لقدْ عَلِمَتْ أُولى المُغِيْرَةِ أَنَّنِي … لَحِقْتُ فَلَمْ أَنْكُلْ عن الضَّربِ مِسْمَعَا (1)
«وأنشد سيبويه هذا البيت شاهدًا على إعمال المصدر وفيه الألف واللام» (2). ويكون المراد موضع الشاهد بدليل بيانه لوجه الاستشهاد.
وعلى هذا يكون المقصود بالشاهد الشعري اصطلاحًا هو الشعرُ الذي يُستشهدُ به في إثبات صحة قاعدة، أو استعمال كلمة، أو تركيب، لكونه من شِعْرِ العرب الموثوق بعربيتهم.
وقد انصرفت عناية رواة الأخبار المتقدمين إلى حفظ الأشعار المشتملة على الشواهد، والأمثال (3)؛ لأن مدار العلم على الشاهد والمثل (4).
ثانيًا: معنى التمثيل، والفرق بين الشاهد والمثال:
التمثيل «يطلق على ما ليس من كلام العرب من النصوص - بِمصطلح النحاة - متجاوزًا عصر التوثيق للغة، أو مصنوعًا للبيان والإيضاح» (5). ولهذا فإنَّ أئمةَ اللغة لا يستشهدون ولا يحتجون على اللغة والنحو والصرف إلا بالشواهد الموثوق بفصاحتها، وإيراد النحويين للشواهد الشعرية للمُولَّدين من باب التمثيل والاستئناس وتوضيح القاعدة ليس إلا، ولا تتخذ الشواهد الشعرية للمولَّدين حجةً تقعَّدُ بناء عليها قواعد نحوية عند جمهور النحويين.
وأما في المعاني والبيان والبديع فإنهم يستشهدون عليها بأشعار المولَّدين وغيرهم؛ وذلك لأن المعاني «يتناهبها المُولَّدونَ كما يتناهبها المتقدمون» (6).، وهذا «صَحِيحٌ بَيِّنٌ؛ لأن المعاني إنما اتسعت لاتساع--------------------------------------------
(1) انظر: الكتاب 1/ 192 - 193، خزانة الأدب 8/ 129.
(2) كتاب شرح أبيات الجمل 115.
(3) انظر: البيان والتبيين 4/ 24.
(4) انظر: المصدر السابق 1/ 2712.
(5) الرواية والاستشهاد للدكتور محمد عيد 68.
(6) الخصائص 1/ 24.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)
الناس في الدنيا، وانتشار العرب بالإسلام في أقطار الأرض» (1).
فالمِثَالُ - بالكسر- يطلق على الجزئي الذي يُذكرُ لإيضاح القاعدة، وإيصالها إلى الفهم، كما يُقال: الفاعل كذا ومثاله زيد في: ضرب زيد، وهو أَعَمُّ من الشاهد (2). ولذا فإن كل ما يصلح شاهدًا يصلح مثالًا من غير عكس.
ثالثًا: معنى الاحتجاج.
يَرِدُ كثيرًا التعبير بالاحتجاج بدل الاستشهاد كقولهم: «واحتجوا بكذا»، و «هذا لا يحتج به»، ونحو ذلك. والاحتجاج هو تقديم الحُجَّةُ. والحُجَّةُ هي البُرهانُ (3). وقال الليث: «الحجة: الوجه الذي يكون به الظفر عند الخصومة، وجَمعُها حُجَجٌ» (4). قال الأزهري: «وإِنَّما سُمّيت حجة لأَنَّها تُحَجُّ، أي: تقصد؛ لأَنَّ القصد لها وإليها» (5). ومِن معاني الحَج الغَلَبَةُ بالحُجَّةِ (6).
فَحُجَجُ النحو إذن «براهين تقام من نصوص اللغة للدلالة على صحة رأي، أو قاعدة، والاحتجاج في النحو معناه الاعتماد على إقامة البراهين من نصوص اللغة شعرًا أو نثرًا» (7). فكلٌّ من الاستشهادِ والاحتجاج يؤديان غرضًا واحدًا، ورُبَّما يكون متطابقًا، هو «إثبات صحة قاعدة، أو استعمال كلمة، أو تركيب، بدليلٍ نقليٍّ صحَّ سَنَدُهُ إلى عربيٍّ فصيحٍ، سَليمِ السَّليقةِ» (8). وهذا الدليل النقلي هنا هو الشاهد الشعري.
وهناك من يُعبِّرُ بلفظة «الحُجَّةِ» بدل «الشاهد» عند شرحه للشاهد--------------------------------------------
(1) العمدة في صناعة الشعر ونقده 2/ 985.
(2) انظر: كشاف اصطلاحات الفنون 2/ 1447 (المثال).
(3) القاموس المحيط 234 (حج).
(4) تهذيب اللغة 3/ 390.
(5) المصدر السابق 3/ 390، لسان العرب 3/ 158 (حجج).
(6) انظر: تهذيب اللغة 3/ 390.
(7) الرواية والاستشهاد باللغة 86.
(8) أصول النحو لسعيد الأفغاني 6.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)
الشعري، كما عند أبي جعفر النحاس (1) في شرحه لشواهد سيبويه (2) حيث يكثر من عبارة «وهذا حجة لكذا». يقول بعد إيراده لبيت من أبيات الكتاب وهو قول هُدْبَةَ بنِ خَشْرَم (3):
عسى الكربُ الذي أمسيتُ فيه … يكون وراءه فرج قريبُ (4)
«حُجَّةُ أنَّ «أنْ» محذوفة، أراد: عسى الكربُ أن يكونَ وراءه فرجٌ» (5). وقال تعقيبًا على قول أبي طالب وهو يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم:
مُحمدُ تفدِ نَفَسكَ كُلُّ نفسٍ … إذا مَا خفتَ مِنْ أمرٍ تَبَالا (6)
«والبيتُ حُجةٌ أَنَّ العَرَبَ لا تأمر الغائب إلا باللام» (7).
رابعًا: نشأة مصطلح الشاهد.
بدأ الشاهد يأخذ معناه الاصطلاحي قديمًا، حيث يُعَدُّ المفسرون أول من اتخذ من الشعر شواهد لفهم غريب القرآن الكريم، وذلك على يد حبر الأمة عبدالله بن عباس، كما في مسائل نافع بن الأزرق لابن عباس رضي الله عنهما (8).--------------------------------------------
(1) هو أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل المرادي المصري، نحوي لغوي، من مصنفاته «معاني القرآن»، و «إعراب القرآن»، و «شرح أبيات سيبويه» وغيرها. توفي سنة 338 هـ. انظر: إنباه الرواة 1/ 136.
(2) الكتاب المطبوع مختصر جدًا، وفيه شواهد كثيرة ليست من شواهد سيبويه، وهو مخالف لما وصفه العلماء من الغزارة وسعة المسائل والفوائد، مما دفع الدكتور خالد عبدالكريم جمعة إلى التشكيك في كونه الكتاب الأصلي لابن النحاس الذي شرح به شواهد سيبويه، وإنما هو في أحسن الأحوال مختصر فيه إخلال واختلاف بقلم أحد النساخ. انظر: شواهد الشعر في كتاب سيبويه للدكتور خالد جمعة 87 - 90.
(3) هو هدبة بن خشرم بن كُرز، شاعر جاهلي. انظر: خزانة الأدب 9/ 334.
(4) انظر: ديوانه 54، الكتاب 3/ 159، تحصيل عين الذهب 437.
(5) شرح أبيات سيبويه 157.
(6) انظر: ديوانه 73، وشرح شذور الذهب لابن هشام 202.
(7) شرح أبيات سيبويه 157.
(8) انظر: الكامل 3/ 1144 وما بعدها، وستأتي في البحث ص 219.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)
ويُذْكَرُ أن الفرزدق (1) لما رَدَّ عليه عبدالله بن أبي إسحاق الحضرمي بيتًا من شعره، ولَحَّنَهُ فيه، قال له: «والله لأهجونَّكَ ببيتٍ يكون شاهدًا على ألسنة النحويين أبدًا» (2). فهجاه بقوله:
فلو كانَ عبدُ الله مَولىً هَجوتُهُ … ولكنَّ عبد اللهِ مَولَى مَواليا (3)
والفرزدق توفي سنة 112 هـ، وقد قال ذلك لابن أبي إسحاق الذي توفي سنة 117 هـ (4). وهذا القول من الفرزدق مستبعد من بدوي مثله، ولا يعول على مثل هذا النقل في إثبات الصفة الاصطلاحية للشاهد الشعري.
والذي يُعوَّلُ عليه أَنَّ الشاهد الشعري أصبح يَحملُ المعنى الاصطلاحي الدقيق في الاحتجاج اللغوي والنحوي في القرن الثاني الهجري وما بعده ، وذلك في أقدم كتاب نحوي معروف، وكذلك كتب إعراب القرآن المتقدمة كمعاني الفراء والأخفش.
وقد أصبح لكلمة الشاهد فيما بعد معنى عرفيٌّ ينصرف الذهن عند سماعه إلى الشاهد الشعري دون غيره من أنواع الشواهد الأخرى، وكان للنحويين دور كبير في إكساب هذه اللفظة هذا المعنى (5).
وكثيرًا ما تَرِدُ في كتب المفسرين والنحويين واللغويين قبل إيرادهم--------------------------------------------
(1) هو هَمَّامُ بنُ غالب التميمي، قيل توفي سنة 112 هـ، شاعر إسلامي من المُقدَّمين، شعره جَزْلٌ، أَكثرَ أهلُ اللغة والنحوِ والتفسير من الاستشهاد به. انظر: طبقات فحول الشعراء 1/ 300، الشعر والشعراء 1/ 471.
(2) مراتب النحويين 31.
(3) البيت من شواهد النحويين على أن بعض العرب يجر نحو «جوار» بالفتحة، فيقول: مررت بجواريَ، بالفتح كما في قول الفرزدق «مولى مواليا». انظر: الكتاب 3/ 313، 315.
(4) انظر: إنباه الرواة 2/ 107، البيان والتبيين 1/ 271، 252، 4/ 24.
(5) انظر: البحث اللغوي للدكتور أحمد مختار عمر 39، الرواية والاستشهاد لمحمد عيد 124.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)
للشاهد الشعري عبارة «وأنشد»، أو «وينشد»، والنشيد هو رفع الصوت، وإنشاد الشعر هو إلقاؤه، وكانت وما زالت عادة ملقي الشعر أن يرفع صوته عند الإلقاء فَسُمِّيَ منشدًا (1). وهي صيغة من صيغ رواية الشعر المعروفة (2).
ونظرًا لأن كتب التفسير والدراسات القرآنية المبكرة قد اتخذت من نص القرآن الكريم مادةً لها، تشرحه وتبينه بكل وسيلة، فقد شَملت مسائلَ العربية من نحو ولغة وصرف وبلاغة وغيرها، كما شملت كثيرًا من قضايا التاريخ والسيرة النبوية، وغيرها من المسائل التي تتعلق بالنص القرآني المفسَّر، ولذلك فقد اشتملت هذه المدونات على أغلب أنواع الشواهد الشعرية المعروفة، ففيها شواهد اللغة والنحو والبلاغة والتاريخ وشواهد أدبية للتمثل وغير ذلك، وقد تعامل المفسرون مع هذه الأنواع كما تعامل معها المتخصصون في هذه العلوم في مصنفاتهم المختصة، وفي المبحث التالي بيان لأنواع الشواهد الشعرية في كتب التفسير.
* * *--------------------------------------------
(1) انظر: لسان العرب 14/ 139 - 140 (نشد).
(2) انظر: الشاهد وأصول النحو لخديجة الحديثي 147.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)
المبحث الثاني: أنواع الشواهد الشعرية.
عُنِيَ علماءُ السلف بحفظ شعر العرب للاستشهاد به في تفسير القرآن الكريم، وحفظ اللغة العربية وقواعدها، والاحتجاج لذلك، وقد ذكر أصحاب التراجم أن أبان بن تغلب (ت 141 هـ) صنَّفَ كتابًا في غريب القرآن، ضمَّنَه عددًا كبيرًا من الشواهد الشعرية (1)، وأَنَّ أبا مِسْحَلٍ الأعرابيّ (2) كان «يروي عن علي بن مبارك الأحمر أربعين ألف شاهد في النحو» (3)، وأنَّ خَلَفَ بن حَيَّان الأحمر المتوفى سنة 180 هـ كان يحفظ أربعين ألف بيت شاهدًا في النحو، سوى ما كان يحفظ من القصائد وأبيات الغريب (4)، ومن أكثر الناس حفظًا لها أبو القاسم ابن الأنباري (ت 328 هـ)، حيث ذُكِرَ في ترجَمته أنَّه كان يحفظُ ثلاثمائة ألفِ بيتٍ شاهدًا في القرآن (5). وفي ترجمة عبد الوهاب الفاميِّ الشافعي المتوفى سنة 500 هـ ذكر هو عن نفسه أنه صنفَ تفسيرًا ضَمَّنَه مائةَ ألف بيتٍ شاهدًا شعريًا من شواهد التفسير (6). وهذه--------------------------------------------
(1) انظر: معجم الأدباء 1/ 68.
(2) هو عبدالوهاب بن حريش أبو مسحل الهمذاني النحوي اللغوي، حدث عن الكسائي، وكان أعرابيًا قدم بغداد وافدًا على الحسن بن سهل. انظر: إنباه الرواة 2/ 218، غاية النهاية 1/ 478.
(3) انظر: غاية النهاية 1/ 478.
(4) انظر: تاريخ آداب العرب للرافعي 1/ 354، معجم الأدباء 3/ 298.
(5) انظر: معجم الأدباء 5/ 411، وفي رسالة صغيرة طبعت مؤخرًا بعنوان «مجلس من أمالي ابن الأنباري» حققها إبراهيم صالح، أكثر ابن الأنباري فيها الاستشهاد بالشعر في تفسير القرآن، صدرت عن دار البشائر.
(6) انظر: سير أعلام النبلاء 19/ 249.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)
الروايات تدلنا على مدى عناية العلماء بحفظ شواهد الشعر لتوظيفها في تفسير القرآن الكريم، والاستشهاد بها على تفسيره ولغته، وأساليبه.
وقد قسَّمَ الرافعيُّ الشواهدَ الشعريةَ إلى قسمين: شواهد القرآن وهي ما يورده العلماء للاستشهاد على ألفاظ القرآن عند تفسيرها وبيان معانيها، ويغلب عليها جانب اللغة. وشواهد النحو وهي ما أورده النحويون في مروياتهم ومصنفاتهم من الشواهد الشعرية التي بنوا عليها القواعد، واستشهدوا بها على مسائل النحو (1). غير أن هذا التقسيم غير حاصر لأنواع الشواهد الشعرية عامة وفي كتب التفسير خاصة. وفي إضافة الشواهد إلى القرآن نوع من التجوز في العبارة، حيث لا يقال: شواهد القرآن، لعدم حاجة القرآن إلى شواهد تؤيده، وإنما يقال شواهد التفسير. وقد نبَّهَ إلى ذلك أبو عبيد القاسم بن سلَاّم بعد أن ذكر أنَّ ابنَ عباس كان يُسأَلُ عن القرآن فينُشدُ فيه الشعرَ بقوله: «يعني أنه كان يستشهد به على التفسير» (2).
وقد كان العلماء المتقدمون في اختيارهم للشواهد الشعرية أَهلَ عِنايةٍ بموضوع الشاهد الذي يريدونه، فإن كانت المسألة من الغريب كان لهم نوعُ عنايةٍ بشعرِ بعض القبائل كهُذيلٍ، وبعض الشعراء كرؤبة وأبيه العجَّاج، وإن كانت في المعاني كانت لهم عناية بشعر آخرين. وكنت أظن هذا يحدث اتفاقًا منهم، حتى عثرت على نصٍّ للأصمعي فيه دلالة على أنَّ العلماء كانوا يَختارون شواهدهم على بَينةٍ، فقد روى العسكريُّ بسنده فقال: «أخبَرني أَبي قال: أخبَرنا عَسَلُ بن ذَكوانَ قال: حدّثنا ابنُ أَخي الأصمعيِّ عن عَمِّه قال: تقول الرواة والعلماء: مَنْ أرادَ الغريبَ فعليه بشِعْرِ هُذيلٍ ورَجَزِ رؤبةَ والعجَّاجِ، وهؤلاء يَجتمعُ في شعرهمُ--------------------------------------------
(1) انظر: تاريخ آداب العرب للرافعي 1/ 354.
(2) فضائل القرآن لأبي عبيد 343.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)
الغَريبُ والمعاني. ومن أراد الغريبَ من شعرِ المُحدَثِ ففي أَشعارِ ذي الرُّمَّةِ. ومَنْ أرادَ الغريب الشديدَ الثِّقةِ ففي شعرِ ابن مُقبلٍ، وابنِ أْحْمَر، وحُميدِ بن ثَورٍ الهلاليّ، والرَّاعي، ومزاحمٍ العقيليّ. ومَنْ أراد النسيب والغزل من شعرِ العَربِ الصُّلبِ فعليه بأَشعارِ عُذْرةَ والأنصارِ. ومن أراد النَّسيبَ من الشعر المُحدَثِ ففي شعر ابن أبي ربيعةَ، والحارثِ بن خالدٍ المخزوميِّ والطبقة الذين مع هؤلاء. ومن أرادَ طُرَفَ الشِّعرِ وما يُحتاجُ إلى مثلهِ عند مُحاورةِ الناس وكلامهم فذلك في شِعْرِ الفُرسان. ويقالُ: أشعرُ الفرسان دريد بن الصّمّة، وعنترة، وخفاف بن ندبة، والزّبرقان بن بدر، وعروة بن الورد، ونهيكة بن إساف، وقيس بن زهير، وصخر بن عمرو، والسّليك بن
سلكة، وأنس بن مدركة، ومالك ابن نويرة، ويزيد بن الصّعق ويعدُّ من الفرسان وفي الأشراف، ويزيد بن سنان بن أبي حارثة» (1).
وهذا النص يدل على أَنَّ العلماء كانوا يراعون في موضوعات الشواهد من الشعر عند اختيارهم شعر شاعر بعينه دون غيره، ولذلك عُنِي العلماءُ بشعر هذيلٍ وشرحوه كما فعل أبو سعيد الشكري، وأبو عمرو الشيباني، وعُنِي المفسرون بشعر العجَّاج ورؤبة فكثر استشهادهم بشعرهما في غريب القرآن، وقد ذكرتُ في موضعٍ لاحقٍ من البحث عدد الشواهد التي استشهد بها المفسرون لكل منهما. وقد تتبعت الشواهد الشعرية في كتب التفسير والدراسات القرآنية، فوجدتها لا تخرج من حيث الموضوعات عن الأنواع التالية:
1 - الشواهد اللغوية.
وهي ما استشهد به المفسرون وأصحاب الغريب والمعاني من الشواهد الشعرية في استعمال لفظة ما، من حيث علاقة اللفظ باللفظ وما--------------------------------------------
(1) المصون في الأدب 169 - 170.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)
يتعلق به من موازنات، أو من حيث علاقة اللفظ بالمعنى، وهو ما عني به أصحاب المعاجم، أو من حيث علاقة اللفظ بالاستعمال ويشمل ما صنفه علماء اللغة من دراسات للمتن تدور حول الغريب، والدخيل، والموضوع، ونحو ذلك.
وقد شارك المفسرون والمصنفون في الدراسات القرآنية مشاركة فاعلة في العناية بالشواهد الشعرية اللغوية، يستشهدون بها لتوضيح لفظة غريبة، أو لبيان أصلها الاشتقاقي، أو لبيان ما طرأ عليها من تطور دلالي، أو نحو ذلك من مسائل تتعلق بالمفردات القرآنية. وقد حفلت كتب التفسير بهذا النوع من الشاهد الشعري، وكتب غريب القرآن كذلك، بل إن كتب التفسير والغريب والمعاني قد تنفرد ببعض الشواهد اللغوية التي لا توجد في معاجم اللغة (1).
والأمثلة على هذا النوع كثيرة، فقد عُنِي العلماء بها في فترة مبكرة، حيث رُويَ أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأ على المنبر قوله تعالى: {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (47)} [النحل: 47] (2) فسأَلَ عن التخوفِ. فقام رجلٌ من قبيلةِ هُذيلٍ وقال: «التخوفُ عندنا التنقصُ»، ثم أنشدهُ:
تَخَوَّفَ الرَّحْلُ مِنها تَامِكًا قَرِدًا … كَمَا تَخَوَّفَ عُوْدَ النبَّعْةِ السَّفِنُ (3)--------------------------------------------
(1) انظر شواهد معنى كلمة «رَبّ» في تفسير الطبري (شاكر) 1/ 141، 6/ 543 - 544.
(2) النحل 47.
(3) انظر: البيت في اللسان 9/ 101 (خوف) منسوبًا إلى ابن مقبل، وهو في ملحق ديوانه 405، وفي الصحاح 4/ 1359 منسوبًا لذي الرمة، وفي تاج العروس كذلك، وقال: «أروده أبو عدنان في كتاب النبل لابن مزاحم الثمالي، وقال: لم أجده في شعر ذي الرمة، وقال غيره: هو لعبدالله بن عجلان النهدي، جاهلي، كما وجد بخط أبي زكريا). ورواه صاحب الأغاني 6/ 72 منسوبًا لابن مزاحم الثمالي، وعزاه البيضاوي في تفسيره لأبي كبير الهذلي 3/ 99، وليس في ديوان الهذليين، وفي أساس البلاغة منسوبًا لزهير، ولم أجده في ديوانه، وهو في القلب والإبدال 31، وأمالي القالي 2/ 113، والمخصص لابن سيده من غير نسبة. ونسبه البكري في اللآلي 2/ 738 =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)
فقال عمر: «أيها الناس، تَمسكوا بديوان شعركم في جاهليتكم فإن فيه تفسير كتابكم» (1). وسيأتي لهذا الشاهد مزيد بيان في موضع آخر، والمقصود هنا بيان أنَّ عمر رضي الله عنه من أقدم من فتح باب الاستعانه بالشعر في تفسير القرآن الكريم، وهو باب دخل منه الشعر الجاهلي إلى الحياه الإسلامية، وحظي فيها بمكانةٍ لم يكن ليظفر بها من غير هذا الطريق.
وأكثر المفسرين استعانة بالشاهد الشعري اللغوي في تفسير القرآن الكريم من الصحابة رضي الله عنهم عبدُ الله بن عباس رضي الله عنهما، في الأسئلة التي سأله عنها نافع بن الأزرق، وكلها تدخل تحت الشاهد الشعري اللغوي (2).
ومنها أن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس عن تفسير قوله تعالى: {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (35)} [الرحمن: 35] (3) ما النُّحَاسُ؟
فأجابه ابن عباس رضي الله عنهما بقوله: هو الدخان الذي لا لهب فيه.
فقال ابن الأزرق: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟ قال نعم، أما سمعت بقول النابغة (4):
يُضِيءُ كَضوءِ سِراجِ السَّليـ … ـطِ لم يجعل اللهُ فيهِ نُحَاسَا (5)
يعني دخانا (6).
وهذا الشاهد قد استشهد به علماء اللغة على أن معنى النحاس في--------------------------------------------
= لقعنب بن أم صاحب، تفسير القرطبي 10/ 110، تفسير الألوسي روح المعاني 14/ 152.
(1) الموافقات 1/ 58.
(2) ستأتي دراستها مفصلة في الفصل الثاني من الباب الأول ص 219.
(3) الرحمن 35.
(4) هو الجعدي.
(5) انظر: ديوانه 81، مجاز القرآن 2/ 245، معاني القرآن للفراء 3/ 117، غريب القرآن لابن قتيبة 438، الجامع لأحكام القرآن 17/ 112، الكشاف 4/ 449، ونسبه الطبري (هجر) 22/ 226 للنابغة الذبياني في نُسَخٍ.
(6) انظر: مسائل نافع بن الأزرق ص 36 - 37.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)
الآية هو ما ذهب إليه ابن عباس من الدخان الذي لا لهب فيه (1). قال الأزهري: «وهو قَولُ جَميعِ المفسرين» (2).
ومن أمثلة هذا النوع من الشاهد الشعري ما ورد عند ابن عطية في تفسير قوله تعالى: {وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ} [البقرة: 3] (3)، حيث قال: «والصلاة مأخوذة من صَلَّى يُصلِّي إذا دعا، كما قال الشاعر (4):
عَليكِ مِثلُ الذي صَلَّيْتِ فَاغتمِضِي … يَومًا فإِنَّ لجَنْبِ المرءِ مُضْطَجَعا (5)
ومنه قول الآخر (6):
لها حَارِسٌ لا يَبْرحُ الدهرَ بَيْتَهَا … وإِن ذبحت صَلَّى عليها وَزَمْزَمَا (7)» (8)
وهذان الشاهدان قد استشهد بهما اللغويون على معنى الصلاة في اللغة، وأنها بمعنى الدعاء (9).
وكذلك قول الشمَّاخ بن ضرار الغطفاني:
ذَعَرْتُ بهِ القَطا ونَفَيتُ عنهُ … مَكانَ الذِّئْبِ كالرَّجُلِ اللَّعِيْنِ (10)
حيث استشهد به المفسرون على أن «أصل اللعن الطرد والإبعاد والإقصاء» (11). واستشهد به اللغويون على المعنى نفسه (12). وهو الشاهد--------------------------------------------
(1) تهذيب اللغة 4/ 320، الصحاح 3/ 981، لسان العرب 14/ 71 (نحس).
(2) تهذيب اللغة 4/ 320.
(3) البقرة 3.
(4) هو الأعشى.
(5) انظر: ديوانه 151.
(6) هو الأعشى أيضًا.
(7) انظر: ديوانه 343.
(8) المحرر الوجيز 1/ 101، وانظر: مجاز القرآن 1/ 62، 268، 2/ 138، تفسير الطبري (شاكر) 1/ 242، الجامع لأحكام القرآن 1/ 118.
(9) انظر: تهذيب اللغة 12/ 236، مقاييس اللغة 3/ 300.
(10) من قصيدته المشهورة في مدح عرابة الأوسي. ومعناه: مقام الذئب اللعين كالرجل. انظر: ديوانه 321.
(11) انظر: مجاز القرآن 1/ 46، تفسير الطبري (شاكر) 2/ 328، و 3/ 254.
(12) انظر: تهذيب اللغة 2/ 396، مقاييس اللغة 5/ 253، لسان العرب 12/ 292، الصحاح 6/ 2196.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)
الوحيد على هذا معنى هذا اللفظ - فيما اطلعتُ عليه - في كتب التفسير واللغة. ونظائر هذا النوع من الشواهد كثيرة في كتب التفسير (1).
2 - الشواهد النحوية.
يقوم النحو على أصول، منها الأدلة التي تفرعت عنها فصوله وفروعه، ويأتي في مقدمتها النقل، الذي يحتل شعر العرب مكانة بارزة فيه، حيث يأتي في صدارة الكلام العربي المستشهد به في بناء قواعد النحو، والمطالع لمصنفات النحويين يجد ذلك ظاهرة بارزة، حتى أصبحت كلمة «الشاهد» عند إطلاقها تنصرف إلى الشاهد الشعري (2)، وليس ببعيد عن الصواب من قال «إن الشاهد في علم النحو هو النحو» (3). وشواهد النحو في كتب التفسير ما استشهد به المفسرون من الشعر في بيان تركيب أو بنية، لبيان قاعدة أو تأكيدها، أو إيراد ما استثني أو خرج عنها، أو توجيه ما جاء مخالفًا لها، ونحو ذلك مما درس في مصنفات النحويين بشكل واسع.
وقد اشتملت كتب التفسير على عدد كبير من الشواهد النحوية، بل لا أكون مخطئًا إن قلت إن كتب التفسير والمعاني قد اشتملت على جُلِّ شواهد النحويين التي رويت ونقلت في مصنفات النحويين، وعلى رأسها شواهد «الكتاب» لسيبويه.
ومن الأمثلة ما ذكره الفراء عند تفسيره لقوله تعالى: {المر تِلْكَ--------------------------------------------
(1) انظر: مجاز القرآن 1/ 2، 4، 20، 21، 23، 30، 32، 34، 38، 143، 316، 365، 405، غريب القرآن لابن قتيبة 12، 25، 79، 41، 194، تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة 192، 181، 209، 446، 460، 519، تفسير الطبري 1/ 255، 10/ 172، 12/ 184، 13/ 209، 16/ 25، الكشاف 1/ 97، 105، 106، 543، المحرر الوجيز 2/ 103، 138، 140، 165، الجامع لأحكام القرآن 1/ 118، 3/ 51.
(2) انظر: البحث اللغوي للدكتور أحمد مختار عمر 39.
(3) نشأة النحو لمحمد الطنطاوي 192.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)
آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ} [الرعد: 1] (1): «فموضع «الذي» رفع تستأنفه على «الحق»، وترفع كل واحد بصاحبه. وإن شئت جعلت «الذي» في موضع خفض، تريد: «تلك آيات الكتاب وآيات الذي أنزل إليك من ربك» فيكون خفضًا، ثم ترفع «الحق»، أي: ذلك الحق … وإن شئت جعلت «الذي» خفضًا فخفضت «الحق»، فجعلته من صفة «الذي»، ويكون «الذي» نعتًا لـ «الكتاب»، مردودًا عليه، وإن كانت فيه الواو، كما قال الشاعر:
إلى الملكِ القَرْمِ وابن الهُمامِ … وليثَ الكتيبة في المزدحم (2)
فعطف بالواو، وهو يريد واحدًا» (3). وهو من شواهد النحويين (4).
وكتاب «معاني القرآن» للفراء غلبت عليه شواهد الشعر النحوية، وهو أقدم كتاب وصل إلينا في النحو الكوفي، «فهو يهتم بالقواعد النحوية وصياغتها والتعريف بها مما يجعل منه مرجعَ نحوٍ بمعناه الشامل، لا كتابَ إعرابٍ وتوجيهٍ فقط» (5).
ومن الأمثلة كذلك ما أجازه الفراء في حديثه عن قوله تعالى: {أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ} [إبراهيم: 18] (6) من الخفضِ على المُجاورةِ، يقول: «وذلك من كلام العرب أن يتبعوا الخفض الخفض إذا أشبهه» (7) ثم استشهد على رأيه بشواهد من الشعر، منها قول ذي الرمة:
كأَنَّمَا ضَرَبَتْ قُدَّامَ أَعيُنِها … قُطْنًا بِمُستحصدِ الأَوتارِ مَحْلوجِ (8)--------------------------------------------
(1) الرعد 1.
(2) لم أعرف قائله.
(3) معاني القرآن للفراء 2/ 57 - 58، وانظر: تفسير الطبري (شاكر) 16/ 321.
(4) انظر: معجم شواهد النحو الشعرية للدكتور حنَّا جميل حداد 651 رقم 2841.
(5) النحو وكتب التفسير لإبراهيم رفيده 1/ 202.
(6) إبراهيم 18.
(7) معاني القرآن للفراء 2/ 74.
(8) رواية الديوان (عهنًا) بدل (قطنًا) ومعناهما واحد، والمحلوج: القطن المندوف. انظر: شرح ديوانه 2/ 995.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)
والشاهد في البيت جر «محلوج» للمجاورة، أي لمجاورة الاسم المجرور، والأصل أن ينصب «محلوجًا» لأنه نعت اسم منصوب. وهو قوله: «قطنًا».وهو من شواهد النحويين على جواز الحمل على الجوار (1).
ومن الأمثلة كذلك ما أورده الطبري شاهدًا على جواز تقديم معمول أسماء الأفعال عليها، حيث قال: «والعرب تفعل ذلك إذا أخرت الإغراء، وقدمت المغرى به، وإن كانت قد تنصب به وهو مؤخر، ومن ذلك قول الشاعر:
يا أَيُّها المَائِحُ دَلْوِي دُونَكا … إِنِّي رَأَيتُ النَّاسَ يَحْمدُونَكا (2)
فأغرى بـ «دونك» وهي مؤخرة، وإنما معناه: دونك دلوي» (3). وهذا الشاهد من شواهد النحويين المشهورة على أن مفعول اسم الفعل يجوز أن يتقدم عليه؛ إذ الظاهر أن «دلوي» مفعول مقدم لقوله «دونكا» (4). وقد رد هذا الوجه بعض النحويين (5)، والغرض التمثيل.
ومن المواضع التي يستشهد فيها المفسرون بالشواهد الشعرية النحوية كثيرًا عند توجيه القراءات من حيث النحو، فيستعينون في ذلك بالشاهد الشعري.--------------------------------------------
(1) انظر: أسرار العربية 338، الإنصاف للأنباري 484، تذكرة النحاة 610، خزانة الأدب 5/ 91.
(2) الشاهد لراجز جاهلي من بني أسيد بن عمرو بن تميم كما في شرح شذور الذهب 381.
(3) انظر: تفسير الطبري (شاكر) 1/ 120، معاني القرآن للفراء 1/ 260، 323.
(4) انظر: أسرار العربية 165، خزانة الأدب 6/ 200.
(5) ردَّ هذا الوجه ابن الأنباري في أسرار العربية 165، ورده محمد محي الدين عبدالحميد بقوله: «بل الاسم المنصوب المتقدم ليس معمولًا لاسم الفعل المتأخر، بل ولا هو معمول لاسم فعل آخر محذوف يفسره المذكور ويقع في التقدير قبل المعمول؛ لأن اسم الفعل لا يعمل وهو محذوف أيضًا، ولكن هذا الاسم المنصوب معمول لفعل محذوف من معنى اسم الفعل». شرح شذور الذهب 381.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 74)
ومن أمثلة ذلك ما أورده ابن عطية في توجيه الفصل بين المضاف والمضاف إليه في قراءة ابن عامر لقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ} [الأنعام: 137] (1) برفع «قتلُ»، ونصب «أولادهم»، وجَرِّ «شركائهم». فجعلَ مِنْ ذلك قول الشاعر:
فَزَجَجْتُهُ بِمزجَّةٍ … زَجَّ القَلوصَ أَبي مَزَاده (2)
وقول الطرمَّاح:
يَطُفنَ بِحُوزِيِّ المَراتعِ لم يُرَعْ … بواديهِ مِنْ قَرْعِ القِسيَّ الكَنَائِنِ (3)» (4)
فوجه الكلام في الشاهد الأول: زَجِّ أَبي مزادةَ القلوصَ، ففصل بين المضاف «زَجّ» والمضاف إليه «أبي مزادة» بالمفعول به «القلوص».
ووجه الكلام في بيت الطرماح: قرع الكنائن القسيَّ، حيث فصل بين المضاف «قرع» والمضاف إليه «الكنائن» بالمفعول به «القسيّ».
فكذلك في قراءة ابن عامر وجه الكلام: قَتْلُ شُركائِهِمْ أَولادَهُم. ففصل بين المضاف «قتلُ» والمضاف إليه «شركائِهم» بالمفعول «أولادهم» (5). وجُمهورُ نَحويِيِّ البصريين على أن هذا لا يجوز إلا في ضرورة الشعر، وتُكُلِّمَ في هذه القراءة بسبب ذلك. قال الطبري: «وقد روي عن بعض أهل الحجاز بيتٌ من الشعر يؤيد قراءة من قرأ بما ذكرتُ من قراءة أهل الشامِ (6)، رأيت رواة الشعر، وأهل العلم من أهل العراق يُنْكِرونَهُ، وذلك قول قائلهم:
فَزَجَجْتُهُ مُتمَكِّنًا … زَجَّ القلوصَ أبي مزادة». (7)
وهذا القول وإن كان قول الكوفيين إلا أن الفراء رد هذا الوجه--------------------------------------------
(1) الأنعام 137.
(2) انظر: المفصل للزمخشري 125.
(3) انظر: ديوانه 269.
(4) المحرر الوجيز 6/ 158.
(5) انظر: كتاب السبعة لابن مجاهد 270، النشر لابن الجزري 2/ 263.
(6) يعني قراءة ابن عامر.
(7) تفسير الطبري (شاكر) 12/ 137 - 138، معاني القرآن للفراء 1/ 358.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 75)
وقال: «وهذا مِمَّا كان يقوله نَحويو أهلِ الحجازِ، ولم نَجِدْ مثلَه في العربية» (1). فلا يصح نسبة هذا القول للكوفيين دون تفصيل، حيث رده الفراء، وهو من كبار أهل الكوفة في النحو، وكتابه عمدة في نقل آراء الكوفيين. ونظائر هذه الشواهد في كتب التفسير كثيرة (2).
3 - الشواهد الصرفية.
تَعْرِضُ كثيرًا للمفسرين مسائل من الصرف أثناء تفسيرهم للمفردات القرآنية، يعالجونها بمناهج مختلفة، فمنهم من يتعرض لها باختصار، ومنهم من يطيل الوقوف عندها، والاحتجاج لما يذهب إليه من الرأي بشواهد الشعر الصرفية. وهذا النوع أقل من النوعين السابقين في كتب التفسير.
ومن أمثلة الشواهد الصرفية ما أورده المفسرون للاستشهاد على أن صيغة «فعيل» تأتي بمعنى: «مُفْعِل» من قول الشاعر عمرو بن معد يكرب:
أَمِنْ ريحانةَ (3) الدَّاعي السَميعُ؟ … يُؤرقني وأَصحابي هُجُوعُ (4)
يريد: الداعي المُسْمِعُ (5). وذلك عند تفسيرهم لقوله تعالى: {وَلَهُمْ--------------------------------------------
(1) معاني القرآن للفراء 1/ 358.
(2) للاستزادة: معاني القرآن للفراء 1/ 87، 105، 255، 123، 108، 107، 58، 55، تفسير الطبري (شاكر) 1/ 298، 329، 404، 569، 2/ 149، 8/ 210، 298، 9/ 30 - 31، 11/ 242، 12/ 94، 13/ 175، 478، 15/ 206، 497، 16/ 21، 198، 221، 294، 321، 17/ 36، 44، 60، 66، 152، 205، 18/ 19، والكشاف 1/ 2، 16، 21، 24، والمحرر الوجيز 1/ 130، 2/ 157، 54، 24، 3/ 9، والجامع لأحكام القرآن 6/ 123، 3/ 4، 6.
(3) هي ريحانة بنت معديكرب أخت عمرو، وهي أم دريد بن الصمة القشيري. انظر: خزانة الأدب 8/ 181.
(4) انظر: ديوانه 148، الأصمعيات 43.
(5) انظر: تأويل مشكل القرآن 297، وغريب القرآن لابن قتيبة 17، الكشاف 1/ 181، المحرر الوجيز 1/ 339، الدر المصون 2/ 85.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 76)
عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [البقرة: 10] (1) بمعنى مؤلم، وتفسير قوله تعالى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [البقرة: 117] (2) أي مبدعها. قال الطبري: «والأليم: هو الموجع، ومعناه: ولهم عذاب مؤلم. بصرفِ مُؤلِمٍ إلى أَلِيْمٍ، كما يقالُ: ضَرْبٌ وَجِيعٌ بمعنى مُوجِع، والله بديع السموات والأرض بمعنى مُبْدِع، ومنه … » ثم أورد الشاهد الشعري السابق (3). وهذا شاهد من شواهد الصرف (4)، وقد منع بعضهم وجه الاستشهاد به على هذا الوجه (5).
ومن الأمثلة كذلك استشهادهم عند تفسير قوله تعالى: {وَقُولُوا انْظُرْنَا} [البقرة: 104] (6)، وتفسير قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ} [النساء: 46]} (7) على أن «نظرتك» و «انتظرتك» بمعنى واحد بقول الحطيئة: (8)
وقد نَظَرْتُكُمُ إِعشاءَ صَادرةٍ … للخِمْسِ طال بها حَوْزِي وتَنْسَاسي (9)
والشاهد من شواهد الصرفيين على ذلك (10). ومن الأمثلة ما يورده المفسرون شاهدًا على أن: «أجاب» و «استجاب» بمعنى واحد، وهو قول كعب الغَنَويّ:
وداعٍ دعا يا مَنْ يُجيبُ إلى النَّدى … فلم يَسْتَجِبْهُ عند ذاك مجيبُ (11)--------------------------------------------
(1) البقرة 10.
(2) البقرة 117.
(3) تفسير الطبري (شاكر) 1/ 383.
(4) انظر: خزانة الأدب 8/ 178، لسان العرب 6/ 365 (سمع)، أمالي ابن الشجري 1/ 97 - 98.
(5) قال ابن منظور عن وجه الشاهد: «وهو شاذ». لسان العرب 6/ 365، وبحث البغدادي ذلك بتفصيل في خزانة الأدب 8/ 178 وما بعدها.
(6) البقرة 104.
(7) النساء 46.
(8) انظر: ديوانه 46.
(9) تفسير الطبري (شاكر) 2/ 468، 8/ 437 - 438، وروايته عند ابن قتيبة:
وقدْ نَظَرْتُكُمُ إيناءَ عاشيةٍ … للخَمسِ طال بها حَوْزِي وتَنْسَاسي
انظر: تأويل مشكل القرآن 376.
(10) انظر: تهذيب اللغة 14/ 371، لسان العرب 14/ 193.
(11) انظر: الأصمعيات 96.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 77)
أي: لم يُجِبْهُ (1). وهذا الشاهد من أكثر الشواهد دورانًا في كتب التفسير واللغة شاهدًا على هذا الوجه، وهو أن صيغة «افعل» بمعنى «استفعل» (2). قال ابن قتيبة: «شَكرتُكَ وشَكرتُ لكَ، ونَصحتُكَ ونصحتُ لكَ، وكِلْتُكَ وكِلْتُ لكَ، واستجبتُكَ واستجبتُ لكَ، قال الشاعر … ». ثم ساق بيت الغنوي (3).
4 - الشواهد الصوتية.
تعرَّض المفسرون في كتب التفسير لقضايا صوتيةٍ كتسهيلِ الهَمز وتَحقيقهِ، والإدغامِ (4)، والإمالةِ وغير ذلك من الظواهر الصوتية. ويوردون الشواهد الشعرية التي تشهدُ لِمَا ذهبوا إليهِ، وهي المقصودة بالشواهد الصوتية.
ومن أمثلة هذه الشواهد:
1 - ما جاء في تفسير قوله تعالى: {وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ} [هود: 111] (5) من قول الفراء: «وأمَّا مَنْ شَدَّدَ «لَمَّا» (6) فإِنَّه - والله أعلم - أَرادَ: (لَمَنْ مَا لَيُوفينَّهم)، فلما اجتمعت ثلاثُ ميماتٍ حذفَ--------------------------------------------
(1) المحرر الوجيز 2/ 87.
(2) مجاز القرآن 1/ 67، 170، 2/ 107، تأويل مشكل القرآن 230، 296، تفسير الطبري (شاكر) 1/ 320، 2/ 49، 3/ 483، 7/ 488، 10/ 435، الكشاف 1/ 456، 2/ 208، 3/ 420، المحرر الوجيز 1/ 130 الدر المصون 1/ 159، الجامع لأحكام القرآن 1/ 148، أمالي ابن الشجري 1/ 95، خزانة الأدب 10/ 437.
(3) أدب الكاتب 523.
(4) بدأ الخليل دراسة الأصوات رغبة في ترتيب معجمه اللغوي وبيان سبب ذلك الترتيب، وأما سيبويه فقد درس الأصوات في كتابه لتعلقها بالإدغام وما يَحسُن فيهِ وما لا يَحسُن. انظر: العين 1/ 57، الكتاب 4/ 436، الدراسات الصوتية عند علماء التجويد لغانم الحمد 47 - 48.
(5) هود 111.
(6) قرأ بالتشديد عاصم وحمزة وابن عامر وأبو جعفر. انظر: التيسير 126، النشر 2/ 280، الكشف 1/ 536.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 78)
واحدةً، فَبقيت اثنتان، فأُدْغِمَت في صاحبتها. ثُمَّ أنشد الفراءُ على ذلك ثلاثة شواهد شعرية. الأول منها قول الشاعر (1):
وإِنِّي لَمِمَّا أُصدرُ الأمرَ وجْهَهُ … إذا هو أعيا بالسَّبيلِ مَصادرُهْ (2)
والشاهد في قوله: «لَمِمَّا»، أصلها «لَمِنْ مَا»، قُلبت النونُ ميمًا، واجتمعت ثلاثُ ميماتٍ، فحُذفت الوسطى، فصارتْ «لَمِمَّا». و «ما» على هذا القول بِمَعنى «من». وما ذهب إليه الفراء في توجيه هذه القراءة ردَّهُ بعضُ النحويِيْن، كابن الحاجب فقال: «وهذا بعيد لا ينبغي أَن يُحملَ عليه كتابُ الله، فإِنَّ حذفَ مثل هذه الميم استثقالًا لم يثبت في كلامٍ ولا شعرٍ، فكيف يُحملُ عليه كتابُ الله تعالى» (3). واختار ابنُ الحاجب أَنَّها لَمَّا الجازمةُ حُذِفَ فعلُها للدلالة عليه، والتقديرُ: لَمَّا يهملوا أو لَمَّا يُتركوا؛ لدلالة ما تقدم من قوله: {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} [هود: 105] (4)، ثُمَّ ذكر الأشقياءَ والسعداءَ ومُجازاتِهم، ثم بَيَّنَ ذلكَ بقوله: {لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ} [هود: 111]، ثُمَّ ختم بقوله: «وما أَعرفُ وجهًا أشبه من هذا، وإن كانت النفوس تستبعده من جهةِ أن مثله لم يقع في القرآن، والتحقيقُ يأَبَى استبعادَهُ لذلك» (5)، وقالَ بِمِثله أبو حيان (6).
2 - الشاهد الثاني الذي أورده الفراء قول الشاعر (7):
كأنَّ مِنْ آخِرِها إِلقادِمِ … مَخْرِمَ نَجْدٍ قارعَ المَخارِمِ (8)--------------------------------------------
(1) نُسب البيت مع آخر لثلاثة شعراء هم مُضرِّسُ بن رِبعيِّ، وطُفيل بن عوف، وكعب بن زهير. انظر: شرح أبيات معاني القرآن للدكتور ناصر حسين علي 150.
(2) انظر: معاني الفراء 2/ 29، تفسير الطبري (شاكر) 15/ 494، روح المعاني 2/ 150.
(3) الأمالي النحوية 1/ 67 وانظر: مغني اللبيب 3/ 493، حاشية الشهاب 5/ 142.
(4) هود 105.
(5) الأمالي النحوية 1/ 68.
(6) البحر المحيط 5/ 267، وانظر: مشكل إعراب القرآن لمكي 356، الجنى الداني 268.
(7) لم أعرفه.
(8) القادم: قادمة ظهر الراحلة، المَخرِمُ: منقطع أنف الجبل، وقيل: الطُّرقُ في الجبال، =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 79)
يقول الفراء مُعلِّقًا على مَوطنِ الشاهد: «أَرادَ: إِلى القادمِ، فحذفَ اللامَ عندَ اللامِ» (1) الأولى للتخفيف.
3 - ومن الأمثلة ما جاء في تفسير قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ} [التوبة: 38] (2). يقول الفراء: «معناه - والله أعلم- «تَثَاقَلْتم»، فإذا وصلتها العربُ بكلامٍ أدغموا التاءَ في الثاءِ؛ لأَنَّها مناسبةٌ لَها، ويُحدِثون أَلِفًا لَم يكنْ ليبنوا الحرفَ على الإدغامِ في الابتداءِ والوصلِ، وأنشدني الكسائيُّ شاهدًا فيه:
..................................... .... إذا مَا اتَّابَعَ القُبَلُ (3)
والشاهد فيه قوله: «اتَّابَعَ» معناه، تَتَابَعَ، إِلَاّ أَنَّ التاءَ أُدغمت في التاء فاحتيجَ إلى ألفِ الوصلِ، ومثلهُ اثَّاقَلَ، وادَّاركَ، أدغم فيهما المتقاربان واجتُلِبَت الألفُ لِتيسِيْرِ النُّطقِ. (4)
وقال الطبري في قوله تعالى: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا} [البقرة: 72] (5): «وإِنَّما أَصلُ فادَّارَأْتُم فَتَدَارَأْتُم، ولكنْ التاء قريبةٌ من مَخرجِ الدالِ، وذلك أَنَّ مَخرجَ التاء من طرف اللسانِ وأصولِ الشفتينِ، ومَخرجَ الدالِ من طَرفِ اللسانِ وأطرافِ الثَّنِيَّتَيْنِ (6)، فأدغمت التاءُ في الدال، فجُعلت دالًا مشددةً كما قال الشاعرُ … ». ثم أورد الشاهد السابق، ثم بَيَّنَ مَحلَّ--------------------------------------------
= والفجاج. انظر: معاني القرآن للفراء 2/ 29، لسان العرب 11/ 67 (قدم)، 4/ 76 (خرم)، تفسير الطبري (هجر) 12/ 594
(1) معاني القرآن 2/ 29، 144، تفسير الطبري (هجر) 12/ 594.
(2) التوبة 38.
(3) له تتمةٌ، وهو غيرُ منسوبٍ في معاني القرآن 1/ 437 - 438، تفسير الطبري (شاكر) 2/ 224، والمحرر الوجيز 2/ 183.
(4) انظر: الكتاب لسيبويه 4/ 475.
(5) البقرة 72.
(6) فيه غرابةٌ في وصفِ مَخرجِ التاءِ والدالِ. فالتاءُ تَخرجُ من فوق الثنايا العليا، مصعدًا إلى جهةِ الحنَكِ يسيرًا مِمَّا يقابلُ طرفَ اللسان، وهي مهموسة، والدال من المخرج نفسه إلا أَنَّها مَجهورَة. انظر: الكتاب 4/ 433، التمهيد لابن الجزري 119.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 80)