيبويه وغيره،--------------------------------------------
(1) هو معقل بن ضرار الغطفاني، شاعر مخضرم، وله صحبة، بعد عام 30 هـ. عده ابن سلام من الطبقة الثالثة من شعراء الإسلام. انظر: خزانة الأدب 3/ 196 - 197
(2) انظر: ديوانه 155.
(3) انظر: الكتاب 1/ 30، شرح أبيات سيبويه للسيرافي 1/ 437.
(4) انظر: المقتضب 1/ 267، الإنصاف في مسائل الخلاف 406، الخصائص 1/ 127 و 2/ 17، 358، رصف المباني 109، خزانة الأدب 2/ 388، ديوان الشماخ بن ضرار 155 حاشية رقم 17.
(5) انظر: الجامع لأحكام القرآن 9/ 27، البحر المحيط 5/ 243، الدر المصون 1/ 297.
(6) يصف حِمارَ وحشٍ هائجًا، يقول: إذا طلب وسيقته وهي أنثاه صَوَّت بِها في تطريبٍ وترجيعٍ، كحادي الإبل، أو كصوت المزمار. انظر: ديوانه 155.
(7) انظر: ديوان الشماخ 21 - 63.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 132)

فقال: «فلا ينبغي أن يذهب إنسان له علم وتحصيل إلى أن سيبويه غلط في الإنشاد، وإن وقع شيء مما استشهد به في الدواوين على خلاف ما ذكر، فإنما ذلك سمع إنشاده ممن يستشهد بقوله على وجه، فأنشد ما سمع؛ لأَنَّ الذي رواه قولهُ حجةٌ، فصار بِمَنْزِلةِ شعرٍ يُروى على وجهين» (1). ويقف السيرافي عند استشهاد سيبويه (2) بقول العجاج:
فقدْ رأَى الرَّاؤونَ غَيْرَ البُطَّلِ … أَنَّكَ يا مُعَاوِ يَا ابنَ الأَفْضَلِ (3)
فيقول: «هكذا وقع الإنشاد في الكتاب، وفي شعره:
فقدْ رأَى الرَّاؤونَ غَيْرَ البُطَّلِ … أَنَّكَ يا يزيدُ يَا ابنَ الأَنْحَلِ
إِذْ زُلْزِلَ الأَقدامُ لم تزلزلِ (4)
فهذا الذي رأيتُهُ في ديوانه، وليس هذا بمفسد لحجة سيبويه؛ لأنه لم ينقل الشواهد من الدواوين، إنما سمعها، والعرب بعضهم ينشد شعر بعض، فإذا غيَّرَ هذا عربيٌّ يحتج بقوله صار كأنه هو القائل، وليس يجوز أن يفعل مثل هذا رجل عالم؛ لأن سيبويه قد لقي مَنْ قوله حجة، ولم يأخذ من الصحف، فإذا سمع من يجوز أن يكون عنده حجة في كلامه نقل عنه، وإن لم يره أهلًا لذلك تركه … » (5).
وقد جاء البغدادي فشرح شواهدَ الرضي على الكافية في كتابه «خزانة الأدب» وكتابه «شرح أبيات المغني لابن هشام»، فتتبع رواية الشاهد عند النحويين، وما يترتب على تعدد روايته من مناقشات ومشاحنات، ورمي بالتغليط والصنعة والوضع. وكان يقف على الكثير من تلك الروايات مبينًا الرواية التي يستقيم للعلماء من النحويين والمفسرين--------------------------------------------
(1) شرح أبيات سيبويه 1/ 304.
(2) انظر: الكتاب 2/ 250.
(3) ديوانه 158.
(4) رواية الديوان: «يا ابن الأفحل» و «الأقوام». انظر: ديوانه 186.
(5) شرح أبيات سيبويه 1/ 457 - 459، وانظر: 2/ 96.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)

وغيرهم الاستشهاد بها، من تلك التي لا شاهد فيها (1).
وقد عَمَدَ بعضُ المعاصرين إلى جمع تلك الإشارات التي ذكرها السيرافي والبغدادي وغيرهما من العلماء عن ذلك، وأقاموا عليها كتبًا تتهم أئمة العلماء بالتحريف والتغيير للشواهد الشعرية، ولا يُسَلَّمُ لهم بذلك (2).

‌‌2 - كثرة الشذوذ في الشعر.
الشذوذ في اللغة هو الانفراد عن الجمهور والنُّدْرةُ (3). والمقصود به الشاهد الشعري الذي جاء مخالفًا للمشهور مما جمع الرواة من كلام العرب. ولما كان ما وصف بالشذوذ والندرة والقلة يعود غالبًا إلى مخالفة القياس، وقواعد النحويين، وإن نطق به العربي الفصيح، فقد قال عنه العلماء: يحفظ ولا يقاس عليه. كما قال سيبويه في مثل ذلك: « … فإِنَّما هذا الأقل نوادر تحفظ عن العرب، ولا يقاس عليها، ولكن الأكثر يقاس عليه» (4). ويبدو أن هذا هو موقف الحق والإنصاف، الذي يحفظ لقواعد العربية صحتها، وسلامتها، واطرادها، ويحفظ لذلك الشاعر مكانته، ويناسب كذلك طبيعة جمع العلماء الأوائل للغة، إذ لم يستطع ولم يدَّع أحدهم الإحاطة بجميع ما نطقت به العرب. والشذوذ لا يعني عدم الفصاحة، ولكنه يعني المخالفة للمشهور من كلام العرب. وقد--------------------------------------------
(1) انظر: خزانة الأدب 1/ 290، 2/ 308، 4/ 100، 152، 5/ 235، 422، 6/ 318، 7/ 74، 100، 372، 8/ 375، 398، 402، 11/ 54 وشرح شواهد المغني 1/ 128، 129، 150، 184، 185، 2/ 26، 27، 294، 296، 3/ 280، 287، 4/ 318.
(2) انظر: شواهد سيبويه من المعلقات في ميزان النقد للدكتور عبد العال سالم مكرم، تغيير النحويين للشواهد للدكتور علي محمد فاخر. وقد رد الدكتور حسن موسى الشاعر على كتاب الدكتور عبد العال سالم مكرم بكتابه اختلاف الرواية في شواهد سيبويه.
(3) انظر: لسان العرب 7/ 61 (شذذ).
(4) الكتاب 4/ 8.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 134)

أشار إلى ذلك ابن جني تحت باب «القول على الاطراد والشذوذ»، حيث ذكر أن «الاطراد هو التتابع والاستمرار، والشذوذ التفرق والتفرد، فجعل أهل العلم علم العرب ما استمر من الكلام في الإعراب وغيره من مواضع الصناعة مطردًا، وجعلوا ما فارق عليه بقية بابه وانفرد عن ذلك إلى غيره شاذًا» (1).
وهناك شواهد حكم عليها العلماء بالشذوذ، وقد شارك المفسرون في تعقب بعض الشواهد الشعرية التي حكم عليها بالشذوذ، مما يدل على عنايتهم وفطنتهم عند استخدام الشواهد الشعرية، ووعيهم للمؤاخذات التي وردت على بعض الشواهد. ومن الأمثلة على ذلك قول ابن عطية: «وفي مصحف ابن مسعود {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبٌ}، وجعل الخبر قوله: {أَنْ أَوْحَيْنَا} [يونس: 2] (2). والأول أصوب - أي جَعْلُ «عَجَبًا» خبرًا لكان -؛ لأن الاسم معرفةٌ، والخبر نكرة، وهذا القلب لا يصح، ولا يجيء إلا شاذًا، ومنه قول حسان:
يَكُونُ مِزَاجَها عَسَلٌ ومَاءُ (3)» (4).
وهذا المثال يحتمل أن يكون مقصود ابن عطية بمجيئه شاذًا أي في الشعر وغيره، غير أنه قد ذكر مثالًا له من الشعر، مما دفعني إلى الاستئناس بالتمثيل به.
وربما لم ترد بعض الألفاظ إلا في شاهد شعري وحيدٍ، كما ذكر الطبري أنه لا يزاد من بناء «فُعَال» على الأربع، فلا يقال خُمَاسَ وسُدَاسَ، إلا في عُشَارَ لِمَجيئها في بيت من شعر الكميت بن زيد، وهو قوله:--------------------------------------------
(1) الخصائص 1/ 97.
(2) يونس 2.
(3) انظر: ديوانه 12.
(4) المحرر الوجيز 9/ 5.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)

فَلَمْ يَسْتَرِيثُوكَ حتى رَميتَ … فوقَ الرجالِ خِصَالًا عُشَارَا (1)
يعني: طعنت عشرةً (2). وهذا الشاهد يقيس عليه الكوفيون إلى التسعة نحو خُمَاسَ ومَخْمَس، وسُداسَ ومَسْدَس، ولم يَرِدْ بِها سَماعٌ عن العرب (3). وقد رويت لخلف الأحمر أَبياتٌ ذكر النحويون أَنَّها مِن وَضعِ خَلفٍ الأَحمر، ولا يصح الاستشهاد بِها (4).
وربما منع المفسرون القياس على ما لم يرد إلا في شاهد شعري، وعدوه شاذًا، غير مستعمل في لغة العرب على وجه مستقيم، كما قال ابن عطية عند تفسير قوله تعالى: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} [الأنعام: 92] (5): «ويقدر حذف التنوين للالتقاء، وإنما جاء ذلك شاذًا في الشعر في قوله (6):
فألفيتهُ غَيْرَ مُستعتبٍ … ولا ذاكرِ اللهَ إِلَّا قليلا (7)
ولا يُقَاسُ عليه» (8).
وهذا الشاهد قد استشهد به سيبويه (9)، والمبرد (10)، والفراء (11)،--------------------------------------------
(1) يستريثوك: يستبطئوك، ومعنى البيت: لما نشأتَ أسرعت في بلوغ الغاية التي لم يبلغها طلاب المعالي، ولم يقنعك ذلك حتى زدت عليهم بعشر خصال فقت بها السابقين، وأيأست الذين راموا لحاقك. انظر: شعر الكميت بن زيد 1/ 162، شرح درة الغواص للخفاجي 533.
(2) انظر: تفسير الطبري (شاكر) 7/ 545، الكشف والبيان 3/ 145، الجامع لأحكام القرآن 3/ 12.
(3) انظر: شرح الرضي على الكافية 1/ 36.
(4) انظر: درة الغواص بشرح الخفاجي 533، المزهر 1/ 108، البصائر والذخائر للتوحيدي 5/ 24.
(5) الأنعام 92.
(6) هو أبو الأسود الدؤلي.
(7) انظر: ديوانه 54.
(8) المحرر الوجيز 6/ 106 - 107.
(9) استشهد به على حذف التنوين من ذاكر لالتقاء الساكنين ونصب ما بعده. انظر: الكتاب 1/ 169.
(10) انظر: المقتضب 1/ 19، 2/ 313.
(11) انظر: معاني القرآن 2/ 202.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 136)

وغيرهم. (1) وله روايتان:
الأولى: جر «ذاكرِ»، فيكون معطوفًا على «مُستعتبٍ».
الثانية: نصب «ذاكرَ»، فيكون معطوفًا على «غَيْرَ»، و «لا» لتأكيد النفي المستفاد من «غير» (2).
ومن الأمثلة كذلك قول الزمخشري: «وأما قراءة ابن عامر: {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ} [الأنعام: 137] (3) برفع القتل، ونصب الأولاد، وجر الشركاء على إضافة القتل إلى الشركاء، والفصل بينهما بغير الظرف، فشيء لو كان في مكان الضرورات وهو الشعر لكان سَمِجًا مردودًا كما سَمُجَ ورُدَّ:
زَجَّ القَلوصَ أَبي مزادة
فكيف به في الكلام المنثور، فكيف به في القرآن المعجز بحسن نظمه وجزالته» (4). ومع ما ذكره الزمخشري وقفتان:
الأولى: قراءة ابن عامر لهذه الآية فيها إشكال معروف ومشهور بين النحويين، بسبب خروجها عن المشهور في اللغة خروجًا جعل كثيرًا من النحويين والمفسرين والمصنفين في التوجيه يطعنون في ثبوتها أو يكادون (5).
ومحل الإشكال في القراءة هو الفصل بين المتضايفين بالمفعول به في قوله: {قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ}، ووجهه أن المقرر في قواعد--------------------------------------------
(1) انظر: مجالس ثعلب 123، الخصائص 1/ 311، شرح أبيات المغني 7/ 182.
(2) انظر: كتاب الشعر للفارسي 1/ 114 حاشية المحقق الطناحي رقم 2.
(3) الأنعام 137.
(4) الكشاف 2/ 70.
(5) انظر: تفسير ابن جرير (شاكر) 8/ 44، والكشف لمكي بن أبي طالب 1/ 453، ومشكل إعراب القراءات له 272، وشرح جمل الزجاجي 287، وأكثر نحاة البصرة على تضعيف هذه القراءة واستبعادها. وينظر: البحر المحيط 4/ 232.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 137)

العربية منع الفصل بين المتضايفين بالظرف والجار والمجرور في الاختيار فضلًا عن المفعول به. فكيف يجوز وقوعه في أفصح الكلام، وهو القرآن الكريم.
ورد الزمخشري هنا لقراءة ابن عامر، قد تصدى المحررون من علماء القراءة والعربية للرد عليه وغيره ممن طعن في هذه القراءة الصحيحة وأمثالها. وخلاصة الرد أن هذه القراءة قد نقلت نقلًا صحيحًا، وأن القراءةَ حُجةٌ على النحاة لا العكس. وقد أطال ابن الجزري في الرد على الزمخشري بما لا مزيد عليه (1).
وممن أشبع هذه المسألة بحثًا واستشهادًا محمد بن مالك في أكثر من كتاب من كتبه، قال في «شرح التسهيل»: «وتجويز ما قرأ به - أي ابن عامر - في قياس النحو قوي، وذلك أنها قراءة اشتملت على فصل بفضلة بين عاملها المضاف إلى ما هو فاعل، فحسن ذلك ثلاثة أمور:
أحدها: كون الفاصل فضلة؛ فإنه بذلك صالح لعدم الاعتداد به.
الثاني: كونه غير أجنبي لتعلقه بالمضاف.
الثالث: كونه مقدر التأخير من أجل المضاف إليه، فقدر التقدم بمقتضى الفاعلية المعنوية، فلو لم تستعمل العرب الفصل المشار إليه لاقتضى القياس استعماله؛ لأنهم قد فصلوا في الشعر بالأجنبي كثيرًا، فاستحق الفصل بغير أجنبي أن يكون له مزية فحكم بجوازه» (2). وأشار إلى حجته في هذه المسألة في نظمه «الكافية الشافية» بقوله:
وعُمْدَتي قِراءةُ ابنِ عَامِرِ … وكَمْ لَهَا مِنْ عَاضِدٍ وَنَاصِرِ (3)--------------------------------------------
(1) انظر: النشر 2/ 263 - 265، إبراز المعاني 2/ 146 - 157.
(2) شرح التسهيل 2/ 182.
(3) انظر: شرح الكافية الشافية 2/ 978 - 979.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 138)

ويقول النيسابوري في الرد على من قال بخطأ هذه القراءة: «والحق عندي في هذا المقام أن القرآن حجة على غيره، وليس غيره حجة عليه، والقراءات السبع كلها متواترة، فكيف يمكن تخطئة بعضها؟ فإذا ورد في القرآن المعجز مثل هذا التركيب لزم القول بصحته وفصاحته وألا يلتفت إلى أنه هل ورد له نظير في أشعار العرب وتراكيبهم أم لا؟ وإن ورد فكثير أم لا؟ » (1).
الوقفة الثانية: أن هذا الشاهد الشعري الذي استنكره الزمخشري وردَّهُ، ورَدَّ القراءةَ معه، ليس الوحيد الذي حفظ على هذه القاعدة، وإنما هناك شواهد شعرية كثيرة، أورد أكثرها ابن مالك (2).
ومن الأمثلة قول ابن عطية: «وقال الكوفيون: إنه قد يدخلُ حرفُ النداءِ على اللهم، وأنشدوا على ذلك:
وما عليكِ أَن تَقولي كُلَّمَا … سَبَّحتِ أَو هلَّلتِ ياللهمَ مَا
ارددْ علينا شيخَنا مُسَلَّما
قالوا: فلو كانت الميم عوضًا من حرف النداء لما اجتمعا. قال الزجاج: وهذا شاذ لا يعرف قائله، ولا يتركُ لهُ ما في كتاب اللهِ، وفي جَميعِ ديوانِ العَرَبِ» (3). والشاهد في قول الزجاج من حكمه على الشعر بالشذوذ، ورده لجهالة قائله.--------------------------------------------
(1) غرائب الفرقان 8/ 37.
(2) من الشواهد قولُ الطرمَّاح (ديوانه 169):
يَطُعْنَ بِجوزيِّ المراتعِ لَمْ يُرَعْ … بِواديهِ مِن قَرعِ - القَسيَّ - الكنائِنِ
وقول أبي جندل الطهوي في صفة جراد (شرح الكافية 2/ 986):
يَفرُكُ حَبَّ السنبلِ الكُنَافِجِ … بالقاعِ فَركَ - القُطُنَ - المَحَالِجِ
انظر: شرح الكافية الشافية 2/ 978 - 979 فقد ذكر عددًا من الشواهد الشعرية المؤيدة لهذا الأسلوب.
(3) المحرر الوجيز 3/ 49.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 139)

‌‌3 - تعدد رواية الشاهد الشعري.
وردت للشواهد الشعرية في كتب التفسير روايات متعددة، وكذلك في كتب النحو، ورُبَّما مسَّ الاختلافُ موضعَ الشاهدِ، فيسقط الاحتجاجُ به على المُرادِ، وإن كان هذا لا يعني سقوط الاحتجاج بالشاهد على وجه آخر إذا كان من غيره يحتج بقوله كما تقدم. أما إذا لم يَمَس الاختلاف موضع الشاهد فلا إشكال في الاستشهاد به.
ومن أمثلة ذلك ما استشهد به ابن جرير في تفسيره لقوله تعالى: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36] (1) حيث قال: «وقال: {أُولَئِكَ} ولم يقل: «تلك» كما قال الشاعر (2):
ذُمَّ المنازلَ بعدَ مَنْزِلَةِ اللِّوَى … والعيشَ بعدَ أولئكَ الأَيَّامِ (3)» (4).
والشاهد في البيت عند الطبري هو استعمال «أولاء» للإشارة إلى الجمع سواء كانوا عقلاء أو غير ذلك.
وكذلك عند الزمخشري (5). وقد ورد هذا البيت في ديوان جرير «الأقوام» (6) بدل «الأيام»، وكذلك عند أبي عبيدة (7)، وزعم ابن عطية أن هذه الرواية هي الصحيحة، وأن الطبري قد غلط في روايته «الأيام» بدل «الأقوام»، وأن الزجاج قد تبع الطبري في هذا الخطأ (8). غير أن المبرِّد - وهو معاصر للطبَريِّ - يرويه كما عند الطبري (9). وإذا صح ما ذهب إليه--------------------------------------------
(1) الإسراء 36.
(2) هو جرير بن الخطفى.
(3) انظر: ديوانه 657.
(4) تفسير الطبري (هجر) 14/ 596.
(5) انظر: الكشاف 2/ 667، تَنْزِيلُ الآيات لمحب الدين أفندي 449.
(6) انظر: شرح ديوان جرير 657.
(7) انظر: شرح نقائض جرير والفرزدق 1/ 417.
(8) انظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج 3/ 240، المحرر الوجيز 10/ 294.
(9) انظر: المقتضب 1/ 321، الكامل 1/ 439.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 140)