جَمْعٌ منهم شيخ الإسلام ابن تيميَّة في مواضع من كتبه وفتاويه، فانظر مثلاً "مجموع الفتاوى" (21/ 358) و (25/ 279 - 280).
ووقع هنا - أيضاً - في كتمانه العلمَ الذي هو حُجَّةٌ عليه، فإنَّ من المصادر - التي عزا الإسنادين المشار إليهما -: الحاكم (1/ 178) والبيهقي (1/ 227)، ومع ذلك؛ فإِنَّه كتم الطريق الأخرى السالمة من الانقطاع، فأخرجه الحاكم (1/ 165) والبيهقي (1/ 226 - 227) من طريق الوليد بن عبيد الله ابن أبي رباح، أنَّ عطاءً حَدَّثهُ، عن ابن عباسٍ … به، ببعض اختصارٍ، وقال البيهقي: "هذا حديث موصول"، وصحَّحه الحاكم والذهبي.
كما كتم - أيضاً - تصحيح ابن خزيمة، وابن حبّان، وابن الجارود، وقد رأى ذلك - على الأقل - بواسطة "الإحسان" (4/ 140 - 142)؛ الذي كثيراً ما يُحيل إليه إذا كان تعليق شيخه شُعيب عليه موافقاً لهواه! ولمّا كان الشيخ وفِّق - والحمد لله - للصواب؛ فقوّى الحديث لطرقه، لم يُحِلْ عليه! فهو شيخه عند الموافقة! وأمّا عند المخالفة فلا هو ولا أحدٌ من الأئِمّة والحفّاظ المعروفين! ! ولسان حاله يقول عن شخصه وعلمه: (لا هو إلَّا هو)! نعوذ بالله من العُجْبِ والغرور! !
4 - "وفي "المسند" و"الترمذي" من حديث عَدي بن حاتم، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "اليهود مغضوبٌ عليهم، والنصارى ضالّون"": أقول: لم يكشف (الهدَّام) عن حكمه عليه بصحَّةٍ أو ضعفٍ، ولكنَّه أعلَّه بالجهالة والإرسال، وترك الحكم عليه معلَّقاً، لا يهمُّهُ: أَفَهِمَ القراءُ منه صحته أو ضعفه؟ ! وهو مما يؤكِّد أنَّه لا يغار على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو أنَّه كان على {سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} لأفصح - أوّلاً عن صحة إسناد المرسل، ولقوّاه بالمتَّصل الذي فيه الجهالة - ثانياً -، ولكنَّ الأمر أخطر من سكوته هذا،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)
وهو كتمانه لحقائق علمية هامّة تؤكد أن الحديث صحيحٌ يقيناً؛ وهاك البيان:
أولاً: كتم تحسين التِّرمذي إياه، وقد عزاه إليه! وتصحيح ابن حبّان إيّاه، ولم يعزه إليه!
ثانياً: كتم توثيق ابن معين لـ"مُرَيِّ بن قَطَرِيٍّ" (1)؛ الذي قد يساعد على الاستشهاد بحديثه، وهو مسند متصل.
ثالثاً: طريق آخرى كتمها، ولم يتعَرَّض لذكرها مع أنَّه رآها عند الطبري الذي عزا ما خرَّجه إليه! وهو من رواية الشعبي عن عدي رضي الله عنه، وإسناده صحيح؛ كما قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في تعليقه على "تفسير الطبري" (1/ 185).
رابعاً: جهل أو تجاهل شاهداً قويّاً له من حديث أبي ذرٍّ، حسَّن إسناده الحافظ ابن حجر في "الفتح" (8/ 179).
خامساً: جهل - أو تجاهل - تتابعَ العُلماءِ على تصحيحه أو الاحتجاج به، فهذا شيخ الإسلام ابن تيميّة يحتج به في "الفتاوى" (3/ 127)، وفي مكان آخر منه (1/ 64) يُصَحِّحُهُ، وصرَّح ابن أبي العزّ الحنفي بثبوته في آخر "شرحه على العقيدة الطحاوية".
والحديث قد خرَّجته في "الصحيحة" برقم (3263).
5 - "قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أصدق الأسماء حارث وهمّام"": جزم ابن القيم بنسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وعاكسه (الهدَّام) على عادته! فقال بعد ما ساقه من حديث أبي وهب الجُشَمي مسنداً، ومن حديث تابعيَّيْنِ ثقتين - أحدهما شامي والآخر مكي - مرسلاً: "ولست أراه يصح بهما"!--------------------------------------------
(1) كما في "تاريخ عثمان بن سعيد الدارمي عنه" (ترجمة 766).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
وهذا - منه - على ما جرى عليه في كل تخريجاته من إعراضه عن تقوية الضعيف بكثرة طرقه - كما نبَّهت عليه في المقدِّمة -؛ ولذلك سكت عنه الحافظ في "الفتح" (10/ 578)، واحتج به شيخ الإسلام ابن تيميّة، وجزم - أيضاً - بنسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم في "الفتاوى" (20/ 122) و (28/ 135)، وأورده عبد الحق الإشبيلي في "الأحكام الشرعية الصغرى" (2/ 818) التي خصها بالأحاديث الصحيحة.
والحديث مخرّج في "الصحيحة" (1040)، و"الإرواء" (1178).
6 - "في "صحيح مسلم" عن صُهيب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم:
"إذا دخل أهل الجنة الجنّة، نادى منادٍ: يا أهل الجنّة! إنَّ لكم موعداً … فما أعطاهم شيئاً أحب إليهم من النظر إليه"":
قلت: هو من رواية حماد بن سلمة: ثنا ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب.
وقد قال ابن المديني وغيره: "لم يكن في أصحاب ثابت أثبت من حماد بن سلمة"؛ كما في "السير" للذهبي، وقال (7/ 446):
"ومسلم روى له في الأصول عن ثابت وحميد، لكونه خبيراً بهما".
ولذلك قال الحافظ في "التقريب": "ثقة عابد، أثبت الناس في ثابت".
قلت: من أجل ذلك كنت صحَّحته في "الظلال" (472) وغيره، ولا سيّما تَتَابَعَ حفاظُ الأمّة، وأئمَّةُ الإسلام على تخريج حديثه هذا - مع الإمام مسلم - في كتب الصحاح، والاحتجاج به في كتب السّنة وأصولها، منهم أبو عَوانة، وابن خُزيمة، وابن حِبان في "صِحاحهم"، وصحَّحه البغوي في "شرح السنة"، واحتج به ابن خزيمة في "التوحيد"، واللالَكائي في "أصول الاعتقاد"،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)
والبيهقي في "الأسماء والصفات"، و"الاعتقاد"، وابن تيميّة في "الفتاوى" (8/ 356)، وابن القيم - كما ترى -، وابن أبي العزّ في "شرح العقيدة الطّحاوية"، والحافظ ابن حَجَر في "الفتح" (13/ 432) - وغيرهم مِمّن يصعب استقصاؤهم، دون أي خلاف سالف من غيرهم -.
ورغم هذا تطاول هذا (الفَسْل القميء) عليهم، وخالف سبيلَهم، زاعماً أنَّ: "إسناد هذا الحديث إلى صهيب غلط، مَنْشَأُهُ من حماد بن سلمة، فقد خالف جمعاً من الثقات بزيادته صحابيَّ الحديث صهيباً، ورفعِه، ولا تحتمل زيادته الصحة".
ثم خرّجه من رواية الطبري من طريق حماد بن زيد، وسليمان بن المغيرة، ومَعْمَر، عن ثابت … به دون ذكر صهيب؛ موقوفاً على ابن أبي ليلى، وقال.
"وهو الصواب".
فأقول: هذا مُنتهى الصَّفَاقةِ من هذا الأفِين، فإِنَّه - فوق تجرُّئه على تخطئته لأولئك الفحول - يستدل على ذلك برواية الثلاثة الذي خالفوا حماد ابن سلمة، فأوقفوه على ابن أبي ليلى - وهم دون ابن سلمة في ثابت خاصة - كما تقدم عن ابن المديني وغيره -، ومنهم الإمام أحمد.
وإن مما لا شك فيه أنّ الحفاظ الذين جاؤوا من بعد مسلم - والذين أخرجوا الحديث وصحّحوه أو احتجّوا به - قد وقفوا على رواية هؤلاء المخالفين، فلم يرفعوا إليها رأساً؛ لعلمهم بأرجحيَّه رواية ابن سلمة عن ثابت على روايتهم، ومنهم الإمام الطبري نفسه، فإنَّه أَتبع روايتهم برواية ابن سلمة؛ مشيراً بذلك إلى أنَّها هي الصحيحة المعتمدة؛ ولعله - لذلك - كَتَمَ هذا (الهدَّام) ذِكْرَ الطبريِّ عن القراء؛ فلم يذكره في جملة المخرِّجين لها، كما كتم عزوَها إلى هؤلاء الحفّاظ الذين أخرجوه في "صِحاحهم": أبي عَوانة، وابن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
خزيمة، وابن حبان، والبغوي - كما تقدم -.
وهناك حقيقةٌ أخرى كتمها - مدلِّساً بذلك على القُرّاءِ -؛ وهي أن رواية الثلاثة، وإن كانت متفقة وقفاً، فهي مختلفةٌ اختلافاً ظاهراً متناً، فلو أنَّه ساقها: لتبيّن للقراء جهلُه بهذا العلم الشريف، وأنَّه فارغ منه كالطبل، وهاك البيان:
أولاً: رواية مَعْمَر وسليمان بن المغيرة، أخرجها الطبري من رواية ابن المبارك عنهما، عن ثابت، عن ابن أبي ليلى - مختصرة جداً -، بلفظ: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} قال: النظر إلى وجه ربهم".
ثانياً: رواية حماد بن زيد عنه، روايتان:
إحداهما: كهذه، رواها عنه عبد الرحمن - وهو ابن مهدي -، قال: ثنا
حمّاد بن زيد … به، مختصراً.
والأخرى: يرويها ثقتان عنه - مطولاً -، نحو رواية ابن سلمة.
وإذا عُرف هذا؛ فما هو الراجح من هذا الاختلاف؟
إن من الواضح أن ما اتفق ثقتان عليه أرجحُ مما رواه ثقة واحد، ولا سيّما إذا كانت روايته أنقصَ متناً من روايتهما، فرواية عبد الرحمن بن مهدي مرجوحة من هذه الحيثيّة، لكننا نرى أنَّه قد تابعه الثقتان الآخران: مَعْمَر وسُلَيمان بن المغيرة، فهي بهذا الاعتبار راجحة، ورواية الثقتين مرجوحة؛ هذا إذا جرينا - لا قدَّر الله! - على ما جرى عليه (الهدَّام) من الترجيح بالكثرة!
وههنا حقيقةٌ أخرى يجهلها من لم يمارس هذا العلم ممارسة طويلة، ولم يتفقّه بأساليب الحفاظ النقادين في معالجة الاختلاف بين الروايات، وهي أنَّهم يلاحظون - أحياناً - أن الخلاف إنَّما سببه الاختصار - لسبب أو آخر -؛ فقد يقتطع الثقة من الحديث قطعة تناسب المقام، وقد لا يرفعه لاعتقاده أنَّه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
معروف عند الحاضرين، إلى غير ذلك من الأسباب التي تختلف باختلاف الظروف المحيطة بالرواة، وإنَّ مما يؤيِّد هذا هنا ما رواه الإمام الطبري بالسند الصحيح - جداً - عن عبد الرحمن بن مهدي، عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية:
{لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} ، قال: "إذا دخل أهل الجنّة الجنة … "
الحديث، نحو حديث حمّاد بن سلمة، وفيه: " … فوالله ما أعطاهم شيئاً أحَبَّ إليهم من النظر إليه".
فهل يقولُ عالمٌ: أخطأ ابن مهدي في رفعه - وبهذا التمام - مخالفاً لروايته المتقدمة المختصرة الموقوفة؟ !
ومن هذا القبيل ما رواه البيهقي في "الأسماء" (ص 307) من طريق قَبِيصة بن عُقبة أبي عامر: ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب - مرفوعاً - في قوله عز وجل: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ}، قال: "النظر إلى وجه ربّنا عز وجل".
فهذا - كما ترى - قطعة من حديث حمّاد بن سلمة المرفوع، فهل يقال: أخطأ قَبيصة على حمّاد؟ أو: أخطأ حماد على ثابت؟ ! كلاّ ثم كلاّ، وقد عرفتَ السبب فيما قدّمنا.
وإذا عرفتَ هذا؛ فالحقُّ أنَّ كل هذه الروايات - من أولئك الثقات - الدائرةِ على ثابت، كلّها ثابتة صحيحة عنه، فالاختلاف الذي بينها ليسَ اختلافَ تعارضٍ، وإنّما اختلاف تنوعّ، وقد يكون ذلك من ثابت نفسه، فحفظ كلٌّ منهم ما سمع منه، وقد يكون منهم أنفسهم، وهذا أرجحُ عندي؛ لما تقدم بيانه.
وسواء كان هذا أو ذاك؛ فرواية حمّاد بن سلمة عنه صحيحة؛ لما معه من الزيادة سنداً ومتناً، ولأنَّه أثبتهم عن ثابت - كما تقدم عن الحفّاظ -.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
فهذا الحقّ ليس به خفاءُ … فَدَعْني مِنْ بُنَيَّات الطريق
7 - "وفي "الترمذي" عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "يقول الله تبارك وتعالى: ابنَ آدم! تفرّغ لعبادتي أملأ صدرك غنى … ": ضعفَّه (الهدَّام) بقوله - بعد أن عزاه للترمذي وابن ماجه -:
"وفيه زائدة بن نَشِيط، وهو مجهول الحال".
قلت: أخذ هذا الإعلال مِن "الصحيحة" (1359)، وكتم - كعادته - تلبيساً على قرائه - الحقائق التالية:
أوّلاً: قول التِّرمذي - عقبه -:
"حديث حسن غريب".
ثانياً. تصحيح ابن حبّان إيَّاه - وهو على علم به، فقد عزوته إليه في "الصحيحة" -.
ثالثاً: تصحيح الحاكم والذّهبي إياه.
رابعاً: شاهداً قوياً له من حديث مَعْقِل بن يسار - مرفوعاً -، صحّحه الحاكم والذّهبي - أيضاً -.
وهو على علم بذلك كله، لوروده في "الصحيحة"، ولكنّه الكبر والحسد وحب الظهور، ولو على حساب هدم السّنة - عامله الله بما يستحق! -.
يضاف إلى ذلك أنَّ الحافظ المنذري أورد الحديثين في "الترغيب والترهيب" (4/ 81) مشيراً إلى ثُبُوتهما، ومقرّاً للحاكم على تصحيحهما.
8 - "قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث التِّرمذي وغيره: "الدّنيا ملعونة، ملعون ما
فيها؛ إلاّ ذكر الله وما والاه"":
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
قلت: كذا جزم ابنُ القَيِّم رحمه الله بنسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الصواب، وعاكسه (الهدَّام)، فقال (1/ 56): "حديث ضعيف، ولعلّه قولٌ لبعض السلف"!
فأقول: اجعل (لعلّ) عند ذاك الكوكب، فإِنَّه قولٌ مبتدَعٌ لم يقل به أحدٌ ممن سلف، ولو كان من الخلف، فحريٌّ بمثله أن يُرمى به أرضاً.
ثم خرَّجه من رواية التِّرمذي وابن ماجه - فقط -، فأَعلّه بـ (عبد الرحمن ابن ثابت بن ثوبان)، قال. "وهو ضعيف"، وبعطاء بن مُرَّة (كذا؛ والصواب: قره! )، قال: "ولم يعرفه ابن المديني".
ومن حديث ابن مسعود، وأبي الدرداء، وجابر، ونقل عن أبي حاتم أنَّه قال: "وهذا خطأ، وإنَّما هو محمد بن المنكدر، أن النبي … مرسلاً"، ثم قال: "وبهِ قال الدارقطني وابن الجوزي".
وفي الرّد عليه أقول: أَحْصُرُ الكلامَ على حديث أبي هريرة، وحديث جابر: أمّا حديث أبي هريرة؛ فنقول: إِنه حسن الإسناد، رغم أنفط (الهدَّام)؛ وذلك لأنَّ عبد الرّحمن بن ثابت ليس ضعيفاً كما زعم، بل هو وسطٌ، ولذلك قال المنذري والذهبي فيه: "صدوق".
وسيأتي بيان ذلك مفصلاً تحت الحديث (103)، ولذلك صحّح له كثير من الحفّاظ المتقدمين والمتأخرين، كالترمذي، وابن حِبّان، والحاكم، والمنذري، والذهبي، والعراقي، وغيرهم.
وأمَّا تشبُّثُهُ بقول ابن المديني في عطاء بن قُرّة: "لا أعرفه"! فهو من أسلوبه في هدم السنّة، فإِنَّه يقدِّم النّفي على الإثبات - خلافاً لقاعدة الفقهاء - بل العقَلاء جميعاً: (من علم حُجَّة على من لم يعلم) -، فإِذا هو لم يعرفه،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
فلا ندفع به علم من عرفه، فقد قال فيه أبو زرعة الدِّمشقي: "كان من خيار عباد الله"، وذكره ابن حبّان في "الثِّقات" (7/ 222) وروى عنه جمع من الأئمة الثقات الحفّاظ كالثوري، والأوزاعي وغيرهم، ولذلك قال الذهبي في "المغني":
"صدوق".
ونحوه في "التقريب".
وقد صحّح له ابن حِبّان غيرَ ما حديث، والحاكم، فانظر "الصحيحة" (653)، وحسّن له التِّرمذي هذا الحديث، وأقرّه الحافظ المزّي، والحافظ العسقلاني في "تهذيبَيهما"، ومن قبلهما الحافظ المنذري في "الترغيب" (1/ 56)، والإمام النووي في كتابه "رياض الصالحين" (رقم 1391).
وكل هذا مما كتمه (الهدَّام) عن قرائه، ليحملَهم على تقليد جهله، ويصرفهم عن اتّباع أهل العلم والبصيرة من علمائهم.
وهذا الحديثُ من الأحاديث الكثيرة التي حذفها (الهدَّام) من "رياض" النووي، ولم يوردها في "رياضه"- هو - (ص 359 - 361) - وقد أضلّه الله عنه - والحمد لله -، فلم يورده في ذيله الخاص بما ضعَّفه من أحاديث "رياض" النووي! وقد قارب عددها الخمسين بعد المئة، ويتفاخر بذلك في مقدِّمةِ "الذيل"! !
وكذلك أقرَّه الحافظ العراقي في "تخريج الإحياء" (1/ 10) و (3/ 202). وأمَّا حديث جابر فَرَدُّنا على (الهدَّام) - فيه - من وجهين:
الأوّل: أنَّه ساقه متصلاً من طريق سفيان الثوري، عن ابن المنكدر عنه، وهذا - في الظاهر - إسناد صحيح، ومع ذلك أعلّه بالإرسال - تقليداً لأبي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)
حاتم وابن الجوزي -؛ مع أنّ الأوّل ساق إسناده من طريق عبد الله بن الجرّاح القُهُسْتَاني، عن أبي عامر العَقَدِي، عن سفيان … به؛ وهذا إسناد جيد، وهو الذي رواه أبو نُعَيْمٍ في "الحلية"، وإليه فقط عزاه (الهدَّام) (1)، وسكت عنه - تقليداً منه لأبي حاتم الذي لم يذكر الثقة الذي أرسله -؛ وأبو عامر هذا، هو: عبد الملك بن عمرو القيسي؛ ثقة من رجال الشيخين، فَمَن هو الذي خالفه من الثقات ممّن هو أوثق منه؛ حتَّى يثبُتَ خطأ ذلك الوصل المدعى؟ !
وإن كان المقصود بالخطإ هو عبد الله بن الجرّاح (2): فهو محتملٌ؛ لأن فيه بعض الضعف - كما بيّنته في المكان المشار إليه - آنفاً -، ولكن ذلك لا يمنع من أن يكون قد حفظه، ولذلك جزم بنسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم ابن عبدالبر - حافظ المغرب - في "التمهيد" (1/ 316 - 317)، فالسؤال المذكور - عن الثقة اليرسل: من هو؟ - لا يزال قائماً.
وأمّا ابن الجوزي الذي آثر (الهدَّام) تقليدَه على التحقيق العلمي - اتِّباعاً لهوى هَدْمِه -؛ فقد ذكر المخالف الذي لا يجوز الأخذ بحديثه؛ ولو لم يخالف غيره لضعفه - من جهة -، وشدة ضعف الراوي عنه - من جهة أخرى -؛ فقد ساق (2/ 316/ 1331) بإسناده عن محمد بن حُميد - وعنه ابن أبي الدّنيا في "ذم الدنيا" (14/ 7) -: ثنا مِهران بن أبي عمر: نا سفيان الثوري، عن محمد؛ المنكدر، عن أبيه - مرفوعاً - به.
قلت: مِهران - هذا - قال الذهبي في "المغني":--------------------------------------------
(1) وقد رواه جمع آخر من المصنفين ذكرتهم في "الصحيحة" (2797).
(2) وقد ذكر أبو نعيم أنّه تفرد به، وكذا قال الدّارقطني في "الأفراد" - كما في "أطرافه"
لأبي الفضل المقدسي (ق 111/ 2) -.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
"وثّقه ابن معين، وقال البخاري: في حديثه اضطراب".
وقال الحافظ:
"صدوق له أوهام، سيِّئ الحفظ".
والرّاوي عنه أسوأ منه - كما ذكرت - آنفاً - وهو الرّازي، قال الحافظ:
"ضعيف".
وتركه الذهبي في "الكاشف".
وقال في "المغني":
"ضعيف لا من قبل الحفظ! "، ثم حكى عن غير واحد تكذيبه. وابن الجوزي - عفا الله عنا وعنه - طالما ضعّف أحاديثه في غير ما كتاب من كتبه، وهنا يحتجُّ بإعلال حديث الثقة الذي لا غمز فيه، وهو أبو عامر العَقَدي، فإِنَّه قال عَقِبَ حديث ابن حُميد:
"هذا الحديث مرسل، كذلك رواه مِهران، وقد رواه أبو عامر العَقَدي، عن الثوري، عن ابن المنكدر، عن جابر"!
فتأمل كيف يجزم بأن عامراً قد رواه عن الثوري بسنده الصحيح - كما قدَّمت - عن جابر؛ ومع ذلك يُعِلُّه بمن عرفت أنّه ليس في العِير ولا في النفير!
ثم قال:
"وكلا الطريقين غير محفوظ".
يعني: طريق جابر هذه، والأخرى ذكرها ابن الجوزي قبل هذه: من طريق خالد بن يزيد: نا سفيان الثوري، عن عطاء بن قُرّة، عن عبد الله بن ضمرة، عن أبي هريرة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)
وأقول: خالد - هذا - كذَّبه أبو حاتم، ويحيى (1)، وقد خالف - مع هذا الضعف الشديد - أبا عامر العَقَدي - كما رأيت آنفاً -، وإنَّما المحفوظ عن أبي هريرة من رواية عبد الرحمن بن ثابت، عن عطاء بن قرة … به؛ وهذا إسناد حسن - كما تقدم -.
وقد رواه بعض المجهولين، عن ابن ثوبان، عن عَبْدة بن أبي لُبابة، عن شَقِيق، عن عبد الله بن مسعود، وأخرجه الطبراني في "الأوسط" (1/ 244 / 1/ 4228 - بترقيمي)، وقال:
"لم يروه عن ابن ثوبان إلاّ أبو المُطَرِّف المغيرة بن المُطَرِّف، ورواه غيره عن ابن توبان، عن عطاء بن قُرّة، عن عبد الله بن ضمرة، عن أبي هريرة".
قلت: وذكر هذا الاختلافَ على ابن ثوبان: الدّارقطنيُّ في "العلل" (5/ 89/ 735)، وقال في حديث المغيرة بن المطرِّف: "وهذا إسناد مقلوب"، وقال في حديث أبي هريرة: "وهو الصحيح".
قلتْ وجهل (الهدَّام) هذه الحقيقة - أو تجاهلها -، وهي أن العلّة في الإسناد المقلوب؛ إنّما هو المغيرة، فعاكس هو - كعادته -، فحطّها على ابن ثوبان؛ توهيناً منه لحديثه الصحيح عن أبي هريرة - كما قال الدّارقطني -، مع أنَّه ذكر أنَّ فيه المغيرة المجهول! !
وخلاصة الكلام في هذا الوجه: أنّ حديث جابر لم يقم دليل على أنَّه مرسل؛ وأنَّ إسناده الموصول حسنٌ؛ خلافاً لما خطّط له (الهدَّام). والوجه الآخر: أنَّه لو فرضنا أنَّه ترجّح الإرسال، فلا يضرُّ؛ لأنَّه مرسل صحيح الإسناد، فيكون شاهداً قويّاً لحديث أبي هريرة رضي الله عنه كما--------------------------------------------
(1) وقد تفرَّد به - كما قال الدّارقطني في "الأفراد" (ق 296/ 2 - الأطراف) -.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
هو معلوم في علم المصطلح-، مع أنَّ بعض الأئمَّة يحتجون بالمرسل، ولو لم يكن له شاهدٌ موصول، كما هو معروفٌ في علم الأصول.
ثم رأيت حديث سفيان المرسل في "زهد الإمام أحمد"، قال (ص 28):
حدثنا يحيى، عن سفيان … به، كما ذكره أبو حاتم رحمه الله، ويحيى هو ابن سعيد القطان، الإمام الثقة الثبت، وهذا يرجِّح أنَّه من مرسل محمد بن المنكدر، وليس من مرسل أبيه المنكدر -كما وقع لابن الجوزي-، وخلط بينهما (الهدَّام) فجعلهما واحدًا، والمعصوم من عصمه الله؛ وهو -سبحانه- ولي التوفيق.
ثم رأيت في "فتاوى النووي" أنَّه سئل عن الحديث؟ فأجاب (ص 13):
"حديث حسن، رواه التِّرمذي وغيره".
9 - قال ابن القيِّم رحمه الله: "وجماع هذا أن تعلم: "أنَّ الخلق
كلّهم، لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلاّ بشيء قد كتبه الله
لك، ولو اجتمعوا كلّهم … ":
قال (الهدَّام) (1/ 60): "حديث حسن، أخرجه التِّرمذي (2516)، وأحمد (1/ 293) من حديث ابن عبّاس".
قلت: أخرجاه من طرق، عن ليث بن سعد: حدّثني قيس بن الحجّاج، عن حَنَش الصنعاني، عنه … في حديث طويل، أوَّله: "يا غلام! إنّي أُعَلِّمك كلمات؛ احفظ الله يحفظْك، احفظ الله تجدْه تجاهك … " الحديث، وفيه: "واعلم أنَّ الأمّة لو اجتمعت … " الحديث، وهو مخرَّج في "الظلال" (138/ 316 - 318).
إِذا عُرف هذا، فلي على التخريج المذكور مؤاخذاتٌ:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
الأولى: كتمانه -كعادته - تصحيح التِّرمذي إيّاه، فقد قال عَقِبه: "حديث حسن صحيح" (1).
والسبب في ذلك: أنَّه يريد أن يُظهر رأيه -وليته كان عن علم! - علىِ أحكام الأئمة السابقين، وما رأيته في هذا الكتاب أباح بتصحيح التِّرمذي، إلَاّ مرةً واحدةً، حين وافق ما عنده؛ فانظره -إن شئت- في المجلد الثاني -منه- (ص 121).
الثانية: قوله: "حديث حسن"؛ فإِنَّه لم يبيِّن هل يعني: أنَّه حسن لذاته؟ !
وحينئذٍ ينبغي أن يفصح عن ذلك ولايتكتَّم، فيقول كما قال في غيره: "إسناد حسن"، وإن كان يعني أنَّه حسن لغيره، فحينئذٍ يجب أن يذكر علَّته، والمتابعات أو الشواهد التي من أجلها حَسَّنَه، وهذا ما لم يفعله هنا ولا في أمثاله! فمن المشاهد فيما يحسِّنه أنَّه يعبِّر عنه بتعبيراتٍ مختلفة: الأوَّل: "حديث حسن" -كما هنا -.
الثاني: مثله، إلاّ أنَّه يشكِّك فيه، فيقول (70، 130): "إن شاء الله تعالى".
الثالث: "إِسناده حسن" (ص 77، 212، 224، 272، 514).
الرّابع: مثله، إلاّ أنَّه يشكِّك فيه أيضًا، فقال مَرَّةً (1/ 224): "أرجو أن يكون حسن الإسناد"! ومرَّةً قال (2/ 275): "هذا إسنادٌ حسن -إن شاء الله تعالى-"! فما هو السبب -يا ترى- في هذه التعابير الأربعة التي أحدثها هذا (الهدَّام)؟ ! والتي لا يعرف الفرق بينها مبتدِعُها نفسه، فضلًا عن القرّاء، وإنَّما--------------------------------------------
(1) وأقرَّه المزي في "التهذيب" (24/ 20 - 21).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
هي من باب التكلُّف والتنطُّع المنهيِّ عنه؛ كما في قوله صلى الله عليه وسلم: "هلك المتنطعون" رواه مسلم.
ولماذا أعرض عن الاصطلاح العامِّ المعروف عند علماء الإسلام؛ أنَّ الحديث الحسن: حسن لذاته وحسن لغيره؟ !
لا لشيء سوى حبِّ المخالفةِ والمشاكسة الذي حَادَ به عن سبيلهم غايةً وأسلوبًا!
لقد زعم هذا (الهدَّام) في آخر مقدِّمته لهذا الكتاب (ص 5) -الذي أفسده بتعليقاته وتخريجاته -أنَّه قام بخدمة الكتاب: "ليتيَسَّر لقارئه فهمه"! وأنا مع اعتقادي الجازم بأنَّه لم يفعل شيئًا من ذلك، فهو على العكس من ذلك تمامًا، فقد عسَّر عليهم فَهْمَ كثير من بحوثه وفصوله؛ بما ضعّف من أحاديثه الصحيحة التي أقام المؤلف عليها بحوثه وفصوله، ولو أنَّه كان صادقًا في التيسير المذكور، ليَسَّر لهم فهم ما يقول هو ويكتب! وكم له من مثل هذه (المُعَمَّيَات)! التي سيأتي بيانها في مواضعها -إن شاء الله تعالى-.
ولا أدَلّ على أنَّه يقول ما لايفعل: من تلك الإحالات العجيبة في التخريج، فهو كثيرًا ما يقول في بعض الأحاديث المتكرِّرة: "تقدَّمَ تخريجه"! فيبخل على قرّائِه أن يعيِّن لهم المكان بالجزء والصفحة تيسيرًا للمراجعة! حتى إنَّه ليفعل ذلك في المجلّد الثاني؛ قال (ص 374): "تقدم تخريجه"؛ الأمر الذي يكلِّف القرّاء أن يقلِّبوا مئات الصفحات بحثًا عن تخريج الحديث الذي أحال إليه، وقد يكون في أوَّله أو في آخره وما بينهما، وقد يكون قريبًا جدًا، كمثل إحالته في المجلد الثاني (ص 163) والتخريج في الصفحة التي قبلها!
وإنَّ من طرائفِهِ (! ) أنَّه في بعض المواضع تفضّل على القرّاء فعَيَّن لهم الصفحة، لأنَّه لم يكلِّفه ذلك شيئًا من البحث والوقت، لأنَّ بينها وبين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
الصفحة التي فيها التخريج: تخريجًا لحديثين فقط! فانظر (ص 31)، ومَرَّة أخرى كان الفاصل تخريجَ حديثٍ واحد! (ص 51).
وأغرب من كلِّ ذلك أنَّه علَّق على حديث: "حُبِّبَ إليَّ من دنياكم … " بقوله (ص 171): "حديث منكر، وقد تقدّم"!
والواقع أنَّه لم يتقدّم له ذكرٌ في الكتاب، ولا منه في التعليق، وإنَّما ذلك من أوهامِه التي لا تُعَدُّ ولا تُحصى؛ إن لم يكن ذلك من باب: (وراء الأكَمَة ما وراءها)!
وإِنَّ مما يؤكد ما قلت؛ أنَّه لما ذكره في فهرس الأحاديث (ص 437) لم يعزهُ إلاّ إلى المكان الذي أشرت إليه!
وهكذا فليكن التحقيق والتيسير {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَاتَفْعَلُونَ}.
المؤاخذة الثالثة: أنَّه مهما كان قصدُه من قوله: "حديث حسن"، فذلك من جَنَفِهِ على السنة، وجنايته على الأحاديث الصحيحة ورواتها، فإِن حقَّ إسناده المتقدِّم -مني- أن يقول فيه: "إسناده صحيح"، أو على الأقل: "حديث صحيح" أي: لغيره، وذلك لأنَّ رجاله ثقات، رجال مسلم، غير (قيس ابن الحجاج)، فقد ذكره ابن حبّان في "الثقات" وروى عنه جمع كثيرٌ من الثقات (1)، وحسبك منهم: الليث بن سعد -راويه هنا -، وإنْ قال فيه أبو حاتم: "صالح"، فإِنَّه -على تشدُّدِه المعروف - إِنَّما يعني أنَّه حسن الحديث، وأَظنّ أنَّه مقلَّد (الهدَّام) هنا، فلا أقلَّ من تصحيحه لغيره؛ لأنَّ له طرقًا كثيرة أشار إليها الحافظ ابن رجب في "شرح الأربعين" (ص 133)، وكنت خرَّجت بعضها في "الظلال".--------------------------------------------
(1) وقال فيه ابن حجر في "التقريب": "صدوق".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
وقال الحافظ: "وأَصَحُّ الطرق كلها طريق حَنَش الصنعاني التي خَرَّجها التِّرمذي -كما قال ابن منده وغيره-".
هذا؛ وسيأتي -بإِذن الله-تعالى- الكلامُ على الأحاديث التي حَسَّنها- أو على الأقل على بعضها-، والحديث التالي أحدُها.
10 - قال ابن القيِّم: "من أطاع الله -تعالى-؛ فقد والاه، ولا يذلُّ من والاه رَبُّه؛ كما في حديث القنوت: "إنَّه لا يذل من واليت ولا يَعِزّ من عاديت": قال (الهدَّام) (1/ 70): "وهو حديث حسن - إن شاء الله تعالى-".
ثم خرًّجه برواية جمع، منهم التِّرمذي؛ وَيَرِدُ عليه المؤاخذات الثلاث التي أوردتها عليه في الحديث الذي قبله، إلاّ أنَّ قول التِّرمذي عقب الحديث -هكذا-:
"هذا حديث حسن، لا نعرفه إلاّ من هذا الوجه من حديث أبي الحوراء، واسمه (ربيعة بن شيبان)، ولانعرف عن النبي صلى الله عليه وسلم في القنوت في الوتر شيئًا أحسن من هذا".
قلت: فأبو الحوراء ثقةٌ مشهورٌ، والرّاوي عنه (بريد بن أبي مريم) قد وثَّقه ابن معين، وأبو زُرعة، والنسائي، وغيرهم -كالدّارقطني -، حتى إنَّه ألزم الشيخين بالتخريج له، وشذّ أبو حاتم -لتشدُّدِه - فقال: "صالح"؛ أي: حسن الحديث -كما تقدم في الذي قبله -، وأظن أنَّ (الهدَّام) قلَّده حين اقتصر على تحسينه، فهو في هذا كهو في الذي قبله! بل هو هنا أسوأُ؛ لأنَّه خالف بالتقليد الجمهورَ الذين وثقّوه، كما خالف الدْين صحّحوا حديثه كابن خزيمة، وابن حبان، وابن الجاورد، والحاكم، والذهبي، وغيرهم -كعبد الحق الإشبيلي-، وما يمنعه من اتِّباعهم -والحق معهم- إلاّ ما ابْتُلِيَ به من حب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
الشذوذ والنشوز، نسأل الله السلامة.
فإِن قيل: لعله اتبع الإمام التِّرمذي في التحسين؟ فأقول:
هذا بعيدٌ جدًا، لأسبابٍ أذكرها:
أولاً: هو -مع الأسف- لا يُقيم وزنًا لجميعِ الحفّاظ إذا خالفهم؛ فضلًا عن التِّرمذي؛ لأنَّه متساهلٌ.
ثانيًا: هو مخالف للترمذي -أيضًا- من ناحيتين:
إحداهما: أنَّه شكَّك في تحسينه إيّاه.
والأخرى: أنَّه لم يُفصح عن نهع تحسينه، كما بيَّنت في الذي قبله؛ بخلاف التِّرمذي، فإِنَّه جزم بأنَّه حسن لذاته.
ثالثًا: من المحتمل أنَّ التِّرمذي لم يصحِّحه، لأنَّه من رواية أبي إسحاق، وهو عمرو بن عبد الله السَّبيعي -وفيه كلامٌ معروفٌ-، رواه عن بُريد، أمَّا (الهدَّام) فقد وقف عليه من رواية شعبة عن بُريد، فما الذي منعه من تصحيح إسناده، بله تحسينه؟ ! ما هو إلا حُبّ المخالفة للعلماء، والعياذ بالله -تعالى-.
وقد يخطر في البال أنَّ من المحتمل أنَّه رأى ابن حزم ضعَّف الحديث في "المحلّى" (4/ 147 - 148) -وقد رواه من طريق أبي إسحاق -، فتوسّط هو بينه وبين الجمهور، فحَسَّنَهُ! ومع أنَّ هذا ليس من العلم في شيء، فابن حزم معذور، لأنَّه لم يقف على رواية شعبة الصحيحة، فما عذر (الهدَّام) وقد اطلّع عليها؟ !
وانظر تخريج الحديث في "الإرواء" (2/ 172 - 175)، وتصحيح الشيخ أحمد شاكر للحديث وردّه على ابن حزم في تعليقه على "المحلى"، وفي تعليقه على "سنن الترمذي" (2/ 329).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
11 - قال ابن القيم: "حُرِّم لبس جلود النمور، والسباع؟ بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك في عدة أحاديث صِحاح لامعارض لها":
قلت: هذا هو الحق الذي لاريب فيه عند أهل العلم، أمّا (الهدَّام)؛ فقد عاكسه في ذلك، وصال وجال (! ) في التعليق عليه، مضعّفًا له من جميع طرقه! وقد كنت خرجته في "الصحيحة" (1011) من حديث المِقدام، ومن حديث أسامة، مجوِّدًا إسناد الأول، ومصحِّحًا إسناد الآخر، وختمت التخريج بقولي:
"وأخرجه الطحاوي من حديث علي، وابن عمر، ومعاوية نحوه"؛ مشيرًا بذلك إلى أنَّ هذه الأحاديث تعطي الحديث قوة على قوة؛ فجاء (الهدَّام) فانتصب لمخالفتي، وأعلّ الحديثين بما ليس بعلّة، وأشار إلى تضعيف الأحاديث الأخرى، وهو في ذلك غير صادقٍ ولا مُصيبٍ.
وقبل الشروع في بيان هذا الكلام المجمل، لابد لي من أن أَسترعيَ نظر القراء إلى جهل هذا (الهَدّام) بفن التخريج، وبالفرق بين لفظ حديث وحديث -من حيث اختلافُهما في الدلالة-؛ فقد رأينا أن ابن القيم ذكر نهيه صلى الله عليه وسلم عن لبس جلود النمور والسباع؛ فلم يذكر (الهدَّام) في نقده وتخريجه للحديثين هذا اللفظ، وإنَّما ذكره بلفظ: "نهى عن جلود السباع"! وهذا لفظ حديث أسامة.
ومن تمام مخالفته ومشاكسته إياي، وسوء تخريجه: أنَّه بدأ تخريجه قبل تخريج حديث المقدام، ولفظه هو الموافق لما ذكر ابن القيم؛ فلم يذكره، تعميةً لمعناه إلى ما قد يدلُّ عليه معنى اللفظ الذي ذكره؛ مما لايتفق مع صريح معنى حديث المقدام؛ فقد تأَوّله بعضهم بأن النهيَ عن جلود السباع مُقَيَّدٌ بما إذا لم يدبغ، كما جاء في "التمهيد" (1/ 163)، و"الجوهر النقي" (1/ 18).
فلو أنَّ (الهدَّام) كان مخلصًا في تخريجه، وعلى شيء من العلم والفقه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)
والفهم لِلفرق بين دلالة الحديثين لبدأ بالأول منهما، وإن كان قد ضعّفهما كليهما معًا؛ وهذا من جَنَفِه وظلمه للسنة؛ وهاك البيان:
أولًا: لقد أعلّ حديث المقدام بأمرين يتعلّقان بشخص (بقية بن الوليد):
أحدهما: التشكيك في ثبوت تصريح بقية بالتحديث.
فأقول: هكذا يُلقي الكلام على عواهنه، ولا يذكر أيَّ سبب للتشكيك؛ مما لا يعجز عنه أجهلُ الناسِ وأخبثُ الناسِ؛ وذلك قوله: "إنْ صحَّ التصريح بالتحديث عند أحمد"! وحكاية هذا يغنينا عن تكلُّف الرد عليه، لوضوح تفاهته ولممقوطه، ولكني -مع ذلك - أضع التصريح بين أيدي القراء، ليصفعوا به وجه كل مكابر عنيد:
قال الإمام أحمد (4/ 131 - 132): حدثنا حَيوة بن شُريح، وأحمد بن عبد الملك، قالا: ثنا بقية: ثنا بَحِير بن سعد … (فساق إسناده الصحيح).
قلت: فهذان ثقتان قد حدَّثا عن بقية مصرِّحًا بالتحديث، نحن لا ندَّعي العصمة لأحد من الرواة، ولو كان من الأئمة الثقات، ولكننا لا نرضى -بالمقابل- التشكيكَ في حفظهم، والطعنَ في رواياتهم بمجرد الدعوى، وإلا بطلت العلوم كلها، إلاما شاء الله؛ ومثل هذا قد يتعدى إلى الشك في أصولنا كلها، كما فعل بعض مُتَعَصِّبة الحنفية في الهند أو الباكستان، فَشَكَّكَ في نسبة "المسند" للإمام أحمد، فرددت عليه في كتاب "الذب الأحمد" -وهو تحت الطبع-.
هذأ ما يتعلّق بالأمر الأول.
أمّا الأمر الآخر، فهو قوله: " … وإنْ صرَّح بقية بالتحديث؛ فالمشكلة في بقيّةَ نفسهِ".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)