وقال الجماهير من أصحاب الحديث والفقه والأصول: إنَّه متصل محمول على السماع بشرط أن لا يكون المعنعِن مدلّسًا، وبشرط إمكان لقاء بعضهم بعضًا -كما صرح به النووي وغيره، وسبق بيانه في المقدمة رقم (5) -؛ وحقّقت -هناك- أنَّ شرط اللقاء إنَّما هو شرطُ كمالٍ وليس شرطَ صحةٍ، وأن (الهدَّام) لم يَرْضَ -عمليًّا- حتى ولا بشرط اللقاء، وأنَّه أخذ يعلِّل الأحاديث الصحيحة بالإرسال والانقطاع لعدم تصريح الراوي بالسماع! كما فعل في هذا الحديث، مع مخالفته لتصحيح الحفاظ الذين سبق ذكرُهُم، هذا التصحيحُ الذي هو من مئات التصحيحات التي تؤكِّد ما ذكره النووي من جَرَيان العمل على الاكتفاء بالمعاصرة، فتنبَّه.
31 - "وفي "المسند" و"الترمذي" من حديث أبي سعيد الخُدْري، قال: كان النبي -صلي الله عليه وسلم- إذا قام إلى الصلاة استفتح، ثم يقول: "أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم؛ من همزه ونفخه ونفثه"":
ضعّفه (الهدَّام) من جيمع طرقه، وقد سرق -على عادته - تخريجَها من كتابي "إرواء الغليل"، دون أدنى إشارة إلَاّ للنقد بما لا طائلَ تحته، يأخذ منه ما قبل من العِلَلِ فيها -أو في بعضها -، دون أن يذكر ما فيه من الأقوالِ المصحَّحة لبعضها، وما يقوِّيه من الشواهد!
لقد خرَّجته -هناك - في أكثر من عشر صفحات (2/ 48 - 59) بتتبُّعٍ لطرقهِ، وتوسُّعٍ لا تراه في غيره -إن شاء الله تعالى-، وعن جمع من الصحابة.
ويرى القراء أن في الحديث سُنَّتين:
إحداهما: الاستفتاح بدعاء: "سبحانك اللهم وبحمدك … "، وذلك صريحٌ
في رواية التِّرمذي وغيره.
والآخر الاستعاذة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 100)
فختم (الهدَّام) تخريجه المشار إليه بقوله (1/ 136):
"قلت: وأحسن هذه الأحاديث حديث أبي سعيد، وأرى (! ) أن يُتَمهَّل في تحسين هذا الحديث أو تصحيحه بهذه الشواهد"!
ثم قال: "قلت: والاستعاذة قبل القراءة في الصلاة لم يصحَّ فيه حديث أصلًا … فحديث أبي سعيد الخدري سبق ضعفه، وحديث عائشة سبق نكارته"! !
أقولُ: لا أريد -الآن- الرَّدَّ عليه، والكلامَ على طرق الحديث، وما يصحُّ منها وما لا يصحُّ … فذلك مبسوطٌ في "الإرواء" - كما أشرت آنفًا -، وإنَّما أريد نصح القراء بالكشف عن شيء من خيانته للعلم، وكتمانه الحقائق تدليساً وتلبيساً على القراء؛ فأقول:
أوَّلًا: كَتَمَ أثر عمر الصحيحَ إسنادُهُ عنه، أنَّه كان إذا كبر للصلاة، كبّر، ثم قال: "سبحانك اللهم وبحمدك … " إلخ … يُسمع ذلك من يليه ويُعَلِّمهم، ثم يتعوَّذ، ولقد رآه (الهدَّام) مخرجًا هناك من رواية جمع من الحفاظ -كمسلم وغيره-، وصرّح بعضهم بصحته- كالدّارقطني وغيره-؛ ولكنّه كتمه؛ لأنَّه يعلم أنَّه يُبطل قوليه المذكورين آنفًا، ويجعل تخريجه في صفحتين هباءً منثورًا! لأنَّ العلم يشهد أنَّ عمر ما كان يستفتح بهذا الاستفتاح ويجهر به لِيُعَلِّم الناس الذين يصلّون خلفه -وهم يُقِرُّونه على ذلك ولا ينكرونه- إلاّ وهو قد تلقَّاه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي مثل هذا يظهر أهميّة قوله صلى الله عليه وسلم: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الرّاشدين من بعدي"، وقوله: "اقتدوا باللَّذين بعدي أبي بكر وعمر"! ولكنَّ (الهدَّام) -تمهيدًا منه لعدم الاحتجاج بهذا الأثر العُمَري ونحوه- قد ضعَّفهما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)
-أيضًا- كما تقدم بيانه برقم (2) -؛ فما أجهلَه، وأضرَّه على السنة والأمّة!
وإنَّ ممَّن صحح هذا الأثر الإمامَ ابن القَيِّم رحمه الله في "زاد المعاد"، وذكر أنَّ الإمام أحمد اختاره على أدعية الاستفتاح الأخرى -لوجوهٍ ذكرها-؛ منها: جهرُ عمر به يعلِّمه الناس.
ثانيًا: كتم قول العُقيلي عَقِبَ حديث أبي سعيد:
"وقد رُوي من غير وجه بأسانيد جياد".
كتمه، وقد رآه في تخريجي (2/ 52)؛ والسبب واضحٌ لا يحتاج إلى بيان!
ثالثًا: كتم حديث أنس بن مالك المخرَّج هناك من طريقين عن حُميد عنه، وصحَّحت أحدهما، فكتم كل ذلك تدليسًا وتضليلًا، ولتأكيد صحّته، فقد أفردته بالتخريج في "الصحيحة" (2996)، وذكرت فيه متابعًا لحميد؛ فازداد الحديث صحة على صحة، والحمد للَّه الذي بنعمته تتم الصالحات.
32 - حديث: "لِجَوْفِه أزيزٌ كأزيز المِرْجَل من البكاء":
قلت: صحَّحه المقلِّد -مصيبًا- من حديث عبد اللَّه بن الشِّخِّير، برواية أبي داود والنسائي، وهذا التقليد منه خير -بلا شكّ- من اجتهاداته التي يضعّف فيها الأحاديث الصحيحة! وإنَّما قلت هذا، لأنَّ في إسناده (حمّاد بن سلمة)، وهو سيِّئ الرّأي فيه؛ وبخاصة إذا وجده في إسناد حديث لا يُعجبه! ولا يطابق مزاجه أو عقيدته! أعلّه به -كما فعل بالحديث المتقدم رقم (6) - مع تخريج مسلم إياه، وتَتَابُعِ أئمة السنَّة على الاحتجاج به! وهو لا يرى أيَّ حرجٍ في رَدِّ أيِّ حديثٍ صحَّحه العلماء عنده فيه أدنى شبهة -ولو كان من المقلِّدة الجهلة-؛ فقد رأيت له -أخيرًا- تعليقًا كشف فيه عن القاعدة التي ينطلق منها لرد السنة وتعطيلها، فذكر فيه أن قوله -تعالى- {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)
يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} لا تتنزّل على من ردَّ حديثًا عنده فيه شبهةٌ على عدم صحَّته! ولم يقيِّد ذلك بأهل العلم؛ بل أطلقه فشمل به الجهلة من أمثاله فَمَن دونه! فقال:
"لا تتنزّل الآية إلّا على من ردَّ آيةً محكمة أو حديثًا صحيحًا نُسَلِّم (! ) بصحته، ولا تدخل الآية فيمن اعتقد بحديثٍ ما ضعفًا وصحَّحه آخرون، أو من قَلَّد ولم يدرك عقلُه صحة ما قَلَّد أو ضعفَه"! انظر تعليقه على "مجموعة الرسائل" (1) (ص 126).--------------------------------------------
(1) قلت: هذه المجموعة تأليف الشيخ محمد نسيب الرفاعي الحلبي رحمه الله، جرى فيها على المنهج السلفي، لكن أفسدها (الهدَّام) بتعليقه عليها.
ومن المؤسف أن يكون الطابعُ لها صاحبَ المكتب الإسلامي، الذي كانت له اليد الطولى في نشر كتب السنة وعقيدة السلف الصالح، فإِذا به في آخر حياته يتعاون على هدمها مع خليفة (السقاف) في ذلك، وإلّا كيف طبع لهذا (الهدَّام) تعليقاته عليها، وفيها نقضٌ لتلك الجهود بصورة واضحة فاضحة، وهاك البيان بأكثر ما يمكن مِن الإيجاز:
أولًا: لقد ضعّف كثيرًا -إن لم أقل: أكثر- أحاديث "الرسائل"؛ كما فعل في كثيرٍ من تساويدهِ وتعليقاتهِ-، وهي:
1 - "يد اللَّه على الجماعة".
2 - "عليكم بسنّتي. . . " -وتقدم -هنا- برقم (2) -.
3 - "ما تركت شيئًا يقربّكم إلى اللَّه إلّا وأمرتكم به. . . ".
4 - "اللهمَّ رَبّ جبرائيل. . . " من أدعية الاستفتاح في "صحيح مسلم"!
5 - "أوّل ما خلق اللَّه القلم. . . " خرّجه عن أربعة من الصحابة، من طرق متعدِّدة أكثرها سالمة من الضعف الشديد!
6 - "مسح ظهر آدم. . . ".
7 - "كنت نبيًّا وآدم بين الروح والجسد. . . ".
8 - "يا جابر ألا أبشّرك. . . ".
9 - "افتدوا باللذين بعدي. . . " -وتقدم -هنا- تحت الحديث (2) -.
10 - "من قرأ القرآن في أقل من ثلاث. . . ". =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .--------------------------------------------
= 11 - "رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يَدْلُكُ بخنصره. . . ".
12 - "ارجع فأحسن وضوءك. . . ".
13 - "رُفع القلم عن النائم. . . ".
14 - "وُضع عن أمّتي الخطأ. . . ".
15 - "من ترك صلاة متعمدًا. . . ".
16 - "حُبسنا يوم الخندق عن صلاة الظهر. . . ".
17 - "أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك. . . ".
18 - "لا صلاة لمن لا يقيم صلبه. . . ".
19 - "صلاة التسابيح".
ثانيًا: لم يصحِّح حديث الفرقة الناجية، وأحال في تخريجه على كتابيّ "الصحيحة"، و"السنة" (ص 33)! وكذلك لم يصحِّح حديث: "من سُئل عن علم فكتمه. . . "؛ والظاهر أنَّ ذلك لأنَّ فيه (حماد بن سلمة)؛ وهو يغمز منه في غير ما موضع، وبخاصة إذا لم يجد سبيلًا إلى الطعن في الحديث الصحيح إلّا الحطَّ عليه، كما فعل في حديثه -المتقدم برقم (6) - في نظر أهل الجنّة إلى ربّهم تبارك وتعالى جعلني اللَّه منهم-.
ثالثًا: قال (ص 93) في همِّ الرجل بتقبيل يده صلى الله عليه وسلم، وقوله: "هذه فعلة الأعاجم بملوكها": "لم أجده، ولعله اختلط عليه بحديث: "لا تقوموا كما تقوم الأعاجم. . . "، وهو ضعيف، انظر تفصيله في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" (346).
قلت: وهذا مما يدلُّ على حداثته وجهله بهذا العلم الشريف، وأنَّه لا عِناية له، ولا حفظ، ولا معرفة، وإنَّما هو عالةٌ في التخريج على غيره غالبًا، أو على الفهارس (أ)! !
ولمّا كان الشيخ نسيب رحمه الله أورده بالمعنى، لم يساعده فهرس "السلسلة الضعيفة" في الكشف عنه، وهو فيها برقم (89)، - محكومًا عليه بالوضع، معزوًّا لجمع من الحفاظ! وقد خفي وضعه على الشيخ رحمه الله، كما خفي أصله على (الهدَّام)! ! ومع هذا الجهل يتعالم ويقول فيه: "ولعله اختلط عليه. . . "!
رابعًا: وليس هذا فقط، بل يفتري عليه في وصفه النبيَّ صلى الله عليه وسلم بأنَّه كان أفصح الناطقين بالضاد، فيقول: (ص 58): "أخذه من حديث، أنا أفصح من نطق بالضاد"، ولا أصل له"! فهذا كذبٌ على الشيخ رحمه الله، فالصفة المذكورة معروفة فيه صلى الله عليه وسلم إجماعًا؛ ما يحتاج مثبتُها إلى مثل هذا الحديث، ولكنَّه التعالي، والتشبُّع بما لم يعطَ. =
_________
(أ) سيأتي بعض الأمثلة الأخرى، فانظر الحديث (56).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)
قلتُ: فالأمر عنده فوضى؛ لا قيود ولا شروط! وأمَّا النصوصُ الواردةُ في الكتاب والسنة، الآمرةُ لمن لا يعلم أن يسأل أهلَ العلم؛ فهي عنده مقيدةٌ بالقناعة الشخصية! فلا مانع عنده أن يردَّ الجاهلُ ما صَحَّحوه! أو يصحِّح ما ضعّفوه! فهو يلخّص بذلك مذهب الشيخ محمد الغزالي رحمه الله، وغفر له-؛ الذي كشف عنه في كتابه -الأخير- "السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث"! فهذا (الهدَّام) يحذو حَذْوَه، ويتبع ظِلَّهُ!
وقد بيَّنت أمثلةً من مذهب الشيخ تمثِّل انحرافه عن السنة، ومخالفته لسبيل المؤمنين في ردّي عليه في مقدمة كتابي "الرَّد على ابن حزم في إباحته الملاهي" -وفيما بعدها-، وقد شمل الرَّد -في بعض جوانبه- ظُلْمَ هذا--------------------------------------------
= خامسًا: لقد كشف أيضًا عن انحرافه عن عقيدة السلف، بتضعيفه كلمة مالك المشهورة: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول. . . "؛ فسوَّد صفحتين بالحرف الصغير، متتبِّعًا طرقه الكثيرة عن مالك -مضعفًا إياها كلها-، مصرحًا بجهله لحال بعض رواتها -وهو في ذلك مخطئٌ، بل خاطئٌ-، متجاهلًا قول الإمام النقَّاد الحافظ الذهبي: "هذا ثابت عن مالك، وتقدم نحوه عن ربيعة شيخ مالك، وهو قول أهل السنة قاطبةً"؛ وكذلك تجاهل تجويد الحافظ لأحد طرف عنه، بل إنَّه تطاول عليهما، فردَّ ذلك عليهما مع تصريحه بأنَّه لم يعرف أحد رواته؛ فهو يردُّ عليهم بجهله! كما تجاهل كثرة الطرق بذلك عن مالك، كما تجاهل صحة ذلك عن ربيعة شيخ مالك، وتقوية شيخ الإسلام ابن تيميّة وابن قيم الجوزية! !
وكلُّ هذا -منه-: {ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ}، وختم ذلك بقوله: "وعلى أيٍّ؛ فالقضية تبقى رأيًا من عالم، غير ملزم للناس، ولا قاطع للجدل والفهم، بل لكلٍّ متسع فيما يرى. . .؛ واللَّه أعلم".
فتأمل -أيها القارئ! - كيف يكابر ويجحد الحقائق؟ فيزعم أنَّه رأي مالك، وهو قول أهل السنَّة قاطبةً - كما قال الإمام الذهبي -وهو أعرف الناس بأقوالهم-، وقد سردها رحمه الله في كتابه "العلو مختصره" -طبع المكتب الإسلامي! ! -.
فالسؤال الذي يطرح نفسه -كما يُقال-: ما حال من نشر ذاك الهدى هناك؛ تم نشر هذا الضلال هنا؟ ! هل هي النكسة عن السلفية، أم أنَّ الغاية تبرر الوسيلة؟ ! أحلاهما مرٌّ!
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)
(الهدّام)، والكتاب مطبوعٌ -بحمد اللَّه ومِنّته-.
وأمّا حديث الأزيز؛ فهو مخرج في "صحيح أبي داود" (839).
33 - حديث البراء بن عازب: لقينا المشركين يومئذ [يعني: يومَ أُحُد]، وأجلس النبي صلى الله عليه وسلم جيشًا من الرّماة، وأمّر عليهم عبد اللَّه، وقال: "لا تبرحوا إن رأيتمونا ظهرْنا عليهم. . . "، الحديث:
قلت: ساقه (الهدَّام) (1/ 144)، وقد أشار إليه ابن القيم، فلم يزد (الهدَّام) في تخريجه إيّاه على قوله: "أخرجه البخاري" (4043) ".
قلت: وهذا التخريج المُبْتَسَرُ؛ من الأدلة الكثيرة على أنّ (الهدَّام) لا يهمّه التحقيق الذي يدّعيه، إلّا للهدم فقط، وليس للتصحيح والبناء! ! وإلّا: فما باله اقتصر على هذا العزو، وهو بحاجة إلى دعمٍ بِغَيره؛ لأنّ الحديث في الموضع الذي أشار إليه من "البخاري" هو من رواية إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء؟ !
وهو يعلم أن في هذا الإسناد علّتين: إسرائيل، وجدَّه أبا إسحاق السبيعي، وأن هذا مجروح بالاختلاط والتدليس، وقد ضعّف به حديث خطبة الحاجة كما سبق رقم (19)، وحفيده لا يُعرف بسماعه منه قبل الاختلاط، ولذلك كان لا بدّ من إزالة عِلَّتَي التدليس والاختلاط؛ خشية أن يتشبّث بهما غيرُه من المحدَثين والهَدَّامين -بجهلهم أو بسوء نيّتهم-!
فأقول: لقد قصر (الهدَّام) -جهلًا أو تجاهلًا! - تقصيرًا فاحشًا في العزو المذكور؛ لِمَا يأتي:
أوّلًا: أنّ البخاريَّ قد أخرجه في مكان آخرَ (3038) بإسناد قوي؛ من طريق زهير: حدّثنا أبو إسحاق، قال: سمعت البراء. . .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)
فهذه متابعةٌ قويةٌ من زهير -وهو ابن معاوية، أبو خيثمة الكوفي- صرّح فيها بسماع أبي إسحاق من البراء، أزالت علّةَ التدليس؛ والحمد للَّه.
ثانيًا: لو توسَّع قليلًا في التخريج، وأطال نفَسَه فيه -ولا كإطالته في التضعيف! ! - لوجد تصريح إسرائيل نفْسِه بتحديث جده؛ في رواية أبي عَوانة في "صحيحه" عنه (4/ 306).
ثالثًا: بقيت عِلّةُ الاختلاط، وعهدي بـ (الهدَّام) أنّه كثيرًا ما يُضعِّف الأحاديثَ الصحيحةَ بمثل هذه العلّة! ! وسيأتي على ذلك بعضُ الأمثلة.
ولذلك؛ فإنّي أخشى (! ) أن يكون كتمها لغايةٍ في نفْسه؛ قد يُبديها عند الحاجة! ! وإلّا لدفعها -كما تقتضيه الأمانةُ العلميةُ- بطريقةٍ أو بأُخرى! !
وأنا -شخصيًّا- كنت دفعتها بشاهدٍ قويٍّ من حديث عبد اللَّه بن عباس رضي الله عنهما؛ كنت خرَّجته في "تخريج فقه السيرة" (250 و 251/ القلم)، ولذلك أوردته في "صحيح أبي داود" (2390)، وقد أخرجه مسلسلًا من طريق زهير بالتحديث، وخرّجت له -فيه- شاهدًا آخرَ من حديث عبد اللَّه ابن مسعود.
وأمّا قول الحافظ في "مقدّمة فتح الباري" في ترجمة أبي أسحاق السَّبِيعي (431):
"ولم أرَ في "البخاري" من الرواية عنه إلّا عن القدماء من أصحابه؛ كالثوريّ وشعبةَ، لا عَنِ المتأخرين؛ كابن عيينة وغيرِه".
فهذا من عجائبه رحمه الله! فإنّه الحافظ بحقّ-؛ فهذا الحديث -برواية إسرائيلَ وزهير- يردّه، وهناك أحاديث أُخرى لهما؛ قد كنت نبهّت على ذلك في بعض المواضع، فجلَّ اللَّه؛ {لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى}.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)
(تنبيه): لقدِ اكتفى المُعلِّق على "الإحسان" (11/ 40 - 41) بتخريج الحديث من رواية البخاريّ وغيره؛ دون أن يقوّيَه بالتّحديث والشواهد! !
34 - قال ابن القيِّم: "وفي الحديث المشهور: "إنّ لِلمَلَك بقلب ابن آدم لَمَّةً. . . "؛ الحديث، وفيه: ثمّ قرأ: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ. . .} الآية":
خرّجه (الهدَّام) من رواية التِّرمذي وابن حبّان من طريق عطاء بن السّائب -بسنده-، عن عبد اللَّه بن مسعود. . . -مرفوعًا-، وكتمَ تحسينَ التِّرمذي إيّاه! ! ثمّ أعلّه باختلاط عطاء، وبقول أبي حاتم: "أن الصحيح وقفُه على ابن مسعود، والناس يحدّثون من وجوه عن عبد اللَّه -موقوفًا-؛ ورواه الزهري، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، عن ابن مسعود. . . موقوف".
فأقول: إسناد هذا الموقوف صحيحٌ غايةً، أخرجه الطبريّ في "تفسيره" (3/ 59)، ثم أخرجه من طريق عامر بن عَبْدَةَ، عن ابن مسعود، وهو صحيحٌ -أيضًا-، وهذا يكفي في تصحيح الحديث المرفوع؛ لأنّه لا يقال بمجرّد الرّأي! ! كما هو معروفٌ عند أهل العلم، ولذلك قوّاه العلاّمة أحمد شاكر رحمه الله في تعليقه على "تفسير الطّبري" (5/ 572)، فقال:
"فإنّ هذا الحديث ممّا لا يُعلم بالرأي، ولا يدخله القياس، فلا يُعلم إلّا بالوحي من المعصوم صلى الله عليه وسلم، فالرّوايات الموقوفة لفظًا هي مرفوعةٌ حكمًا".
قلت: ولا سيّما وهي في تفسير القرآن؛ الأمر الذي يؤكّد أنّها في حكم الرّفع، وهذا ممّا يجهلُه أو يتجاهله (الهدَّام)! ! واللَّه المستعان.
35 - "رأى النّبيّ صلى الله عليه وسلم في رؤياه الزّناةَ والزّواني عراةً باديةً سوآتهم":
قال (الهدَّام) في تعليقه عليه (1/ 158):
"أخرجه البخاري (1386) من حديث سَمُرة بن جُنْدَب".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)
فأقول: هذا التخريجُ أقولُ فيه نحو ما تقدَّم في حديث البراء (33) -أو أكثر-؛ فإن في إسناده في الموضع المشار إليه من البخاري (جرير بن حازم)؛ وهو من المضعَّفين عند (الهدَّام)! ولذلك لم تُساعده نفسُه على الجزم بتحسين حديث له، فقال فيه: "أرجو أن يكون حسنًا"! (انظر الحديث الآتي)، فهذا التخريجُ -ونحوه مما سبق، ويأتي- مما يوكِّد ما قلتُه في المقدِّمة؛ أن عزوه الحديث للبخاري أو مسلم لا يعني عنده أنَّه صحيحٌ، فإنه يعزو إليه ويكتم ما في نفسه من الضعف فيه؛ سترًا على نفسه، أو تضليلًا لقرَّائه!
على أنَّ هذا الحديث لم يتفرّد به (جرير بن حازم) الذي قال: حدّثنا أبو رجاء، عن سَمُرة؛ مع كونه ثقة حجّة -كما سيأتي هناك-، فقد تابعه عوف: حدّثنا أبو رجاء: حدّثنا سَمُرة. . . أخرجه البخاري أيضًا (7047)؛ فلِمَ لَمْ يَعْزُهُ إليه تقويةً لرواية جرير؟ ! هل كان ذلك منه مكرًا، أم ذلك هو مبلغُ التحقيقِ عنده؟ أحلاهما مُرّ!
36 - "وقد سُئل عبد اللَّه بن مسعود -عن مسألة المفوّضة- شهرًا؟ فقال بعد الشهر أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن اللَّه. . . ":
قلت: أعلّه (الهدَّام) بقوله (1/ 175): "ورجاله ثقات، غير أنَّ فيه عنعنة قتادة".
قلت: هذا الإعلال عليلٌ كصاحبه! فإنَّ عنعنة قتادة مغتفرةٌ لِقلَّتها بالنسبة لحفظه وكثرة حديثه، وقد أشار إلى ذلك الحافظ في ترجمته من "مقدمة الفتح" بقوله: "ربّما دَلَّس"؛ وكأنَّه لذلك لم يذكره هو في "التقريب" بتدليس، وكذلك الذهبي في "الكاشف".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)
ونجد في "الصحيحين" -وغيرهما- أحاديثَ كثيرةً جدًا لقتادة بالعنعنة، حتى ابن حبّان الذي وصفه بالتَّدليس؛ قد أكثر عنه بها، ويحتمل أنَّ ذلك كان منهم لأنَّه كان -كما قال الحاكم- لا يدلِّس إلّا عنِ ثقة، كما نقله العلائي في كتابه القيِّم "جامع التحصيل" (ص 112)؛ هذا -أولًا-.
وأمّا ثانيًا: فقد عقَّب الإمام أحمد -روايةَ قتادةَ هذه- بروايةٍ أخرى (4/ 279 - 280) ليس فيها قتادة؛ وسنده صحيح، وفيه أنَّ ابن مسعود رضي الله عنه أفتى بما وافق السنة، وهو مخرّج في "الإرواء" من طرق (6/ 357 - 360).
37 - "وقال عُمر رضي الله عنه: أيَّها الناس! اتَّهِموا الرأي على الدين، فقد رأيتُني يوم أبي جَنْدَل؛ ولو أستطيع أن أردَّ أمْرَ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لَرَدَدْتُه":
قال (الهدَّام) (1/ 175): "ذكره السيوطي في "الجامع الكبير" -كما في "الكنز" (11/ 352) - عن شقِيق أبي وائل؛ قال: سمعت سهل بن حُنَيف يقول بصفِّين: أيَّها الناس! اتهموا رأيكم. . . فذكره، ولم ينسبه إلى عمر، وأشار إلى أنَّ ابن أبي شيبة ونعيم بن حَمَّاد في "الفتن" قد أخرجاه"!
قلت: هذا التخريج كسابقه المتقدم برقم (18) -ونحوه (21) -، مما يدلُّ على قلَّة عنايته بكتب السنة ودراستها، فهو يجهل ما فيها من الأحاديث إلَّا بمقدار ما تدلّه عليها الفهارس الموضوعة والمتكاثرة في هذا الزمان، فإنَّ حديث سهل هذا قد أخرجه الشيخان وغيرهما، وهو مخرّج في الفصل الثامن من "الرد على ابن حزم. . . "؛ فكيف يليق بمن يَدَّعي الاجتهاد (! ) في هذا العلم -حتى يَرُدَّ على الحفّاظ النّقّاد- أن ينزلَ إلى هذا المستوى من التقليد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)
والجهل، فيقلّد السيوطي في هذا التخريج المخزي؟ ! ثم هو لا يعود إلى كتاب ابن أبي شيبة الذي عزاه إليه ليدرسَ إسناده على الأقل، ويقدّم للقراء درجته من الصّحة! كان ينبغي أن يفعل ذلك لو كان يريد بهم النُّصْحَ والعلمَ؛ ولكنْ هيهاتَ هيهاتَ! فقديمًا قالوا: فاقد الشيء لا يعطيه!
والحديث في "مصنف ابن أبي شيبة" (15/ 299/ 19717).
38 - "وقد نهى رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم، أن يوطِّن الرجلُ المكانَ للصلاة كما يوطِّن البعير":
أقول: جزم المؤلف بنسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الصواب، وقد صحّحه ابن خزيمة وابن حبّان والحاكم والذهبي، وكنت حسّنته في "الصحيحة" (1168) بشاهدٍ خرَّجته هناك؛ فجاء (الهدَّام) فاختصر التخريج هنا (1/ 178)، أخذ منه ما شاء، وأعرض عن التصحيح والتحسين معًا!
39 - "ولم يزد على ثلاث، بل أخبر أنَّ من زاد عليها فقد أساء وتعَدَّى وظلم".
خرجه (الهدَّام) (1/ 180 - 181) من رواية عَمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، فقال:
"أميل إلى تضعيفها، ولم يرها من بابة الصحيحِ البخاريُّ ومسلمٌ وابنُ حبّان"!
كذا قال في رواية عَمْروٍ هذه -هنا-! وقال في أخرى له -في حديث آخر، قال فيه التِّرمذي: "حسن غريب"-؛ فعقَّبَ عليه بقوله: "وهو كما قال"! انظر الحديث المتقدم برقم (16).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)
وهكذا؛ فهو يكيل بكيلين، ويلعب على الحبلين! والحق أنَّه إسناد حسن عند العلماء، وقال الحافظ -في هذا- (1/ 433): "إسناده جيد".
وفي قوله: ". . . ولم يرها من بابة الصحيحِ البخاريُّ و. . . " تضليلٌ مقصودٌ؛ وذلك لأنَّ من الثابت في علم المصطلح أنَّ هناك مرتبة دون (الصحيح) وفوق (الضعيف) وهي مرتبة الحسن، -كما تقدم بيانه غير مرة-، و (الهدَّام) نفسه يطلقه أحيانًا على بعض الأسانيد والأحاديث، ومن ذلك موافقته للترمذي المذكورة.
وأشدّ ما في قوله المتقدم من التضليل: ما يتعلّق بالبخاري، فإِنَّه يُكثر من استعمال هذه المرتبة، وأشاعها التِّرمذي في "سننه"، وكثيرًا ما ينقل عنه تحسينه لبعض الأحاديث؛ كحديث (حَمْنَةَ) -مثلًا-.
وقد رددتُ عليه -مفصلًا-، وبيَّنتُ ما في قوله المذكور من غِشٍّ وكتمان للحقائق في تخريج هذا الحديث في "الصحيحة" (2980)؛ فلا داعي للإطالة.
40 - "وقوله صلى الله عليه وسلم: "الإثم ما حاك في صدرك":
قال (الهدَّام) (1/ 183): "أخرجه مسلم (2553) من حديث النَّوَّاس ابن سمعان".
قلت: وهو حديثٌ صحيحٌ عندنا بلا ريب، وأما عند (الهدَّام) فكان ينبغي عليه أن يشدَّ من عضده، لأنَّه من رواية معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جُبير بن نُفير، عن أبيه، عنه، فإِنَّ معاوية هذا مع احتجاج مسلم به، فإنَّ (الهدَّام) في كثير من الأحيان يطعن فيه، ويضع فيه ضعفًا! موهمًا القراء أنَّ حديثَه ضعيفٌ! فقد قال في حديثه في (المعازف): "له غرائب" -كما سيأتي تحت الحديث (79) -، وقال في حديث آخر له -صحّحه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 112)
التِّرمذي (1626) -: "فيه معاوية بن صالح وليس بالمتين"! كذا في "ضعيفته" التي في ذيل "رياضه" (ص 544).
من أجل هذا كان (يجب) على (الهدَّام) أن يُبَيِّنَ هذه العلة في حديث مسلم هذا، ليزداد النّاس معرفةً به وبفضائحه، وأن يذكر ما يقويه -إن كان يرى صحّته- من متابع أو شاهد!
وقد وجدتُ له متابعًا قويًّا؛ فرأيت أن أذكره هنا تأكيدًا لصحة الحديث، وردًّا على المرتابين والمشكِّكين؛ فأقول: أخرجه الدّارمي (2/ 322)، وأحمد (4/ 182) من طريق صفوان بن عمرو: حدثني يحيى بن جابر القاضي، عن النوّاس بن سمعان. . . به.
وهذا إسنادٌ صحيحٌ لولا أنَّه منقطع بين يحيى والنواس؛ والظاهر أنَّ بينهما عبد الرحمن بن جُبير بن نُفير، عن أبيه، عن النواس، كذلك قال في حديث آخر له -طويل- في خروج الدّجال وقيام الساعة؛ رواه مسلم (6/ 197) وأحمد (4/ 181 - 182) وغيرهما.
وأمّا شواهده؛ فكثيرةٌ، وقد خرَّج الحافظُ ابنُ رجب الكثيرَ الطيِّبَ منها في شرحه على "الأربعين النووية" (ص 181 - 182) تحت هذا الحديث، فلْيراجعها من شاء.
وممن رواه: التِّرمذي (2395) -وصحَّحه-، وابن حبّان (398)، وهو مخرَّج في "التعليق الرغيب" (3/ 256)، وهو مُلْحَقٌ ببعض الأحاديث المخرَّجة في "الصحيحين" -أو في أحدهما-، من التي طعن (الهدَّام) في بعض رواتها، كالحديثين المتقدمين برقم (33 و 35).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)
41 - "وقال أنس رضي الله عنه: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "لا تشدّدوا على أنفسكم فيشدِّد اللَّه عليكم، فإنَّ قومًا شدَّدوا على أنفسهم، فشَدَّد اللَّه عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات، {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} ":
قلت: جزم ابن القيم بنسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الصواب، وأمَّا (الهدَّام) فأعلّه بـ (سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء)؛ قال (1/ 187): "ولم يوثقه غير ابن حبّان"؛ وعزّاه لأبي داود (4904) فقط!
هذا هو مبلغُ تحقيقهِ وعلمهِ! وهو مما (يساعده) على تضعيف الأحاديث الصحيحة وهدمه! فاعلم -أيها القارئ الكريم! - أنَّ الحديث رواه ابن أبي العمياء، عن سهل بن أبي أُمامة، عن أنس -مرفوعًا-. . . به، وفيه قصة، وابن أبي العمياء هذا مجهول الحال، ولهذا كنت خرَّجت حديثه هذا بتمامه في "الضعيفة" (3468).
وأمّا هذا القدر الذي ذكره ابن القيم فهو صحيحٌ، لأنَّه قد توبع سعيدٌ هذا عليه، وإن كان خولف في إسناده:
فقال أبو شُريح عبد الرحمن بن شريح الإسكندراني -الثقة-: عن سهل ابن أبي أُمامة بن سهل بن حُنيف، عن أبيه، عن جده -مرفوعًا-. . . به نحوه، إلى قوله: "والديارات"، دون ما بعده.
قلت: فجعله من مسند (سهل بن حُنَيف)، وهذا إسنادٌ صحيحٌ؛ أخرجه البخاري في "التاريخ"، والطبراني في "المعجم الكبير"، و"الأوسط"، والبيهقي وغيرهم، وقد خرّجته في "الصحيحة" (3124)، وتكلّمت فيه على إسناده، ودعّمته فيه بشاهدين مرسلين، إسناد أحدهما صحيح، بما لا يشكّ الواقف على ذلك أنَّ الحديث صحيحٌ بلا ريب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 114)
فماذا يقول القراء فيمن جهل -أو تجاهل- هذه الحقائقَ والطرق والمصادر، واقتصر على طريق ابن أبي العمياء ومصدره الواحد؟ ! فاللهم هداك!
42 - "قال صلى الله عليه وسلم: "رُفع القلم عن ثلاثة: المجنون حتى يفيق، والنائم حتى يستيقظ، والصبي حتى يبلغ"":
ضعفه (الهدَّام) (1/ 191) بعد أن عزَاه لجماعة من أصحاب "السنن" -وغيرهم؛ كابن الجارود، وابن حبان، والحاكم من أصحاب "الصِّحاح"- من حديث عائشة رضي الله عنها؛ وقال بجهلٍ بالغ: "وفي حماد بن أبي سليمان ضعفٌ، وله شواهد عن علي، وابن عباس، وأبي هريرة وغيرهم، وفي أسانيدها كلها كلام، ويشبه أن يكون موقوفًا (1) "! !
كذا قال (الْمُتَمَجهد) المتعالم! غيرَ مُبالٍ بمخالفته لجميع العلماء من المحدِّثين والمفسِّرين والأُصوليين والفقهاء، الذين احتجوا به تقعيدًا وتفريعًا، ومنهم أبو الوفاء ابن عَقِيل الذي احتجَّ به -كما ذكر ابن القيم- على الموسوس الذي انغمس في الماء مرارًا كثيرًا، ثم سأل: هل صحَّ غُسلي أم لا؟ فأجابه ابن عَقِيل بقوله. "قد سقطت عنك الصلاة"! . . . واحتج عليه بالحديث قائلًا: "من ينغمس في الماء مرارًا ويشك: هل أصابه الماء أم لا؟ فهو مجنون! ".
لقد تعامى (الهدَّام) عن هذا، كما تعامى عن تصحيح أصحاب "الصِّحاح" المذكورين - وغيرهم؛ كابن خزيمة، وعبد الحق الإشبيلي، وابن دقيق العيد، والذهبي، والعسقلاني -وغيرهم-، كما خالف الجمهور الَّذين وثَّقوا الإمام الفقيه حماد بن أبي سليمان؛ لكلامٍ يسيرٍ فيه من بعضهم.
وقال الحافظ النّقّاد الذهبي: "ثقة إمام مجتهد، كريم جواد".
واحتج به مسلم.--------------------------------------------
(1) وكذا قال في تعليقه على "رسائل الشيخ نسيب رحمه الله" (ص 176)!
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)
وقول (الهدَّام): "وفي أسانيدها كلها كلام": كذبٌ مكشوفٌ؛ فإنَّ حديث عَلِيٍّ -الذي تهرَّب من تخريجه- له وحده أربعةُ طرقٍ أَحَدُها صحيح، كما تراه محقَّقًا في "الإرواء" (2/ 4 - 7)، وصحّحه الحاكم، والذهبي، وكذا ابن خزيمة، وعبد الحق، وحسّن التِّرمذي أحد أسانيده الأخرى.
وقوله: "ويُشبه أن يكون موقوفًا"!
فأقول: على مَن؛ أيُّها الْـ. . .؟ ! أعلى عائشة؟ ! أم علي؟ ! أم ابن عباس؟ ! أم أبي هريرة؟ ! وغيرهم ممن طَوَيْتَ ذكرَهم -مثل ثوبان، وشداد-؟ !
فَمَنْ يقول في مثل هذا الحديث المرويِّ عن هؤلاء الصحابة قولَك هذا؛ فإنَّ أحسن أحواله أن يكون كالذي قال فيه ابنُ عَقِيل ما تقدّم!
وأخيرًا، فهذا الحديث من الأمثلة الكثيرة التي تدل على أنّ (الهدَّام) لا يتبنّى ما عليه العلماء من تقوية الحديث بكثرة الطرق الخالية من الضعف الشديد -كما تقدّم بيانه في المقدمة رقم (2) -.
43 - "وقد روى أبو داود في "سننه" من حديث عبد اللَّه بن مُغَفَّل، قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "سيكون في هذه الأمّة قوم يعتدون في الطهور والدعاء":
قلت: خرّجه (الهدَّام) من طريق حماد بن سلمة، عن سعيد الْجُرَيْري، عن أبي نَعَامة قيس بن عَبَايَةَ، عن عبد اللَّه بن مُغَفَّل، وأعلّه بالانقطاع بين قيس وعبد اللَّه؛ تمسُّكًا منه بشرط اللقاء -الذي أثبتنا في المقدمة أنَّه شرطُ كمال وليس شرطَ صحة، فلا نطيل الكلام برَدّه-، وأعلّه بقوله: "ولا يَبْعُدُ أن يكون حمّاد بن سلمة سمعه من الْجُرَيْري في اختلاطه"! وهذا مما يؤكد محاربته للسنة، لأنَّه مجردُ استظهارٍ قائمٍ على التشَهِّي لهدمها، ولو عارضه أحدٌ وقلب عليه قوله؛ لم يستطع ردّه!
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 116)
على أنَّ قولَه باطلٌ؛ لأنَّه معارِضٌ لقول الحافظ العِجْلي في "تاريخ الثقات" (181/ 531) بأنَّ حماد بن سلمة سممع منه قبل الاختلاط، وهو قول أبي داود أيضًا؛ وصنيع مسلم بروايته له عنه في "صحيحه".
ثم أعَلَّه (الهدَّام) بعلَّةٍ أخرى؛ وهي مخالفة زياد بن مِخْرَاق الذي رواه عن قيس، عن مولى لسعد بن أبي وقاص، عن ابن لسعدٍ. . . -مرفوعًا-، فقال:
"وهذا عندي (! ) أصحّ، على ضعف إسناده"!
وهذا كسابقه؛ عمدتُه التشهّي والهوى! على أنَّ الضعف الذي أشار إليه؛ ليس هو جهالةَ المولى -فقط- كما يُشعر به كتمانُه للعلة الحقيقية التي صَرّح بها الإمام أحمد-؛ فقد سُئلَ عن حديث زياد هذا؟ فقال:
"لم يُقِمْ إسناده".
يشير إلى أنَّه اضطرب فيه، وقد بيّنتا ذلك في "صحيح أبي داود" (1330).
ثم إنَّ مما يُسقط العللَ المدّعاةَ -من جذرها- تتابعَ العلماءِ على تصحيح الحديث؛ مثل ابن حبان، والحاكم، والنووي، وابن كثير، والعسقلاني -وغيرهم-، وهو مخرّج في "صحيح أبي داود" برقم (86).
وسيأتي حديثٌ آخرُ صحيحٌ، احتجَّ به ابن القيِّم، ورواه مسلم في "صحيحه"؛ ومع ذلك أعَلّه (الهدَّام) باختلاط الجُرَيْري! فانتظر الرَّد عليه برقم (76).
44 - "روى أبو داود عن امرأةٍ من بني عبد الأشهل؛ قالت: قلت: يا رسول اللَّه! إن لنا طريقًا إلى المسجد منتنةً، فكيف نفعل إذا مُطِرنا؟ (1) قال:--------------------------------------------
(1) الأصل (تطهرنا)! وكذلك في الطبعة الأولى (1/ 145)! !
وهذا الخطأ؛ من الأدلة الكثيرة على أنَّ الرجل لا تحقيقَ عنده ولا فقهَ! وله أمثلةٌ أخرى تقدم -ويأتي- بعضها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 117)
"أو ليس بعدها طريق أطيب منها؟ ! "، قالت: قلت: بلى، قال: "فهذه بهذه"":
قلت: خرّجه (الهدَّام) (1/ 207) عن المرأة، وقال: "رجاله ثقات"! ثم خرّجه من حديث أم سلمة، وقال: "وفيه جهالة، وقال العُقيلي: إسناد صالح جيد".
هكذا قال (الهدَّام)، فعمّى على القراء رأيَه في إسناد الحديث؛ فقال: "رجاله ثقات"، ولم يُصحِّحه ولم يُحسِّنة! وهو يعلم الفرقَ بين هذا وبين ما قال، ولذلك عمّى ولم يبيِّن! وقال في حديث أم سلمة: "فيه جهالة. . . "، ولم يحدّد موقفَه من قول العُقَيلي المذكور، وأعاد قولَه بالجهالة -فيما يأتي (1/ 211) - بلفظ: "يطهِّره ما بعده".
والحقُّ أن إسناد حديث المرأة الأشهلية صحيحٌ، كما كنت قُلْتُهُ في "المشكاة" (1/ 158/ 512) "تبَعًا لمن سبقني من الحفاظ، مثل عبد الحق الإشبيلي، والمنذري، كما حقّقته في "صحيح أبي داود".
وإنَّما لم يُصَحِّحه (الهدَّام) لجهله بلقاء (موسى بن عبد اللَّه بن يزيد الخَطْمي) الراوي عن المرأة الأشهلية، مع أنَّهم قد ذكروا له روايةً عن جمع من الصحابة، منهم المرأةُ هذه، وهو ثقةٌ، ولم يُرْمَ بتدليس، فروايته محمولةٌ على الاتصال، كما سبقت الإشارة إلى ذلك في الحديث الذي قبله.
ومع هذا" فيشهد له حديثُ أم سلمةَ الذي جوَّد العقيليُّ إسنادَه، وصحَّحه ابن العربي وابن حجر الهَيْتَمي، وهو مُخَرَّج -أيضًا- في "صحيح أبي داود" (409)، وذكرت تحته شاهدًا آخر من حديث أبي هريرة، لكن (الهدَّام) لا يعبأ بالشواهد وتصحيح العلماء ما خَالَفَتْ هواه!
45 - "وقال عبد اللَّه بن مسعود: كنّا لا نتوضأ من موطئ":
قلت: إسناده صحيح، ولكن (الهدَّام) لم يزد في تخريجه إياه على قوله (1/ 207):
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 118)
"أخرجه أبو داود (204) ورجاله ثقات"!
فأقول: ما فائدة هذا التوثيق -وهو لا يعني تصحيحًا- كما تقدم بيانه آنفًا-؟ ! ، بل ذلك قد يعني عنده أنَّ فيه عِلَّة، فإن كان كذلك؛ فما هي؟ ! وهل هي قادحةٌ في صحته أم لا؟ ! كل ذلك كان يجب على (الهدَّام) بيانه لو كان محقِّقًا -حَقًّا- كما يزعم!
والحقيقة؛ أنَّ الحديث رواه جماعةٌ من الثقات، عن الأعمش، عن شَقِيق، عن عبد اللَّه بن مسعود. . . به، ومن أولئك الثقات أبو معاوية الضرير، فوافقهم تارة، وخالفهم مَرَّة، فزاد في الإسناد (مسروقًا) بين شقيق وعبد اللَّه، ولا شك أنَّ روايته الموافقةَ للجماعة هي الصوابُ، ولذلك صحَّحها الحاكم على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وقد بيّنت هذا الذي أجملتُه هنا في "صحيح أبي داود" (200)، وأزيد الآن فأقول:
قال ابن أبي شيبة في "المصنف" (1/ 56): حدّثنا شَرِيك، وهُشَيم، وابن إدريس، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد اللَّه، قال. . . فذكره.
فمَن وقف على هذه الحقائق، كيف لا يبادر إلى التصريح بصحة إسناده، وهو عالمٌ به ناصحٌ لقرائه؟ !
فإن قيل: لعله لم يصحّحه لعنعنة الأعمش! فأقول: ليس الأمرُ كذلك، فقد صَرَّح بتصحيح حديثِ آخرَ للأعمش من روايته عن شقيق -فيما تقدم عنده (1/ 125) -.
46 - "روى أبو هريرة، أنَّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "إذا وطئ أحدكم بنعله الأذى، فإنَّ التراب له طهور"، وفي لفظ. . .؛ رواهما أبو داود":
قلت: مدارهما على الأوزاعي، وقد اختُلف عليه فيه على وجهين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)