حديث تابعيٍّ عن صحابي بحجَّةِ أنَّه أدركه ولم يَلْقَهُ، ولذلك لم يُصَحِّحْهُ، فكان هذا منبِّهاً قويّاً على أنَّ إعلاله - هو وأمثاله - لبعض الأحاديثِ لعدم اللقاء؛ إنَّما هو لنفي الصِّحَّةِ، لا الحُسْنِ، فثبت بذلك عندي أن (اللقاء) شرط كمال، في بحثٍ أودعتُهُ في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" (6546).
ولهذا؛ فإِني أسأل (الهدَّام): لِمَ تَبنَّيْتَ شرط (اللقاء) كشرط أساس تُضَعِّفُ به الأحاديث؛ لجهلك بتحقُّقِه فيها؟ !
فإِن قال: لأنَّه أحوط وأقوى!
قلنا: هذا قد يُسَلَّم، ولكن ذلك لا ينفي قوَّة شرط (المعاصرة) - كما تقدّم بيانه من نصوص الحفّاظ - هذا أوّلاً -.
وثانياً: يلزمك أن تتبَنّى - أيضاً - الشرطين الآخرين: (السماع) و (طول الصحبة)، فإِنَّهما - بلا شك - "أحوط وأقوى"! !
أما نحن: فنلتزم هذه الشروط كُلَّها، مع التفريق بين ما هو شرط صِحَّةٍ - وهو (المعاصرة) -، وما سواه - وهو شرطُ كمالٍ -، ممّا قد تفيد ملاحظتها عند التعارض والترجيح.
ومن حُجَّتنا على هذا (الهدَّام) أمران هامّان جداً:
أحدهما: أن من المتفق عليه بين علماء المسلمين كافّةً لثبوت الحديث
- شرطيّة (المعاصرة وإمكان اللقاء) مع السلامة من التدليس - كما تقدم -؛ فمن
زاد على هذا شرطاً آخر؛ قيل له: {هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}.
و(الهدَّام) حين تبنّى شرط اللقاء، وضعّف به حديث: "عليكم بسنَّتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين" - الذي اتَّفق العلماء قاطبةً على صحَّته، مع تعدُّد طرقه - ضعَّفها هو كُلّها بأساليبه الملتوية؛ منها زعمه أنَّه لم يتَحقَّق فيه شرط
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 20)
اللقاء! مع أنَّ في بعض طرقه تصريحَ الرّواي بالتحديث؛ فكابر وأعلّه به -.
والمقصود أنَّه حين تبنَّى (اللقاء) لم يذكر أي دليل على أنَّه شرط صِحَّةٍ، إلاّ تقليده لبعض الأقوال، ثُمَّ هو يتّهم غيرَه بالتقليد!
والأمثلة الكثيرة التي ذكرها في رُسيِّلته "حوار … " (ص 66 - 75)، كان أكثرها مُعَلاًّ بالإرسال والانقطاع؛ لأسباب أخرى غير عدم الاعتداد بشرط (المعاصرة) - كالتدليس في (حبيب بن أبي ثابت) (ص 67)، و (الحسن البصري) (68، 5)، و (زيد بن أسلم) (69/ 7) و (قتادة) (69/ 11)، و (أبي قلابة) (70/ 14) -، فهؤلاء إنَّما أُعلّت رواياتهم بسبب التدليس، وليس لعدم الاعتداد بالمعاصرة؛ فتنبّه.
فهكذا الرجل يتشبَّع بما لم يُعْطَ، ويدلِّس على القراء، ويقلِبُ عليهم الحقائق.
ومن هذا القبيل مثاله (8): "أبو حاتم قال في خالد بن مَعدان: أدرك أبا هريرة، ولا يُذكر له سماع"؛ فهذا لا يدُلّ على شرط اللقاء، وإنَّما على عدم إمكان اللقاء، وذلك لاختلاف البلد، فأبو هريرة مدني، وخالد حمصي.
ومثله المثال (6)؛ فإنَّه من رواية كوفي عن شامي.
وقد أفصح الإمام أحمد رحمه الله عن هذا السبب في بعض التراجم؛ فقال - كما في "مراسيل العلائي" (213/ 196) -: "ما أحسب لقي (زُرارة) (تميماً)، تميم كان بالشام، وزرارة بصريٌّ كان قاضياً".
وإذا كان أحمد يحتجُّ بالمرسَل في بعض الروايات عنه، موافقاً في ذلك لمالك وغيره - كما في "جامع التحصيل"-؛ فكيف لا يحتجّ بالمسند من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 21)
معاصر لصحابي، والمعاصر غير مُدَلس؟ (1) فما نسبه (الهدَّام) لأحمد في المثال (5) هو من تدليسه وتضليله للقراء! لأنّه في المدلِّس! ومثل قول أحمد - المتقدم - قول أبي حاتم في (ابن سيرين): "ما أظنّهُ سمع من أبي الدرداء، ذاك بالشام وهذا بالبصرة" (2).
ولم يكتف (الهدَّام) بهذه الأمثلة المضلِّلة التي لا علاقة لها بدعواه، بل ذكر أمثلَةً أخرى تدور على بعض التابعين المجهولين - كما في رقم (6) -؛ فعبدُ الحميد بن سالم، عن أبي هريرة؛ فهذا مجهولٌ، - ومثله: (12) - وفيه عن بعضهم: "لا يعرف سماع سلامة الكِندي عن علي، والحديث مرسل".
قلت: فسلامة هذا مجهول، وله حديث ضعيفط خَرَّجته في "الضعيفة" تحت الحديث (6545).
ولم يقف عند هذا التضليل؛ بل ذكر في المثال (3) عن الواقدي؛ قال: "عبد الرحمن بن صبيحة التميمي، لم يُذكر له سماع ولا صحبة".
والواقدي متروك متّهم؛ وليس من أئمَّة الجرح والتعديل، ولكن المضلِّل يتعلَّقُ - كالغريق - ولو بخيوط القمر، ولو كان الواقديُّ ثقةً ومن الأئمة؛ فهو كتلك الأمثلة المتقدمة؛ ليس لها علاقةٌ مطلقاً بموضوع اللقاء والمعاصرة، وإنَّما بـ (المراسيل).--------------------------------------------
(1) ثم رأيت الحافظ ابن رجب سبقني إلى هذا، فقِال في "شرح علل الترمذي" (1/ 374) - بعد أن ذكر أَنَّه يلزم من شرط اللقاء طرح أكثر الأحاديث وترك الاحتجاج بها -: "من ههنا عَظُمَ ذلك على مسلم رحمه الله، والصواب أَنَّ ما لم يَرِدْ فيه السماع من الأسانيد لا يحكم باتصاله (! )، ويُحْتَجُّ به مع إمكان اللُّقِيِّ، كما يُحْتَجُّ بمرسل أكابر التابعين - كما نص عليه الإمام أحمد -، وقد سبق ذكر ذلك في (المرسل) ".
(2) "مراسيل ابن أبي حاتم" (ص 116)، و"العلائي" (324/ 683). وقوله: "ذاك … " إلخ " هكذا وقع فيهما على القلب، والجادّة: "هذا … وذاك … ".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 22)
ولهذا لا يجوز نسبة القول إلى هؤلاء الحفّاظ أنَّهم يشترطون اللقاء ولا يكتفون بالمعاصرة، ولو لم يوجد سببٌ مانعٌ من ذلك من تلك الأسباب ونحوها، فإن لهم - لسعة حفظهم وقوّة إدراكهم - ملاحظاتٍ وتعليلاتٍ قد تخفى على الكثيرين؛ وبخاصّةٍ المتأخِّرين من أمثالنا، فتكون ملاحظاتهم سبباً مانعاً من الاحتجاج بالمعاصرة أحياناً، كما هو الشأن عند القائلين بها، الذين اشترطوا إمكان اللقاء مع السلامة من التدليس، فإِذا انتفى سببٌ من الأسباب المانعة، احتجَّ المحققون بالمعاصرة مع إمكان اللقاء، وإليك بعضَ الأمثلة:
1 - مجاهد عن عائشة: أنكر غير واحد سماعه منها، كما رواه ابن أبي حاتم في "المراسيل" (ص 125)، وأجاب العلائي (336/ 736) بقولِهِ: "قلت: وحديثه عنها في "الصحيحين"، وقد صرَّح في غير حديث بسماعه منها" (1).
وأقول: أحدها في "الصحيحّين" (1776 - خ)، (4/ 61 - م)، وليس هذا هو اليقصودَ هنا، وإِنَّما هو قول ابن حبّان عَقِبَ حديثما مجاهد عن عائشة مرفوعاً: "لا تسبّوا الأموات، فإِنَّهم أفضَوا إلى ما قدَّموا" - ورواه البخاري (1393 و 6516) -، قال ابن حبان (7/ 291):
"ماتت عائشة سنة سبع وخمسين، وولد مجاهد سنة إحدى وعشرين في خلافة عمر، فَدَلّك هذا على أنَّ من زعم أنَّ مجاهداً لم يسمع من عائشة؛ كان واهياً في قوله ذلك".
2 - يعقوب مولى الحُرَقة، قال: قال عمر بن الخطاب … فذكر أثراً له أخرجه التِّرمذي، وقالما (487):
"حسن غريب … ، ويعقوب - جد العلاء -؛ من كبار التابعين، قد أدرك عمر بن الخطاب، وروى عنه".--------------------------------------------
(1) وانظر "السير" (4/ 451).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)
3 - سعيد بن المسيَّب، قال: قال أنس … فذكر حديثاً مرفوعاً، أخرجه التِّرمذي (2685)، وقال:
"حديث حسن غريب من هذا الوجه (1)، قال شعبة: "ولا نعرف لسعيد عن أنس إلاّ هذا"، ومات أنس سنة (93)، وسعيد (95) " (2).
قلت: وهذا اعتدادٌ صريحٌ بالمعاصرة، خلافاً لما يُعزى لشيخه البخاري، وليس كذلك إذا تذكَّرت التفصيل - المتقدم - في شرط البخاري، وأنَّه خاصٌّ بـ"صحيحه"، وأنَّه شيخه في مثل هذا التحسين، فتذكّر.
4 - حُميد بن عبد الرحمن، قال أبو زُرعة: "عن علي وأبي بكر: مرسل". ذكره ابن أبي حاتم في "المراسيل" (37)، وَالعلائي (202/ 145)، إِلاّ أن هذا تعقّبه بقوله:
"قلت: قد سمع من أبيه وعثمان رضي الله عنهما؛ فكيف يكون عن علي مرسلاً وهو معه في المدينة؟ ! نعم، روى عن عمر رضي الله عنه، وكأنَّه مرسل".
وأقول: ليت أبا زُرعة وغيره من حُفَّاظنا كانوا يتحفَّظون في نفيهم السماع والجزم بالإرسال كما تحفّظ العلائي بقوله: "كأنَّه مرسل"؛ فإِنَّ النفي في الغالب يكون مساوياً لقوله: "لا أعلم"؛ فيكون هذا التعبيرُ أقربَ إلى الصواب--------------------------------------------
(1) قلت: وكذا قال في حديث آخر من هذا الوجه (589)، والتخريج في "المشكاة" (175 و 997 و 4652).
(2) قلت: وهما مدنيان، وسعيد أبعد الناس عن التدليس؛ فهو محمولٌ على السماع، وقد أشار ابن رجب إلى هذا - كما في رسالة "حسم النزاع في مسألة السماع" (ص 27) لأحد الطلَبةِ المعاصرين -، إلاّ أنَّه استدرك فقال: "لكن لم يحكم لروايته عنه بالاتصال"! قلت: ولا بالانقطاع؛ بل الاتصال هو المناسب لقوله: "حسن غريب من هذا الوجه"؛ فتأمل!
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)
من الجزم المذكور؛ لما يترتَّب عليه من إعلال الأحاديث بغير حُجَّةٍ بيِّنة، ثم
استغلال ذلك من أهل الأهواء والجهلة.
لقد أعجبني تحفّظ العلائي؛ لأنَّه ثبت أنه لقي عمر أيضاً، فقد روى ابن سعد (5/ 154) بسنده الصحيح عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، قال: رأيت عمر وعثمان يُصَلِّيان المغرب في رمضان إِذانظرا إلى الليل الأسود، ثم يُفطران بعد.
ولذلك ذكرهما الحافظ المزي في جملة من روى عنهم حميد، وإن كان يحتمل أن يكون يومئذٍ صغيراً، ويقوِّي هذا الاحتمالَ - إن صَحَّ - ما ذكروه في تاريخ وفاته، وعلى كلّ حال فليس المقصودُ الآن تحقيقَ سماعه عن الخليفتين، وإِنَّما بيان اعتماد العلائي على (المعاصرة) في ردّه على أبي زرعة؛ فتنبَّه.
ومن هذا القَبيلِ المثالُ الآتي:
5 - قيس بن أبي حاتم، ذكر العلائي أنَّه سمع من العشرة المبشَّرين بالجنَّة، إلَّا عبد الرحمن بن عوف، ولم يعز الاستثناء لأحد، وهو لأبي داود وغيره، وذكر عن ابن المديني أنه: "لم يسمع من أبي الدرداء وسلمان، وروى عن بلال ولم يلقه … "، ثم تعقَّبه بقوله:
"في هذا القول نظر، فإِن قيساً لم يكن مدلِّساً، وقد ورد المدينة عقب وفاة النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة فيها مجتمعون، فإِذا روى عن أحدٍ [منهم، فـ] الظاهر سماعه منه"
وإن في هذه الأمثلة لَغايةَ البيان على أنَّ عمل حفّاظ الأُمَّة قد جرى على الاحتجاج بالمعاصرة - إذا لم يكن هناك مانعٌ من تدليس، أو عدم إمكان اللقاء -، على أنَّ هذا غير مُطَّرِد، فقد تكون الرواية أحياناً مراسلةً ومكاتبةً بين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
اثنين لم يلتقيا، ومع ذلك فهي حُجَّةٌ محمولةٌ على الاتصال عند العلماء كافّةً، فانظر "مراسيل العلائي" (ص 199 و 218 و 320 و 372).
وبهذا ينتهي بنا الكلام في حُجَّتنا الأولى على ذاك (الهدَّام).
وأمَّا الحُجّة الأخرى عليه، فهي:
أنَّ أهل الأهواء وأعداء السنَّة قد يتَّخذون اشتراط اللقاء سُلَّماً للطعن في الأحاديث الصحيحة، حتى ما كان منها متَّفَقاً عليه بين الشيخين وغيرهما، وبخاصَّةٍ إِذا كان هناك (قِيلٌ) بعدم السماع من الرّاوي عن المروي عنه - كما تقدم في المثال الأوّل -، ولذلك؛ فإِنَّه يجب تبنّي قول جماهير العلماء بالاكتفاء بالمعاصرة؛ من باب (سدِّ الذريعة) - أيضاً -؛ الذي هو من القواعد الهامّة في الشريعة.
وما لنا نذهب بعيداً، فهذا هو (الهدَّام) قد استغلَّ هذا الشرط استغلالاً سيِّئاً جداً وتوسَّع فيه؛ حتى فيما ثبت فيه اللقاء، ولم يصرِّح الرّاوي بالسماع وليس مُدَلِّساً، فضعَّف في "ضعيفته - "رياض الصالحين"" حديث البخاري عن أبي هريرة مرفوعاً: "صدقك وهو كذوب"، فقد خرّجه من طريق ابن سيرين عنه، وأعلَّه بقوله: "لعلَّ البخاري … ولعلّ البخاري … "! ! بما لا مجال الآن للرّد عليه، ثم عزَاه للنسائي من طريق أبي المتوكّل الناجي، عن أبي هريرة، بقوله في "ضعيفتِه" (ص 535):
"أرى أن أبا المتوكِّل لم يسمع من أبي هريرة"!
وهذا ممّا لم يقله عالمٌ من قبل؛ كما يشير هو إلى ذلك بقوله: "أرى" دونما أي خجل! وقد رددت عليه في "الصحيحة" تحت الحديث (3162). وكذلك ضَعَّف - فيها - (ص 559 - 560) حديثين من رواية عبد الله بن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
بريدة، عن أبيه - مرفوعاً -، أعلَّهما أيضاً بالانقطاع بين عبد الله وأبيه، مع أنَّ سماعه عنه ثابت في عِدَّةِ أحاديث، واحتجَّ الشيخان أيضاً بروايَته عن أبيه! ! والحديث الأوّل مخرَّج في "الصحيحة" (94)، والآخر في "الإرواء" (2576)، وصحَّحهما جَمْعٌ من العلماء، فراجعهما إن شئت.
وعلى هذا النَّمَط من الاستغلال السيِّئ والانحراف عن الحق؛ جرى (الهدَّام) في تخرِيجه لأحاديثَ كثيرةٍ في الكتب التي سوّد عليها تعليقاتهِ! ! وحسبك الآن مثالاً الحديثُ الآتي برقم (30)؛ فإِنَّه ضعَّف إسناده بقوله: " … فإِنَّ سالماً لم يصرح بالسماع منه".
وانظر الرَّدَّ عليه هناك.
وإنَّ من لوازم هذا عدمَ الاعتماد على الأسانيد الصحيحة المعنعنة مطلقاً، حتى التي يصحِّحُها الذين اشترطوا اللقاء مع السلامة من التدليس، فإِنَّهم لم يشترطوا السماع.
ولعلَّه مِن أجلِ هذا: لَمّا ذَكَرَ المحقق ابن دقيق العيد شرطَ السلامة من التدليس استصعبه جداً؛ حيثُ قال في كتابه القيم "الاقتراح" (ص 208) معقباً عليه:
"إلاّ إن الجَرْيَ عليه في تصرُّفات المحدِّثين وتخريجاتهم صعب عسير، يوجب اطِّراح كثير من الأحاديث التي صحَّحوها؛ إذ يتعَذَّر علينا إثبات سماع المدَلِّس فيها من شيخه، اللهم إلاّ أن يَدَّعيَ مُدَّعٍ أن الأوَّلين اطَّلعوا على ذلك ولم نطَّلِع نحن عليه! وفي ذلك نَظَرُ".
قلت: ولعلَّه من أجل تفادي الطرح المذكور؛ جعلوا المدَلِّسين طبقات، منهم من يُعْتفَرُ تدليسه لِقِلَّتِهِ، وتُقبل عنعنتهم كالثقات الذين في حفظهم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
ضعف؛ فهؤلاء يُقبل حديثهم، على تفصيلٍ ذكره الحافظ العلائي في "مراسيله" (129 - 131)، ولبيان ذلك أَلَّفَ الحافظ ابنُ حَجَرٍ كتابه "طبقات المدَلِّسين"؛ وهو معروفٌ.
إذا عُرف هذا؛ فما عسى أن تكون نسبة الأحاديث الصحيحة التي سيطرحها هذا الأفينُ إِذا التزم إعلالها بعدم السماع؛ فضلاً عن غيره من العلل التي يختلقها، ويتجاهل موقف العلماء منها، وتصحيحهم للأحاديث التي يضعِّفها هو بها؟ !
عامله الله بما يستحقُّ.
* وأمّا سادسُ جهالاتهِ؛ فإنّك تراه كثيراً ما يضعّف بعض الأحاديث الصحيحة بناءً على الطرق الضعيفة التي وجدها مخرَّجة عند غيره وبخاصةٍ الألباني، ثم يعمل فيها هدماً، مُعْرِضاً عن قاعدةِ تقويةِ الحديث بكثرةِ الطرق - كما تقدم -، ولا يبحث مطلقاً عن طريق آخر له، أو شاهدٍ يقوّيه به، قد يكون فات من قبله لسبب أو آخر، وهذا أمثلته كثيرة.
* سابعاً: يتجاهل بعض الطرق والشواهد الصحيحة، ويتشبَّث بالطريق المرسل، وهي بين يديه! كما سترى في الحديث (49) - وغيره -.
* ثامناً: يعمّي على القراء صِحَّةَ إسناد الحديث الذي لا غبار عليه بقوله. "رجاله ثقات"! مكان قوله: "إِسناده صحيح"؛ معاكسةً منه للألباني!
وقد يذكر أحياناً عن بعض الحفّاظ تقويته، بعد أن يكون هو أعلَّه بما لا يقدح، وفي الغالب يكتم التقوية!
وقد يصحِّح متن الحديث دون السند، ولايبيّن السبب! ! وكثيراً ما يضَعِّف ولا يبيِّن السبب، ويُحيل به إلى موضع لا يسمِّيه! !
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
* تاسعاً: تعميته على القراء كونَ الراوي ثقةً عند الأئمة بقوله فيه: "وليس بالمشهور" ونحوه؛ انظر الحديث (89 و 81 و 83 و 96 و 100).
* عاشراً: تجاوزه تخريج جملة من الأحاديث الصحيحة الّتي يذكرها - أو يُشير إليها - مصنِّفو الكتب التي يسوّد عليها تعليقاتهِ؛ كمثل ما أورده الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابهِ "إغاثة اللهفان" من أحاديثِ النهي عن التشبُّهِ بالكفار، وخروج المهدي، ونزول عيسى عليه السلام؛ ولا وجه لإعراضه عنها، إلاّ أنَّه قد لا يؤمن بها! أو أنَّه - على الأقلّ - بشكِّكُ في
صحَّتها! ! فانظر الحديث (0103 و 153).
وقد يتجاوز الحديث لجهله به أنَّه في حكم المرفوع - إِذا أحسنَّا الظَّن به -؛ وإلاّ فالظاهر أنَّه لا يعرفه مطلقاً، مع أنَّه في "صحيح البخاري"! لأنّه قد خرَّج بعض الأحاديث الموقوفة، كحديث ابن مسعود الآتي عنده (1/ 30)، وحديث عثمان (1/ 79)، وهما خارج "الكتب السِّتَّة"، فما باله لا يخَرِّج حديث البخاري الآتي برقم (59) وهو في أم "الستة": "البخاري"، لولا الجهل بما فيه من الكنوز؟ !
وله أمثلةٌ أخرى تدُلُّ على جهله بما في "الصحيحين"، تقدّم الإشارة إِلى بعضها في (المقدِّمة) فقرة (4)، بل إنَّه عزا حديث علي الموقوف - الآتي برقم (18) - للدِّينَوَرِيِّ وغيره بواسطة "الكنز"! وفي هذا العزو بلايا تدلّ على جهله - كما سترى -؛ منها ضعف سنده، وإهماله عزوه للبخاري!
* حادي عَشَرَ: وله أساليب عجيبة غريبة في التمويه وتضليل القرّاء عن الاستفادة مما يعزوه لـ"للصحيحين" أو أحدهما، فمثلاً الحديث (154)؛ فإِنَّه عزا طرفه الأول للشيخين، وبيَّض للأخير منه! وعزا ما بينهما للطبري وضعّفه، والحديث بتمامه عند الشيخين؛ وقد صوّرت الصَّفحة التي فيها هذا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
الخلط؛ ليكون القرّاء على بيِّنةٍ مما فعل، لأنَّه - لغرابته - لا يكاد يُصَدَّق.
وكذلك فعل بالحديث الذي بعده - (155) -؛ فإِنَّه عزَاه للطبري - أيضاً -، وتَعَمَّدَ تحريف اسم أحد رواته؛ ليتوصَّل منه إلى ادِّعاء أنَّهُ لا يُعرف، وبالتالي إلى تضعيف الحديث، وهو نفس الحديث الذي قبله، وروايةٌ لمسلم فيه، ولم يَكْتَفِ بهذا التضليل، بل زاد في الطين بِلَّة؛ فأوهم القرّاء أنَّ الطبري روى من طريق الرّاوي الذي حرَّف اسمه رواية مسلم هذه الصحيحة؛ والواقع أنَّه إنَّما روى من طريقه حديثاً آخر موقوفاً - كما ستراه مصوَّراً أيضاً -.
وله أُمورٌ أُخرى - كثيرةٌ - لا يخفى بلاؤهُ - فيها - على الفَطِنِ من القُرَّاءِ، ولا يَغِيبُ جهلُهُ - بها - عن الألِبَّاء …
فإلى نَقْدِنا المُفَصّلِ على تعليقهِ وتخريجهِ؛ بل إفسادهِ وتخريبهِ؛ فأقولُ - وبالله التوفيقُ -:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
1 - قال ابنُ القَيِّم رحمه الله في كتابه "إغاثة اللهفان" (1/ 17): "صَحَّ عن حذيفة بن الييان: "القلوب أربعة … "": قلت: أعلَّه (الهدَّام) - المعَلِّق عليه - بالانقطاع بين أبي البَختري وحذيفة، وهو كما قال، ولكنَّه أخطأ في نسبة الانقطاع إلى أبي حاتم، فإِنَّه لم يقله! كما أخطأ في تفسير قولي في تعليقي على كتاب "الإِيمان" (17/ 46): "حديث موقوف صحيح" بأَنَّه: "سبق قلم"! فأقول: ليس كذلك؛ بل هو بقصدٍ مني كما فعل ابن القيِّم من قبلي، وبيان هذا وذاك في "الأحاديث الضعيفة" (5158).
2 - قال ابن القيِّم (1/ 21): "ووصف الرسول صلى الله عليه وسلم خلفاءه بضدِّها
(يعني: الجهل والغَيَّ)، فقال:
"عليكم بسنتي وسنَّةِ الخلفاء الرّاشدين المهديين من بعدي":
قلت: جزم رحمه الله بنسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ وهو الحق الذي أجمع عليه علماء المسلمين سلفاً وخلفاً، دون خلاف معروف بينهم، حتى جاء هذا (الهدَّام) المغرور، فخالفهم جميعاً، متشبِّثاً بتجهيل ابن القطان الفاسي لأحد رواته، فيما علَّقه على طبعته لـ"رياض الصالحين" (ص 79/ 105) (1)، ونسب إليه أنَّه ضعّف الحديث! وهذا من جهالاته أو مغالطاته؛ إذ لا يلزم منه أنَّه ضعَّف الحديث من جميع طرقه، كما فعل (الهدَّام) هنا وقي غيره، وهذا يقال على فرض--------------------------------------------
(1) وهي طبعة مزوّرة غير شرعيّة؛ لأنَّه بدّل فيها وغيَّر، وزاد عليها واختصر! وقد سمّاه - بحق - في بعض تعليقاته بـ"المختصر" (ص 422)، ولكنَّه نشره باسمه الأوّل: "رياض الصالحين" كذباً وزوراً، ومضاربة منه لطبعات الكتاب السابقة، وبخاصةٍ منها التي عليها تعليقاتي وتحقيقاتي، وقد استفاد منها ترويجاً لمختصره هذا! والله المستعان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
التسليم بالجهالة، وهو مرفوض - كما كنت بيّنته في "الصحيحة" (937) -.
ثم نشر رسالة صغيرة سنة (1413) ينتصر فيها لعدم قناعته مني بصحة الحديث في اللقاء والمناقشة التي سبقت الإشارة إليها في المقطع (الثالث) من المقدمة؛ تتبّع فيها طرق الحديث الئي أوصلها إلى سبعة عشر طريقاً! وأعلَّها كلها وأرجعها - بقدرة قادر - كما يقال! - إلى طريق واحدة! هي طريق ذلك الرّاوي المجهول عنده! مع أنَّ في بعضها تصريحَ غيرِه من الثقات بسماعه للحديث من العرباض، وقد كنت خرَّجت في "الإِرواء" - وغيره - كثيراً من طرقه الأخرى، ولخَّصت الكلام عليها في الاستدراك رقم (13) الذي ألحقته بالطبعة الجديدة للمجلد الثاني من كتابي "الأحاديث الصحيحة"؛ وفي بعضها التصريح المشار إليه، فلا داعي للإعادة، فإِنَّه منشورٌ مشهورٌ - بحمد الله تعالى -.
ولكن لا بُدّ من استرعاءِ النظر إلى شيء من تدليساته وتناقضاته وكتمانه للحقائق في كلامه على هذا الحديث فضلاً عن غيره، فأَقول:
يرى القارئ الكريم أنَّ الرجل ختم بحثه هذا بقوله (1/ 23).
"وجميع هذه الطوق مدارها على عبد الرحمن بن عمرو السُّلَمي؛ كما فصَّلت هذا في رسالةٍ مستقلَّةٍ "مع الألباني في مناقشة لحديث العرباض بن سارية"؛ فانظرها إن أردت تَوَسُّعاً".
قلت: فهو يؤكِّد بذلك تضعيف الحديث لجهالة السُّلَمي عنده، وقد سبق ردّه آنفاً.
والمقصود؛ أنَّ القارئ إذا رجع إلى تلك الرسالة، وجد أنَّه ختمها بأمرين هامَّين جداً، يقضيان على رسالته ويجتثَّانها من أصلها، ويكشفان عن بَطَرِه للحق، ومعاندته، واستعلائه على أئِمَّة المسلمين، ونسبتهم إلى التقليد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
والجهل، وإعجابه برأيه المُرْدي المهلك:
الأمر الأوَّل: ذكر (ص 120 - 133) عشرة من كبار الحفّاظ والعلماء - من المتقدِّمين والمتأخرين - من الذي صَحَّحوا هذا الحديث، ثم طعن فيهم واحداً بعد واحد، نابزاً إيَّاهم بالتساهل أو التقليد، وهم على ترتيبه إياهم:
"التِّرمذي، ابن حِبّان، البزّار، الحاكم، ابن عبد البر، أبو نُعيم الأصبهاني، أبوالعباس الدَّغُوليّ، البغَوي، ابن العَرَبي، الضياء المقدسي".
ويعلق تحت اسم كل واحدٍ منهم بما أملاه عليه هواه من المطاعن، ثم شملهم جميعاً بقوله:
"وهذا منهم تقليد"! !
وتحفَّظ الرجل بالنسبة للحافظ الذهبي، فإجلالاً منه له (! ) لم يُلحقه بأولئك المقلِّدين! ! فأفرده عنهم مع كونه معهم في تصحيح الحديث في موافقته للحاكم، وذلك لأنه شك في نسبة موافقاته للحاكم، وإن كان من جهة أخرى قد مال (1) في الحاشية إلى قول من قال من المعاصرين: إن تلك الموافقات كانت في مقتبل عُمُرِ الذهبي! وهذا من تناقضاته الكثيرة، وسواء استقر رأيه على هذا أو ذاك، فإِنّا نضعه أمام نص الذّهبي، ونصوص أخرى عن غيره من الأئمّة، مِمَّا لا يمكنه الشَّكُّ في ثبوتها، أو اللفّ والدوران عليها - إلاّ أن يخرج عن عقله أو دينه -:--------------------------------------------
(1) وهذا هو الرَّاجح عندي، ولعلِّي صَرَّحت بذلك في بعض كتاباتي، ثم رإيته في تعليقه على "مجموعَة رسائل" للشيخ نسيب الرِّفاعي رحمه الله" (ص 76) يجزم بنفي الموافقة المذكورة! ويأمر بالنظر في رسالته المذكورة! ولا يشير إلى ميله المذكور في الحاشية، والرِّسالة من طبع المكتب الإسلامي، فسبحان مقلِّب القلوب! كيف يطبع لعدوِّ السنة، وهو يطبع كتب السنة؟ !
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
الأوّل: قال الذهبي في كتابه العظيم "سير أعلام النبلاء" (17/ 483): "هذا حديث عالٍ صالح الإسناد".
الثاني: وقال أيضاً (18/ 195):
"وصَحَّ عنه أنَّه قال. "عليكم بسنَّتي وسُنَّة الخلفاء … " الحديث".
الثالث: قال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله في فتوى له (4/ 399 - "الفتاوى"):
"وفي "السنن" - عنه - أنَّه قال: "اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر"؛ ولم يجعل هذا لغيرهما، بل ثبت عنه أنَّه قال: "عليكم بسنتي وسنّة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي … " الحديث بتمامه. والرابع: الحافظ ابن الملقِّن في "تذكرة المحتاج"؛ فإِنَّه بعد أن أقرَّ تصحيحَ مَن صححه ردَّ على ابن القطان تجهيله لراويه، فقال (66/ 67): "وأمّا ابن القطان فأعلّه بجهالةِ بعض رواته، وقد بأن توثيقه".
ويُلْحَقُ بهؤلاء كلّ الذين احتجّوا به أو شرحوه، وهم جَمٌّ غفير لا يمكن حصرهم، ومنهم الخطيب البغدادي، والإمام الشاطبي، والمحقق ابن القيم في "إغاثة اللهفان" - وغيره -، وأبو حامد، والماوردي، والحافظ ابن حجر الذي حكاه عنهما في "الفتح" (10/ 339) وأقره، وهو ظاهر كلامه في "التلخيص" (4/ 190)، فإنَّه أقَرَّ الذين صحَّحوه، ولم يتعقَّبهم بشيء البتّة.
فيا أيها القراء الكرام! هل يدخل في عقل عاقل مسلم أنَّ هؤلاء العلماء الأجلَاّء كلّهم متساهلون، أو مقلدون، أو على الأقل مخطئون، وذاك (الهدَّام - الفَسْل) هو الإمام المجتهد المصيب؟ ! وهو - والله - لا يصلح أن يكون تلميذاً لأحد تلامذتهم … ووالله إننا لفي زمانِ تَكَلُّمِ (الرُّويبضة) - كما أخبر الصادق
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
المصدوق صلى الله عليه وسلم (1) -.
والأمر الآخر أنَّ الرجل هدم - والحمد لله - جُلَّ رسالته - بقلمه -، في فصل أخير عقده فيها بعنوان: "هل لحديث العرباض شواهد؟ "، ثم أفاض في ذكر الشواهد الصحيحة لأكثر فقرات الحديث (ص 140 - 157)، وانتهى إلى التسليم بصحة الحديث؟ إلاّ فقرتين، إِحداهما: "فعليكم بسنتي"، والأُخرى: "عَضُّوا عليها بالنواجذ"؛ وهي التي احتجَّ بها ابن القيم، وعلّق عليها (الهدَّام) هذا التعليق الأسود، واحتجَّ بها - أيضاً - بعض العلماء على حجيّة إجماع الخلفاء، كما حكاه شيخ الإسلام ابن تيميّة، وأيَّده بهذا الحديث، فقال في "مجموع الفتاوى" (28/ 493):
"وهذا حديث صحيح في "السنن" … ".
وإِنَّ من جَنَفِ هذا (الهدّام)، وَبَغْيهِ على السُّنَّة المطهّرة: أنَّه لما رأى أنَّه يشهد لها قولُه صلى الله عليه وسلم: "اقتدوا باللَّذين من بعدي؛ أبي بكر وعمر" ضعَّفه أيضاً، مع أنَّه خرَجه (ص 147 - 153) عن أربعة من الصحابة: ابن مسعود، وابن عمر، وحذيفة، وأنس رضي الله عنهم، وضَعَّفها كلّها بأسلوبه (الفذّ)! ولو أنَّه كان على علم بالسنّةِ وانتصار لَهَا؛ لعلم أنَّه لو سُلِّم له بضعْف مفرداتها، فإِنَّ مجموعها يدل على أنَّ للحديث أصلاً أصيلاً، فكيف وبعضها قويٌّ لذاته - كما بينته في "الصحيحة" (1233) -، ومنه استفاد أحاديثهم، ولكنه كعادته قد نصب نفسه للمعاكسة والمعاندة، فضعَّفه.
ثم زاد - ضِغثاً على إبّالة - فنقل (ص 153) عن الحافظ ابن حجر أنَّه ذكر في "التلخيص" (4/ 190) للحديث عِلَة أخرى، وهي أن رِبعياً لم يسمع--------------------------------------------
(1) انظره - مخرّجاً - في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (1887).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
هذا الحديث من حذيفة!
وفي هذا النقل تدليس خبيث نعرفه عنه كثيراً، فإِنَّه يوهم أنَّ الحافظ ذكره وأقرَّه؛ وهو خلاف الواقع، فقد تعقَّبَه بقوله:
"قلت: أمَّا مولى رِبعي فاسمه (هلال)، وقد وُثِّق، وقد صرَّح رِبعي بسماعه من حذيفة في رواية، وأخرج له الحاكم شاهداً من حديث ابن مسعود … ".
ولم يقتصر كتمانُه لهذه الفقرة من كلام الحافظ، بل كتم ما هو أبلغُ في الرَّد عليه، وبيان خطإِه في التضعيف، وعدم اعتداده بأقوال الحفّاظ، فقال الحافظ:
"وقال العقيلي - بعد أن أخرجه من حديث مالك عن نافع عن ابن عمر: لا أصل له من حديث مالك، وهو يُروى عن حذيفة بأسانيد جياد تثبت" (1).
بل إن خيانته للعلم لَتزداد وضوحاً حينما يَعلم القراء أنَّه هو نفسَه قد ذكر الحديث (ص 148) من رواية العقيلي (4/ 94 - 95)، ونقل الشطر الأوَّل من قول العقيلي، ولم ينقل الشطر الآخر الصريح في تقويته للحديث!
فماذا يقال عمن يفعل هذا؟ ! وبخاصةٍ أنَّه يتكرّر ذلك منه كثيراً، فقد كتم - أيضاً - تحسين التِّرمذي لحديث حذيفة هذا، وقد حَسَّنه في ثلاثة مواضع من "السُّنن"، وهذه أرقامها (3663 و 3801 و 3807).
وله من مثل هذا الشيء الكثير والكثير جداً، مما سيأتي التنبيه عليه - إن شاء الله وأعانني عليه -، الأمر الذي أرجو أن يكون سبباً لهدايته إن كان مخلصاً، أو قطعاً لدابره إن كان مغرضاً، كما قطع دابر من قبله من ذوي--------------------------------------------
(1) كذا بصيغة الجمع، وفي مطبوعة "العقيلي": "بإِسنادِ جيد ثابت" بصيغة المفرد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
الأهواء من الأموات، أو الأحياء الأموات!
ولعلّ من ذلك القبيل - أيضاً - كتمانَه تصريح ابن تيميّة بثبوت حديث حذيفة في "الفتاوى" (35/ 48)، فضلاً عن احتجاجه به - كما تقدّم نقله عنه (ص 21) - وانظر - أيضاً - (35/ 23) -، وكذلك احتجَّ به الحافظ ابن كثير في "التفسير" (1/ 171)، وصرح بتحسينه الحافظ ابن حجر في "تخريج المختصر" (ق 32/ 2).
وإنَّما قلت: "ولعله … "؛ لأنَّه لا جزم عندي بذلك - أولاً -، ولعلمي أنَّه لا يبحث إلاّ عن الهدم - ثانياً -! فيحتمل الأمر هذا وذاك.
ومن الشواهد الصحيحة التي وقف عليها ولم يتجرأ على الطعن في إسنادها - خلافاً لعادته -: ما رواه البخاري (11/ 198) أن عبد الرحمن بن عوف بايع عثمان على خلافته، فقال:
"أبايعك على سنّة الله، وسنّة رسوله والخليفتين من بعده".
ولكنه ردَّ دلالته وشهادته بقوله (ص 153):
"هذا من قبيل التأكيد على سنة النبي صلى الله عليه وسلم، لا التغاير، ثم إنَّه موقوف"!
وهذا من بالغ جهله، وقلّة فقهه، فإِن كونه موقوفاً مما لايفسح المجال لمسلم أن لا يأخذَه - كما هو الشأن في كثير من الموقوفات -؛ لأنَّه قيل في حضرة كبار الصحابة من العشرة المبشرين بالجنّة، وغيرهم.
ثم إن قوله: "لا التغاير" قد كشف النقاب عن السبب الذي حمل هذا (الهدَّام) على تضعيف الحديث ككلٍّ - أولاً -، ثم انحطَّ إلى تضعيف فقرة: "سنة الخلفاء الراشدين" منه - ثانياً -، وهو فهمه (التغاير) بينها وبين سنة النبي صلى الله عليه وسلم! وهو فهم سقيم بمرّة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
والحقيقة، أنَّ هذا الحديث الصحيح يلتقي - تمام اللقاء - قولَه - تعالى -: { … سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} في الآية الكريمة: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} فهل {سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} هو غير سبيل الرسول وما دعا إليه؟ ! كلاّ ثمّ كلاّ، فإن المعنى: "ويسلك منهاجاً غير منهاجهم" كما قال إمام المفسرين أبو جعفر الطبري في "تفسيره" (5/ 178).
وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "وسنَّة الخلفاء الراشدين" أي: طريقتهم ومنهاجهم الذي تلقَّوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً، وفعلاً، وتقريراً، وما ذلك إلا لأنهم أعلم أصحابه بسنته صلى الله عليه وسلم، فسنَتهم من سنَّته صلى الله عليه وسلم، ولذلك احتجَّ من سبقت الإشارة إليهم بهذا الحديث على حجيَّة إجماعهم؛ كما احتجَّ الإمام الشافعي بالآية المتقدِّمة على حجيَّة إجماع المسلمين - على ما هو مبيَّنٌ في "رسالته"، وكتب الأصول والتفسير -.
وإنَّ مِن المؤيِّدات للحديث قوله صلى الله عليه وسلم: "إن يطع الناس أبا بكَر وعمرَ يرشُدوا" رواه أبو عَوانة في "صحيحه" (2/ 282)، وأصله في "مسلم" (2/ 139 - 140)، وإليه عزَاه ابن تيميَّة (4/ 400)، وفيه بحثٌ لا مجال لذكره الآن، وصحَّحه ابن المنذر - كما في "الفتح" (1/ 309) -، وهو من حديث أبي قتادة الأنصاري.
وجملة القول في هذه الفقرة - مع صحَّتها في ذاتها عند العلماء - أنَّه يشهد لها قوله صلى الله عليه وسلم: "اقتدوا … "، وما ذُكر بعده من الموقوف والمرفوع - لاشتراكها كلها في الحضّ على الاقتداء بالخليفتين وإطاعتهم - فمِن باب أولى أن يحضّ على الاقتداء بأربعتهم واتباع سنَّتهم، كما هو ظاهرٌ لا يخفى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)
وخلاصةُ ما تقدّم من البيان حول هذا الحديث الصحيح:
أوَّلاً: أن (الهدَّام) بتضعيفه إِيَّاه قد خالف {سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ}.
ثانياً: لقد هدم بحثَهُ - هذا - الَّذي لَخَّصَه من رسالته، كما هَدَمها هي - أيضاً - بتراجعه عن تضعيف أكثره، وقد يتراجع - فيما بعد - تحت مطارق الحق عن باقيه، ولكن بمكرٍ ودهاءٍ لا يُحمد عليه.
ثالثاً: لقد كتم هنا تراجعَه المذكور هناك، فأوهم القراء أنَّه لا يزال مُصِرّاً على تضعيفه إيّاه - تضعيفاً مطلقاً - وذلك بما كان علَّقهُ على طبعته لـ"رياض الصالحين" (1)؛ هداه الله! ولا حول ولا قوَّةَ إلاّ بالله!
3 - "قال النبي صلى الله عليه وسلم في الَّذين أفتَوا بالجهل، فهلك المستفتي بفتواهم: "قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا؟ ! فإِنَّما شفاء العِيِّ السؤال"":
صَدَّره المضعِّف بقوله: "ضعيف"! ثم خَرَّجَه (1/ 28) من حديث جابر، ومن حديث ابن عباس وضعّف إسناديهما، وقد استفاد ذلك من "الإرواء" (1/ 142/ 142) وغيره، لكنَّه عاكسني في تقويتي للحديث بمجموع الطريقين في بعض كتاباتي - مثل "المشكاة" (1/ 166) -، فحسَّنته هناك، وفي "صحيح أبي داود" (364 - 365).
أقول: عاكسني؛ لأنَّه لا يأخذ بقاعدة التقوية بكثرة الطرق، كما تقدم بيانه في المقدمة (المؤاخذة/ 2)؛ وذلك من أسباب خروجه عن {سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ}، وكثرة مخالفته لعلمائهم - كما رأيتَ ويأتي -، ومن ذلك هذا الحديث، فقد رأيت جَزْمَ ابن القيم بنسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وسبقه إلى ذلك--------------------------------------------
(1) وكذلك فعل في تعليقه على "مجموعة رسائل للشيخ نسيب الرفاعي - رحمه
الله -" (ص 53 - 54) طبع المكتب الإسلامي - في ختام حياته -؛ نسأل الله حسن الخاتمة!
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)