كلام العرب معنيان .. أحدهما: الاتباع كما يقالُ: تَلَوتُ فلانًا إذا مشيتُ خَلْفَهُ، وتَبِعتُ أَثَرَه، كما قال جل ثناؤه: {هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ} [يونس: 30] (1) يعني بذلك: تَتَّبِع.
والآخرُ: القراءةُ والدراسةُ، كما تقول: فلانٌ يتلو القرآن … » (2). ثم ذكر شاهدًا من الشعر عن حسان بن ثابت رضي الله عنه. وهذا التحليل للفظة ليس من أسلوب ابن عباس، وطريقته المعروفة، وإنما هو من منهج المتأخرين من العلماء، وهذا الكلام بنصه وشاهده الشعري للطبري (3)، وهو من كلامه، ولم ينقله عن أحد. وقد تتبعت كثيرًا من المسائل المنسوبة لابن عباس في هذه المطبوعة المنسوبة للطستي، فوجدتها منقولةً من تفسير الطبري بنصها دون إشارة لذلك (4).
رابعًا: نقل كلامًا لابن عباس ينقل فيه ابن عباس أقوالَ علماءَ متأَخرينَ كَعيسى بنِ عمرَ النَّحويِّ (ت 149 هـ)، كقوله عندما سأل نافع بن الأزرق عن معنى {فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (108)} [البقرة: 108] (5): «السَّواءُ: القَصْدُ والمَنْهَجُ، وأَصلُ السَّواءِ: الوَسَطُ، ذُكر عن عيسى بن عمر النحوي أنه قال: ما زلت أكتب حتى انقطعَ سَوائِي، يَعْنِي: وَسَطِي. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم … » (6). ثم أورد شاهدًا لحسان بن ثابت رضي الله عنه. وفَعَلَ مثلَ ذلكَ بنقله لكلام، أبي عمرو بن العلاء--------------------------------------------
(1) يونس 30، قرأ بالتاء {تَتْلُوا} ابن مسعود، وحَمزةُ، والكسائي، وخلف، والأعمش، وزيد بن علي، وروح عن يعقوب. وقرأ الباقون بالباء {تَبْلُوا} انظر: السبعة 325، التيسير 121، النشر 2/ 283.
(2) مسائل الإمام الطستي 1/ 43.
(3) انظر: تفسير الطبري (شاكر) 2/ 411.
(4) انظر: مسائل الطستي 1/ 44 - 45 وازنها بما في تفسير الطبري (شاكر) 2/ 495 - 496.
(5) البقرة 108.
(6) مسائل الإمام الطستي 1/ 45.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 281)
(154 هـ) (1)، والفراء (207 هـ) (2)، وأبي عبيدة (210 هـ) (3)، وأختم بزعمِ نقلِ ابنِ عباسٍ عن قُطربَ في قوله لنافع بن الأزرق مُجِيبًا لَهُ عن معنى «الصَّرْصَرَة»، وأَنَّهَا الريحُ شديدةُ البَرْدِ والصَّوتِ بقوله: «أَمَا سَمعتَ قُطربَ وهوَ يُنشدُ قولَ الحطيئة:
المُطعمونَ إِذا هَبَّتْ بِصَرْصَرَةٍ … والحَامِلُونَ إِذا اسْتُودُوا على النَّاسِ (4)» (5).
وقُطْرُبُ توفي سنة 206 هـ (6). فأينَ ابنُ عباسٍ مِنْ قُطرب؟
خامسًا: ذكر عميرة أن نافعًا سأل ابن عباس فقال: «أخبرني عن قوله تعالى: {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (31)} [عبس: 31] (7)، قال: هو ما تأكله البهائم من العشب، وكل ما أنبت الأرض مما لا يأكله الناس. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال نعم … أما سمعت الشاعر وهو يمدح الرسول صلى الله عليه وسلم فيقول:
لَهُ دَعْوَةٌ مَيْمُونَةٌ رِيحُهَا الصَّبَا … بِهَا يُنبتُ اللهُ الحصيدةَ والأَبَّا (8)
وهذه المسألة ليست من مسائل الطستي، ولا من مسائل نافع بن الأزرق في كل المصادر، وإنما هي من كلام القرطبي في تفسيره للآية دون إشارة لنافع ولا لابن عباس (9).
سادسًا: تكرار بعض المسائل بشواهدها الشعرية. فقد ذكر عند تفسير قوله تعالى: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [المائدة: 6] (10) أن نافع سأل ابن عباس عن معنى الملامسة هنا، فأجابه بأَنَّهَا الجماع، وفي لغة هذيل: اللمس باليد. واستشهد له بشاهدين من الشعر للبيد بن ربيعة--------------------------------------------
(1) انظر: مسائل الإمام الطستي 2/ 61.
(2) انظر: المصدر السابق 2/ 110.
(3) انظر: المصدر السابق 2/ 106.
(4) لم أجده في ديوانه.
(5) انظر: مسائل الإمام الطستي 2/ 64.
(6) انظر: بغية الوعاة 1/ 243.
(7) عبس 31.
(8) انظر: مسائل الإمام الطستي 2/ 121.
(9) الجامع لأحكام القرآن 9/ 222، وانظر: فتح الباري 13/ 230.
(10) النساء 43.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 282)
والأعشى (1). ثُمَّ كرر المسألة بألفاظها عند تفسير الآية السادسة من سورة المائدة: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} (2) ومثل ذلك تكراره لشاهد شعري واحد استشهد به ابن عباس على مفردتين مختلفتين، كقول زهير:
لَدَى أَسَدٍ شَاكِي السِّلاحِ مُقَذَّفٍ … لَهُ لِبَدٌ أَظْفَارُهُ لَمْ تُقَلَّمِ (3)
فقد ورد استشهاد ابن عباس به على معنى: «بنان». في رواية للبيت:
شاكي البنان .. بدل شاكي السلاح. وورد استشهاده به على معنى لبد (4).
سابعًا: الذي يظهر لي أن هذه المطبوعة مجموعة من عدة مصادر، وأهم هذه المصادر هو «الدر المنثور» للسيوطي، فقد أوردها السيوطي مُفَرَّقةً بِحَسبِ مواضعِ السُّور والآيات، ومن أدلة ذلك:
1 - يقول السيوطي قبل كل مسألة: «وأخرج الطستي في مسائله عن نافع بن الأزرق كذا وكذا … ». وهكذا المطبوعة.
2 - هناك مسائل انفرد بِهَا الطستيُّ في مسائله، نقلها عنه السيوطي، مِمَّا يوحي باعتماد الدكتور عبد الرحمن عميرة عليه (5).
3 - هناك مسائل عزاها السيوطي للطستي ليست في المخطوطة، في حين ذكرها الدكتور عميرة في مسائل الطستي (6)، وهذا أدل على اعتماده على «الدر المنثور».
كما يعد كتاب «إيضاح الوقف والابتداء» لابن الأنباري مصدرًا--------------------------------------------
(1) انظر: مسائل الإمام الطستي 1/ 79.
(2) انظر: المصدر السابق 1/ 90.
(3) انظر: ديوانه 28، وقد نسب في مسائل الطستي للهذلي دون تعيين 1/ 115.
(4) انظر: مسائل الطستي 1/ 151، 2/ 103.
(5) انظر: غريب القرآن في شعر العرب 132، 203، 235، 248، يقابل بالترتيب بِما في الدر المنثور 14/ 192، 8/ 90، 6/ 230، 3/ 427.
(6) انظر: الدر المنثور 6/ 161، مسائل الإمام الطستي 1/ 101.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 283)
مهمًا لجامع هذه المطبوعة، حيث نقل عنه عددًا من المسائل (1).
وكذلك تفسير الطبري فقد أخذ منه كلامًا للطبري ونسبه لابن عباس دون الإشارة إلى ذلك، وقد تقدمت بعض الأمثلة. وكذلك تفسير القرطبي فقد نقل منه بعض المسائل.
وهذا كله يَرجح أَنَّ جامع هذه المسائل، الذي أخرج هذه المطبوعة وسَمَّاها «مسائل الإمام الطستي» لم يُحَقِّق النسخة المخطوطة لمسائل الطستي المَحفوظة في دار الكتب المصرية برقم 166 مجاميع، وربما لم يطلع عليها، وقد حقق الدكتور إبراهيم السامرائي هذه المخطوطة وأخرجها كما تقدم. وهناك تحقيق آخر لهذه المخطوطة لمُحمد عبدالرحيم وأحمد نعامة، صدر من مؤسسة الكتب الثقافية في القاهرة عام 1413 هـ بعنوان: «غريب القرآن في شعر العرب - سؤالات نافع بن الأزرق إلى عبد الله بن عباس»، وقد بلغ عدد المسائل فيها مائتين وخمسين مسألة، كلها عن غريب القرآن عدا مسألة واحدة عن كلمة لعمر بن الخطاب رضي الله عنه (2). في حين ذكر الدكتور عبدالرحمن عميرة في هذه المسائل سبع مسائل وأربعمائة مسألة.
ومن أدلة عدم اطلاعه على هذه المخطوطة ذكره لمسائل ليست في مخطوطة مسائل الطستي (3)، وإهماله لمسائل ضمن المخطوطة لم يذكرها في المطبوعة (4). كما ذكر عميرة مسائل ليست على شرط نافع بذكر شاهد--------------------------------------------
(1) انظر: مسائل الإمام الطستي 1/ 75، 82، 112، 120، 128، 129، 135، 136، 142، 147، 150، 2/ 16، 30، 94، 105.
(2) انظر: غريب القرآن في شعر العرب 190، المسألة رقم 160.
(3) انظر: مسائل الإمام الطستي 1/ 112، 115، 2/ 16، 29، 30 - 31، 121.
(4) انظر: غريب القرآن في شعر العرب 51، 72، 89، 92، 150، 156، 167، 173، 192، 205، 218، 260، 283 وليست في مسائل الطستي المجموعة لعميرة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 284)
من الشعر في كل مسألة، وقد نقلها عن السيوطي (1).
* منهج عرض المؤلفين والمفسرين للمسائل:
اختلف عرض المفسرين والمصنفين في علوم القرآن والمحدثين لهذه المسائل على طريقتين:
الأولى: جَمعُ هذه المسائل بإسناد واحد في مكان واحد، كما صنع ابن الأنباري، والطستي في مسائله، والطبراني، ، والهيثمي، والسيوطي في الإتقان.
الثانية: تفريق هذه المسائل بحسب السور والآيات المسؤول عنها كما فعل المفسرون كالطبري والرازي والقرطبي والسيوطي في الدر المنثور.
- فأما الروايات التي وردت فيها الشواهد الشعرية مَجموعةً في مكان واحد، فقد وردت مختصرة كما في رواية ابن الأنباري ثم الطبراني والهيثمي، حيث جاءت مسائل نافع متسلسلةً بإسنادٍ واحدٍ. فقد تضمَّن معجمُ الطبراني إحدى وثلاثين مسألةً، استشهد لها ابنُ عباس بالشعر الجاهلي والإسلامي، وفيها اختلاف في ألفاظ الشواهد، وفي نسبة الأبيات. ومن أمثلة هذه المسائل:
1 - قال نافع: أخبرني عن قول الله عَزَّوَجَلَّ: {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ} [الرحمن: 35] (2) ما الشواظ؟
قال ابنُ عبَّاسٍ: اللهب الذي لا دُخانَ فيه، مستشهدًا بقول أمية:
يَمَانيًّا يَظَلُّ يَشِبُّ كِيْرًا … ويَنْفُخُ دَائِبًا لَهَبَ الشُّوَاظِ (3)
2 - قال نافع: أخبرني عن قوله: {وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ} [الرحمن: 35] (4) ما النحاس؟--------------------------------------------
(1) انظر: مسائل الطستي 1/ 90.
(2) الرحمن 35.
(3) انظر: مسائل نافع بن الأزرق 36.
(4) الرحمن 35.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 285)
قال ابن عباس: الدخان الذي لا لهب فيه، محتجًا بقول النابغة الجعدي:
تُضِيءُ كَضَوءِ سِرَاجِ السَّلِيـ … ـطِ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ فيهِ نُحَاسَا (1)
3 - قال نافع: أخبرني عن قول الله عَزَّوَجَلَّ: {أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ} [الإنسان: 2] (2) قال ابن عباس: ماء الرجل، وماء المرأة إذا اجتمعا في الرحم كان مشجًا … قال أبو ذؤيب الهذلي:
كَأَنَّ النَّصلَ والفُوقَينِ منهُ … خِلالَ الرِّيشِ سِيْطَ به مَشِيْجُ (3)
4 - قال نافع: فأخبرني عن قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا} [النساء: 85] (4) ما المقيت؟ قال ابن عباس: القادر … أما سمعت بقول النابغة:
وذِي ضِغْنٍ كَفَفْتُ النَّفْسَ عَنْهُ … وإِنِّي في مَسَاءتهِ مُقِيتُ (5)
وأما التي وردت فيها مسائل بن الأزرق وشواهدها مجموعة في مكان واحد بطريقة مطولة، فكما فعل السيوطي، فقد خصص النوع السادس والثلاثين من علوم القرآن لمعرفة غريبه، وأدرج ضمن هذا النوع مسائل نافع التي جاءت في روايته متضمنة لمائة وتسع وثمانين مسألة (6). ومَتْنُ رواية السيوطي - فضلًا عن سندها - يتضمن من العلل ما يكفي للحكم عليها بالوضع كما تقدم في دراسة الطرق. ومثلها المسائل في مسائل الطستي.
- وأما إيراد مسائل نافع بن الأزرق مفرقة في كتب التفسير بحسب السور والآيات فأوعب التفاسير التي ذكرتها هو الدر المنثور للسيوطي، وبشكل أقل بعض التفاسير المتقدمة كتفسير الطبري، والرازي، والقرطبي، وغيرهم.--------------------------------------------
(1) تقدم تخريجه ص 59، وانظر: مسائل نافع بن الأزرق 37.
(2) الإنسان 2.
(3) انظر: ديوانه 73، وانظر: مسائل نافع بن الأزرق 37.
(4) النساء 85.
(5) انظر: مسائل نافع بن الأزرق 59.
(6) انظر: الإتقان 1/ 382 - 416.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 286)
* منهج الاستشهاد في المسائل:
أصبحت شواهد ابن عباس التي وردت في مسائل نافع بن الأزرق شواهد عند النحويين وعلماء اللغة من بعدُ، ويمكن وصف منهج هذه المسائل بحسب ورودها في الكتب التي أخرجتها كالتالي:
1 - جَميع هذه الشواهد لغوية. فكلها تدخل تحت ما يُسمَّى بغَريبِ القرآن، ولا سيما الجزء الذي يشبه أن يكون أصلًا لهذه المسائل، بخلاف الزيادات التي دخل فيها ما لا يمكن القول بغرابته حتى في العصر الراهن، فضلًا عن عصر الصحابة رضي الله عنهم. وقد تقدم ذكر أمثلة له.
2 - الاكتفاء بالشاهد الشعري الواحد في الجواب، فلا يطالب السائل بالمزيد من الشواهد الشعرية. ومن الأمثلة غير ما تقدم أن ابن عباس سئل عن معنى الآية: {وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (17)} [الانشقاق: 17] (1) فقال: ما جَمَعَ.
ألم تسمع قول الشاعر: (2)
مُسْتَوسِقَاتٍ لَمْ يَجِدْنَ سَائِقَا (3)
3 - عدم شرح الشواهد الشعرية. فابن عباس يذكر الشاهد دون التعرض لشرح اللفظة الغريبة المسئول عنها. وهذا راجع إلى معرفة السائل بمعاني الشعر، وظهور هذه المعرفة لدى طبقات الناس في ذلك العهد المتقدم. فمثلًا، عندما سأل نافع عن قوله تعالى: {مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13)} [نوح: 13] (4)
قال ابن عباس: لا تَخَافُونَ عَظَمَةَ ربكم. قال وهل كانت العرب تعرف ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول أبي ذؤيب:--------------------------------------------
(1) الانشقاق 17.
(2) غير منسوب.
(3) انظر: مجاز القرآن 2/ 292، وانظر: تفسير الطبري (هجر) 24/ 247، إيضاح الوقف والابتداء 1/ 68 - 69.
(4) نوح 13.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 287)
إذا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لم يَرْجُ لَسْعَهَا … وخَالفَهَا في بيتِ نُوبٍ عَواملِ (1)
واكتفى بذكر الشاهد الشعري دون شرحه وبيان وجه الاستشهاد، وهكذا في كل أجوبته المنسوبة إليه في هذه المسائل.
4 - نسبة الشعر إلى قائله، أو قبيلته. من مثل قول ابن عباس لما سُئِلَ عن معنى قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا} [النساء: 85] (2) ما المُقِيْتُ؟ قال ابن عباس: القادر … أَما سَمعتَ بقول النابغة:
وذِي ضِغْنٍ كَفَفْتُ النَّفْسَ عَنْهُ … وإِنِّي في مَسَاءتهِ مُقِيتُ (3)
فهو قد نسب الشاهد لقائله وهو النابغة الذبياني؛ لتأكيد الثقة بالشاهد.
وقد يُنسبُ الشاهد إلى قبيلته كقوله عندما سئل عن معنى قوله تعالى: {اللَّهُ الصَّمَدُ (2)} [الإخلاص: 2] (4): «الذي يصمد إليه في الأمور كلها. قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟ قال: نعم، أما سَمعتَ بقول الأَسَديَّةِ حيث تقول:
أَلا بَكَرَ النَّاعِي بِخَيْرَيْ بَنِي أَسَدْ … بِعَمروِ بنِ مَسعودٍ وبِالسَّيّدِ الصَّمَدْ (5)
فقد نسب الشاهد لامرأة من بني أسد، وهي هند بنت معبد بن نضلة الأسدية (6). وعزاه أبو عبيدة إلى رجل من بني أسد (7).
5 - عدم التحرج من ذكر الأبيات ذات المعاني المبتذلة. لم يكن يعني المفسر معنى الشاهد الشعري، وإنما كان الغرض هو اللفظة المراد الاستشهاد لصحتها وصحة معناها، فمثلًا عند تفسير قوله تعالى: {مَا إنَّ--------------------------------------------
(1) انظر: ديوانه 49، وانظر: مسائل نافع بن الأزرق 38.
(2) النساء 85.
(3) انظر: مسائل نافع بن الأزرق 59.
(4) الإخلاص 2.
(5) انظر: مسائل نافع بن الأزرق 46.
(6) انظر: السيرة النبوية لابن هشام 2/ 221، معجم ما استعجم للبكري 996.
(7) انظر: مجاز القرآن 2/ 316 وهو سَبْرة بن عمرو الأسدي كما في: تهذيب الألفاظ 270، سمط اللآلي 932.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 288)
{مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ} [القصص: 76] (1) فسرها ابن عباس بأن معناها: لتثقل عليهم. ثم استشهد على ذلك بقول امرئ القيس:
تَمْشِي فَتُثْقِلُها عَجِيْزَتُهَا … مَشْيَ الضعيفِ يَنُوءُ بالوِسْقِ (2)
فهذا الشاهد في معناه يشير إلى جانب من جوانب النسيب ووصف النساء، ولكن ابن عباس نظر إلى لغة الشاهد دون معناه، وهو الجانب المراد من إيراد الشاهد الشعري، وهي أَنَّ نَاءَ بِمَعنى ثَقُلَ. وقد التمس عبد القاهر الجرجاني العذر للسلف في ذلك فقال: «وقد استشهد العلماء لغريب القرآن وإعرابه بالأبيات فيها الفُحْشُ، وفيها ذِكْرُ الفِعلِ القَبيح، ثم لم يَعِبْهُم ذلك، إذ كانوا لم يقصدوا إلى ذلك الفحش ولم يريدوه، ولم يرووا الشعر من أجله» (3).
6 - الاستشهاد لمعنى لفظة دون أخرى في الآية المسئول عنها. فعند السؤال عن قوله تعالى: {وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ} [الحج: 36] (4) فسر ابن عباس القانعَ بِأَنه الذي يقنع بِما أُعطي، والمُعتَرَّ الذي يعترض الأبواب، وقد سأله نافع بن الأزرق عن شاهد لذلك من الشعر، فقال: أما سمعت قول الشاعر:
عَلى مُكْثِريهِمْ حَقُّ مَنْ يَعْتَرِيْهِمُ … وعندَ المُقِلِّينَ السَّمَاحَةُ والبَذْلُ (5)
فهو قد شرح اللفظتين، ثم أورد شاهدًا لمعنى المعتر، دون القانع (6).
* أثر مسائل نافع بن الأزرق في كتب التفسير:
أولًا: هذه المسائل المنسوبة لابن عباس تتخذ مَنهجًا مطردًا، على--------------------------------------------
(1) القصص 76.
(2) انظر: ديوانه 465، وانظر: مسائل الطستي 2/ 39، غريب القرآن في شعر العرب 234.
(3) دلائل الإعجاز 12.
(4) الحج 36.
(5) لزهير في ديوانه 145.
(6) انظر: الدر المنثور 10/ 508.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 289)
وتيرة واحدة دون استثناء، في شرح الكلمة بكلمة، يعقبها شاهد شعري مؤيد للتفسير، في حين تعامل المفسرون مع هذه الألفاظ التي وردت في المسائل تعاملًا مختلفًا، فقد لا يرى المفسرُ حاجةً إلى شرح اللفظة الواردة في المسائل وهو قليل، فإن شرحها فقد لا يردفها بشاهد شعري كما فعل الرازي، فقد ذكر سؤال نافع بن الأزرق لابن عباس وجواب ابن عباس له دون أن يذكر الشواهد الشعرية (1)، فإن دعمها بشاهدٍ فقد لا يكون الشاهد شعريًا، أو قد يكون شعريًا ومعه غيره من الشواهد النثرية.
فمثلًا سأل نافع بن الأزرق عن معنى النُّحَاسِ في قوله تعالى: {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (35)} [الرحمن: 35] (2) فقال ابن عباس: الدُّخانُ الذي لا لَهَب فيه، مُحتجًّا بقول النابغة الجعدي:
تُضِيءُ كَضَوءِ سِرَاجِ السَّلِيـ … ـطِ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ فيهِ نُحَاسَا (3)
وقد تأثرَ جُلُّ المفسرينَ بِهَذا الجواب، فقد تعرض أبو عبيدة لهذه اللفظة، وفسرها بتفسير ابن عباس، واستشهد لها بالشاهد نفسه (4)، وكذلك فعل الفراء (5)، والطبري (6)، والزمخشري (7)، وابن عطية (8)، والقرطبي (9).
ثانيًا: الشرح المعجمي للمفردات في المسائل حافظ على دلالته مع تغير الزمان، لأن فهم القرآن ينبغي أن يكون على العُرْفِ اللغويِّ الأول، واللغة المستعملة إِبَّانَ نزول القرآن، دون التأثر بالتطور الدلالي اللغوي الحادث بعد ذلك، ومن ثَمَّ فإن التفسير الذي فسره ابن عباس بقي--------------------------------------------
(1) انظر: التفسير الكبير للرازي 18/ 45، 157، 21/ 22.
(2) الرحمن 35.
(3) انظر: ديوانه 81، وانظر: مسائل نافع بن الأزرق 37.
(4) انظر: مجاز القرآن 2/ 244 - 245.
(5) انظر: معاني القرآن 3/ 117.
(6) انظر: تفسير الطبري (هجر) 22/ 226.
(7) انظر: الكشاف 4/ 449.
(8) انظر: المحرر الوجيز 15/ 338، وقد نسب الشاهد للأعشى.
(9) انظر: الجامع لأحكام القرآن 17/ 112.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 290)
محافظًا على قيمته الدلالية حتى الآن، وربما استشهد المفسرون بالشاهد الشعري الذي استشهد به ابن عباس نفسه. وربما تغير الشاهد الشعري دون الدلالة في المسائل. مثل سؤال نافع عن معنى الشواظ في قوله تعالى: {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا} [الرحمن: 35] (1) فأجابه ابن عباس بقوله: اللهب الذي لا دخان فيه، مستشهدًا بقول أمية بن أبي الصلت:
يَمَانيًّا يَظَلُّ يَشِبُّ كِيْرًا … ويَنْفُخُ دَائِبًا لَهَبَ الشُّوَاظِ (2)
فقد وجدت المفسرين من بعده قد وافقوه جميعًا في شرح هذه اللفظة، واختلفوا في الاستشهاد بالشاهد الشعري على ثلاثة أقسام:
- من استشهد بالشاهد الشعري الذي استشهد به، ومنهم ابن عطية (3)، حيث اكتفى بذكر الشاهد الشعري الذي ذكره ابن عباس، وأما القرطبي فقد أورد الشاهد الذي ذكره ابن عباس، والشاهد الذي ذكره أبو عبيدة والطبري (4).
- من استشهد بشاهد شعري آخر. وهم أبو عبيدة حيث قال: «وشواظ واحد، وهو النار التي تؤجج لا دخان فيها، قال رؤبة:
إِنَّ لَهُمْ مِنْ وَقْعِنَا أَقْيَاظَا … ونَارَ حَربٍ تُسْعِرُ الشُّوَاظَا (5)
فهو قد وافق ابن عباس في التفسير، ولكنه خالفه في الشاهد الشعري، فلم يستشهد بالشاهد الذي استشهد به ابن عباس، وكذلك فعل الطبري، فقد وافق أبا عبيدة في التفسير والشاهد الشعري (6).
- من لم يستشهد بالشعر واكتفى بالتفسير. ومنهم الفراء، فقد--------------------------------------------
(1) الرحمن 35.
(2) انظر: مسائل نافع بن الأزرق 36.
(3) انظر: المحرر الوجيز 15/ 337 - 338.
(4) انظر: الجامع لأحكام القرآن 17/ 112.
(5) لم أجده في ديوانه. وانظر: مجاز القرآن 2/ 244.
(6) انظر: تفسير الطبري (هجر) 22/ 221 - 222.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 291)
وافقهم في التفسير للفظة، ولكنه لم يستشهد لها بشاهد من الشعر (1).
ثالثًا: اختلاف الشواهد الشعرية في مسائل نافع بن الأزرق عن الشواهد الشعرية في كتاب «مجاز القرآن» لأبي عبيدة، الذي يُعَدُّ كُلُّ من كَتَبَ بعده في غَريبِ القُرآن عالةً على شواهده الشعرية، مع أن أبا عبيدة أحد رواة المسائل (2)، وقد كان تأثرُ الطبريِّ والزمخشريِّ وابن عطية والقرطبيِّ بشواهد «مَجَاز القرآن» أكثر من تأثرهم بشواهد مسائل نافع بن الأزرق. وهذا يطعن في قول من اتهم أبا عبيدة بوضع مسائل نافع بن الأزرق (3).
رابعًا: تأثر المفسرون بمنهج ابن عباس في جوابه لنافع بن الأزرق في الاستشهاد بالشعر، ولم يشذ أحد منهم من لدن أبي عبيدة في «مَجَاز القرآن»، حتى الشنقيطي وابن عاشور من المعاصرين، مرورًا بكبار المفسرين كالطبري وابن عطية والزمخشري والقرطبي، فالمادة الشعرية في تفاسيرهم، ومنهجهم في الاستشهاد تدل على تأثرهم بهذه المسائل.
خامسًا: أورد القرشي في أول كتابه «جَمهرة أشعار العرب» أربعةً وثَمانينَ شاهدًا من الشعر، وبعد كل شاهد يذكر اللفظة القرآنية التي وردت موافقة لما في الشاهد الشعري، بطريقة مخالفة لطريقة مسائل نافع بن الأزرق التي تبدأ بالسؤال عن اللفظة القرآنية ثم يأتي الشاهد بعد ذلك. غير أن كثيرًا من شواهد الشعر التي ذكرها القرشي هي شواهد وردت في روايات مسائل نافع بن الأزرق لابن عباس (4). وهو قبل ذلك قد ذكر قصة سؤال نافع لابن عباس، ولم يسرد المسائل (5)، وفي هذا نوع من التأثر بهذه المسائل.
سادسًا: مِنْ أكثرِ من رأيتهُ نَسَجَ على مِنوالِ هذه المسائلِ دونَ--------------------------------------------
(1) انظر: معاني القرآن 3/ 117.
(2) انظر: الكامل 3/ 1144.
(3) انظر: قضايا اللغة في كتب التفسير للجطلاوي 156.
(4) انظر مثلًا: جمهرة أشعار العرب 1/ 130، 134، 137.
(5) انظر: المصدر السابق 1/ 111.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 292)
الإشارةِ إليها أَدنى إشارةٍ أبو النَّصر أَحْمدُ بنُ مُحمدٍ السَّمْرَقَنْدِيُّ (1) المعروفُ بالحَدَّاديِ في كتابه «المُوضِّح في التفسير»، وهو كتاب مُختصر في تفسير الغريب من ألفاظ القرآنِ وأساليبه، يكتفي فيه بِبَيانِ اللفظةِ الغريبة، أو التركيبِ المُشكلِ في الآيةِ بأَوجزِ عبارةٍ، ثُم يستشهدُ على ذلك بشاهدٍ من الشِّعرِ أو أكثر، على غرار مسائل نافع بن الأزرق، ويقع الكتاب في (113) مائة وثلاث عشرة صفحة، فسَّر فيها (200) مائتي لفظةٍ غريبةٍ، وأسلوبٍ من أساليب القرآنِ الكريم، واستشهد على تفسيره بِمائتين وخَمسةَ عشر شاهدًا من الشعرِ الجيّدِ المُحتجِّ به عند المفسرين، ولم ينسب منها لقائله إلا ثلاثة وعشرين شاهدًا، في حين استطاع المُحقق نسبة مائة وثلاثة وستين شاهدًا، وبقي تسعة وعشرون شاهدًا غير منسوبة، والشعراء الذين استشهد بشعرهم من الجاهليين والمخضرمين والإسلاميين، ولم يستشهد بشعر المُحدثين إلا في موضع واحدٍ، فقد استشهد ببيت لأبي نواس، معتمدًا على إنشاد الفراء له. (2) ويظهر من منهجه أنه لم يكن يعتني بنسبة الشواهد الشعرية إذا ثبتت لديه صحتها، والثقة بها، وقد كان هذا نهجًا عند العلماء، وسيأتي بيان ذلك (3).--------------------------------------------
(1) هو شيخ القراء بسمرقند، والحدادي نسبة إلى عمل الحديد، أو إلى قرية اسمها حدادة. وذكر ياقوت أنها قرية كبيرة بين دامغان وبسطام على جادة الري، وهي تابعة لإيران اليوم. وقد توفي بعد الأربعمائة للهجرة. انظر: غاية النهاية 1/ 105، مقدمة كتاب المدخل في التفسير للحداد 17 - 20.
(2) انظر: الموضح في التفسير 120.
(3) للحدَّادي السمرقندي هذا كتاب آخر، سَمَّاه «المدخل لعلم تفسير كتاب الله تعالى»، صنفه بعد «الموضح»، وقد طبع في مجلد واحد، وقد أكثر فيه من الاستشهاد بالشعر فبلغت شواهده (619) شاهدًا، وقد ذكر فيه قواعد لغوية وبلاغية في التفسير على غرار ما كتبه ابن قتيبة في تأويل المشكل، وابن فارس في الصاحبي. وفيه من الاستشهاد بالشعر ما يدل على رسوخ قدم الحدادي في معرفة الشعر، ولا سيما شعر الجاهلية، الذي هو عمدة أهل التفسير في الاستشهاد كما دلت على ذلك هذه الدراسة. انظر: المدخل لعلم تفسير القرآن الكريم للحدادي، تحقيق عدنان داوودي، ط. دار القلم ص 44، 708 - 755.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 293)
المبحث الثالث: منهج التابعين وأتباعهم في الاستشهاد بالشعر في التفسير
تَمْتَدُّ الحقبة التي يدرسها هذا المبحث منذ وفاة آخر الصحابة رضي الله عنهم، وهو عند الأكثر أنس بن مالك رضي الله عنه المتوفى سنة 93 هـ (1) حتى نهاية القرن الثاني الهجري تقريبًا، وعصر الصحابة متداخلٌ مع عصر التابعين، وكذلك عصر التابعين متداخل مع عصر أتباع التابعين وهكذا، لصعوبة الفصل بين هذه الطبقات، ولأخذ اللاحق عن السابق، مِمَّا يجعل الدراسة بناء على هذا دراسة تقريبية.
وقد تقدم أن الصحابة رضي الله عنهم قد سبقوا إلى الاستشهاد بالشعر في تفسير القرآن الكريم، وإيضاح معانيه، غير أن المروي عنهم في ذلك قليل، ولولا ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما في ذلك لما أمكن دراسة منهج الصحابة في الاستشهاد بالشعر في تفسير القرآن الكريم، لقلة ما روي عنهم في التفسير عمومًا، ومن الاستشهاد بالشعر في التفسير بصفة خاصة. فالحديث عن منهج الصحابة في الاستشهاد بالشعر إنما هو حديث عن منهج ابن عباس خاصة، وقد تقدم قول ابن الأنباري: «جاء عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وتابعيهم من الاحتجاج على غريب القرآن ومشكله باللغة والشعر ما بَيَّنَ صحةَ مذهب النحويين في ذلك». (3) وقال بعد أن أورد شواهد الشعر في التفسير عن ابن عباس--------------------------------------------
(2) انظر: سير أعلام النبلاء 3/ 396.
(3) إيضاح الوقف والابتداء 1/ 61.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 294)
وغيره: «وهذا كثير في الحديث عن الصحابة والتابعين». (1) غير أنه لم يصل من الروايات عن غير ابن عباس ما يُمَكِّنُ من دراستها والحكم عليها.
يقول حاجي خليفة: «ولما انتشر الإسلام، واتسعت الأمصار، وتفرقت الصحابة في الأقطار، وحدثت الفتن واختلاف الآراء، وكثرت الفتاوى والرجوع إلى الكبراء، أخذوا في تدوين الحديث والفقه وعلوم القرآن، وكان مطمح نظرهم في التدوين ضبط معاقل القرآن والحديث ومعانيها، ثم دونوا فيما هو كالوسيلة إليهما، واشتغلوا بالنظر والاستدلال والاجتهاد والاستنباط .... وكان ذلك مصلحة عظيمة، وفكرة في الصواب مستقيمة». (2) وكانَ لِحَبْرِ الأُمِّة عبدِ الله بنِ عبَّاسٍ القِدْحُ المُعَلَّى في توظيف الشاهد الشعري في تفسير القرآن الكريم (3)، لسعة علمه، وكثرة حفظه لشعر العرب، وبركة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم له بالفقه في كتاب الله في قوله: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» (4). وفي رواية أخرى: «اللهم علمه الكتاب» (5). وقد كان لهذه الدعوات أثر مبارك في علم ابن عباس، وتفسيره للقرآن، فقد فَاقَ ما رُوي عنه في التفسير ما رُوي عن سائرالصحابة في التفسير (6).--------------------------------------------
(1) المصدر السابق 1/ 99.
(2) كشف الظنون 1/ 33 - 34.
(3) انظر: مذاهب التفسير الإسلامي لزيهر 90.
(4) أخرجه الإمام أحمد في المسند 1/ 266، 314، 328، 335، وفي فضائل الصحابة 2/ 955، وابن حبان في صحيحه كما في الإحسان لابن بلبان 15/ 531، والبيهقي في دلائل النبوة 6/ 193، والطبراني في الكبير 10/ 320.
(5) أخرجها البخاري في صحيحه في عدة مواضع 4/ 1432، 1442، وانظر: فتح الباري 1/ 169.
(6) بلغت المرويات في التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير الطبري (5809) روايات، يليه في العدد المروي عن ابن مسعود (856) روايات، ثم المروي عن غيرهما دونهما في ذلك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 295)
• أهم مدارس التفسير في عصر التابعين:
تفرق الصحابة رضي الله عنهم في الأمصار، وصار لكل منهم تلاميذ يأخذون عنه علم القرآن والتفسير والفقه، وبدأ هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم، يشكلون ما يمكن تسميته بالمراكز أو المدارس العلمية، وقد بدأت هذه المراكز بالظهور في النصف الثاني من القرن الأول الهجري وأهمها:
أولًا: مدرسة المدينة المنورة، ومؤسس هذه المدرسة هو الصحابي الجليل أُبَيُّ بن كعبٍ الأنصاري، وكان لكبار الصحابة أثر فيها كعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهم، وممن أخذ عن هذه الطبقة من التابعين أبو العالية الرياحي (ت 93 هـ)، وسعيد بن المسيب (ت 94 هـ)، وعطاء بن يسار (ت 94 هـ)، ومحمد بن كعب القرظي (ت 120 هـ)، والزُّهريُّ (ت 124 هـ)، وغيرهم، وزيد بن أسلم (ت 136 هـ) (1).
ثانيًا: مدرسة مكة المكرمة، ومؤسس هذه المدرسة هو شيخ المفسرين وحَبْرُ الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما (ت 68 هـ)، وتلاميذه الذين لازموه وأخذوا عنه كثيرون منهم أبو الشعثاء جابر بن زيد (ت 93 هـ)، وسعيد بن جبير (ت 95 هـ)، ومجاهد بن جبر (ت 104 هـ)، وعكرمة مولى ابن عباس (ت 105 هـ)، ، وطاووس بن كيسان (ت 106 هـ)، وعطاء بن أبي رباح (ت 114 هـ) وغيرهم. وتُعدُّ هذه المدرسة أوثق مدارس التفسير، وأكثرها استشهادًا بالشعر في التفسير، لمكانة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في علم التفسير، يقول ابن تيمية: «وأما التفسير فإن أعلم الناس به أهلُ مكة؛ لأنهم أصحاب ابن عباس» (2).
ثالثًا: مدرسة الكوفة، ومؤسسها هو الصحابي الجليل عبد الله بن--------------------------------------------
(1) انظر: الإتقان 2/ 192، التفسير والمفسرون 1/ 113.
(2) مقدمة التفسير 61، وانظر: مفتاح السعادة 2/ 54، التفسير والمفسرون 1/ 118 - 127.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 296)
مسعود الهذلي رضي الله عنه (ت 32 هـ)، وأصحابه الذين أخذوا عنه ولازموه علقمة بن قيس (ت 61 هـ)، ومسروق بن عبدالرحمن (ت 63 هـ)، والأسود بن يزيد النخعي (ت 64 هـ)، والشعبي (105 هـ)، وغيرهم.
رابعًا: مدرسة البصرة، وقد حظيت بصحابيين جليلين هما أبو موسى الأشعري، وأنس بن مالك رضي الله عنهما، وقد أخذ عن هذين الصحابيين من التابعين الحسن البصري، وأيوب السختياني وغيرهما (1).
وقد كان لعلم التفسير في هذا العصر حظ وافر من الانتشار والذيوع؛ لأهميته وحاجة الناس إليه، فلا يكاد يخلو مسجد أو حلقة درس من تفسير القرآن الكريم، ومن أوائل من وصلت تفاسيرهم للقرآن الكريم من عصر التابعين تفسير مجاهد بن جبر (ت 104 هـ)، وتفسير عطاء الخراساني (ت 133 هـ)، وتفسير سفيان الثوري (ت 161 هـ) وتفسير عبدالرزاق الصنعاني (ت 211 هـ)، وغيرها.
• تفسير التابعين:
وتُعَدُّ جهود التابعين في التفسير امتدادًا لجهود الصحابة رضي الله عنهم، وقد كان لأصحاب ابن عباس رضي الله عنهما من التابعين حرص كبير على علمه ولا سيما ما يتعلق منه بتفسير القرآن الكريم، فقد عرض مجاهد القرآن الكريم عليه ثلاثين مرة (2)، ويقول أيضًا: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات، من فاتحته إلى خاتمته، أقفه عند كل آية، وأسأله عنها (3)، ويدون ذلك في ألواح كان يصطحبها معه كما قال ابن أبي مليكة: رأيت مجاهدًا يسأل ابن عباس عن تفسير القرآن، ومعه ألواحه، فيقول له ابن عباس: اكتب، قال: حتى سأله عن التفسير--------------------------------------------
(1) انظر: تاريخ التراث العربي 1/ 146، تفسير التابعين للخضيري 1/ 87 - 600.
(2) انظر: طبقات ابن سعد 5/ 466، حلية الأولياء 3/ 280، تهذيب الكمال 27/ 233.
(3) انظر: تفسير الطبري (شاكر) 1/ 90، حلية الأولياء 3/ 279، تهذيب التهذيب 10/ 43.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 297)
كله (1). ولذلك عده ابن كثير من أخص أصحاب ابن عباس (2).
وقد نقل التابعون أقوالًا عن ابن عباس تحث على الاستعانة بالشعر في التفسير، فعن عبيدالله بن عبد الله بن عتبة قال: شهدت ابن عباس وهو يُسأَلُ عن عربية القرآن فينشد الشعر (3). وعن سعيد بن جبير ويوسف بن مهران قالا: ما نحصي كم سمعنا ابن عباس يُسأَلُ عن الشيء من القرآن فيقول: هو كذا وكذا، أما سمعت الشاعر يقول: كذا وكذا (4).
والذين تفرغوا للتفسير من التابعين قليل، وجُلُّ المنقول في التفسير عن مُجاهدِ بنِ جَبْرٍ، وعكرمة، وقتادة، وسعيد بن جبير، والحسن البصري. وأبرز من ظهر في رواياته الاستشهاد بالشعر في التفسير هم أصحاب ابن عباس من التابعين، وأبرزهم في ذلك عكرمة، ثم مُجَاهد، ثم يأتي بعدهما في ذلك عبدالرحمن بن زيد بن أسلم من المدينة المنورة وأما غيرهم فلا تكاد تجد لهم إلا الرواية أو الروايتين، والغالب أنك لا تجد لهم شيئًا في ذلك.
أبرز من عني بالاستشهاد بالشعر من التابعين:
- مُجَاهدُ بن جَبْر (ت 104 هـ). فأما مجاهد فقد انقطع لتفسير القرآن وتعليمه، حتى قال عن نفسه: استفرغ علمي القرآن (5). وقد وردت عنه عدة روايات في التفسير استشهد فيها بالشعر، فمن ذلك قوله عند تفسير قوله تعالى: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (22)} [الرحمن: 22] (6) حيث قال: اللؤلؤ، عظام اللؤلؤ، والمرجان: اللؤلؤ الصغار. قال الكلبي: وهي بلغة--------------------------------------------
(1) انظر: تفسير الطبري 1/ 90.
(2) انظر: البداية والنهاية 9/ 250.
(3) انظر: فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل 2/ 981.
(4) انظر: المصدر السابق 2/ 963.
(5) انظر: المعرفة والتاريخ 1/ 712، وسير أعلام النبلاء 4/ 452، غاية النهاية 2/ 42.
(6) الرحمن 22.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 298)
أهل اليمن، وأنشدني شعر جَبَلَةَ بنِ عَدَيٍّ الكِنْدِيِّ الذي يقال له الذائدُ:
أَذُودُ القَوافيَ عَنِّي ذِيَادا … ذِيَادَ غُلامٍ تَنَقَّى جِيَادَا
وأَعْزِلُ مَرجَانَهَا جَانِبًا … وآَخذُ مِنْ دُرِّهَا المُستَجَادَا (1)
ورُبَّمَا يفسِّر مجاهدُ الآية، ثم ينقل الشاهد الشعري عن ابن عباس، كما في تفسير قوله تعالى: {وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (17)} [الانشقاق: 17] (2) حيث قال مجاهد في تفسيرها: مَا جَمَع، قال ابن عباس:
مُسْتَوسِقَاتٍ لَو يَجِدْنَ سَائِقَا (3)
وابن عباس هو أول من استشهد بهذا الشاهد على هذا المعنى، ونقل عنه ذلك مجاهد، ثم تناقله المفسرون بعد ذلك في كتبهم (4).
- عكرمة مولى ابن عباس (ت 105 هـ). وأما عكرمة فقد برز في التفسير باللغة مع الاستشهاد على تفسيره بالشعر، وهو في ذلك يسير على نهج شيخه ابن عباس، فمن الروايات التي رويت عن عكرمة في الاستشهاد بالشعر في التفسير، أنه سأله رجل عن الزنيم، فقال: هو ولد الزنى، وتَمثَّلَ ببيت شعر:
زَنِيْمٌ ليسَ يُعْرَفُ مَنْ أَبُوهُ … بَغِيُّ الأُمِّ ذُو حَسَبٍ لَئِيمِ (5)
وعنه أيضًا، الزنيمُ: الدَّعيُّ الفاحشُ اللئيمُ، ثُمَّ قال:
زَنِيْمٌ تَدَاعَاهُ الرِّجَالُ زِيَادةً … كَمَا زِيدَ في عَرْضِ الأَدِيْمِ الأَكَارِعُ (6)--------------------------------------------
(1) إيضاح الوقف والابتداء 1/ 74 - 75.
(2) الانشقاق 17.
(3) تقدم تخريج الشاهد ص، وانظر: إيضاح الوقف والابتداء 1/ 66.
(4) انظر: مجاز القرآن 2/ 291، تفسير الطبري (هجر) 24/ 245، الجامع لأحكام القرآن 20/ 182.
(5) لم أعرف قائله، وانظر: إيضاح الوقف والابتداء 1/ 64.
(6) البيت لحسان كما في الكامل 3/ 1146، ونسبه محقق الكامل للخطيم التميمي وأنكر أن يكون لحسَّان وأحال لسيرة ابن هشام 1/ 386 - 387، وانظر: الجامع لأحكام القرآن 1/ 21.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 299)
وعن عكرمة في قوله تعالى: {ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (48)} [الرحمن: 48] (1) قال: ظل الأغصان على الحيطان (2)، وفي رواية: ذواتا ظل وأغصان، ألم تسمع إلى قول الشاعر (3):
مَا هَاجَ شَوقَكَ مِنْ هَدِيلِ حَمَامةٍ … تَدعُو عَلى فَنَنِ الغُصُونِ حَمَامَا
تَدعو أَبا فَرْخَينِ صَادفَ ضَاريًا … ذَا مِخْلَبَيْنِ مِن الصُّقُورِ قَطَامَا (4)
وعن عكرمة في قوله تعالى: {فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (14)} [النازعات: 14] (5) قال: الساهرة وجه الأرض، وفي لفظ قال: الأرض كلها ساهرة، ألا ترى قول الشاعر (6):
صَيدُ بَحْرٍ وصيدُ سَاهرةٍ (7)
وعن عكرمة: {أَلَّا تَعُولُوا} [النساء: 3] (8) قال: أن لا تميلوا، ثم قال: أما سَمعت قول أبي طالب:
بِمِيْزَانِ قِسْطٍ وَزنُهُ غَيْرُ عَائِلِ (9)
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة أنه سئل عن قوله: {يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (7)} [الطارق: 7] (10) قال: صلب الرجل وترائب المرأة، أما سمعت قول الشاعر:
ونِظام اللولى على ترائبها … شَرِقَا به اللبَّاتُ والنَّحْرُ (11)
- عبدالرحمن بن زيد (ت 182 هـ). ويأتي بعد عكرمة في--------------------------------------------
(1) الرحمن 48.
(2) انظر: تفسير الطبري (هجر) 22/ 240.
(3) هو ثابت بن كعب الملقب بقُطْنَة، والبيتان مع ثالث في الأغاني 14/ 262.
(4) انظر: تفسير الطبري (هجر) 22/ 240، إيضاح الوقف والابتداء 1/ 65، الجامع لأحكام القرآن 1/ 25.
(5) النازعات 14.
(6) لم أعرفه.
(7) انظر: تفسير الطبري (هجر) 24/ 76، الدر المنثور 15/ 228.
(8) النساء 3.
(9) انظر: ديوانه ص 17، تفسير الطبري (شاكر) 7/ 550.
(10) الطارق 7.
(11) انظر: الدر المنثور 15/ 350 - 351.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 300)