بالنزول نزول الرب سبحانه، وليس في شيء منها ما يدل على أن المراد بالنزول نزول أمره ورحمته أو بعض ملائكته(1).
4 - أن ألفاظ أحاديث النزول كلها تدل على أن المراد نزول الرب لا نزول غيره كقوله صلى الله عليه وسلم: "ينزل ربنا تبارك وتعالى … فيقول: من يدعوني فأستجيب له … الحديث"(2)(3).
5 - أن تأويل النزول الوارد في الأحاديث بنزول أمره ورحمته أو نزول ملك من ملائكته لا يصح.
فأما تأويله بنزول أمره ورحمته فمتعقب بما يلي:
أ- أن الرحمة إما أن تكون عينًا قائمة بنفسها، وإما أن تكون صفة قائمة في غيرها.
فإن كانت عينًا قائمة بنفسها وهي مخلوقة، لم يكن لها أن تقول: من يدعوني فأستجيب له، ولا أنا الملك.
وأيضًا فحينئذ يكون الذي ينزل لفصل القضاء مخلوقًا محدثًا لا رب العالمين، وهذا معلوم البطلان قطعًا.
وإن كانت صفة من الصفات فهي لا تقوم بنفسها؛ بل لا بد لها من محل، ثم لا يمكن للصفة أن تقول هذا الكلام(4).
ب- أن الرحمة والأمر إذا نزلا إلى السماء الدنيا، ولم ينزلا إلى الأرض، ثم إذا طلع الفجر صعدا فأي منفعة في نزولهما(5)؟
جـ- أن رحمته سبحانه وأمره ينزلان بالليل والنهار، ولا يختص نزولهما بالثلث الأخير، ولا بوقت دون وقت، بل لا ينقطعان عن العالم--------------------------------------------
(1) انظر: مختصر الصواعق المرسلة (2/ 221 - 222).
(2) أخرجه البخاري، كتاب التهجد، باب الدعاء والصلاة من آخر الليل (1/ 341) برقم (1145)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الترغيب في الدعاء والذى في آخر الليل (1/ 521) برقم (358) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه به.
(3) انظر: شرح حديث النزول (ص 322)، مختصر الصواعق المرسلة (2/ 222 - 223).
(4) انظر: مختصر الصواعق المرسلة (2/ 259).
(5) انظر: رد الدارمي على بشر (1/ 499)، مختصر الصواعق المرسلة (2/ 260).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 345)
السفلي والعلوي طرفة عين(1).
د- أن نزول أمره ورحمته لا يكون إلا منه، وحينئذ فهذا يقضي أن يكون هو فوق العالم، فتأويله نفسه يبطل مذهبه(2).
وأما تأويله بنزول بعض ملائكته فمتعقب بما يلي:
أ- أن أحاديث النزول صريحة في نسبة النزول لله تعالى بما لا يحتمل تأويل نزوله بنزول غيره(3) -كما سبق-.
ب- أن الأحاديث خصت النزول بجوف الليل وجعلت منتهاه إلى السماء الدنيا، والملائكة لا يختص نزولها بهذا الزمان ولا هذا المكان(4).
جـ- أن الأحاديث الواردة في النزول جاء في بعض رواياتها "ثم يصعد" و"ثم يعلو" والملائكة تصعد في كل وقت لا يختص صعودها بطلوع الفجر(5).
وأما ما عزاه ابن حجر إلى مالك وجعفر الصادق وغيرهما من السلف من تأويلهم النزول، فالجواب عنه أن يقال: "إن جميع هذه التأويلات مبتدعة، لم يقل أحد من الصحابة شيئًا منها، ولا أحد من التابعين لهم بإحسان، وهي خلاف المعروف المتواتر عن أئمة السنة والحديث وأحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة، ولكن بعض الخائضين بالتأويلات الفاسدة، يتشبث بألفاظ عن بعض الأئمة وتكون إما غلطًا وإما محرفة"(6).--------------------------------------------
(1) انظر: التمهيد لابن عبد البر (7/ 143)، مختصر الصواعق المرسلة (2/ 260).
(2) انظر: رد الدارمي على بشر (1/ 500)، شرح حديث النزول (ص 138).
(3) انظر: شرح حديث النزول (ص 322).
(4) انظر: المصدر السابق (ص 233).
(5) انظر: المصدر السابق (ص 234).
(6) المصدر السابق (ص 223).
وانظر: في الرد على ما ذكره عن مالك خاصة: التمهيد (7/ 143)، شرح حديث النزول (ص 210)، مختصر الصواعق (2/ 261)، سير أعلام النبلاء (8/ 15)، وللاستزادة: منهج الإمام مالك في العقيدة للدعجان (ص 251)، براءة الأئمة الأربعة للحميدي (ص 317).
وأما ما ذكره عن جعفر الصادق فلم أقف على من ذكره غير ابن حجر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 346)
3 - صفة القرب:
يرى ابن حجر -عفا الله عنه- أن قرب الله سبحانه وتعالى الوارد في النصوص قرب معنوي لا حقيقي، ويفسره بمزيد الإنعام وعموم المغفرة وجزيل الثواب، حيث يقول في شرحه لقوله صلى الله عليه وسلم: "ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة … "(1).
"وإنه أي: الله، ليدنو أي: يقرب من عباده القرب المعنوي المقتضي لمزيد الإنعام عليهم بالمغفرة العامة والثواب الجزيل … "(2).
التقويم:
القرب والدنو من صفات الله تعالى الفعلية الاختيارية، الثابتة بدلالة الكتابة والسنة والإجماع.
فمن الكتاب: قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 186].
وقوله سبحانه: {فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ} [هود: 61].
وقوله عز وجل: {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: 56].
ومن السُّنَّة: قوله جل وعلا في الحديث القدسي: " … من تقرب مني شبرًا، تقربت منه ذراعًا، ومن تقرب مني ذراعًا، تقربت منه باعًا … "(3).
وقوله صلى الله عليه وسلم: "أيها الناس: أربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، ولكن تدعون سميعًا قريبًا، إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته"(4).--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة (2/ 983) برقم (1348) من حديث عائشة رضي الله عنها به.
(2) فتح الإله بشرح المشكاة (ص 232).
(3) أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، باب قوله تعالى: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} (4/ 2310) برقم (7405)، ومسلم، كتاب التوبة، باب في الحض على التوبة والفرح بها (4/ 2102) برقم (2675) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه به.
(4) أخرجه مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب استحباب خفض الصوت بالذكر (4/ 2076) برقم (2704) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 347)
وأما الإجماع: فقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على إثبات صفة القرب لله تعالى، وحكاه عنهم جمع من أهل العلم، منهم: الإمام الشافعي رحمه الله وقد سبق نقل قوله قريبًا(1)، واثنان من فضلاء أصحابه وهما: أحمد بن سريج(2) إمام الشافعية في وقته، وشيخ الحرمين محمد بن عبد الملك الكرجي الشافعي(3) -رحمهما الله-.
قال الإمام أحمد بن سريج بعد ذكره وجوب الإيمان بصفات الله ونقله إجماع السلف على ذلك معددًا هذه الصفات: "الفوقية … والقرب والبعد … وجميع ما لفظ به المصطفى صلى الله عليه وسلم"(4).
وقال شيخ الحرمين أبي الحسن محمد بن عبد الملك الكرجي الشافعي في سياقه للعقيدة التي أجمع عليها أهل العلم ممن أدركه: "وأن الله تعالى أول لم يزل، آخر لا يزال … إلى سائر أسمائه وصفاته من النفس والوجه … والقرب والدنو … "(5).
وقرب الرب تعالى الوارد في النصوص نوعان:
الأول: قربه اللازم من عباده بعلمه وقدرته وتدبيره، وهذا المعنى يقر به جميع المسلمين.
والثاني: قربه بنفسه من مخلوقاته قربًا لازمًا في وقت دون وقت، فهذا يثبته من يثبت قيام الصفات الاختيارية به تعالى، وينفيه من عداهم(6).--------------------------------------------
(1) انظر: (ص 342).
(2) هو أحمد بن عمر بن سريج البغدادي، القاضي الشافعي، أبو العباس، من أئمة السلف، وفقهاء العراق، ذكر في ترجمته أن فهرسة كتبه كان يشتمل على أربعمائة مصنف، توفي سنة 306 هـ، انظر: سير أعلام النبلاء (14/ 201)، شذرات الذهب (2/ 247).
(3) هو محمد بن عبد الملك بن محمد بن أبي طالب الكرجي، أبو الحسن، من فضلاء الشافعية، سلفي المعتقد، من مؤلفاته؛ الذرائع في علم الشرائع، ومنظومة في عقيدة السلف سماها: عروس القصائد في شموس العقائد، توفي سنة: 532 هـ. انظر: العبر للذهبي (4/ 89)، طبقات السبكي (6/ 97).
(4) نقله عنه ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص 170).
(5) نقله عنه شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (4/ 175 - 181).
(6) انظر: مجموع الفتاوى (6/ 13، 19)، وشرح حديث النزول (ص 365).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 348)
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وأما دنوه نفسه وتقربه من بعض عباده، فهذا يثبته من يثبت قيام الأفعال الاختيارية بنفسه، ومجيئه يوم القيامة، ونزوله واستواؤه على العرش، وهذا مذهب أئمة السلف وأئمة الإسلام المشهورين وأهل الحديث، والنقل عنهم بذلك متواتر، وأول من أنكر ذلك في الإسلام الجهمية … "(1).
وعليه فما قرره ابن حجر من كون قربه سبحانه المراد به القرب المعنوي المقتضي لمزيد الإنعام والمغفرة والثواب لا القرب الحقيقي باطل من وجوه، منها:
1 - أن القول بذلك تأويل، والتأويل في نصوص الصفات بهذا المعنى باطل كما سبق(2).
2 - أن المقتضي لهذا التأويل اعتقاد أن ظاهره يستلزم التمثيل والجسمية والحركة والانتقال، وقد سبق الجواب عنه(3).
3 - أن النصوص الواردة في صفة القرب والدنو كلها تدل على أن المراد بالقرب قرب حقيقي، ولم يرد في شيء منها ما يدل على كونه قربًا معنويًا.
4 - صفة المحبة:
يرى ابن حجر -غفر الله له- استحالة اتصاف الله تعالى بالمحبة، ويؤولها بما ينفي ظاهرها، حيث يقول:
"المشهور أن الصفات المستحيلة على الله تعالى كالرحمة والمحبة إذا أطلقت عليه المراد: مبدؤها وهو الإرادة، أو غايتها وهو التفضيل والإنعام، دون حقيقتها وهو العطف والميل النفساني … "(4).
ويقول في شرحه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أخبروه أن الله تعالى يحبه"(5):--------------------------------------------
(1) شرح حديث النزول (ص 318، 319).
(2) انظر: (ص 297).
(3) انظر: (ص 293).
(4) فتح الإله بشرح المشكاة (ص 134).
(5) أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى توحيد الله (4/ 2302) برقم (7375)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب فضل قراءة قل هو الله أحد (1/ 557) برقم (813) من حديث عائشة رضي الله عنهما به.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 349)
"أي: يثيبه ويقربه وينعم عليه، أو يريد له ذلك … "(1).
التقويم:
المحبة صفة فعلية ثابتة لله تعالى بدلالة الكتاب والسنة والإجماع.
فمن الكتاب: قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 195].
وقوله سبحانه: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54].
ومن السُّنَّة: قوله صلى الله عليه وسلم: "لأعطين الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله … "(2).
وقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب العبد التقي، الغني، الخفي"(3).
وأما الإجماع: "فقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على إثبات محبة الله تعالى لعباده المؤمنين، ومحبتهم له، وهذا أصل دين الخليل إمام الحنفاء عليه السلام"(4).
وعليه فالمحبة شأنها شأن بقية الصفات التي وصف الله بها نفسه أو وصفه بها رسوله صلى الله عليه وسلم، يثبتها أهل السنة والجماعة لله تعالى على ما يليق بجلاله، إثباتًا بلا تشبيه، وتنزيهًا بلا تعطيل.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "أهل السنة والجماعة المتبعون لإبراهيم وموسى ومحمد -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- يثبتون ما أثبتوه من تكليم الله، ومحبته، ورحمته، وسائر ما له من الأسماء الحسنى والمثل الأعلى"(5).
وأما تأويل ابن حجر المحبة بمبدئها وهو الإرادة أو غايتها وهو الإنعام--------------------------------------------
(1) فتح الإله بشرح المشكاة (ص 134).
(2) أخرجه البخاري، كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، باب مناقب علي (3/ 1141) برقم (3702)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه (4/ 1872) برقم (2407) من حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه به.
(3) أخرجه مسلم، كتاب الزهد والرقائق (4/ 2277) برقم (2965) من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه به.
(4) مجموع الفتاوى (2/ 354).
(5) المصدر السابق (16/ 209).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 350)
فهو صرف لها عن ظاهرها المتبادر منها، وهو إثبات المحبة لله تعالى على ما بجلاله سبحانه، وهو قول باطل من وجوه:
1 - أن القول بذلك تأويل، والتأويل في نصوص الصفات بهذا المعنى باطل -كما سبق-(1).
2 - أن المقتضي لهذا التأويل اعتقاد كون ظاهرها يستلزم التمثيل وهو باطل -كما سبق-(2).
3 - أن النصوص وردت بإثبات المحبة لله وأنه يُحِب ويُحَب، كما وردت بإثبات الود والخلة له سبحانه، ولم يرد في شيء منها تأويلها بالإرادة أو الإنعام؛ مما يدل على أن المراد بها حقيقتها(3).
4 - أن المحبة صفة كمال وضدها صفة نقص؛ وعليه فيلزم من نفي المحبة عنه اتصافه بضدها؛ إذ العلاقة بينهما علاقة سلب وإيجاب.
5 - أنه يلزم "هؤلاء الذين ينفون أن الله يُحِب ويُحَب أن لا يبقى عندهم فرق بالنسبة إلى الله بين أوليائه وبين أعدائه، ولا بين الإيمان والكفر، ولا بين ما أمر به وما نهى عنه، ولا بين بيوته التى هى المساجد، وبين الحانات ومواضع الشرك"(4).
6 - أن تأويل ابن حجر المحبة بالإرادة والإنعام يلزمه فيه نظير ما فرّ منه، فإنه إنما تأول المحبة لزعمه أن ظاهرها يقتضي التمثيل، فيقال له: كذلك الإرادة والإنعام، فإنهما مما يتصف به المخلوق فإن كان إثباتهما لا يقتضي التمثيل فكذلك المحبة، وإن كان إثباتهما يقتضي ذلك لزم المحظور(5).--------------------------------------------
(1) انظر: (ص 297).
(2) انظر: (ص 293).
(3) انظر: مدارج السالكين (3/ 27 - 30)، روضة المحبين لابن القيم (ص 22)، شرح الطحاوية لابن أبي العز (1/ 167).
(4) منهاج السنة (5/ 325).
(5) انظر: التدمرية (ص 31 - 32)، الصواعق المرسلة (1/ 234)، توضيح المقاصد لابن عيسى (2/ 47، 59)، وشرح النونية لهراس (1/ 302 - 315).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 351)
5 - صفة الرحمة:
يرى ابن حجر استحالة اتصاف الله تعالى بالرحمة، معللًا ذلك بكون حقيقتها العطف والميل الروحاني وهما مما ينزه الله عنه، ويتأولها بإرادة الإنعام أو بالإنعام نفسه.
يقول في ذلك: "الرحمة هي عطف وميل روحاني غايته الإنعام، فهي لاستحالتها في حقه تعالى مجاز إما عن نفس الإنعام فتكون صفة فعل، أو عن إرادته فتكون صفة ذات"(1).
ويقول في شرحه لقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله كتب كتابًا فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي"(2): "أي: أن مظاهر الرحمة غلبت مظاهر الغضب … "(3).
التقويم:
الرحمة صفة ثابتة لله تعالى بدلالة الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب: فقد "كرر الله تعالى التمدح بالرحمة مرارًا جَمّة أكثر من خمسمائة مرة من كتابه الكريم، منها باسمه الرحمن أكثر مائة وستين مرة، وباسمه الرحيم أكثر من مائتي مرة، وجمعهما للتأكيد مائة وست عشرة مرة"(4)، ومن ذلك:
قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3)} [الفاتحة: 2، 3].
وقوله سبحانه: {أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 218].--------------------------------------------
(1) المنهاج القويم (ص 7)، وانظر: فتح الجواد (1/ 8)، حاشية الإيضاح (ص 5)، المنح المكية (1/ 441) (3/ 1397)، الإيعاب (1/ 8)، البدائع الجلية (ص 6).
(2) أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في قول الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} [الروم: 27] (2/ 986) برقم (3191)، ومسلم، كتاب التوبة، باب سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه (4/ 2107) برقم (2751) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه به.
(3) المنح المكية (3/ 1397).
(4) إيثار الحق على الخلق لابن الوزير (ص 125).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 352)
وأما السُّنَّة: فقوله صلى الله عليه وسلم: "إنما يرحم الله من عباده الرحماء"(1).
وأما الإجماع: "فقد أجمع المسلمون على حسن إطلاق الرحمة على الله، من غير قرينة تشعر بالتأويل، ولا تَوَقُّف على عبارة التنزيل"(2).
والرحمة المضافة إليه سبحانه نوعان:
أحدهما: رحمة مضافة إليه إضافة صفة إلى الموصوف بها، كقوله تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: 156]، وقوله: {وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ} [الأنعام: 133].
وهذه الرحمة صفة يتصف بها سبحانه على ما يليق بجلاله.
وثانيهما: رحمة مضافة إليه إضافة مفعول إلى فاعله، كقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} [الفرقان: 48]، وقوله: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (9)} [هود: 9].
وهذه الرحمة ليست صفة لله تعالى، بل هي أثر رحمته التي هي صفته، وتسمية الأشاعرة هذا النوع صفة فعل غلط؛ لأن الله عز وجل لا يوصف بما خلقه منفصلًا عن ذاته(3).
وتأسيسًا على ما سبق فإن أهل السنة والجماعة يثبتون الرحمة صفة لله تعالى، كما أثبتها سبحانه لنفسه وأثبتها له رسوله صلى الله عليه وسلم.
وأما تأويل ابن حجر لها لإرادة الإنعام أو الإنعام نفسه فهو مردود بما يلي:
1 - أن هذا تأويل، والتأويل بهذا المعنى في نصوص الصفات باطل -كما سبق-(4).--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، باب ما جاء في قول الله تعالى: {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} (4/ 2326) برقم (7448)، ومسلم، كتاب الجنائز، باب البكاء على الميت (2/ 635) برقم (923) من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه به.
(2) إيثار الحق على الخلق لابن الوزير (ص 127).
(3) انظر: بدائع الفوائد (2/ 183)، الروضة الندية شرح العقيدة الواسطية للفياض (ص 93)، التنبيهات السنية شرح العقيدة الواسطية لابن رشيد (ص 77)، شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للغنيمان (2/ 185).
(4) انظر: (ص 297).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 353)
2 - أن المقتضي لهذا التأويل اعتقاد كون ظاهرها يستلزم التمثيل وهو باطل -كما سبق-(1).
3 - أن الرحمة صفة كمال وضدها صفة نقص، فيلزم من نفي صفة الرحمة عنه سبحانه اتصافه بضدها؛ إذ العلاقة بينهما علاقة سلب وإيجاب(2).
4 - أن تأويل ابن حجر الرحمة بالإرادة أو الإنعام يلزمه فيه نظير ما فر منه، فإنه إنما تأول الرحمة لزعمه أن ظاهرها يقتضي التمثيل، فيقال له: كذلك الإرادة والإنعام، فإنهما مما يتصف به المخلوق فإن كان إثباتهما لا يقتضي التمثيل فكذلك الرحمة، وإن كان إثباتهما يقتضي ذلك لزم المحظور(3).
5 - أن قول ابن حجر بأن حقيقة الرحمة العطف والميل الروحاني لو قُدِّر أنه حق في حق المخلوق لم تكن كذلك في حق الخالق سبحانه(4).
6 - صفة الغضب:
يرى ابن حجر استحالة اتصاف الله تعالى بالغضب، حيث يقول: "الغضب فوران الدم وغليانه … لإرادة الانتقام … ولاستحالة هذا المعنى في حقه تعالى كان المراد بالغضب في حقه تعالى: إرادة الانتقام فيكون صفة ذات، أو الانتقام نفسه فيكون صفة فعل"(5).
ويقول في شرحه لقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله كتب كتابًا، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي"(6): "أي: أن مظاهر الرحمة غلبت مظاهر الغضب"(7).
التقويم:
الغضب صفة ثابتة لله تعالى بدلالة الكتاب والسنة.
فمن الكتاب: قوله تعالى: {وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ} [النساء: 93].--------------------------------------------
(1) انظر: (ص 293).
(2) انظر: مجموع الفتاوى (6/ 118).
(3) انظر: التدمرية (ص 31 - 32)، الصواعق المرسلة (1/ 234)، توضيح المقاصد لابن عيسى (2/ 47، 59)، شرح الكافية الشافية لهراس (1/ 302 - 315).
(4) انظر: مجموع الفتاوى (6/ 117).
(5) فتح المبين (ص 156).
(6) سبق تخريجه (ص 352).
(7) المنح المكية (3/ 1397).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 354)
وقوله سبحانه: {فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي} [طه: 81].
وقوله عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} [الممتحنة: 13].
ومن السُّنَّة: حديث الشفاعة المشهور، وفيه: "إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله … "(1).
وإثبات الغضب لله تعالى على ما يليق به سبحانه هي جادة أهل السنة والجماعة.
يقول العلامة - ابن أبي العز رحمه الله: "مذهب السلف وسائر الأئمة إثبات صفة الغضب والرضى، والعداوة والولاية، والحب والبغض ونحو ذلك من الصفات التي ورد بها الكتاب والسنة، ومنع التأويل الذي يصرفها عن حقائقها اللائقة بالله تعالى، كما يقولون مثل ذلك في السمع والبصر والكلام وسائر الصفات … ولا يقال: إن الرضى إرادة الإحسان، والغضب إرادة الانتقام، فإن هذا نفي للصفة"(2).
وعليه فما قرره ابن حجر - غفر الله له - من تأويل الغضب الوارد في النصوص بإرادة الانتقام أو بالانتقام نفسه مخالف لمذهب أهل السنة والجماعة، وتعليله ذلك بكون حقيقة الغضب مستحيلة على الله مما وافق فيه الأشاعرة(3).
والجواب عن قوله من وجوه:
1 - أن القول بذلك تأويل، والتأويل في نصوص الصفات بهذا المعنى باطل -كما سبق-(4).
2 - أن المقتضي لهذا التأويل اعتقاد كون ظاهرها يستلزم التمثيل وهو باطل - كما سبق -(5).--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري، كتاب الأنبياء، باب {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} (2/ 1027). برقم (3440)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها (1/ 185)، برقم (327) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه به.
(2) انظر: شرح العقيدة الطحاوية (2/ 685).
(3) انظر: مشكل الحديث لابن فورك (ص 259)، تأويل الأحاديث الموهمة للتشبيه للسيوطي (ص 120).
(4) انظر: (ص 397).
(5) انظر: (ص 293).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 355)
3 - أن تأويل الغضب بإرادة الانتقام أو الانتقام نفسه تفسير له بغير مدلوله اللغوي وهو الغضب الحقيقي، وتفسيره بذلك ينفي حقيقة الصفة.
4 - أن تأويل ابن حجر الغضب بإرادة الانتقام أو الانتقام نفسه يلزمه فيه نظير ما فر منه، فإنه إنما تأول الغضب لزعمه أن ظاهره يقتضي التمثيل، فيقال له: كذلك الإرادة والانتقام، فإنهما مما يتصف به المخلوق فإن كان إثباتهما لا يقتضي التمثيل فكذلك الغضب، وإن كان إثباتهما يقتضي ذلك لزم المحظور(1).
وأما تعليله استحالة اتصاف الله سبحانه بالغضب بكون حقيقته فوران الدم وغليانه لإرادة الانتقام وكون ذلك مما يستحيل عليه فهو تعليل عليل؛ إذ هو لازم له في تأويله له بالإرادة، وبيان ذلك أن "يقال له: والإرادة ميل النفس إلى جلب منفعة أو دفع مضرة.
فإن قال: هذه إرادة المخلوق.
قيل له: وهذا غضب المخلوق، وكذلك يلزم بالقول في كلامه، وسمعه، وبصره، وعلمه، وقدرته، إن نفى الغضب والمحبة والرضى ونحو ذلك مما هو من خصائص المخلوقين، فهذا منتفٍ عن السمع والبصر والكلام، وجميع الصفات.
وإن قال: إنه لا حقيقة لهذا إلا ما يختص بالمخلوقين فيجب نفيه عنه. قيل له: وهكذا السمع والبصر والكلام والعلم والقدرة"(2).
وبعد عرض آراء ابن حجر - غفر الله له وعفا عنه - في صفات الله الذاتية والفعلية وتقويمها؛ يتبين سلوكه مسلك الأشاعرة فيها، وتذبذبه بين التأويل والتفويض، وفق ما قرره في مذهبه في الصفات إجمالًا ونقلته عنه في موضعه.--------------------------------------------
(1) انظر: التدمرية (ص 31)، الصواعق المرسلة (1/ 234)، توضيح المقاصد لابن عيسى (2/ 47، 59) شرح الكافية الشافية لهراس (1/ 302 - 315).
(2) التدمرية (ص 32)، وانظر: شرح الطحاوية (2/ 686)، الروضة الندية شرح العقيدة الواسطية للفياض (ص 95 - 96).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 356)
الباب الثاني آراؤه في بقية أركان الإيمان
وفيه أربعة فصول:
الفصل الأول: آراؤه في الإيمان بالملائكة.
الفصل الثاني: آراؤه في الإيمان بالكتب.
الفصل الثالث: آراؤه في الإيمان بالرسل.
الفصل الرابع: آراؤه في الإيمان باليوم الآخر.
الفصل الخامس: آراؤه في الإيمان القضاء والقدر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 357)
الفصل الأول آراؤه في الإيمان بالملائكة
وفيه تمهيد وثلائة مباحث:
تمهيد في تعريف الملائكة.
المبحث الأول: معنى الإيمان بالملائكة وما يتضمنه.
المبحث الثاني: المفاضلة بين الملائكة، والمفاضلة بينهم وبين صالح البشر.
المبحث الثالث: عصمة الملائكة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 359)
تمهيد في تعريف الملائكة
الملائكة: جمع مَلَك، واختلف اللغويون في اشتقاقه من عدمه:
فقيل: هو جامد غير مشتق.
وقيل: هو مشتق، واختلف القائلون بذلك منهم في أصل مادة اشتقاقه(1).
وقد أشار إلى ذلك ابن حجر رحمه الله فقال: "الملائكة: جمع مَلَك على غير قياس، أو جمع ملأك على مَفْعَل؟ إذ هو من الألوكة وهي الرسالة، ثم خفف بنقل الحركة والحذف فصار ملكًا، وقيل فيه غير ذلك"(2).
والقول باشتقاقه، وأن أصله من الألوكة وهي الرسالة أصوب من جهة اللغة والمعنى.
يقول الحافظ - ابن جرير رحمه الله: "الملائكة: جمع ملاك، غير أن أحدهم بغير الهمزة أكثر وأشهر في كلام العرب منه بالهمز، وذلك أنهم يقولون في واحدهم: ملك من الملائكة …
وقد يقال في واحدهم: مألك، فيكون ذلك مثل قولهم: جبذ وجذب، وشأمل وشمأل، وما أشبه ذلك من الحروف المقلوبة.
فمن قال: مَلأكًا فهو مَفْعل، من لأك إليه يلأك، إذا أرسل إليه رسالة ملأكة.--------------------------------------------
(1) انظر: تهذيب اللغة (1/ 184)، معجم مقاييس اللغة (ص 88)، الصحاح (4/ 1611)، لسان العرب (10/ 392)، القاموس المحيط (ص 1203).
(2) فتح المبين (ص 70)، وانظر: المنح المكية (1/ 215).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 360)
ومن قال: مَألْكًا فهو مَفْعل، من ألكت إليه آلك، إذا أرسلت إليه مألَكه وألوكًا …
فسميت الملائكة ملائكة بالرسالة، لأنها رسل الله بينه وبين أنبيائه، ومن أرسلت إليه من عباده"(1).
وقد ورد في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم مما يبين حقيقة الملائكة، ويوضح أوصافهم، آيات كثيرة، وأحاديث متعددة.
فمن الكتاب: قوله تعالى: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ} [الحج: 75].
وقوله سبحانه: {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1)} [فاطر: 1].
ومن السُّنَّة: قوله صلى الله عليه وسلم: "خلقت الملائكة من نور"(2).
فالملائكة خلق من خلق الله تعالى، خلقهم لعبادته، واصطفاهم لقربه، واختصهم بتدبير أمره، وجعلهم سفراءه ورسله إلى خلقه.
وقد بَيّن ابن حجر رحمه الله حقيقة الملائكة، وشيئًا من صفاتهم فقال: "ومما يجب الإيمان به الملائكة: وهم أجسام من العناصر الأربعة لكن غلبت عليها النور، فنطقت، وتشكلت بالأشكال المختلفة، وقدرت على الأعمال التي لا يطيقها غيرهم، وكملت علمًا وعملًا، وعصمت من المخالفات، ولم تفتر عما سخرت له من الطاعة والقيام بمصالح العباد، ولا يوصفون بذكورة ولا أنوثة، ولهم من الكثرة ما لا يحيط بها إلا خالقها"(3).
هذا وقد عرض ابن حجر في كلامه عن الملائكة لجملة من المسائل؟ كمعنى الإيمان بهم، وما يتضمنه، والمفاضلة فيما بينهم، والمفاضلة بينهم وبين صالحي البشر، وعصمتهم.
وفيما يلي عرض رأيه في هذه المسائل مع التعقيب عليها بتقويمها.--------------------------------------------
(1) تفسير ابن جرير (1/ 134 - 135).
(2) أخرجه مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب في أحاديث متفرقة (4/ 2294) برقم (2996) من حديث عائشة رضي الله عنها به.
(3) التعرف (ص 118 - 119).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 361)
المبحث الأول: معنى الإيمان بالملائكة وما يتضمنه
تحدث ابن حجر رحمه الله عن معنى الإيمان بالملائكة، وذكر بعض ما يتضمنه تفصيلًا، وفيما يلي عرض رأيه وفقًا لذلك.
أولًا: رأيه في معنى الإيمان بالملائكة:
يرى ابن حجر رحمه الله أن الإيمان بالملائكة يعني الإيمان "بأنهم عباد الله، لا كما زعم المشركون من تألههم، مكرمون، لا كما زعم اليهود من تنقيصهم، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، وبأنهم سفراء الله تعالى بينه وبين خلقه، متصرفون فيهم، كما أنهم صادقون فيما أخبروا به عنه، وأنهم بالغون من الكثرة ما لا يعلمه إلا الله تعالى"(1).
التقويم:
الإيمان بالملائكة هو الركن الثاني من أركان الإيمان التي لا يصح إيمان العبد إلا بها، وهو ينتظم أمورًا أربعة:
الأول: الإيمان بوجودهم.
والثاني: الإيمان بمن علمنا اسمه منهم باسمه كجبريل، ومن لم نعلم اسمه نؤمن بهم إجمالًا.
والثالث: الإيمان بما علمنا من صفاتهم.
والرابع: الإيمان بما علمنا من أعمالهم(2).--------------------------------------------
(1) فتح المبين (ص 70، 71).
(2) انظر: المنهاج في شعب الإيمان للحليمي (1/ 302)، شعب الإيمان للبيهقي (1/ 163)، الحبائك في أخبار الملائك للسيوطي (ص 9)، فتاوى ابن عثيمين (5/ 116).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 362)
يقول العلامة ابن القيم رحمه الله: "قد دل الكتاب والسنة على أصناف الملائكة، وأنها موكلة بأصناف المخلوقات … تتنزل بالأمر من عند الله في أقطار العالم، وتصعد إليه بالأمر، قد أطت السماء بهم … ويدخل البيت المعمور كل يوم منهم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه …
والقرآن مملوء بذكرهم، وأصنافهم، وأعمالهم، ومراتبهم … بل لا تخلو سورة من سور القرآن عن ذكر الملائكة تصريحًا، أو تلويحًا، أو إشارة.
وأما ذكرهم في الأحاديث النبوية فأكثر وأشهر من أن يذكر، ولهذا كان الإيمان بالملائكة عليهم السلام أحد الأصول الخمسة التي هي أركان الإيمان"(1).
ثانيًا: رأيه فيما يتضمنه الإيمان بالملائكة تفصيلًا:
يقول ابن حجر: "ومما يجب الإيمان به الملائكة: وهم أجسام من العناصر الأربعة لكن غلب عليها النور فنطقت وتشكلت بالأشكال المختلفة، وقدرت على الأعمال التي لا يطيقها غيرهم، وكملت علمًا وعملًا … ولم تفتر عما سخرت من الطاعة والقيام بمصالح العباد، ولا يوصفون بذكورة ولا أنوثة، ولهم من الكثرة ما لا يحيط بها إلا خالقهم، ويحشرون، ويدخلون الجنة معهم، لكن لا نعيم لهم فيها، وإنما هم خدم لأهلها"(2).
وقد تحدث ابن حجر رحمه الله عن بعض هذه المسائل حديثًا مفصلًا، وأكثر النقل عن غيره من أهل العلم فيها، ونظرًا لجمعه لها في بيانه لما يتضمنه الإيمان بالملائكة من جهة، ولتعلقها كلها بموضوع المبحث؛ رأيت جمعها وإجمال الكلام عليها بما يناسب المقام، وفيما يلي إيراد رأيه في كل منها مفصلًا مع التعقيب عليه بتقويمه ومناقشته.--------------------------------------------
(1) إغاثة اللهفان (2/ 125 - 131).
(2) التعرف (ص 118 - 119).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 363)
1 - وجودهم:
يقول ابن حجر: "ويجب اعتقاد وجود الملائكة … "(1).
التقويم:
القول بوجود الملائكة من مقتضيات الإيمان بهم، وإنكار ذلك كفر بهم، وتكذيب لكتاب الله وسنة رسوله اللذين أخبرا عنهم.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وما تواتر عن الأنبياء من وصف الملائكة هو مما يوجب العلم اليقين بوجودهم في الخارج … "(2).
ويقول أيضًا: "والإقرار بالملائكة … عام في بني آدم، لم ينكر ذلك إلا شواذ من بعض الأمم … فذكر الملائكة … عام في الأمم، وليس في الأمم أمة تنكر ذلك إنكارًا عامًا، وإنما يوجد إنكار ذلك في بعضهم؛ مثل من قد يتفلسف، فينكرهم لعدم العلم، لا للعلم بالعدم"(3).
وما حكاه شيخ الإسلام عن الفلاسفة(4) ومن وافقهم من إنكار وجود الملائكة وتأويلهم لها بقوى النفس الخيرة مردود عليهم بالنصوص المتواترة في الكتاب والسنة المملوءة بذكر الملائكة وأصنافهم وأعمالهم ومراتبهم(5).
2 - خلقهم:
أ - مادة خلقهم:
يقول ابن حجر: "هم أجسام من العناصر الأربعة لكن غلب عليهم النور"(6).--------------------------------------------
(1) الفتاوى الحديثية (ص 168).
(2) درء التعارض (6/ 107).
(3) النبوات (1/ 194 - 195).
(4) الفلاسفة: هم طائفة ينسبون إلى الفلسفة، والفلسفة كلمة يونانية مركبة من كلمتين "فيلا" أي: محب، و"سوفيا" أي: الحكمة، فمعناها: محب للحكمة، ومن آرائهم: القول بقدم العالم، وإنكار النبوات، وإنكار البعث الجسماني وغيرها.
انظر: الملل والنحل للشهرستاني (2/ 795)، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص 145)، إغاثة اللهفان (2/ 275).
(5) انظر: درء التعارض (6/ 107) (10/ 205)، الرد على المنطقيين (ص 106)، مجموع الفتاوى (4/ 346، 259، 135) (6/ 24 - 25) (10/ 399)، إغاثة اللهفان (2/ 125 - 131)، شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (2/ 402 - 403)، فتح الباري (6/ 306).
(6) التعرف (ص 118)، وانظر: المنح المكية (1/ 216)، الفتاوى الحديثية (ص 168).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 364)
التقويم:
"كل مخلوق محدث كائن بعد أن لم يكن … قد خلق من مادة"(1)، والمادة التي خلق منها الملائكة هي النور، فقد ثبت في الحديث عنه أنه قال: "خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم"(2).
ولم يرد عن النبي ما يبين المراد بهذا النور، وما ورد عن بعض السلف في بيانه لا يصح، ونص الحديث ورد بإطلاق مبدأ خلقهم من النور دون تعيين له بنور العزة أو نور الذراعين والصدر، فوجب الوقوف في ذلك على ما ورد به النص(3).
وأما ما ذكره ابن حجر من كون الملائكة خلقوا من العناصر الأربعة التي هي: (الماء، والنار، والهواء، والتراب)(4)، ثم غلب عليها النور فلا دليل عليه.
ب - جنسهم:
يقول ابن حجر: "لا يوصفون بذكورة ولا أنوثة"(5).
التقويم:
أنكر الله سبحانه وتعالى على من ادعى له الولد، فقال: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26)} [الأنبياء: 26]، والولد: اسم يطلق على الذكر والأنثى.
والملائكة "لا توصف بذكورة ولا أنوثة، لأنه لم يدل على ذلك عقل صريح ولم يرد به نقل صحيح، ثم هم لا يتوالدون"(6)، ومن المتقرر أن--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (18/ 218)، وانظر: منهاج السنة (1/ 364).
(2) سبق تخريجه (ص 361).
(3) انظر: السلسلة الصحيحة (1/ 741)، معتقد فرق المسلمين في الملائكة للعقيل (ص 21 - 26).
(4) انظر: المعجم الفلسفي جميل صليبا (2/ 112).
(5) التعرف (ص 119)، وانظر: الفتاوى الحديثية (ص 90).
(6) الكوكب الأجوج للسقاف (ص 152).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 365)