تمهيد في تعريف النبي والرسول، والفرق بينهما
النبي: مأخوذ من (النبأ) بمعنى الخبر، أو (النَّبَاوَة) أو (النَّبْوَة) بمعنى العلو والرفعة(1).
والرسول مأخوذ من (الإرسال) بمعنى التوجيه، أو (الرَّسلُ) بمعنى التتابع(2).
وكل هذه المعاني متحققة في النبي والرسول.
وقد أشار ابن حجر إلى ذلك فقال: "النبيء بالهمزة من النبأ وهو الخبر؛ لأن النبي مخبر عن الله تعالى، وبتركه من النبا مهملًا ومن النَبَوة وهي الرفعة؛ لأن النبي مرفوع الرتبة على غيره"(3)، "والرسل جمع رسول"(4).
وقد اختلف الناس في تعريف النبي والرسول، والفرق بينهما على قولين:
أحدهما: أنهما بمعنى واحد، ولا فرق بينهما(5).--------------------------------------------
(1) انظر: تهذيب اللغة (4/ 3489)، معجم مقاييس اللغة (ص 1009)، الصحاح (1/ 74)، لسان العرب (1/ 162)، القاموس المحيط (ص 1722).
(2) انظر: تهذيب اللغة (2/ 1407)، معجم مقاييس اللغة (ص 402)، الصحاح (4/ 1708)، لسان العرب (11/ 283)، القاموس المحيط (ص 1300).
(3) فتح المبين (ص 203)، وانظر: فتح الجواد (1/ 9)، البدائع الجليلة (ل 11/ ب).
(4) فتح المبين (ص 11).
(5) انظر: شرح الأصول الخمسة (ص 567)، أعلام النبوة للماوردي (ص 70)، غاية المرام (ص 317)، المواقف (ص 337).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 408)
ثانيهما: أنهما متغايران(1).
والقول بالمغايرة بينهما، وثبوت الفرق فيهما هو قول الجمهور، وإن اختلفوا في تحديد وجهه(2).
والقول بذلك هو ما قرره ابن حجر رحمه الله حيث قال في تعريف النبي والرسول: "هو ذكر حر من بني آدم أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه، فإن أمر به فرسول أيضًا وإن لم يكن له كتاب ولا نسخ"(3).
ويشكل على ما ذكره ابن حجر رحمه الله في الفرق بين النبي والرسول ثبوت الإرسال في حق النبي، وحصول الكتمان بعدم البلاغ.
يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله: "آية الحج تبين أن ما اشتهر على ألسنة أهل العلم من أن النبي هو من أوحي إليه وحي ولم يؤمر بتبليغه، وأن الرسول هو النبي الذي أوحي إليه وأمر بتبليغ ما أوحي إليه غير صحيح؛ لأن قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ} [الحج: 52] يدل على أن كلًّا منهما مرسل، وأنهما مع ذلك بينهما تغاير"(4).
ولهذا فإن أصح التعاريف وأسلمها من الاعتراضات -فيما يظهر لي- تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حيث يقول: "النبي هو الذي ينبئه الله، وهو ينبئ بما أنبأ الله به، فإن أرسل مع ذلك إلى من خَالف أمر الله ليبلغه رسالة من الله إليه فهو رسول، وأما إذا كان إنما يعمل بالشريعة قبله ولم يرسل هو إلى أحد يبلغه عن الله رسالة، فهو نبي وليس برسول … "(5).--------------------------------------------
(1) انظر: أعلام الحديث للخطابي (1/ 298)، والمنهاج للحليمي (1/ 239)، والدرة فيما يجب اعتقاده لابن حزم (ص 380)، والفصل له (5/ 119 - 120)، والنبوات لابن تيمية (2/ 714)، شرح الطحاوية (1/ 155)، ولوامع الأنوار البهية (1/ 49)، أضواء البيان (5/ 735)، وللاستزادة كتاب النبي والرسول د. أحمد بن ناصر الحمد.
(2) انظر: المصادر السابقة.
(3) فتح الجواد (1/ 9)، وانظر: تحفة المحتاج (1/ 14)، المنهاج القويم (ص 9)، فتح المبين (ص 11، 18، 202)، المنح المكية (1/ 117)، التعرف (ص 116)، الإيعاب (1/ 26)، البدائع الجليلة (ل 11)، العمدة شرح البردة (ص 226).
(4) أضواء البيان (5/ 735).
(5) النبوات (2/ 714).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 409)
وعليه فالنبي والرسول بينهما عموم وخصوص مطلق، وكذا النبوة والرسالة، فالرسالة أعم من جهة نفسها؛ إذ النبوة داخلة في الرسالة، كما أنها أخص من جهة أهلها؛ إذ كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولًا، والرسالة أفضل من النبوة، والرسول أفضل من النبي(1).
يقول العلامة السفاريني رحمه الله: "بيّن النبي والرسول عموم وخصوص مطلق، فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولًا، والرسول أفضل من النبي إجماعًا لتميزه بالرسالة التي هي أفضل من النبوة على الأصح خلافًا لابن عبد السلام(2)(3)(4).
وقد قرر ابن حجر رحمه الله ذلك في مواضع من كتبه، ورد على العز بن عبد السلام قوله هذا، منها قوله: "مر تفسير (النبي والرسول) بما يُعلم منه أن بينهما عمومًا مطلقًا … ورُد ما عليه ابن عبد السلام من تفضيل النبوة لتعلقها بالحق على الرسالة لتعلقها بالخلق؛ ووجه رده أن الرسالة فيها التعلقان كما هو ظاهر، والكلام في نبوة الرسول مع رسالته وإلا فالرسول أفضل من النبي قطعًا"(5).
* * *--------------------------------------------
(1) انظر الإيمان لابن تيمية (ص 6 - 7)، شرح الطحاوية (1/ 155)، لوامع الأنوار البهية (1/ 49 - 50).
(2) هو عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم السلمي المشهور بالعز بن عبد السلام، أشعري شافعي، من مؤلفاته: ملحة الاعتقاد، قواعد الأحكام، التفسير، توفي سنة 660 هـ.
انظر: طبقات الشافعية الكبرى (8/ 209)، شذرات الذهب (5/ 301).
(3) انظر: كلام العز بن عبد السلام المشار إليه في كتابه قواعد الأحكام الكبرى (ص 237).
(4) لوامع الأنوار البهية (1/ 49 - 50).
(5) فتح المبين (ص 18)، وانظر: الدر المنضود (ص 34)، المنهاج القويم (ص 9)، الإيعاب (1/ 26)، الفتاوى الحديثية (ص 205).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 410)
المبحث الأول آراؤه في الإيمان بالأنبياء والرسل عمومًا
بين ابن حجر رحمه الله معنى الإيمان بالرسل، وتحدث عن المفاضلة بينهم، وعرض لنبوة من اختلف في نبوته منهم، وأوسع الكلام في عصمتهم.
وفيما يلي عرض آرائه في ذلك، مع التعقيب عليها بتقويمها:
أولًا: معنى الإيمان بالرسل:
يرى ابن حجر رحمه الله أن الإيمان بالرسل يعني الإيمان بأن الله "أرسلهم إلى الخلق لهدايتهم، وتكميل معاشهم ومعادهم، وأيَّدهم بالمعجزات الدالة على صدقهم، فبلغوا عنه رسالته، وبينوا للمكلفين ما أمروا ببيانه، وأنه يجب احترام جميعهم، ولا نفرِّق بين أحد منهم كما في الإيمان به، وأنه نزههم عن كل وصمة ونقص … "(1).
التقويم:
الإيمان بالرسل هو الركن الرابع من أركان الإيمان التي لا يصح إيمان العبد إلا بها، وهو ينتظم أربعة أمور:
الأول: الإيمان بأن رسالتهم حق من الله تعالى.
الثاني: الإيمان بمن علمنا اسمه منهم باسمه مثل: محمد، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ونوح -عليهم الصلاة والسلام- وأما من لم نعلم اسمه منهم فنؤمن به إجمالًا.--------------------------------------------
(1) فتح المبين (ص 71)، وانظر: (ص 168)، المنح المكية (1/ 336) (2/ 890).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 411)
الثالث: تصديق ما صح عنهم من أخبارهم.
الرابع: العمل بشريعة من أرسل إلينا منهم، وهو خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم المرسل إلى جميع الناس(1).
يقول الإمام محمد بن نصر المروزي(2) رحمه الله: (الإيمان بالرسل) "أن تؤمن بمن سمى الله في كتابه من رسله، وتؤمن بأن لله سواهم رسلًا، وأنبياء لا يعلم أسماءهم إلا الذي أرسلهم، وتؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، وإيمانك به غير إيمانك بسائر الرسل، إيمانك بسائر الرسل: إقرارك بهم، وإيمانك بمحمد صلى الله عليه وسلم إقرارك به، وتصديقك إياه، واتباعك ما جاء به"(3).
وبناء على ما سبق فما قرره ابن حجر في معنى الإيمان بالرسل، وبيانه لما يتضمنه موافق لما قرره أهل السنة والجماعة.
ثانيًا: المفاضلة بين الأنبياء:
يرى ابن حجر رحمه الله جواز المفاضلة بين الأنبياء، وأن النصوص الواردة في النهي عن ذلك مؤولة، فيقول: "جواز التفضيل بين الأنبياء هو ما عليه عامة العلماء …
وأما قوله تعالى: {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ} [البقرة: 136] فهو باعتبار الإيمان بهم، وبما أنزل إليهم.
وأما الأحاديث الصحيحة: "لا تفضلوا بين الأنبياء"(4)، "لا تخيروا--------------------------------------------
(1) انظر: تعظيم قدرة الصلاة (1/ 393)، المنهاج للحليمي (1/ 237 - 238)، شعب الإيمان للبيهقي (1/ 371)، جامع العلوم والحكم (1/ 102)، فتح الباري (1/ 118)، معارج القبول (2/ 677)، فتاوى ابن عثيمين (1/ 124 - 125).
(2) هو محمد بن نصر بن الحجاج المروزي، أبو عبد الله، من أئمة السلف وأعلامهم، من مؤلفاته: تعظيم قدر الصلاة، واختلاف الفقهاء، وقيام الليل وغيرها، توفي سنة 294 هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (14/ 33)، شذرات الذهب (2/ 216).
(3) تعظيم قدر الصلاة (1/ 393).
(4) أخرجه البخاري، كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139)} (2/ 1060)، برقم (3414)، ومسلم، كتاب الفضائل، باب من فضائل موسى صلى الله عليه وسلم (4/ 1843) برقم (2373)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه به.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 412)
بين الأنبياء"(1)، فهي إما قبل علمه بالتفضيل، أو على تفضيل يؤدي إلى تنقيص أو إلى نقص مقام أحدهم، وعليهما يدل سياق الحديث، أو على التفضيل في ذات النبوة والرسالة، فإنهم كلهم مشتركون في ذلك، لا يتفاوتون فيه، وإنما يتفاوتون في زيادة الأحوال والمعارف والخصوصيات والكرامات.
وزعم حملها على التفضيل بآرائنا ليس في محله؛ لأن تفضيل ذلك بالرأي المحض مجمع على منعه، وبالدليل الدال عليه لا وجه لمنعه.
وأما الحديثان الصحيحان: "ما ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس ابن متى"(2)، "من قال: أنا خير من يونس بن متى فقد كذب"(3). فحكمة التخصيص فيها بيونس نفي توهم التفاوت بينهما في القرب من الحق لاختلاف محلهما الصوري برفع نبينا صلى الله عليه وسلم إلى قاب قوسين، ونزول يونس إلى قعر البحر، أي: لا تتوهموا من هذا التفاوت الصوري تفاوتًا في القرب والبعد من الله تعالى، بل نسبة كل إليه واحدة، وإن تفاوت مكاناهما … "(4).
ويقرر ابن حجر أفضلية نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على من سواه، فيقول: "وهو أفضل المخلوقين كلهم بشهادة قوله صلى الله عليه وسلم: "أنا سيد الناس يوم القيامة". رواه البخاري(5) ....--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري، كتاب الخصومات، باب ما يذكر في الأشخاص والملازمة (2/ 719)، برقم (2412)، ومسلم، كتاب الفضائل، باب من فضائل موسى صلى الله عليه وسلم (4/ 1845)، برقم (2374)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه به.
(2) أخرجه البخاري، كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139)} (2/ 1060) برقم (3413)، ومسلم، كتاب الفضائل، باب ذكر يونس عليه السلام (4/ 1846) برقم (2377)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما به.
(3) أخرجه البخاري، كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139)} (2/ 1061) برقم (3415)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بنحوه.
(4) المنح المكية (1/ 122)، وانظر: فتح المبين (ص 19)، والفتاوى الحديثية (ص 203، 253، 176)، الدر المنضود (ص 100)، تحفة المحتاج (1/ 14)، أشرف الوسائل (ص 77).
(5) سبق تخريجه (ص 284).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 413)
وقوله: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر، وبيدي لواء الحمد، ولا فخر، وما من بني آدم فمن سواه إلا تحت لوائي" رواه الترمذي(1).
ومن هذا … عُلِمَت أفضليته على آدم، فقوله: أنا سيد ولد آدم إما للتأدب مع آدم، أو لأنه علم فضل بعض بنيه عليه كإبراهيم فإذا فضل نبينا الأفضل من آدم فقد فضل آدم بالأولى … "(2).
ويجمل ابن حجر الكلام في المفاضلة بين بقية الرسل والأنبياء، فيقول: "أرسل تعالى رسله بالمعجزات وخص نبينا صلى الله عليه وسلم … المفضل عليهم، ثم بقية أولي العزم، ويتردد النظر في نوح وعيسى، ثم بقية الرسل، ثم الأنبياء"(3).
وقال: "إبراهيم أفضل الأنبياء بعد محمد صلى الله عليه وسلم"(4).
التقويم:
القول بجواز المفاضلة بين الأنبياء والرسل مما تدل عليه نصوص الكتاب، والسنة، والإجماع.
فمن الكتاب: قوله تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} [البقرة: 253].
وقوله سبحانه: {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا} [الإسراء: 55].--------------------------------------------
(1) أخرجه الترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة بني إسرائيل (5/ 288) برقم (3148)، وابن ماجه كتاب الزهد باب ذكر الشفاعة (2/ 1440) برقم (4308)، وأحمد (17/ 10) برقم (10987) من طرق عن علي بن زيد، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه به.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن".
(2) فتح المبين (ص 19 - 20)، وانظر: الفتاوى الحديثية (ص 176، 203، 253)، المنح المكية (1/ 119، 122، 158، 1465)، أشرف الوسائل (ص 77)، تحفة المحتاج (1/ 14)، الدر المنضود (ص 36، 100)، مولد النبي صلى الله عليه وسلم (ص 24)، التعرف (ص 115 - 117)، العمدة شرح البردة (243، 250، 286، 542).
(3) التعرف (ص 114 - 116).
(4) الدر المنضود (ص 100).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 414)
ومن السُّنَّة: قوله صلى الله عليه وسلم: "أنا سيد ولد آدم … "(1).
وأما الإجماع: فقد أجمع العلماء كافة على أن الرسل أفضل من الأنبياء -كما سبق(2) - وأجمعوا على المفاضلة بين آحادهم -كما سيأتي-(3).
وأما النصوص الواردة في النهي عن المفاضلة -والتي ذكر ابن حجر بعضها- فقد اختلف أهل العلم في توجيهها، وذهبوا في ذلك مذهبين:
أحدهما: مذهب الجمع: وهو مذهب أكثر أهل العلم، واختلف هؤلاء في وجهه على أقوال(4)، وقد ذكر ابن حجر في كلامه السابق بعضًا منها.
والثاني: مذهب النسخ: وهو مذهب بعض أهل العلم، حيث قالوا بنسخ نصوص النهي عن التفضيل بما ورد في المفاضلة(5).
وأصح المذهبين -فيما يظهر لي- مذهب الجمع، وأولى الأقوال فيه القول بأن نصوص النهي عن المفاضلة محمولة على ما كان يؤدي إلى توهم لنقص في المفضول أو الغض منه، أو كان على وجه الإزراء به، ونصوص المفاضلة محمولة على ما خلا عن ذلك(6).
وبناء على ما سبق فما ذكره ابن حجر من كون القول بجواز المفاضلة هو ما عليه عامة العلماء، وأن النهي عن ذلك لا يعارضه مما وافق فيه أهل العلم، وأصاب فيه الحق.
وأما تحقيق القول في المفاضلة، بين الرسل والأنبياء فلا شك ولا--------------------------------------------
(1) سبق تخريجه (ص 284).
(2) انظر: (ص 410).
(3) انظر: (ص 416).
(4) انظر: مشكل الآثار (1/ 308)، تأويل مختلف الحديث (ص 109)، دلائل النبوة (5/ 491 - 500)، معالم السنن (4/ 286)، المنهاج في شعب الإيمان (2/ 117)، شرح صحيح مسلم (15/ 43)، شرح الطحاوية (1/ 159)، فتح الباري (6/ 446).
(5) انظر: تفسير القرطبي (3/ 262)، شرح صحيح مسلم (15/ 43)، فتح الباري (6/ 452).
(6) اختار هذا القول الخطابي كما في معالم السنن له (4/ 286)، والحليمي كما في المنهاج له (2/ 117)، وشيخ الإسلام كما في منهاج السنة (7/ 256)، والفتاوى (14/ 436)، وابن أبي العز كما في شرحه على الطحاوية (1/ 159).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 415)
ريب أن أفضل الرسل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ لتواتر النصوص في ذلك، وقيام إجماع أهل العلم عليه.
فقد تواترت نصوص الكتاب والسنة نصًا وظاهرًا في الدلالة على أفضليته صلى الله عليه وسلم على غيره من الأنبياء والرسل، وأوردها غير واحد من أهل العلم ممن كتبوا في خصائصه صلى الله عليه وسلم(1)، وأجمعت الأمة على القول بمقتضاها(2).
يقول القاضي عياض رحمه الله: "لا خلاف أنه أكرم البشر، وسيد ولد آدم، وأفضل الناس منزلة، عند الله، وأعلاهم درجة، وأقربهم زلفى، واعلم أن الأحاديث الواردة في ذلك كثيرة جدًّا"(3).
وقرر السلف ذلك في عقائدهم، وعدوه من معاقد العقائد، التي يجب الإيمان بها، فقد عقد الإمام الآجري في كتاب الشريعة بابًا بعنوان: "باب ما فضل الله عز وجل به نبينا صلى الله عليه وسلم في الدنيا من الكرامات على جميع الأنبياء عليهم السلام"(4)، وقال الحافظ عبد الغني المقدسي في عقيدته: "فصل: ونعتقد أن محمدًا المصطفى خير الخلائق، وأفضلهم وأكرمهم على الله عز وجل، وأعلاهم درجة، وأقربهم إلى الله وسيلة"(5).
ويلي نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم في الفضل بقية أولي العزم الذين أثنى الله عليهم، وأمر نبيه بالاقتداء بهم في قوله سبحانه: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ} [الأحقاف: 35].
وقد اختلف أهل العلم في تعيينهم، فمنهم من عينهم بالصفة، ومنهم من عينهم بالتسمية، وأصح الأقوال أنهم الخمسة المذكورون نصًا في--------------------------------------------
(1) انظر: غاية السؤل في خصائص الرسول لابن الملقن (ص 223)، اللفظ المكرم بخصائص النبي صلى الله عليه وسلم للخيضري (2/ 5)، الخصائص الكبرى للسيوطي (2/ 314)، مرشد المحتار إلى خصائص النبي المختار لابن طولون (ص 323).
(2) انظر: في حكاية إجماعهم الشفا للقاضي عياض (1/ 215)، تفسير الرازي (6/ 195)، تفسير ابن كثير (3/ 53).
(3) الشفا (1/ 215).
(4) الشريعة (3/ 1552).
(5) الاقتصاد في الاعتقاد (ص 196).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 416)
قوله عز وجل: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (7)} [الأحزاب: 7]، وقوله: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ} [الشورى: 13](1).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وأفضل أولياء الله هم أنبياؤه، وأفضل أنبيائه هم المرسلون منهم، وأفضل المرسلين أولو العزم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم"(2).
وقد اختلف في المفاضلة بينهم، وحكى الخلاف غير واحد من أهل العلم، منهم العلامة السفاريني رحمه الله حيث قال: "اختلف العلماء فيمن يلي النبي صلى الله عليه وسلم في الفضيلة منهم، والمشهور أنه إبراهيم خليل الرحمن، لما ورد أن إبراهيم عليه السلام خير البرية(3)، خص منه محمد صلى الله عليه وسلم بإجماع، فيكون أفضل من موسى وعيسى ونوح عليهم السلام، والثلاثة بعد إبراهيم أفضل من سائر الأنبياء والمرسلين، قال الحافظ ابن حجر: ولم أقف على نقل أيهم أفضل، والذي ينقدح في النفس تفضيل موسى فعيسى فنوح عليهم الصلاة والسلام"(4).
ومما سبق يتضح صواب رأي ابن حجر رحمه الله في المفاضلة بين الأنبياء، وموافقته في ذلك لجمهور أهل العلم.
ثالثًا: رأيه في نبوة من اختلف في نبوته:
تحدث ابن حجر رحمه الله عن نبوة بعض من اختلف في نبوته ورجح ما--------------------------------------------
(1) انظر: تفسير الطبري (11/ 302)، تفسير البغوي (7/ 271)، تفسير القرطبي (16/ 220) ، تفسير ابن كثير (4/ 181).
(2) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (ص 55).
(3) يشير إلى حديث أنس بن مالك أن رجلًا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا خير البرية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ذاك إبراهيم"، والحديث أخرجه مسلم، كتاب الفضائل، باب فضائل إبراهيم الخليل (4/ 1839) برقم (2369).
(4) لوامع الأنوار البهية (2/ 300)، وانظر: تفسير ابن كثير (3/ 53)، فيض القدير (3/ 464).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 417)
رآه راجحًا فيهم، وقد ذكر منهم: الخضر، وإخوة يوسف، وإبراهيم ابن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ولقمان، وذا القرنين.
وفيما يلي بيان رأيه في كل منهم، معقبًا عليه بتقويمه:
1 - الخضر:
يرى ابن حجر رحمه الله نبوة الخضر، كما يرى استمرار حياته وتعميره، فقد سئل عن نبوته وحياته، فأجاب بأن: "المعتمد حياته ونبوته"(1).
التقويم:
الخضر بفتح أوله وكسر ثانيه، أو بكسر أوله وإسكان ثانيه، عبد من عباد الله، ذكرت قصته مع نبي الله موسى عليه السلام في القرآن الكريم مجملة، وفصلت بعض أحواله في السنة النبوية، وقد اختلف الناس حوله اختلافًا كثيرًا(2).
يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله: "الخضر اختلف في اسمه، وفي اسم أبيه، وفي نسبه، وفي نبوته، وفي تعميره"(3).
وقد اقتصر كلام ابن حجر حوله على تحقيق القول في نبوته وحياته، ولذا سأقتصر في تقويمه عليهما.
فأما ما يتعلق بنبوته:
فقد اختلف أهل العلم فيها على أقوال أشهرها قولان:
أحدهما: أنه نبي وهو قول الجمهور، واختلف القائلون به في كونه نبيًّا رسولًا أو نبيًّا فقط، وأكثرهم على القول بنبوته دون رسالته(4).--------------------------------------------
(1) الفتاوى الحديثية (ص 241)، وانظر: (ص 410)، تحفة المحتاج (4/ 111)، التعرف (ص 123).
(2) انظر: فتوى في الخضر لابن تيمية ضمن جامع المسائل له (5/ 131)، والزهر النضر في حال الخضر لابن حجر، والخدر في أمر الخضر للقارئ (ص 73)، وما بعدها، جواب سؤال يتعلق بما ورد فيما أظهر الخضر للشوكاني ضمن الفتح الرباني له (3/ 1249).
(3) فتح الباري (6/ 433).
(4) انظر: تفسير القرطبي (11/ 16)، مدارج السالكين (2/ 475 - 476)، فتح الباري (6/ 434)، الزهر النضر (ص 68)، الحذر في أمر الخضر (ص 83)، روح المعاني للألوسي (15/ 320).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 418)
والثاني: أنه ولي لا نبي، وهو قول بعض الصوفية ومن وافقهم(1).
والصحيح قول الجمهور بأنه نبي لا ولي، وقول من قال منهم بنبوته دون رسالته، والأدلة على ذلك كثيرة، وقد ذكرها غير واحد من أهل العلم.
يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله: "والذي لا يتوقف فيه الجزم بنبوته"(2).
ويقول العلامة الألوسي رحمه الله: " … والمشهور ما عليه الجمهور [يعني القول بنبوته] وشواهده من الآيات والأخبار كثيرة، وبمجموعها يكاد يحصل اليقين"(3).
وأما ما يتعلق بحياته وتعميره:
فقد اختلف أهل العلم فيها أيضًا على قولين:
أحدهما: القول بوفاته، وهو ما عليه المحققون من أهل العلم(4).
والثاني: القول بتعميره، وهو قول لبعض الصوفية ومن وافقهم(5)، وحكاه بعضهم عن أكثر أهل العلم(6)، وفي حكايته نظر ظاهر.
والأدلة من الكتاب والسنة والمعقول تدل على قول من قال بوفاته وتؤيده.
فمن الكتاب:
أ- قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ} [الأنبياء: 34]. فالخضر إن كان بشرًا فقد دخل في هذا العموم لا محالة، ولا يجوز--------------------------------------------
(1) انظر: نشر المحاسن الغالية لليافعي (ص 48، 70).
(2) الزهر النضر (ص 162).
(3) روح المعاني (15/ 320).
(4) انظر: جامع المسائل (5/ 131)، المنار المنيف لابن القيم (ص 72)، البداية والنهاية (1/ 312)، الزهر النضر (ص 86 - 89)، فتح الباري (6/ 434).
(5) انظر: لطائف المنن لابن عطاء الله السكندري (ص 151)، نشر المحاسن الغالية (ص 395).
(6) انظر: شرح صحيح مسلم (15/ 135 - 136)، تهذيب الأسماء واللغات للنووي (1/ 176 - 177).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 419)
تخصيصه منه إلا بدليل صحيح، والأصل عدمه حتى يثبت، ولم يذكر ما فيه دليل على التخصيص عن معصوم يجب قبوله(1).
ب - قوله سبحانه: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ} [آل عمران: 81].
قال ابن عباس رضي الله عنه: "ما بعث الله نبيًّا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهم أحياء، ليؤمن به وينصرنه"(2).
فالخضر إن كان نبيًّا أو وليًا فقد دخل في هذا الميثاق، فلو كان حيًّا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لكان أشرف أحواله أن يكون بين يديه يؤمن بما أنزل الله عليه، وينصره أن يصل أحد من الأعداء إليه، ولم يثبت أن الخضر اجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم-كما سيأتي- فدل ذلك على موته(3).
ومن السُّنَّة: قوله صلى الله عليه وسلم: "أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن على رأس مائة سنة لا يبقى على ظهر الأرض أحد"(4).
وقوله صلى الله عليه وسلم: "تسألوني عن الساعة، وإنما علمها عند الله، وأقسم بالله، ما على الأرض نفس منفوسة تأتي عليها مائة سنة"(5).
قال ابن الجوزي: "فهذه الأحاديث الصحاح تقطع دابر دعوى حياة الخضر"(6).--------------------------------------------
(1) انظر: المنار المنيف (ص 69 - 70)، البداية والنهاية (1/ 312).
(2) أخرجه ابن جرير (3/ 330) برقم (7327) من طريق المثنى وأحمد بن حازم، كلاهما عن أبي نعيم، عن سفيان، عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما بنحوه.
وذكره ابن كثير في تفسيره (1/ 405) بلفظه عن ابن عباس، وبنحوه عن جمع من الصحابة والتابعين.
(3) انظر: البداية والنهاية (1/ 312).
(4) أخرجه البخاري، كتاب العلم، باب السمر في العلم (1/ 63) برقم (116)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب قوله صلى الله عليه وسلم: لا تأتي مائة سنة (4/ 1965) برقم (2537) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما به.
(5) أخرجه مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب قوله صلى الله عليه وسلم لا تأتي مائة سنة (4/ 1966) برقم (2538) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه به.
(6) نقله عنه ابن كثير في البداية والنهاية (1/ 313)، وأصل كلامه في كتابه عجالة المنتظر في شرح حال الخضر وهو غير مطبوع، ولم أقف على من ذكر له نسخة خطية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 420)
وأما المعقول: فقد نقل العلامة ابن القيم عن الحافظ ابن الجوزي -رحمهما الله- وجوهًا من المعقول تدل على موت الخضر، منها:
أ - أن الذي أثبت حياته يقول: إنه ولد آدم لصلبه أو الرابع من ولد ولده، ومحال أن يعمر كل هذه المدة الطويلة، فإن مثل هذا بعيد في العادات أن يقع في حق البشر.
ب - أن الخضر لو كان كذلك، لكانت خلقته ليست على خلقتنا، بل كان مفرطًا في الطول والعرض، ولم يذكر أحد ممن زعم رؤيته أنه رآه على خلقة عظيمة.
ج - أن الخضر لو كان كذلك، لكان ممن مات زمن نوح عليه السلام فإن العلماء قد اتفقوا على أن نوحًا لما نزل من السفينة مات من كان معه، ثم مات نسلهم، ولم يبق غير نسل نوح، بدليل قوله عز وجل: {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (77)} [الصافات: 77]، ومعلوم أن الخضر ليس من نسل نوح عند القائلين بتعميره.
د - أنه لو كان حيًّا؛ لكان جهاده الكفار، ورباطه في سبيل الله، ومقامه في الصف ساعة، وحضوره الجمعة والجماعة، وتعليمه العلم خيرًا له وأفضل من سياحته بين الوحوش في الصحاري والبراري، وهل هذا إلا من أعظم الطعن عليه، والعيب له(1)؟ .
وبمجموع هذه الأدلة فإن الراجح -والله أعلم- القطع بموته.
وغاية ما استدل به القائلون بتعميره ثلاثة أدلة:
الأول: الأحاديث الدالة على بقائه وتعميره، وكلها ضعيفة لا تقوم بها حجة(2).--------------------------------------------
(1) انظر: المنار المنيف (ص 73 - 76)، وقد ذكرها أيضًا الألوسي في روح المعاني (15/ 321).
(2) انظر: الموضوعات لابن الجوزي (1/ 119)، جامع المسائل لابن تيمية (5/ 133)، المنار المنيف (ص 67)، البداية والنهاية (1/ 311)، الزهر النضر (ص 80)، فتح الباري (6/ 434 - 435)، الفوائد الموضوعة للكرمي (ص 58)، أسنى المطالب للحوت (ص 296).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 421)
والثاني: الأقوال المروية عن بعض الصحابة والتابعين وأتباعهم ومن بعدهم، وأكثرها لا تصح عنهم، ومن صحت عنه فهي معارضة بأقوال من خالفه(1).
والثالث: القصص والحكايات التي تذكر عن بعض الصالحين ومدعي الولاية من رؤية الخضر والاجتماع به، والاحتجاج بها غير معتبر؛ إذ هي ليست حجة في نفسها، واحتمال الخطأ والكذب فيها غالب(2).
وجملة القول أن "الأخبار الصحيحة النبوية، والمقدمات الراجحة العقلية، تساعد القائلين بوفاته عليه السلام أي مساعدة، وتعاضدهم على دعواهم أيَّ معاضدة، ولا مقتضى للعدول عن ظواهر تلك الأخبار … "(3).
ومما سبق يتضح صواب ابن حجر رحمه الله في قوله بنبوة الخضر، وخطؤه في قوله بتعميره.
2 - إخوة يوسف عليه السلام:
يرى ابن حجر رحمه الله نبوة إخوة يوسف عليه السلام وأنهم الأسباط الوارد ذكرهم في قوله تعالى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ} [البقرة: 136]، وقوله سبحانه: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ} [النساء: 163]. حيث يقول في تفسيرهما:
"اتفقوا على أن المراد بالأسباط أولاد يعقوب فكوننا أمرنا بالإيمان بما أنزل إلى أبيهم وبما أنزل إليهم ظاهر ونص في أنه أنزل عليهم ما يجب الإيمان به إجمالًا، وهذا صريح في نبوتهم.
وعليه فقد يستشكل ما وقع منهم في هذه القصة من الأمور الكثيرة التي ظواهرها يجب تنزيه الأنبياء -صلى الله على نبينا وعليهم وسلم- عنها--------------------------------------------
(1) انظر: البداية والنهاية (1/ 308 - 311)، الزهر النضر (ص 115 - 160)، فتح الباري (6/ 435).
(2) انظر: المنار المنيف (ص 75)، فتح الباري (6/ 435)، روح المعاني (15/ 328).
(3) روح المعاني (15/ 328).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 422)
بناء على الأصح بل الصواب أن الأنبياء جميعهم من الرسل وغيرهم معصومون قبل النبوة وبعدها من صغائر المعاصي وكبائرها عمدها وسهوها.
ويجاب: بأن ذلك يتأتى على مذهب كثيرين، بل نقل عن الأكثرين أن العصمة إنما هي بعد النبوة لا قبلها، والأولى أن يجاب بأن هذه الأمور إنما تشكل على قواعد شرعتنا أما على شرعهم فنحن لا ندريه، وبفرض أنه يوافق شرعتنا في ذلك فيحتمل أن لهم تأويلًا سوّغ لهم ارتكاب ما فعلوه، وتعبير كثير ببغيهم وحسدهم ونحو ذلك من العبارات التي ظاهرها لا يليق بهم إنما هو بناء على عدم نبوتهم كما هو قول فيهم … "(1).
التقويم:
اتفق أهل العلم على أن المراد بالأسباط في الآيتين أبناء يعقوب، واختلفوا هل هم أبناؤه لصلبه أم لا؟(2).
فمن قال إنهم أبناؤه من ذريته، حكم بعدم نبوة إخوة يوسف.
ومن قال إنهم أبناؤه لصلبه حكم بنبوة إخوة يوسف، واختلف هؤلاء في الجواب عما وقع منهم:
فقال بعضهم: إن زلتهم قد غفرت بندمهم، واستغفار أبيهم لهم، ولا يستحيل في العقل زلة النبي(3)، ويرد بأن الأنبياء معصومون من الكبائر -كما سيأتي-(4).
وقال آخرون: إنهم لم يكونوا أنبياء حين فعلهم بأخيهم يوسف ذلك، وإنما نبأهم الله بعد توبتهم(5)، ويرد بأن القول الصحيح أن الأنبياء--------------------------------------------
(1) أسنى المطالب (ص 260)، وانظر: المنح المكية (2/ 842، 845 - 746).
(2) انظر: تفسير ابن جرير (1/ 618)، تفسير القرطبي (2/ 141)، تفسير ابن كثير (1/ 200).
(3) انظر: تفسير ابن عطية (3/ 220)، تفسير القرطبي (9/ 133)، تفسير ابن سعدي (ص 363).
(4) انظر: (ص 433).
(5) انظر: تفسير ابن عطية (3/ 220)، تفسير القرطبي (9/ 133)، تفسير السعدي (ص 363).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 423)
معصومون قبل النبوة وبعدها -كما سيأتي-(1).
وأما ما ذكره ابن حجر رحمه الله في الجواب عما وقع في قصتهم فلم أقف على من ذكره من أهل العلم، وهو غريب منه؛ إذ ما وقع من إخوة يوسف من أصول المحرمات التي تتفق الشرائع على تحريمها.
والراجح -والله أعلم- القول بعدم نبوة إخوة يوسف عليه السلام.
يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله: "اعلم أنه لم يقم دليل على نبوة إخوة يوسف، وظاهر هذا السياق (يعني: سياق قصتهم) يدل على خلاف ذلك.
ومن الناس من يزعم أنهم أوحي إليهم بعد ذلك، وفي هذا نظر، ويحتاج مدعي ذلك إلى دليل، ولم يذكروا سوى قوله تعالى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ} [البقرة: 136] وهذا فيه احتمال لأن بطون بني إسرائيل يقال لهم الأسباط، كما يقال للعرب قبائل وللعجم شعوب، يذكر تعالى أنه أوحى إلى الأنبياء من أسباط بني إسرائيل فذكرهم إجمالًا لأنهم كثيرون، ولكن كل سبط من نسل رجل من إخوة يوسف، ولم يقم دليل على أعيان هؤلاء أنهم أوحي إليهم، والله أعلم"(2).
3 - إبراهيم ابن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم-:
يرى ابن حجر -غفر الله له- نبوة إبراهيم ابن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، حيث سئل عن قول النووي رحمه الله: "وأما ما روي عن بعض المتقدمين: (لو عاش إبراهيم كان نبيًّا) فباطل، وجسارة على الكلام في المغيبات، ومجازفة وهجوم على عظيم"(3) هل هو صحيح أم لا؟
فأجاب بقوله: "قد تعجب منه شيخ الإسلام في الإصابة، وقال: "إنه ورد عن ثلاثة من الصحابة، ولا يظن بالصحابي أنه هجم على مثل هذا بظنه"(4).--------------------------------------------
(1) انظر: (ص 433).
(2) تفسير ابن كثير (2/ 514)، وانظر: جامع المسائل (3/ 297 - 299).
(3) تهذيب الأسماء واللغات (1/ 103).
(4) الإصابة في تمييز الصحابة (1/ 321).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 424)
صح عن أنس رضي الله عنه أنه سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ابنه إبراهيم قال: "لا أدري رحمة الله على إبراهيم لو عاش لكان صديقًا نبيًّا".
وفي رواية عن أنس أنه رفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
ورواه ابن مندة والبيهقي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ورواه ابن عساكر عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج أيضًا وقال: فيه من ليس بالقوي عن علي بن أبي طالب: "لما توفي إبراهيم أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى أمه مارية فجاءت وغسلته وكفنته وخرج به وخرج الناس معه فدفنه، وأدخل صلى الله عليه وسلم يده في قبره فقال: "أما والله إنه نبي ابن نبي، وبكى وبكى المسلمون حوله حتى ارتفع الصوت، ثم قال صلى الله عليه وسلم: "تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يغضب الرب، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون" …
ولا بُعد في إثبات النبوة له مع صغره لأنه كعيسى القائل يوم ولد: {إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا} [مريم: 30]، وكيحيى الذي قال تعالى فيه: {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} [مريم: 12].
واحتمال نزول جبريل بوحي لعيسى أو يحيى يجري في إبراهيم، ويرجحه أنه صلى الله عليه وسلم صوَّمه يوم عاشوراء وعمره ثمانية أشهر … وبه يعلم تحقيق نبوة سيدنا إبراهيم في حال صغره"(1).
التقويم:
تواترت نصوص الوحيين الدالة على أن محمدًا صلى الله عليه وسلم هو خاتم النبيين، وتعددت أوجه دلالاتهما نصًّا وظاهرًا.
قال تعالى: {وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب: 40].
وقال صلى الله عليه وسلم: "كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي، وأنه لا نبي بعدي … "(2).--------------------------------------------
(1) الفتاوى الحديثية (ص 235 - 236)، وانظر: (ص 239).
(2) أخرجه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل (2/ 1074) برقم (3455)، ومسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء (3/ 1471) برقم (1842)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه به.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 425)
وقال صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه: "ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي"(1).
وأجمع أهل العلم على أن نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم هو خاتم النبيين، وعدوا ذلك من خصائصه على سائر الرسل(2)، ومنهم ابن حجر -كما سيأتي-(3).
وما ذكره ابن حجر من إثبات نبوة إبراهيم ابن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مُعارضٌ بما تقدم، واستدلاله بما ذكر لا يصح، وبيان هذا أن الأحاديث الواردة في ذلك قسمان:
أحدهما: الأحاديث الدالة على نبوته مطلقًا، ولم يرد في ذلك إلا حديث واحد، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "إنه نبي ابن نبي".
والجواب عنه: أن الحديث أخرجه ابن عساكر(4) من طريق عيسى بن عبد الله عن أبيه، عن جده، عن أبي جده، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه به.
والحديث ضعيف؛ لضعف عيسى بن عبد الله، وبه أعل ابن عساكر الحديث، حيث قال عقيبه: "عيسى هو ابن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ليس بالقوي"(5).
ثانيهما: الأحاديث الدالة على نبوته المعلقة بحياته:
وقد ورد ذلك من حديث ثلاثة من الصحابة: أنس، وابن عباس، وجابر رضي الله عنهم.
فأما حديث أنس: فقد أخرجه ابن سعد(6)، وأحمد(7)، وابن مندة(8)،--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة تبوك وهي غزوة العسرة (3/ 1331) برقم (4416)، ومسلم كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي (4/ 1870) برقم (2404) من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه به.
(2) انظر: غاية السول (ص 256)، اللفظ المكرم (2/ 5)، مرشد المحتار (ص 348)، الخصائص الكبرى (2/ 318).
(3) انظر: (ص 450).
(4) انظر: تاريخ دمشق (3/ 144 - 145).
(5) انظر: المصدر السابق (3/ 144 - 145).
(6) انظر: الطبقات (1/ 140).
(7) انظر: المسند (19/ 359) رقم: (12358)، (21/ 402) رقم: (13985).
(8) انظر: فتح الباري (10/ 476).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 426)
وأبو نعيم(1)، من طرق عن السدي، عن أنس رضي الله عنه أنه قال: "لو عاش إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم لكان صديقًا نبيًّا".
زاد ابن مندة: "ولكن لم يكن ليبقى؛ لأن نبيكم آخر الأنبياء".
والحديث صححه الحافظ ابن حجر(2)، والعلامة الألباني وقال: "على شرط مسلم"(3).
وأما حديث ابن عباس: فقد أخرجه ابن ماجه(4)، وابن مندة(5)، من طريق إبراهيم بن عثمان، عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما مات إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه، وقال: "إن له مرضعًا في الجنة، ولو عاش لكان صديقًا نبيًّا … ".
والحديث ضعيف، فيه إبراهيم بن عثمان أبو شيبة الواسطي، قال الحافظ ابن حجر: "متروك الحديث"(6).
وقد ضعف الحديث لأجله الحافظ ابن حجر(7)، والعلامة البوصيري(8)(9) والشيخ الألباني(10).
وأما حديث جابر: فقد أخرجه ابن عساكر(11) من طريق أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر محمد بن علي، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو عاش إبراهيم لكان نبيًّا".--------------------------------------------
(1) انظر: معرفة الصحابة (1/ 206).
(2) انظر: فتح الباري (10/ 476).
(3) انظر: السلسلة الضعيفة (1/ 388).
(4) انظر: السنن، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الصلاة على ابن رسول الله وذكر وفاته (1/ 484) رقم (1511).
(5) انظر: الإصابة (1/ 319).
(6) التقريب (ص 112)، وانظر: تهذيب الكمال (2/ 147).
(7) انظر: الإصابة (1/ 319).
(8) انظر: زوائد ابن ماجه (1/ 484).
(9) هو أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل بن سَليم، البوصيري، الكناني، الشافعي، من مؤلفاته: إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة، مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه، زوائد نوادر الأصول، توفي سنة 840 هـ.
انظر: الضوء اللامع (1/ 251)، شذرات الذهب (7/ 233).
(10) انظر: السلسلة الضعيفة (1/ 387).
(11) انظر: تاريخ دمشق (3/ 138 - 139).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 427)