والأقربُ إليها ما نسبه الحافظُ الذهبي إليه بقوله في "الميزان": "واستنكر أحمدُ بعضَ حديثه"، ثم ساق له حديثًا عن ابن عمر.
وحينئذٍ فالخطبُ سهلٌ، ولا يتعارض قوله هذا مع قولِه الآخر المتفِق مع قول الجمهور؛ فتأمّل!
ولذلك قال الحافظُ فيه: "ثقةٌ، له أوهام".
والحديث مخرَّجٌ في "المشكاة" (6159)، و"صحيح أبي داود" (1016).
146 - "وفي أثر آخر: "إنَّ اللَّه إِذَا أحبَّ عبدَه حماه الدّنيا، وطيِّباتِها وشهواتِها، كما يحمي أحدُكم مريضَه":
قلت: هكذا وقع في الكتاب: أنَّه (أثر)، وبزيادة (طيّباتها وشهواتها) وفي ذلك كلِّه نَظَرٌ:
أمّا أنَّه (أثر)؛ فلأنه حديثٌ مرفوعٌ في جميع طرقه والمصادر التي روته.
وأمّا الزيادةُ المذكورة؛ فهي منكرةٌ، لأنَّها لم تَرِدْ في شيء من الطرق المشار إليها، ولعلَّ ذلك كله من تحريفات بعض النُسَّاخ؛ فقد أورد المصنِّف رحمه الله هذا الحديث في كتابه المشهور "زاد المعاد في هدي خير العباد" (4/ 104 - طبع المؤسَّسة) على الصواب -دون الزيادة-، ومصدِّرًا إيّاه بقوله:
"وفي حديثٍ محفوظٍ عنه صلى الله عليه وسلم. . . ".
وهذه فائدةٌ هامّة؛ وهي أنَّ الحديثَ مرفوع -أَوّلًا-؛ وهذا يؤكد خطأ كونه (أثرًا)، وثانيًا: أنَّه حديثٌ محفوظٌ صحيحٌ عند المؤلف، وهو الحقُّ؛ خلافًا لما ذهب إليه (الهدَّام) -كعادته- في المعاكسة والتفرّد بالتضعيف! وما سوى ذلك فليس يهمّه، ولا يَلتفتُ إليه -كمثل جهله أو تجاهله هذين الأمرين اللذين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 260)
وَقَعَا في الكتاب؛ من تصدير الحديث، بأنَّه (أثر)، ومع الزيادة التي لا أصلَ لها فيه! -، وإنَّما وجّه كلَّ هِمَّته إلى تخريج الحديث، وبيان الخلاف في إرسالهِ ووصلهِ! وانتهى إلى القول (2/ 214):
"فالحديثُ ضعيفٌ، لترجيح الرواية المرسلة على غيرها من الروايات"!
يعني رواية محمود بن لَبِيد رضي الله عنه!
فأقولُ: إنَّ مجال الرَّد على هذا التضعيف مما لا يَسَعُ له المجالُ الآن، وحسبنا فيه روايةُ محمودٍ نفسه، فإِنَّها كافيةٌ للرَّد عليه، فإِنَّ ترجيحه المذكور بناه على قول ابن حبان في (محمود) أنَّه من التابعين! وتجاهل جَزْمَ إمام المحدّثين بصحبته، وقد أثبت ذلك بروايةٍ صحيحةٍ عن عاصم نفسهِ، وكذلك أحمدُ بإيرادهِ إياها بإسنادين آخرين عنه في "مسنده"، وفيها أنَّه مَشَى مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد، وأنَّه صلّى معه المغرب، وأنّه صلّى معه صلاة الكسوف، قال: قرأ فيما نرى {الر كِتَابٌ. . .}؛ فهو -إذن- صحابيٌّ وبناءً عليه؛ أخرج له الإِمام أحمد في "مسنده" عدة أحاديث، هذا أحدُها، وقد حَسَّنه التِّرمذي، وصَحَّحه الحاكم، والذهبي، وكتم (الهَدَّام) ذلك كُلَّه عن قرائه -كما هي عادته-، وصحَّح له ابن خزيمة، غير ما حديث في "صحيحه" مثل (937 و 1200)، وكذلك المنذري في "الترغيب" (1/ 34)، (4/ 94)؛ وقال في الموضع الأوّل: "وابن خزيمة لا يخرِّج في "صحيحه" من المراسيل"؛ وبعضها مُخَرَّجٌ في "الصحيحة" (813 و 951).
ولَمَّا تقدّم قال ابن عبد البرّ في "الاستيعاب":
"قول البُخاري أولى، وقد ذكرنا من الأحاديث ما يشهدُ له".
ومنه يتبيَّن أنَّ (الهدَّام) يتشبَّثُ ببعض الأقوال المرجوحة في سبيل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 261)
الشذوذِ وتضعيفِ الأحاديث الصحيحة؛ انطلاقًا من القاعدة اليهوديّة: "الغاية تبرِّر الوسيلة"!
147 - "كان صلى الله عليه وسلم يُوصي أصحابه إِذَا أصبحوا أن يقولوا: أصبحنا على فِطرةِ الإسلام، وكلمةِ الإخلاص، ودينِ نبيِّنا محمد، ومِلَّة أبينا إبراهيم؛ حنيفًا مسلمًا، وما كان من المشركين":
قلت: هذا الحديثُ من الأحاديث القليلة التي نَجَتْ من مِعْوَلِ هذا (الهدَّام)! فصَحَّح إسناده من رواية شعبة بسنده عن (سعيد بن عبد الرحمن بن أَبْزَى)، عن أبيه، ولكِنَّه أخطأ في ترجيحه إيّاها على رواية سفيان بالسندِ نفسهِ، إلّا أنَّ سفيانَ خالَفَ شُعبةَ في اسم تابعي الحديث، فقال: (عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن أبْزَى)؛ هذا هو الصوابُ بشهادة شُعبة نفسه؛ حيث قال: "سفيان أحفظُ مني"، وعليه جماعةُ الحفاظِ دون خلافٍ بينهم -كما حقّقته في "الصحيحة" (2989) -.
وله خطأٌ آخَرُ، فقد عزى -في آخر تخريجه- الحديثَ لأحمد (5/ 123) من حديث أُبَيّ بن كعب، وإنَّما هو في المكان الذي أشار إليه من زيادات ابنه عبد اللَّه بن أحمد على "المسند"، ومثلُ هذا الخطأ سببُه الجهلُ، أو الاعتمادُ على التحويش والتقميش؛ دون التحقيق والتفتيش، وهناك أخطاءٌ أخرى لهذا (الهَدَّام)، نُحيل القراء فيها إلى المصدر المذكور آنفًا.
148 - "وفي "صحيح البخاري" عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: "رأيت عمرو بن عامر الخُزاعي يجرُّ قُصْبَه في النار، وكان أوّلَ من سيّب السوائب"، وفي لفظ: "وغيّر دين إبراهيم":
عزاه (الهدَّام) للشيخين من حديث أبي هُريرة، وقد أخطأ هو -والمؤلّفُ- في أمرين:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 262)
الأوّل: عزو اللفظ الثاني لحديث أبي هريرة، وليس فيه، وإنّما هو من حديث ابن عباس.
والآخر: عزوه لـ "الصحيح"، وإنّما أخرجه الطبراني وغيره بسند حسن في الشواهد، وهو مخرجٌ مع حديث أبي هريرة في "الصحيحة" (1677).
نعم؛ قد رواه -أعني اللفظ الثاني-: ابنُ أبي عاصم في "الأوائل" -بنحوه- من طريق أبي صالح، عن أبي هريرة. . . مرفوعًا بلفظ: ". . . دين إسماعيل".
وهو الذي عزاه المؤلّف -عَقِبَ هذه الرواية- لابن إسحاق؛ وسنده حسن. وعزاه في "الفتح" لمسلم، وأظنّه وهمًا منه -كما بيّنته هناك-.
149 - "قال أبو سفيان يوم أحد: اعْلُ هُبَلُ! فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "قولوا له: اللَّه أعلى وأجلّ":
قال (الهدَّام) (2/ 258): "أخرجه البخاري (4043) من حديث البراء".
قلت: هذا العزو - ولو لـ "صحيح البخاري"، ومثلُه كثيرٌ-؛ مما يدلُّ الباحثَ على عدم اهتمامه بالتحقيق الذي يزعُمُه، فإِنَّ البخاري أخرج الحديث -في المكان الذي أشار (الهدَّام) إليه- من رواية إسرائيل، عن أبي إسحاقَ، عن البراء، وأبو إسحاقَ هذا هو السَّبيعي، وهو معروفٌ بأنَّه كان يدلّس، وأنَّه كان اختلط، وهو في هذه الرواية قد عنعن؛ وإسرائيلُ لم يسمع منه قبل الاختلاط؛ ولذلك فالتحقيقُ يتطلّب البحثَ عن تخليص هذا الإسناد من علَّتيه، أو -إِذَا لم يمكن كُلًّا أو بعضًا- تقويته ببعض الشواهد؛ خشيةَ أن يتعلّق بهما صاحبُ هوي؛ فيضعّف الحديث الصحيح، كما يفعل (الهدَّام) -عادةً-، ولذلك فإنِّي مُبَيِّنٌ -هنا - لامبالاته بالتحقيق، وذلك من وجهين:
أحدهما: أنَّه عزاه إلى المكان الذي أشار إليه من البخاري، وفيه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 263)
العلّتان، وهو عنده في مكان آخر برقم (3039)؛ ليس فيه علّةُ التدليس! أخرجه من طريق زهير: حدثنا أبو إسحاق، قال: سمعت البراء، فصرّح أبو إسحاق في هذه الرواية بالسماع، وهذه فائدةٌ هامّةٌ، ما كان ينبغي للهدَّام أن يُعرض عن الإشارة إلى مصدرها؛ لما ذكرت آنفًا -لولا جهلُهُ! -، وبذلك زالت العلّة الأولى.
والآخر أنَّه بقيت العلّة الأخرى: (الاختلاط)، وقد جهدت للوقوف على ما يُزيلها، كمثل رواية سفيان وشُعبة ونحوهما، ممن روى عنه قبل الاختلاط، فلم أُوَفّق إلى الآن، ولذلك فإِنّي لما كنتُ خرّجت الحديث في "تخريج فقه السيرة" (ص 251 و 260 - دار القلم)، ثم في "صحيح أبي داود" (2390)؛ قوَّيت الحديثَ ببعض الشواهد، من حديثِ ابن عَبَّاس صحَّحه الحاكم، والذهبي، وسكت عنه الحافظ في "الفتح"، ومن حديثِ ابن مسعود، ورجاله ثقات.
فكان على (الهدَّام) أن يَشُدَّ من عَضُدِ هذا الحديث بمثل هذه الشواهد! لو كان يهمُّهُ التصحيح!
150 - "قول النبي صلى الله عليه وسلم لمن قال له: ما شاء اللَّه وشئتَ-: "أَجَعَلْتني للَّه نِدًّا؟ ! ": جزم به المؤلِّفُ، وهو الصوابُ.
وعاكسه (الهدَّام) فضعّفه، وعزاه لجمعٍ؛ منهم البخاري في "الأدب المفرد" (787)، ثم قال: "والأجلحُ فيه ضعفٌ، وعنده مناكير".
كذا قال! وهو شاهدٌ قويٌّ على تعنُّتهِ ومعارضتهِ للأئمة بالباطل، فقد ذكرتُ أكثرَ من مرَّة أن كون الراوي: "فيه ضعفٌ" لا يجعل حديثه ضعيفًا، وإنَّما هو حَسَنٌ على الأقل، وهو ما كنتُ حكمتُ به فى "الصحيحة" (1/ 56 - 57 - الطبعة الأولى)، فعاكسني -كعادته- بقوله هذا، وهو حُجَّةٌ عليه؛ وإلّا فما الفرقُ عنده بين الصحيح والحسن؟ !
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 264)
ولذلك قال الذهبي في "المُغني": "لا بأس بحديثه".
وقال في "الرواة المتكلم فيهم بما لا يُوجب الرّد" (ص 58/ 13): "صدوق، روى عن الشعبي، وثّقه ابن معين وغيره، وقال النسائي: ضعيف".
وكذلك قال الحافظ في "التقريب": "صدوق".
ولذلك سكت عن الحديث في "الفتح" (11/ 540) مُشيرًا إلى تقويته، وحسّنه شيخُه الحافظ العِراقي في "تخريج الحياء" (3/ 162).
فهذا موقفُ العلماء من الحديث وراويهِ تقويةً، فما قيمةُ تضعيف (الهدَّام) إياهما؛ إلّا تأكيدًا لاتَّباعه {غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ}!
وقبلَ الانتقالِ إلى غيره؛ أُريد أن أسترعيَ النظرَ إلى أنَّ تخريجه للحديث سرقةٌ من "الصحيحة"، بدليل أنَّه كان وقع فيه رقم عزوه للبخاري في "الأدب المفرد" خطأً: (787)؛ فنقله هو كما هو كما رأيت! وصوابه (773)! ! وله أمثلةٌ أخري، ذُكر بعضُها في موضع آخر!
151 - "قال رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: "قيل لبني إسرائيل: {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ}، فبَدَّلوا، فدَخَلوا الباب يرجعون على أَسْتاهِهِمْ، وقالوا: حبَّة في شعرة، فبدَّلوا القولَ والفعلَ معًا، فأنزل اللَّه عليهم رِجزًا من السماء":
قال (الهدَّام) الجاهل: "أخرجه البخاري (3403) و (4479) و (4641)، ومسلم (3015) ".
فأقول: لقد أخطأ (الهدَّام) عليهما -وعلى المؤلِّف- خطأ فاحشًا، وذلك لجهله بالسنَّة، وعدم عنايته بحفظ متونها، فإِنَّ قولُه: "فبدّلوا القول. . . " ليس تمامَ الحديث عندهما، ولا عند غيرهما، فجعله هو من تمام الحديث بأنْ جعله بين القوسين المزدوجين في أوَّله وآخره! -كما ترى أعلاه-، وأنا فقط
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 265)
وضعتُه بالحرف الأسود المُمَيَّز؛ تنبيهًا على إدراجه في الحديث.
و(الهدَّام) أكّد ذلك بأن وضع رقم التعليق في آخر هذه الزيادة المدرجة منه (1)! !
وكما أخرجه الشيخانِ بدون هذه الزيادة: أخرجه التِّرمذي (2959) -وصحّحه-، وأحمد (2/ 318)، والطبري (1/ 240)، وكذا النسائي في "الكبرى" (6/ 286).
وله شاهدٌ من حديث أبي سعيد الخُدري -مرفوعًا-، بلفظ: "قال اللَّه عز وجل لبني إسرائيل. . . "؛ أخرجه أبو داود بسندٍ حسن.
152 - "قال عَدِيُّ بن حاتم: أتيت رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم، فسألته عن قوله: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة: 31]، فقلت: يا رسول اللَّه! ما عبدوهم؟ ! فقال: "حَرّموا عليهم الحلال، وأحلُّوا الحرام، فأطاعوهم، فكانت تلك عبادتَهم إيّاهم"؛ رواه التِّرمذي وغيره":
جزم به المؤلِّف، وهو الصوابُ.
وأعلّه (الهدَّام) بقوله (2/ 375): "وهذا إسنادٌ ضعيفٌ، غُطَيف بن أَعْيَن ضعيفٌ، وفيه جهالة"!
فأقول: لقد جمع في وصفهِ الرّاوي بالضعف والجهالة بين الضِّدَّين! وذلك لأنَّ وصفَه بالضعف يعني أنَّه معروفٌ بالضعف في الرواية، ووصفَه بالجهالة يعني أنَّه غيرُ معروفٍ بذلك! !
وهذا الجمعُ -وحده- يُنبئ الباحثَ أنَّه دخيّلٌ في هذا العلم -هذا من جهةٍ-.
ومن جهةٍ أُخرى: أنّه (قد) يكونُ أشار بقولهِ -هذا- إلى قولين مَحْكِيَّينِ--------------------------------------------
(1) ثم تنبّهتُ أنّه قلّد في ذلك التعليق على الطبعة السابقة (2/ 39)! فيا له من تحقيقٍ مقلِّدٍ! !
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 266)
عن بعض الحفاظ:
أحدُهما: الجهالة؛ وهو قول التِّرمذي عَقِبَ الحديث: "وغُطَيف بن أَعْيَن ليس بمعروفٍ في الحديث".
والآخر: ما حكاه الحافظ في "التهذيب" عن الدّارقطني أنَّه ضعّف (غُطيفًا) هذا، وهو وَهَمٌ مَحْضٌ على الدّارقطني؛ فإنَّه إنّما ضعَّف (روح بن غُطَيف) في حديث (الدرهم)؛ اشتبه هذا بذاك على بعض الرّواة المتكلِّم فيهم، فنبَّه الدّارقطني في كتابَيْهِ "العلل"، و"السنن" - على وَهَمِه فيه، وصرَّح بأنَّ راوي هذا الحديث إنَّما هو "روحٌ"، وأنَّه ضعيفٌ، فظنّ الحافظ أنَّه (غُطيف)! فقلَّده (الهدَّام)! ! وَجَمَع بين ضِدَّينِ يمكن أن يصدُرا من شخصين يختلف اجتهادهما في الراوي الواحد، أمّا أن يصدُرا من شخص واحد، فذلك في منتهى الجهل، ولاسيّما وأحدهما لم يقُل بما نُسب إليه!
وقد أودعتُ هذا التحقيق في "السلسلة الصحيحة" برقم (3293)، وذكرتُ للحديث فيه بعضَ الشواهدِ التي تقوّيه، وكتمها (الهدَّام) -ولا أقول: جَهِلَها-، لأنَّ أحدَها أمامَه في مصدرٍ من المصادر التي عزا الحديث إليه! !
153 - "والمسلمون ينتظرون نُزول المسيح عيسى ابن مريم من السماء، وكَسْرَه الصليب. . . وخروجَ المهدي من أهل بيت النبوّة، يملأُ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا":
قلت: هو كما قال رحمه الله، وهي عقيدةٌ تلَقَّاها الخَلَفُ عن السلف، مُدَعَّمَةٌ بعشرات الأحاديث الصحيحة في "الصحيحين" -وغيرهما من "السنن" و"المعاجم"-، ومع ذلك بيَّض (الهدَّام) لها، ولم يُخَرّج شيئًا منها، وغالب الظّن أنَّه لا يُؤمِن بها، ويُشكِّك في صحّتها، تبعًا لبعض ذوي الأهواء قديمًا وحديثًا! وإلّا؛ فلماذا يمرُّ على كلام المصنّف هذا، ولا يخرّج ولا حديثًا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 267)
واحدًا، ولو على طريقتهِ المقتضبة، التي جرى عليها في تخريج أحاديث "الصحيحين" أو أحدهما، وفي أقلَّ من سطر واحد؟ ! (انظر الحديث 149).
ولعلّه يتهيأ ليسوِّدَ بحثًا، أو ينشر مقالًا (! ) يجمع فيه شبهات المرتابين، ويزيدُ فيها من مَعينهِ الذي لا ينضب جهلًا وجهالةً! !
وانظر -لهذا- تخريجي لبعض أحاديث المهدي الصحيحة في بعض المجلّدات من "السلسلة الصحيحة" -وغيرها-، ومنها المجلد الرابع منها برقم (1529)، تحت عنوان "خروج المهدي حقيقة عند العلماء"، والمجلد الخامس رقم (2236) تحت عنوان "نزول عيسى واجتماعه بالمهدي، وآخر برقم (2293) و (2308).
ولي مقدمة إضافيةٌ -في نحو كراس- في الرّد عليهم في كتابي "قصّة المسيح الدّجال، ونزول عيسى عليه السلام وقتله إياه" -يَسَّر اللَّه تبييضه ونشره-، وقد توسَّعت في تخريج أحاديث المهدي في "العروض النضير" تحت حديث ابن مسعود رضي الله عنه رقم (647).
154 -
-[«وثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالي عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كانت بنو اسرائيل يغتسلون عراة، ينظر بعضهم إلى سوأة بعض، وكان موسى عليه السلام يغتسل وحده، فقالت بنو اسرائيل: والله ماريمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر (1)، فذهب موسى يغتسل، فوضع ثوبه على حجر ففر الحجر بثوبه. قال: فجمح موسي بأثره، يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر. حتى نظرت بنو إسرائيل إلى سوأة موسي. وقالوا: والله ما بموسى من بأس، فقام الحجر، حتي نظر إليه بنو اسرائيل، وأخذ ثوبه، وطفق بالحجر ضربا، قال أبو هريرة: «والله إن بالحجر لندبا (2)، ستة أو سبعة. من أثر ضرب موسى الحجر"، وأنزل الله تعالى هذه الآية: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا - الآية}»
------------
(1) أخرجه البخاري (278) (3404) و (4799)، ومسلم (339).
(2) أخرجه الطبري في تفسيره، 22/ 51 ورجاله ثقات غير بحر بن حبيب شيخ الطبري، فلم أر له ترجمة]-
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 269)
قلت: هذه (صورةُ) (1) الحديث المراد الكلام عليه، مع تخريجهِ، وهو المُثبَتُ في الحاشيةِ، وهو تخريجٌ أقربُ إلى التضليلِ منه إلى التخريج؛ لأنَّه -وإن عزَاه للشيخين- لا يفيدُ تعيين المُصَحَّح ما هو؟ فإِنَّه -كما ترى- وضع التعليق (1) على لفظ (آدر)؛ فهل هذا، منتهى العزو للشيخين؟ ! وعزا التعليق (2) على لفظ (لندبًا)، فهل هذا القَدْرُ منه لا يصِحُّ؟ ! لأنَّه أعلّه بجهالة شيخ الطبري!
أنا أعتقد -بناءً على معرفتي اليقينيّه بِطُرُقهِ الملتوية في تضعيف الأحاديث الصحيحة- أنَّ الرجل لا يُؤمن بهذا الحديثِ لما فيه من معجزةِ الحَجَر، ولذلك وعَّرَ على القراء أن يعرفوا صِحَّةَ الحديث، مع التلبيس عليهم بعزوه للشيخين! !
والحقيقةُ أنَّ الحديثَ صحيحٌ بتمامه إلى قولُه: الآية، وسياق البخاري أتّم، وقد خَرَّجته في "الصحيحة" (3075)؛ ولمسلم فيه سياقانِ، أحدُهما أتَمُّ من الآخر، لم يقف عليهما (الهدَّام): فإِنَّ الرَّقم الذي عزاه إليه إنَّما هو في (الطهارة)! وأخشى أن يكون ذلك عن عمدٍ منه ليعزوه للطبري، فيوهّن من صِحَّته بقوله في شيخ الطبري: "بحر بن حبيب؛ لم أر له ترجمة"؛ مع أنَّ الصواب في اسمه (يحيى بن حبيب)؛ هكذا رواه عنه مسلم في "الفضائل" (7/ 99)؛ فهل كتم هذا، وأظهر المحرَّف ليضعِّفه؟ ! وإلّا فهو جاهلٌ لانطلاء التحريف عليه -أولًا-، ولعزوه ما عند الشيخين للطبري -ثانيًا-؛ فقد رواه البخاري (3404) أيضًا عن شيخٍ آخَرَ متابعٍ ليحيى بن حبيب.
ولا يُستبعد عن هذا (الهدَّام) أنْ يكونَ على علمٍ (! ) بوجه الصواب في--------------------------------------------
(1) إنّما أثبتُّ (صورةَ) تخريجه -كما قلتُ فى المقدّمة- لأنّ صَنِيعَه -لشدّة جهلهِ- لا يَكاد يُصدّق! !
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 269)
التحريف الواقع في اسم هذا الرّاوي الثقة؛ ثم يستغلّه -معمّدًا- ليتّكئ عليه في تضعيف الحديث، فإنَّه يفعل أكثر من ذلك! لقد تعَمَّدَ تحريفَ اسم راوي الحديث الآتي ليضع فيه جهالته! ثم وضع تعليقه بذلك على الحديث؛ وليس له علاقةٌ به، وإنّما بالحديث الذي بعده، وهو موقوفٌ -كما سترى! ! -.
155 -
-["وقال ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "كان موسى حَيِيَّا سِتّيرًا، لا يكاد يُرَى من جلده شيء، استحياء منه، فآذاه مَنْ آذاه من بني إسرائيل. وقالوا: ما يتَستر هذا التستر إِلا من عيبٍ بجلده، إِما برص، وإما أُدْرَة، وإما آفة، وإن اللَّه تعالي أراد أن يبرئه مما قالوا" وذكر الحديث (1) ".
وقال سفيان بن حُسين عن الحكم عن ابن جُبير عن إبن عباس عن علي ابن أبى طالب في قوله تعالى: {لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى} قال: "صعد موسى وهارون الجبل، فمات هارون. فقالت بنو إسرائيل: أنت قتلته، وكان أشدَّ خبًا لنا منك وألْيَنَ لنا منك. وآذاوه بذلك. فأمر اللَّه تعالى الملائكة فحملته، حتى مَرُّوا به على بني إسرائيل، وتكلَّمت الملائكة بموته، حتى عرفَ بنو إسرائيل أنه مات، فَبرَّأه اللَّه تعالى من ذلك، فانطلقوا به، فدفنوه. فلم يَطَّلع على قبره أحدٌ من خلق اللَّه تعالى إلا الرَّخَم، فجعله اللَّه تعالى أصمَّ أبكم".
------------
(1) أخرجه الطبري 22/ 52 وإسناده، حسن غير شيخ الطبري (علي بن موسى الطوسي) فلم أَرَ من ترجمه.]-
قلت: هذه -أيضًا- (صورةُ) الحديثِ المرادِ الكلامُ عليهِ، مع تخريجهِ؛ فإنَّ حالَه كحالِ سابقهِ!
وفي تخريجه المذكور -في حاشيتِهِ- تضليلان:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 271)
أحدهما: أنَّه تعمّد -واللَّه أعلم- تحريفَ اسم والد شيخ الطبري؛ إذ هو على الصواب في طبعة "الطبري". (علي بن مسلم الطوسي)؛ وهو ثقةٌ من شيوخ البخاري.
والآخر: أنَّ هذا الراويَ ليس في إسناد حديث ابن سيرين هذا، وإنَّما هو في إسناد سفيان بن حسين الذي بعده! وأمّا حديث ابن سيرين فهو الذي تقدّم بيان صحّته من رواية مسلم والطبري من رواية يحيى بن حبيب.
فتأمّل كم في تخريج هذا (الهدَّام) -على صِغَرِ حجمهِ- من تخليط وتضليل؟ !
156 - "وقد روى أبو داود في "سننه" عن ابن عُمر، قال: أتى نَفَرٌ من اليهود، فَدَعَوْا رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى القُفّ (1)، فأتاهم في بيت المدارس (2)، فقالوا: يا أبا القاسم! إنَّ رجلًا منا زنى بامرأةٍ فاحْكُم، فوضعوا لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وسادةً، فجلس عليها، ثم قال: "ائتوني بالتوراة"، فأُتيَ بها، فنزع الوسادةَ من تحته، ووضع التوراة عليها، ثم قال: "آمنتُ بكِ وبمن أنزلك"، ثم قال: "ائتوني بأعلمكم"، فأُتي بفتى شاب. . . ثم ذكر قصَّة الرَّجم".
ضعّف إسناده (الهدَّام) (2/ 410)، دون أن يبيّن السبب -كعادتهِ! - فرضًا لجهله على قرائه-، وليس في إسناده ما يقتضي إطلاقَ الضعفِ عليه؛ فإِنَّه من رواية هشام بن سَعد، أنَّ زيد بن أسلم حدّثه، عن ابن عُمر؛ ورجاله كلهم--------------------------------------------
(1) قلت: بضم القاف وتشديد الفاء، اسم وادٍ في المدينة.
(2) كذا "الأصل" -عنده-! وهو: خَطَأٌ، وهذا مما يدلُّ على إهمال هذا (الهدَّام) للتحقيق الذي يزعمه ويدّعيه؛ والصواب الذي في "سنن أبي داود" -وغيره-: "المِدْراس"، وهو المكان الذي يدرسون فيه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 271)
ثقات، وفي هشام بن سعد كلامٌ يسيرٌ لا يُنزل حديثَه عن رتبة الحسن.
وذلك ما يفيده كلامُ الحُفَّاظ؛ كالذهبي؛ فإنَّه قال في "المغني": "صدوق مشهور"، ثم ذكر بعض ما قيل فيه.
وقال الحافظ: "صدوقٌ له أوهام".
بل صَرَّح الذهبي بما قلتُ: فقال في "الكاشف" -بعد أن حكى بعضَ ما قيل فيه-: "قلت: حسن الحديث"، وكذلك قال في "الرواة المتكلَّم فيهم بما لا يوجب الرّد" (182 - 183).
فلا غرابةَ -إذن- في تقوية الحافظ للحديث بسكوته عنه في "الفتح" (12/ 168)؛ كما هي قاعدته، ولذلك كنت حسّنته في "الإرواء" (5/ 94).
بل الحديث صحيحٌ. . .
فقد قال أبو داود -في هشام بن سعد-: "هو ثقة، أثبتُ الناس في زيد ابن أسْلَم".
كلُّ هذه الحقائق، تجاهلها (الهدَّام) في سبيل نشر هَوَاهُ في تضعيف الأحاديث، عامله اللَّه بما يستحق!
157 - "كان صلى الله عليه وسلم يفتخرُ بقوله: "أنا ابن الذبيحين"؛ يعني: أباه عبد اللَّه، وجَدّه إسماعيل":
قال الجاهلُ (2/ 414): "بهذا اللفظ في "الكشاف" للزمخشري، كما ذكر العجلوني (1/ 199)، وذكره أيضًا -به- الحاكم في "مستدركه" (2/ 559)، ولم يُسنده، ونسبه ابن حجر في "الفتح" (12/ 378) إلى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 272)
"الخِلَعيات" من حديث معاوية، وهو نفسُه عند الحاكم (2/ 554) من حديث معاوية، وفيه: أنَّ أعرابيًّا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: "يا ابن الذبيحين! "، فتبسَّم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليه. . . وتعقّبه الذهبي بقوله: "إسناده واهٍ".
قلت: هذا الحديثُ لا أصلَ له بهذا اللفظ الذي ذكره المؤلف رحمه الله، ومع ذلك فقد استهلّ (الهدَّام) تخريجَه بما لا فائدة يستفيدُها القرّاء من ذكره للزمخشري، والعجلوني، والحاكم! فإنّهم لو أخرجوا الحديث أو أسندوه لم يُفِد ذلك شيئًا إلّا ببيان حال إسناده، فكيف وهم علّقوه، ولم يذكروا إسنادًا له؟ !
ولو أنَّ الحاكم أسنده وصحّحه ولو بسندٍ حسن، لبادر إلى الرَّدِّ عليه وتصديره بقوله: "إسناده ضعيف" -كما هي عادته! -، فما الذي جرى -هنا- حتى خرج عن عادته، فعَمّى على القرّاء حقيقةَ هذا الحديثِ، وأنَّه لا أصل له؟ !
لا شيءَ سوى المشاكسةِ والمعاكسةِ التي عَجَنَ نفسَه بها، وجرى -كما رأيتَ فيما تقدّم في كُلِّ تخريجاته- عليها؛ فقد رآني قد صَدَّرتُ الحديثَ بقولي: "لا أصلَ له بهذا اللفظ"، في، "سلسلة الأحاديث الضعيفة" رقم (331)، ثم خرَّجته مفصّلًا في صفحتين من رواية الحاكم مُعَلّقًا بهذا اللفظ، ومسندًا من حديث معاوية باللفظ الواهي، ومن تخريجي المذكور؛ قدَّم (الهدَّام) الخلاصةَ المذكورةَ أعلاه! وهي، خلاصةٌ مظلمةٌ لا نُورَ فيها، فقد كان من الواجبِ عليه أن يصرِّح بأنَّ اللفظَ المذكورَ لا أصلَ له -كما فعلتُ-، ولكنْ منعه من ذلك حبُّ المشاكسة والمعاكسة، والظهورُ بمظهر الباحث المستقلّ الذي لا يُقَلِّد (! )، وهو في الواقع لا يُحسن حَتّى أن يكون (إمَّعة) لأهلِ العلم! لِعُجْبهِ وغروره! ! نسألُ اللَّه السلامة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 273)
وهذا آخرُ حديثٍ في كتاب ابن القيم: "إغاثة اللهفان" خرَّجه (الهدَّام)، وانكشف به حالُه عِلمًا وخُلُقًا، واللَّه المستعانُ، ولا حول ولا قوَّة إلا باللَّه.
{رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ}.
عمان صباح السبت 22 ذي القعدة سنة 1415 هـ
وكتب محمد ناصر الدين الألباني أبو عبد الرحمن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 274)